موسوعة التفسير

سورةُ الإسراءِ
الآيات (105-111)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ

غريب الكلمات :


مُكْثٍ: أي: تُؤَدَةٍ وتَرَسُّلٍ، وأصلُ (مكث): يدُلُّ على توَقُّفٍ وانتِظارٍ [1336] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/116)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/345)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 209)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 270).   .
يَخِرُّونَ: أي: يَسقُطونَ بِسُرعةٍ، وخَرَّ: سقَط على وَجهِه سُقوطًا يُسمَعُ منه صوتٌ (ويسمَّى خَريرًا)، والخُرورُ والخَرُّ: السُّقوطُ مِنْ عُلوٍّ إِلَى الأرضِ، وأصلُ (خرر): يدُلُّ على اضطِرابٍ، وسُقوطٍ مع صَوتٍ [1337] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 211)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/149)، ((المفردات)) للراغب (ص: 277)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/534)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/56).   .
لِلْأَذْقَانِ: الأذقانُ جمعُ الذَّقَنِ، وهو مجمعُ اللَّحْيينِ [1338] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 75)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/357)، ((التبيان في تفسير غريب القرآن)) لابن الهائم (ص: 272). واللَّحْيانِ: واحدُها (اللَّحْيُ): وهو مَنبَتُ اللِّحْيةِ مِن الإنسانِ وغَيرِه. يُنظر: ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 280).   .
تُخَافِتْ: أي: تُخْفِها وتُسِرَّها، وأصلُ (خفت): يَدُلُّ على إسرارٍ وكِتمانٍ [1339] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 262)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 163)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/202)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 270).   .

المعنى الإجمالي:


يُنوِّهُ الله تعالى بشأنِ القرآنِ فيقولُ تعالى: وبالحَقِّ أنزَلْنا هذا القُرآنَ، وبالصِّدقِ والعَدلِ، والحِفظِ مِن الزيادةِ والنُّقصانِ والتَّبديلِ والتَّغييرِ نَزَل، وما أرسَلْناك -يا مُحَمَّدُ- إلَّا مُبَشِّرًا الطَّائِعينَ بالجَنَّةِ، ومُخَوِّفًا العاصِينَ بالنَّارِ. وقُرآنًا بيَّناه وأحْكَمْناه وفَصَّلْناه فارِقًا بينَ الحقِّ والباطِلِ والهُدى والضَّلالِ؛ لِتَقرَأَه على النَّاسِ في تُؤَدَةٍ وتَمَهُّلٍ، ونَزَّلْناه مُفَرَّقًا شَيئًا بعد شَيءٍ.
ثمَّ أمر الله تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أن يخاطبَ المشركينَ بما يدلُّ على عدمِ المبالاةِ بهم، فقال: قُلْ -يا مُحَمَّدُ- لهؤلاء المُكَذِّبينَ: آمِنوا بالقُرآنِ أو لا تُؤمِنوا؛ فإنَّ الذينَ أُوتُوا العِلمَ مِن قَبلِ نُزولِ القُرآنِ؛ مِن مُؤمِني أهلِ الكِتابِ، إذا قُرِئَ عليهم القُرآنُ يسقُطونَ على أذقانِهم ويَسجُدونَ على وُجوهِهم لله سُبحانَه وتعالى، ويقولونَ: تَنزيهًا لرَبِّنا وتَبرِئةً له مِمَّا يَصِفُه المُشرِكونَ به، إنَّ وعْدَ ربِّنا بإرسالِ نبيِّه محمَّدٍ وإنزالِ القُرآنِ عليه: كائِنٌ وواقِعٌ، ويقَعُون على أذقانِهم يَبكُونَ تأثُّرًا بمَواعِظِ القُرآنِ، ويَزيدُهم القُرآنُ خُضوعًا لأمرِ اللهِ، ورِقَّةً ولِينًا.
قُل -يا مُحَمَّدُ: ادعُوا اللهَ، أو ادعُوا الرَّحمنَ؛ فكِلاهما اسمانِ لله الواحِدِ، فبأيِّ أسمائِه دَعَوتُموه، فإنَّكم تَدْعُونَ رَبًّا واحِدًا؛ فله أحسَنُ الأسماءِ المُتضَمِّنةِ أفضَلَ الأوصافِ، ولا تجهَرْ بالقَولِ في صَلاتِك ودُعائِك، ولا تُسِرَّ به، وكُنْ وَسَطًا بين الجَهرِ والمُخافَتةِ.
ثمَّ ختَم الله هذه السورةَ بأمرِه لنبيِّه أن يحمدَه منزهًا له عن النقائصِ، فقال: وقُلْ -يا مُحَمَّدُ: الحَمدُ لله الذي له الكَمالُ والثَّناءُ، المتنزِّهِ عن الوَلَدِ والشَّريكِ في مُلكِه وسُلطانِه، ولم يكُنْ له سُبحانَه وَلِيٌّ مِن خَلْقِه؛ مِن أجلِ ذُلٍّ فيه أو عَجزٍ -تعالى وتقَدَّسَ- وعَظِّمْه تَعظيمًا تامًّا.

تفسير الآيات:


وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
هذا عَودٌ إلى التَّنويهِ بشأْنِ القُرآنِ، فهو مُتَّصلٌ بقولِه: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الإسراء: 89] ؛ فلمَّا عُطِفَ عليه وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ... [الإسراء: 90] الآياتِ إلى هنا، وسمَحَت مُناسبةُ ذكْرِ تَكذيبِ فرعونَ مُوسى عليه السَّلامُ؛ عاد الكلامُ إلى التَّنويهِ بالقُرآنِ لتلك المُناسَبةِ [1340] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/229). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (21/416).   .
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ.
أي: أنزَلْنا القُرآنَ وَحْيًا مِن عِندِ اللهِ تعالى لِمَصلحةِ الخَلقِ، مُتَضَمِّنًا للحَقِّ، مُشتَمِلًا على الأخبارِ الصَّادِقةِ، والأحكامِ العادلةِ، ونَزَل به جِبريلُ القَويُّ الأمينُ إلى مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بلسانٍ عَربيٍّ مُبِينٍ، مَحروسًا مِنَ الشَّيطانِ، مَحفوظًا مِن الزيادةِ والنُّقصانِ، لم يَقَعْ في طريقِ إنزالِه تَبديلٌ، ولم يَحدُثْ له تغييرٌ ولا تَحويلٌ [1341] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/113)، ((تفسير ابن عطية)) (3/490)، ((تفسير ابن كثير)) (5/127)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/531)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/188).   .
كما قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [النساء: 105] .
وقال سُبحانَه: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء: 166] .
وقال تبارك وتعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام: 114-115] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: 192- 195] .
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
أي: وما أرسَلْناك -يا مُحَمَّدُ- إلَّا لِتُبَشِّرَ الطَّائِعينَ بالخَيرِ والثَّوابِ في الدُّنيا، والجَنَّةِ في الآخرةِ، وتُنذِرَ العاصِينَ بالعِقابِ في الدُّنيا والآخِرةِ [1342] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/113)، ((تفسير البغوي)) (3/167)، ((تفسير ابن كثير)) (5/127)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468).   .
كما قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [البقرة: 119] .
وقال سُبحانَه: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ [الأنعام: 19] .
وقال عزَّ وجلَّ: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [الأحزاب: 45-47] .
وقال تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: 7] .
وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106).
وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ .
أي: وقُرآنًا [1343] قال الشنقيطي: (قولُه تعالى: وَقُرْآنًا منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ يفسِّرُه ما بعدَه). ((أضواء البيان)) (3/188). ويُنظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/425).   فَصَّلْناه وبَيَّنَّاه وأحْكَمْناه، وفرَّقْنا فيه بينَ الحَقِّ والباطِلِ، والهُدى والضَّلالِ [1344] وممَّن اختار هذا المعنى المذكور لـ فَرَقْنَاهُ: ابن جرير، والقرطبي، والسعدي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/114)، ((تفسير القرطبي)) (10/339)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/188). وممن قال من السلف بأن فَرَقْنَاهُ بمعنى التفصيلِ والبيانِ: ابنُ عباس، وأبيُّ بنُ كعبٍ، والحسنُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/114). وقيل: المراد بذلك: نزَّلناه مفرَّقًا على رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مدةَ بعثتِه الشريفةِ. وممَّن اختار هذا المعنى: القاسمي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (6/520)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/231). قال القاسمي: (وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ أي نزَّلناه مفرَّقًا منجمًا. وقُرئ بالتشديدِ. والقراءتانِ بمعنًى). ((تفسير القاسمي)) (6/520). وقال ابن كثير: (قوله: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ أمَّا قراءةُ مَن قرأ بالتخفيفِ، فمعناه: فصلناه مِن اللوحِ المحفوظِ إلى بيتِ العزةِ مِن السماءِ الدنيا، ثم نزَل مفرقًا منجَّمًا على الوقائعِ إلى رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في ثلاثٍ وعشرينَ سنةً. قاله عكرمةُ عن ابنِ عباسٍ). ((تفسير ابن كثير)) (5/127). وقال السعدي: (أي: وأنزلنا هذا القرآنَ مفرَّقًا، فارقًا بينَ الهدى والضلالِ، والحقِّ والباطلِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 468). ؛ لِتَتلُوَه -يا مُحَمَّدُ- على النَّاسِ بتَمَهُّلٍ وتُؤَدةٍ وتَرتيلٍ، ولا تَعجَلْ في تِلاوتِه؛ فإنَّ ذلك أيسَرُ للحِفظِ، وأعْوَنُ على الفَهمِ؛ ليَتَدَبَّرَه النَّاسُ ويتَفَكَّروا في معانيه، ويَستَخرِجوا مِن عُلومِه وأسرارِه ومَرامِيه [1345] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/116)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 650)، ((تفسير القرطبي)) (10/339-340)، ((تفسير ابن كثير)) (5/127)، ((تفسير القاسمي)) (6/520)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/231)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/188). قال الشوكاني: (لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ أي: على تطاول في المدة شيئًا بعد شيء على القراءة الأولى، أو أنزلناه آية آية، وسورة سورة. ومعناه على القراءة الثانية [أي تشديد فرقناه] عَلَى مُكْثٍ، أي: على ترسل وتمهل في التلاوة). ((تفسير الشوكاني)) (3/313).   .
كما قال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: 89].
وقال تبارك وتعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت: 3] .
وقال سُبحانَه: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: 4] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ [النمل: 91-92] .
وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا.
أي: ونزَّلْنا عليك القُرآنَ -يا مُحَمَّدُ- مُفَرَّقًا شيئًا بعد شَيءٍ [1346] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/118)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 650)، ((تفسير القرطبي)) (10/340)، ((تفسير ابن كثير)) (5/127)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468).   .
كما قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: 32] .
قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
بعد أن أوضح لهم الدَّلائِلَ على أنَّ مِثلَ ذلك القُرآنِ لا يكونُ إلَّا مُنزَّلًا من عندِ اللهِ، مِن قَولِه تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء: 88] فعجَزوا عن الإتيانِ بمِثلِه، ثمَّ ببيانِ فضائِلِ ما اشتمَلَ عليه بقَولِه: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [الإسراء: 89] ، ثمَّ بالتعرُّضِ إلى ما اقتَرَحوه من الإتيانِ بمعجزاتٍ أُخرَ، ثمَّ بكشفِ شُبهتِهم التي يموِّهون بها امتناعَهم من الإيمانِ برِسالةِ بَشَرٍ، وبيَّن لهم غلَطَهم أو مُغالطتَهم، ثمَّ بالأمرِ بإقامةِ الله شَهيدًا بينه وبينهم، ثمَّ بتهديدِهم بعذابِ الآخرةِ، ثمَّ بتمثيلِ حالِهم مع رسولِهم بحالِ فِرعَونَ وقَومِه مع موسى وما عجَّل لهم مِن عذابِ الدُّنيا بالاستِئصالِ، ثمَّ بكَشفِ شُبهتِهم في تنجيمِ القُرآن- أعقب ذلك بتفويضِ النظَرِ في ترجيحِ الإيمانِ بصِدقِ القُرآنِ وعدَمِ الإيمانِ، بقَولِه تعالى: آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا للتَّسويةِ بين إيمانِهم وعدَمِه عندَ الله تعالى [1347] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/232).   .
قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا.
أي: قُلْ -يا مُحَمَّدُ- للمُكَذِّبينَ المُعرِضينَ عن القُرآنِ: آمِنوا بالقُرآنِ أو لا تُؤمِنوا به؛ فسَواءٌ آمَنتُم به أم كَفَرتُم، فهو حقٌّ في نَفسِه، ولن تَنفَعوا اللهَ إن آمَنْتُم، ولن تَضُرُّوه إن كَفَرْتُم، وإنَّما ضَرَرُ ذلك واقِعٌ عليكم [1348] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/119)، ((تفسير القرطبي)) (10/340)، ((تفسير ابن كثير)) (5/127)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468). قال ابنُ عطيَّةَ: (قَولُه: قُلْ آمِنُوا بِهِ الآيةُ تحقيرٌ للكُفَّارِ، وفي ضِمنِه ضَربٌ مِن التوَعُّدِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/491). وقال القُرطبي: (قَولُه تعالى: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا يعني القُرآنَ، وهذا مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ على وَجهِ التَّبكيتِ لهم والتَّهديدِ، لا على وَجهِ التَّخييرِ). ((تفسير القرطبي)) (10/340). .
إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا.
أي: وإنْ تَكفُروا بالقُرآنِ، فإنَّ الذينَ أُوتُوا العِلمَ مِن قَبلِ نُزولهِ، مِن مُؤمِني أهلِ الكِتابِ [1349] قال ابن عاشور: (المرادُ بالذين أوتوا العلمَ، أمثالُ: ورقةَ بنِ نوفَل، فقد تسامعَ أهلُ مكَّةَ بشهادتِه للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومَن آمنَ بعد نزولِ هذه السورة مِن مِثلِ: عبدِ الله بن سلام، ومعيقيب، وسلمان الفارسي. ففي هذه الآية إخبارٌ بمَغيبٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (15/233). ومما يدلُّ على أنَّ هؤلاء كانوا مِن أهلِ الكتابِ ما حكاه الله عنهم بعدَ ذلك؛ مِن قولهم: إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا أي: ببعثِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّ الوعدَ ببعثتِه سَبَق في كتابِهم، فهم كانوا ينتظرونَ إنجازَ ذلك الوعدِ. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (21/418).   إذا يُتلَى عليهم هذا القُرآنُ يَسقُطونَ سَريعًا على [1350] قال ابنُ تيميَّةَ: (قَولُه: لِلْأَذْقَانِ أي: على الأذقانِ. كما قال تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أي: على الجَبينِ). ((مجموع الفتاوى)) (23/157). ويُنظر: ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (4/410)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/233).   أذقانِهم [1351] قال الواحدي: (المعنى أنهم يبادِرون إلى السُّجودِ فيَسقُطون على الأذقانِ أوَّلًا إذا وقَعوا بالأرضِ إلى أن نَصَبوا جباهَهم على الأرضِ للسُّجودِ؛ لأنَّ الذَّقَنَ ليس من أعضاءِ السجودِ، ويدُلُّ على هذا قَولُه: يَخِرُّونَ ولم يقُلْ: يَسجُدون؛ لأنَّه أراد مسارعتَهم إلى ذلك حتى إنَّهم لَيسقُطون). ((البسيط)) (13/508). وقال ابنُ تيمية: (قولُه: لِلْأَذْقَانِ يدُلُّ على تمامِ السُّجودِ وأنَّهم سجَدوا على الأنفِ مع الجبهةِ، حتى التصقت الأذقانُ بالأرضِ، ليسوا كمن سجدَ على الجبهةِ فقط، والسَّاجِدُ على الأنفِ قد لا يُلصِقُ الذَّقَنَ بالأرضِ إلَّا إذا زاد انخفاضُه). ((مجموع الفتاوى)) (23/157-158). وقال البقاعي: (يَخِرُّونَ أي: يَسقُطون بسُرعةٍ؛ وأكَّد السُّرعةَ وأفاد الاختِصاصَ بقَولِه تعالى: لِلْأَذْقَانِ باللامِ دون «إلى» أو «على»، دالًّا بالأذقانِ على أنَّهم من شدَّةِ ما يحصُلُ لهم من الخُشوع يسقُطون سقوطَ من ليس له اختيارٌ، وأوَّلُ ما يلاقي الأرضَ ممَّن يسقُطُ كذلك ذَقَنُه، وهو مجتَمَعُ اللَّحيَينِ مِن مَنبَتِ لحيتِه؛ فإنَّ الإنسانَ مجبولٌ بالطبعِ على صيانةِ وجهِه، فهو يرفَعُ رأسَه، فتصيرُ ذقَنُه وفَمُه أقرَبَ ما في وجهِه إلى الأرضِ حالَ السُّقوطِ). ((نظم الدرر)) (11/534). وقال ابن عاشور: (ذُكِرَ الذَّقَنُ للدَّلالةِ على تمكينِهم الوجوهَ كُلَّها من الأرضِ مِن قوَّةِ الرَّغبةِ في السجودِ؛ لِما فيه من استحضارِ الخُضوع لله تعالى). ((تفسير ابن عاشور)) (15/234). ساجِدينَ لله تعالى [1352] قال ابن جرير: (يخرُّونَ تَعظيمًا له وتَكريمًا، وعِلمًا منهم بأنَّه مِن عندِ اللهِ). ((تفسير ابن جرير)) (15/119). وقال ابن كثير: (سُجَّدًا أي: لله عزَّ وجلَّ؛ شكرًا على ما أنعم به عليهم، مِن جعلِه إيَّاهم أهلًا أن أدركوا هذا الرَّسولَ الذي أُنزِل عليه هذا الكتابُ). ((تفسير ابن كثير)) (5/128). وقال ابن عطية في هذه الآية: (والمعنى أنَّكم لستُم بحُجَّةٍ، فسواءٌ علينا آمنتُم أم كفرتُم، وإنَّما ضَرُّ ذلك على أنفُسِكم، وإنما الحجَّةُ أهلُ العِلمِ مِن قَبلِه، وهم بالصِّفةِ المذكورة). ((تفسير ابن عطية)) (3/491). .
كما قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم: 58] .
وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108).
وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا.
أي: ويقولونَ: تَنزيهًا لربِّنا مِمَّا يُضيفُه إليه المُشرِكونَ، وعَمَّا يَقولُه الجاهِلونَ مِمَّا لا يَليقُ بجَلالِه، وتَعظيمًا وتوقيرًا له على قُدرَتِه التَّامَّةِ، وأنَّه لا يُخلِفُ ما وعَدَ وبَشَّرَ به في الكُتُبِ السَّابقةِ مِن بَعثةِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإنزالِ القُرآنِ عليه [1353] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/120)، ((تفسير الزمخشري)) (2/699)، ((تفسير ابن كثير)) (5/128)، ((تفسير الشوكاني)) (3/314)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468).   .
إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا.
أي: إنَّ وعْدَ ربِّنا بإرسالِ نبيِّه محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنزالِ القُرآنِ عليه [1354] ممَّن اختار المعنى المذكورَ للوعدِ: الواحدي، والزمخشري، وابن الجوزي، والرازي، والرسعني، وأبو حيان، وابن القيم، وابن كثير، والقاسمي. يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 650)، ((تفسير الزمخشري)) (2/699)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/59)، ((تفسير الرازي)) (21/418)، ((تفسير الرسعني)) (4/234)، ((تفسير أبي حيان)) (7/124)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/123)، ((تفسير ابن كثير)) (5/128)، ((تفسير القاسمي)) (6/521). قال ابن القيم: (وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ؛ لأنَّ الله سبحانَه وتعالى وعَد بإرسالِ نبيٍّ في آخرِ الزمانِ يملأُ الأرضَ نورًا وهدًى، فلما سمِعوا القرآنَ علِموا أنَّ الله أنجَز ذلك الوعدَ الذي وعَد به). ((مدارج السالكين)) (3/123). وقال الواحدي: (وهذا يدلُّ على أنَّ هؤلاء كانوا مِن أهلِ الكتابِ؛ لأنَّ الوعدَ ببعثِ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم سبَق في كتابِهم، فهم كانوا ينتظرونَ ذلك الوعدَ). ((البسيط)) (13/508). وقيل: المرادُ به: البَعثُ والجَزاءُ على الأعمالِ ثَوابًا أو عِقابًا. وممَّن قال بهذا المعنى في الجملة: ابن جرير، ومكي، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/120)، ((الهداية)) لمكي (6/4310)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468). وممَّن جَمَعَ بين المَعنَيينِ: البقاعيُّ؛ فقال: (سُبْحَانَ رَبِّنَا أي تنزَّه الموجدُ لنا، المدبرُ لأمورِنا، المحسنُ إلينا، عن شوائبِ النقصِ؛ لأنَّه وعَد على ألسنةِ رسلِنا أن يبعثَنا بعدَ الموتِ ووعدُه الحقُّ، فلا بدَّ أن يكونَ، ووعَد أن يأتيَ بهذا الكتابِ على لسانِ هذا النبيِّ العربيِّ، وأوصَل هذا الوعدَ إلينا في الكتبِ السالفةِ فأنجَز ما سبَق به وعدُه إِنْ أي: إنَّه كَانَ أي: كونًا لا ينفكُّ وَعْدُ رَبِّنَا أي: المحسنِ إلينا بالإيمانِ، وما تبِعه مِن وجوهِ العرفانِ لَمَفْعُولًا دونَ خُلْفٍ، ولا بدَّ أن يأتيَ جميعُ ما وعَد به مِن الثوابِ والعقابِ). ((نظم الدرر)) (11/535). كائِنٌ وواقِعٌ [1355] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/167)، ((تفسير الزمخشري)) (2/699)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/123)، ((تفسير ابن كثير)) (5/128). وممَّن اختار أنَّ إِنْ هنا هي المخفَّفةُ مِن الثقيلةِ: أبو حيان، والشوكاني، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/125)، ((تفسير الشوكاني)) (3/314)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/234). وممَّن اختار أنَّ (إِنْ) هنا نافيةٌ، واللامُ بمعنى (إلَّا): ابنُ جرير، والزجاج. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/120)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/264). .
وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109).
وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ.
أي: ويَسقُطونَ على أذقانِهم يَبكُونَ خاضِعينَ لِلَّهِ عند سَماعِهم القُرآنَ [1356] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/122)، ((الهداية)) لمكي (6/4309)، ((البسيط)) للواحدي (13/509)، ((تفسير البيضاوي)) (3/270)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (23/142 - 144)، ((تفسير ابن كثير)) (5/128). وقال ابن تيمية: (مدح هؤلاء وأثنى عليهم بخرورِهم للأذقانِ، أي: على الأذقان سجَّدًا. والثاني بخرورهم للأذقان: أي عليها يبكُون. فتبيَّن أنَّ نفسَ الخرور على الذقَنِ عبادةٌ مقصودة يحبُّها الله، وليس المرادُ بالخرور إلصاقَ الذقَنِ بالأرض كما تُلصَقُ الجبهةُ، والخرورُ على الذقَنِ هو مبدأُ الركوعِ، والسجودُ منتهاه؛ فإن الساجِدَ يسجُدُ على جبهتِه لا على ذقَنِه لكنَّه يخِرُّ على ذقنِه، والذَّقَنُ آخِرُ حَدِّ الوجهِ، وهو أسفَلُ شيء منه وأقربُه إلى الأرضِ، فالذي يخِرُّ على ذقَنِه يخرُّ وجهُه ورأسُه خضوعًا لله. ومن حينئذ قد شرع في السجود، فكما أنَّ وضْعَ الجبهة هو آخِرُ السجودِ فالخرورُ على الذَّقَنِ أوَّلُ السجودِ، وتمامُ الخرور أن يكونَ من قيام أو قعود... والذي يخِرُّ على الذَّقَنِ لا يسجُدُ على الذقَنِ؛ فليس الذقَنُ من أعضاءِ السجود... ولو سجد على ذقَنِه ارتفعت جبهتُه، والجمع بينهما متعَذِّرٌ أو متعسِّر؛ لأنَّ الأنفَ بينهما وهو ناتئ يمنع إلصاقَهما معًا بالأرض في حالٍ واحدةٍ، فالساجِدُ يخِرُّ على ذقنِه ويسجدُ على جبهتِه، فهذا خرورُ السجود. ثمَّ قال: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ [مريم: 58] ، فهذا خرورُ البكاء قد يكونُ معه سجودٌ وقد لا يكون. فالأولُ كقَولِه: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا فهذا خرورٌ وسجودٌ وبكاءٌ. والثاني: كقَولِه: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ فقد يبكي الباكي من خشيةِ الله مع خضوعِه بخرورِه وإن لم يصِلْ إلى حدِّ السجود. وهذا عبادةٌ أيضًا؛ لِما فيه من الخرورِ لله والبكاءِ له، وكلاهما عبادةٌ لله؛ فإنَّ بكاءَ الباكي لله -كالذي يبكي من خشيةِ الله- من أفضَلِ العباداتِ). ((مجموع الفتاوى)) (23/142-144). وقال ابن كثير: (وقولُه: وَيَخِرُّونَ عطفُ صفةٍ على صفةٍ، لا عطفُ سُجودٍ على سجودٍ). ((تفسير ابن كثير)) (5/128). .
وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا.
أي: ويَزيدُهم القُرآنُ [1357] ممَّن اختار أنَّ الضَّميرَ في قَولِه تعالى: وَيَزِيدُهُمْ عائدٌ إلى القُرآنِ: ابنُ جريرٍ، والواحدي، والسعدي، وابنُ عاشور. يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (15/122)، ((البسيط)) للواحدي (13/509)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/235). وقيل: الضَّميرُ يَعودُ إلى الله تعالى، أي: يَزيدُهم اللهُ إيمانًا وتَسليمًا، كما قال سُبحانَه: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: 17] . وممَّن اختار هذا المعنى: ابنُ كثير. يُنظَر: ((تفسير ابن كثير)) (5/128).   خُضوعًا لله، واستِكانةً له، ورِقَّةً ولِينًا في قُلوبِهم [1358] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/122)، ((البسيط)) للواحدي (13/509)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/235). قال ابن رجب: (أصلُ الخشوعِ هو: لينُ القَلبِ ورقَّتُه، وسكونُه وخُضوعُه، وانكسارُه وحُرقتُه، فإذا خشع القلبُ تبِعَه خشوعُ جميع الجوارح والأعضاء؛ لأنَّها تابعة له... فإذا خشع القلبُ خشع السَّمعُ والبصر، والرأسُ والوجهُ، وسائِرُ الأعضاءِ وما ينشأ منها حتى الكلامُ؛ لهذا كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ في ركوعِه في الصَّلاةِ: «خشع لك سمعي وبصري ومخِّي وعظمي» وفي رواية: «وما استقَلَّ به قدمي»، ورأى بعضُ السَّلَفِ رجلًا يعبثُ بيَدِه في الصلاةِ فقال: لو خشع قلبُ هذا لخشَعَت جوارِحُه). ((مجموع رسائل ابن رجب)) (1/290).   .
قال تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ [آل عمران: 199] .
وقال عزَّ وجلَّ: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر: 23] .
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا طالت الكَلِماتُ في المُناظَرةِ مع المشركين ومُنكِري النبوَّاتِ والجوابِ عن شُبُهاتِهم؛ أتبَعَها ببيانِ كيف يَدعُون الله ويُطيعونَه، وكيف يَذكُرونَه في وقتِ الاشتغالِ بأداء العبوديَّةِ، فقال تعالى لنبيِّه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [1359] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/344).   :
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ.
أي: قُلْ -يا مُحَمَّدُ [1360] قيل: المرادُ: قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِمُشركي قَومِك المُنكِرينَ صِفةَ الرَّحمةِ لِلَّهِ، عزَّ وجلَّ، المانعينَ مِنْ تسميتِه بالرَّحمنِ. وممَّن قال بهذا: ابنُ جرير، وابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/123)، ((تفسير ابن كثير)) (5/128). قال ابنُ تيميَّةَ: (أمَّا قَولُه تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ الآية: فهذا الدُّعاءُ: المشهورُ أنَّه دُعاءُ المسألةِ، وهو سَبَبُ النُّزولِ. قالوا: كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدعو ربَّه فيَقولُ مَرَّةً: «يا اللهُ» ومَرَّةً: «يا رحمنُ»، فظَنَّ المُشرِكونَ أنَّه يدعو إلهَينِ، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ). ((مجموع الفتاوى)) (15/14). وقيل: المرادُ: قُلْ -يا مُحَمَّدُ- للمُؤمِنينَ. وممَّن قال بهذا: الواحدي. يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 651). : إنْ شِئْتُم فقُولوا في دُعائِكم: يا اللهُ، وإنْ شِئْتُم فقُولوا: يا رَحمنُ؛ فكِلاهما اسمٌ لله الواحِدِ الذي لا شَريكَ له [1361] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/123)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 651)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/211، 212)، ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (3/938)، ((تفسير ابن كثير)) (5/128)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/236، 237)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/189). قال ابن عاشور: (معنى ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ادعوا هذا الاسمَ أو هذا الاسم، أي: اذكروا في دعائِكم هذا أو هذا، فالمسمَّى واحد. وعلى هذا التفسيرِ قد وقع تجوُّزٌ في فعلِ  ادْعُوا مستعمَلًا في معنى: اذكروا، أو سَمُّوا في دعائِكم. ويجوزُ أن يكون الدعاءُ مُستعمَلًا في معنى سَمُّوا، وهو حينئذٍ يتعدى إلى مفعولين. والتقدير: سَمُّوا ربَّكم اللهَ أو سمُّوه الرحمنَ، وحُذِف المفعولُ الأولُ مِن الفعلينِ وأُبقيَ الثاني لدَلالةِ المقامِ). ((تفسير ابن عاشور)) (15/237). .
كما قال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: 180] .
أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى.
أي: بأيِّ اسمٍ مِن أسماءِ اللَّهِ [1362] قال ابن القيم: (أسماؤه الدالَّةُ على صفاتِه هي أحسَنُ الأسماء وأكمَلُها، فليس في الأسماء أحسَنُ منها ولا يقومُ غيرُها مقامَها... كما أنَّ صفاتِه أكمَلُ الصفاتِ، فلا تَعدِل عمَّا سمَّى به نفسَه إلى غيرِه، كما لا تتجاوَز ما وصف به نفسَه ووصَفَه به رسولُه إلى ما وصَفَه به المبطِلون والمعَطِّلون). ((بدائع الفوائد)) (1/168). وقال القرطبي: (وهي بتَوقيفٍ لا يَصِحُّ وَضعُ اسمٍ لله بِنَظَرٍ إلَّا بتوقيفٍ مِن القُرآنِ أو الحَديثِ أو الإجماعِ). ((تفسير القرطبي)) (10/343).   دَعَوتُم، فإنَّما تَدعُونَ اللهَ الواحِدَ سُبحانَه؛ فله أحسَنُ الأسماءِ المُتضَمِّنةِ أفضَلَ الأوصافِ، فليس له اسمٌ غَيرُ حَسَنٍ حتى يُنهَى عن دُعائِه به [1363] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/123)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/61)، ((تفسير القرطبي)) (10/343)، ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (3/938)، ((تفسير ابن كثير)) (5/128)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468).   .
كما قال تعالى: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه: 8] .
وقال سُبحانَه: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر: 22-24] .
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ لله تِسعةً وتِسعينَ اسمًا؛ مِئةً إلَّا واحِدًا، مَن أحصاها [1364] مَن أحصاها: أي: حَفِظَها وأحسنَ المُراعاةَ لها والمحافظةَ على ما تقتَضيه وصَدَّق بمعانيها. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/5).   دخَلَ الجَنَّةَ )) [1365] رواه البخاري (2736)، ومسلم (2677).   .
وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا.
سَبَبُ النُّزولِ:
عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما في قَولِه عَزَّ وجَلَّ: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا قال: ((نَزَلَت ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُتوارٍ بِمكَّةَ، فكان إذا صلَّى بأصحابِه رَفَعَ صَوتَه بالقُرآنِ، فإذا سَمِعَ ذلك المُشرِكونَ سَبُّوا القُرآنَ ومَن أنزَلَه، ومَن جاء به، فقال اللهُ تعالى لِنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ فيَسمَعَ المُشرِكونَ قِراءَتَك، وَلَا تُخَافِتْ بِهَا عن أصحابِك، أسْمِعْهم القُرآنَ ولا تَجهَرْ ذلك الجَهرَ، وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، يقولُ: بينَ الجَهرِ والمُخافَتةِ )) [1366] رواه البخاري (4722)، ومسلم (446) واللفظ له.   .
وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: (نَزَلَت هذه الآيةُ: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا في الدُّعاءِ) [1367] رواه البخاري (7526) واللفظ له، ومسلم (447). قال ابنُ حَجَرٍ: (هكذا أَطلَقَت عائِشةُ، وهو أعَمُّ مِن أن يكونَ ذلك داخِلَ الصَّلاةِ أو خارِجَها، وقد أخرَجَه الطَّبريُّ وابنُ خُزَيمة والعمري والحاكِمُ مِن طريق حفص بن غياث عن هشام، فزاد في الحديث: «في التشَهُّد»... ورجَّحَ الطَّبَريُّ حَديثَ ابنِ عَبَّاسٍ، قال: لأنَّه أصَحُّ مَخرجًا، ثمَّ أسند عن عطاءٍ قال: «يقولُ قَومٌ: إنَّها في الصَّلاةِ، وقومٌ إنَّها في الدُّعاء»... ورَجَّحَ النوويُّ وغَيرُه قَولَ ابنِ عَبَّاسٍ، كما رَجَّحَه الطَّبريُّ، لكِنْ يَحتَمِلُ الجَمعُ بينهما بأنَّها نَزَلَت في الدُّعاءِ داخِلَ الصَّلاةِ). ((فتح الباري)) (8/405، 406).   .
وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا.
أي: ولا تَرفَعْ صَوتَك -يا مُحَمَّدُ- بقِراءةِ القُرآنِ في صَلاتِك، ودُعائِك وذِكْرِك لله فيها، ولا تُسِرَّ بذلك [1368] وممَّن اختار القولَ المذكورَ، وهو أنَّ قولَه: بِصَلَاتِكَ يشمَلُ القِراءةَ، والدُّعاء، والذِّكرَ في الصَّلاةِ: ابنُ جريرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/136). ويُنظر أيضًا : ((تفسير ابن الجوزي)) (3/61). وقيل: المرادُ بالصَّلاةِ هنا: القراءةُ فيها. وممَّن اختار هذا القول: الزجَّاج، والواحدي، والقرطبي، وابن كثير، والشوكاني، والقاسمي، والسعدي. يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/264)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 651)، ((تفسير القرطبي)) (10/344)، ((تفسير ابن كثير)) (1/108)، ((تفسير الشوكاني)) (3/315)، ((تفسير القاسمي)) (6/522)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468).   .
وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا.
أي: واسلُكْ -يا مُحَمَّدُ- طَريقًا وَسَطًا بينَ الجَهرِ والمُخافَتةِ [1369] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/136)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 651)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468).   .
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا أمَرَ اللهُ تعالى ألَّا يُذكَرَ ولا يُنادى إلَّا بأسمائِه الحُسنى؛ عَلَّمَه كيفيَّةَ التَّحميدِ [1370] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (21/419).   .
وأيضًا لَمَّا كان النَّهيُ عن الجَهرِ بالدُّعاءِ أو قراءةِ الصَّلاةِ سَدًّا لِذَريعةِ زِيادةِ تَصميمِ الكافِرينَ على الكُفرِ؛ أعقَبَ ذلك بأمْرِه بإعلانِ التَّوحيدِ؛ لِقَطعِ دابِرِ توَهُّمِ مَن توَهَّموا أنَّ (الرَّحمنَ) اسمٌ لِمُسمًّى غَيرِ مُسمَّى اسمِ اللهِ؛ فبَعضُهم توَهَّمَه إلهًا شَريكًا، وبَعضُهم توَهَّمَه مُعِينًا وناصِرًا، فأُمِرَ النَّبيُّ بأن يقولَ ما يَقلَعُ ذلك كُلَّه، وأن يُعَظِّمَه بأنواعٍ مِن التَّعظيمِ [1371] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/239).   .
وأيضًا لَمَّا أثْبَتَ تعالى لنفسِه الكريمةِ الأسماءَ الحسنَى؛ نَزَّهَ نفسَه عن النَّقائصِ، فقال [1372] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/130).   :
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا.
أي: وقُلْ -يا مُحَمَّدُ: الثَّناءُ الجَميلُ لله المتَّصِفِ بالكَمالِ، المُنَزَّهِ عن النَّقائِصِ، الذي لم يَجعَلْ له ولدًا [1373] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/137)، ((تفسير ابن كثير)) (5/130)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/189).   .
كما قال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم: 88- 92] .
وقال سُبحانَه حِكايةً عن قَولِ مُؤمِني الجِنِّ: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا [الجن: 3] .
وقال عزَّ وجلَّ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 1-4].
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ.
أي: ولا يُوجَدُ أحدٌ يُشارِكُه في مُلكِه وسُلطانِه [1374] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/137)، ((تفسير القرطبي)) (10/345)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/190).   .
كما قال تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ: 22] .
وقال سُبحانَه: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الملك: 1] .
وقال عزَّ وجلَّ: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: 26] .
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ.
أي: ولا يُوجَدُ لله وليٌّ يُناصِرُه ويُدافِعُ عنه، ويتعزَّزُ به، ويُعاوِنُه مِن أجْلِ ذلٍّ فيه أو عَجزٍ أو افتقارٍ -سُبحانَه وتعالى- بل هو الغَنيُّ ذو العِزَّةِ والكِبرياءِ، وكُلُّ شَيءٍ خاضِعٌ له، وتَحتَ قَهرِه وقُدرتِه، ولا يكونُ إلهًا يُطاعُ ويُعبَدُ، مَن كان ذليلًا مَهينًا مُحتاجًا إلى وَليٍّ [1375] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/138)، ((تفسير القرطبي)) (10/345)، ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (4/1444)، ((تفسير ابن كثير)) (5/130)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/239)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/190).   .
كما قال تعالى: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [يونس: 65] .
وقال سُبحانَه: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: 180] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: 18] .
وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا.
أي: وعَظِّمْ -يا مُحَمَّدُ- ربَّك تَعظيمًا تامًّا شَديدًا، فلا تَعبُدْ غَيرَه، وأطِعْ أمْرَه، واجتَنِبْ نَهْيَه، وأخبِرْ عنه بأوصافِه الحُسنى، وأفعالِه العَظيمةِ، ونزِّهْه عن كلِّ آفَةٍ ونَقصٍ [1376] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/138)، ((تفسير البغوي)) (3/169)، ((تفسير القرطبي)) (10/345)، ((تفسير ابن كثير)) (5/130)، ((تفسير السعدي)) (ص: 468)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/190).   .
كما قال تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر: 3] .

الفوائد التربوية:


1- قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا دلَّ نَعتُ هؤلاء ومَدْحُهم بخُرورِهم باكينَ، على استِحبابِ البُكاءِ والتخَشُّعِ؛ فإنَّ كُلَّ ما حُمِدَ فيه مِن النُّعوتِ والصِّفاتِ التي وَصَفَ اللهُ تعالى بها مَن أحَبَّه مِن عبادِه، يلزَمُ الاتِّصافُ بها. كما أنَّ ما ذَمَّ منها مَن مَقَتَه منهم، يجِبُ اجتِنابُه [1378] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (6/521-522).   ، فيستحبُّ البكاءُ والتَّباكي لمن لا يقدِرُ على البكاءِ؛ فإنَّ البكاءَ عندَ القراءةِ صفةُ العارفينَ، وشعارُ عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ [1379] يُنظر: ((الأذكار)) للنووي (ص: 107).   .
2- عن عبدِ الأعلى التَّيميِّ، قال: (مَن أُوتِيَ مِن العِلمِ ما لا يُبْكيه، لَخليقٌ ألَّا يَكونَ أُوتِيَ عِلمًا يَنفَعُه؛ لأنَّ اللهَ نَعَت العُلَماءَ فقال: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ) [1380] يُنظر: ((سنن الدارمي)) (299)، ((تفسير ابن جرير)) (15/122).   .
3- في قَولِه تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا مَدْحٌ لِمَن أوجبَ له سَماعُ كتابِ اللهِ الخُشوعَ في قلْبِه [1381] يُنظر: ((مجموع رسائل ابن رجب)) (1/297).   .
4- قولُه تعالى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا فيه كَمالُ غِنَى اللهِ عزَّ وجلَّ عن كلِّ أحدٍ، وانفرادُه بالمُلْكِ، وتَمامُ عِزَّتِهِ وسُلطانِه، فعلى العبدِ أن يُعَظِّمَ اللهَ سُبحانَه وتعالى بما يَستَحِقُّ أنْ يُعَظَّمَ به بقَدْرِ استطاعتِه. وفيه أيضًا أن الله تعالى يُحمدُ على تَنَزُّهِه عن العُيوبِ، كما يُحمَدُ على صِفاتِ الكَمالِ [1382] يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) لابن عثيمين (1/359).   .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- سلَّى الله نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بإيمانِ أهلِ العلمِ بهذا القرآنِ، وأمَرَه ألَّا يعبأَ بالجاهلينَ شيئًا، فقال تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا * قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وهذا شَرفٌ عَظيمٌ لأهلِ العِلمِ [1383] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/50).   .
2- قال تعالَى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ وعلَّلَ ذلك بقولِه: لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ فهما عِلَّتانِ: أنْ يُقْرَأَ على النَّاسِ، وتلك عِلَّةٌ لجعْلِه قُرآنًا -أي في تسميتِه قرآنًا-، وأنْ يُقْرَأَ على مُكْثٍ، أي: مَهَلٍ وبُطْءٍ، وهي عِلَّةٌ لتَفريقِه [1384] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/231).   .
3- في قَولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا دَليلٌ على مشروعيةِ التَّسبيحِ في السُّجودِ، وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: ((كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُكثِرُ أن يَقولَ في رُكوعِه وسُجودِه: سُبحانَك اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمدِك، اللَّهُمَّ اغفِرْ لي )) [1385] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/341). والحديث أخرجه البخاري (817)، ومسلم (484).   .
4- قَولُ الله تعالى: وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا استَدَلَّ به الشَّافِعيُّ على استِحبابِ هذا الذِّكرِ في سُجودِ التِّلاوةِ [1386] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 169).   .
5- قَولُه: أَيًّا مَا تَدْعُوا يقتضي تعدُّدَ المدعُوِّ، وقَولُه: فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يقتضي أنَّ المدعوَّ واحِدٌ له الأسماءُ الحُسنى، وقَولُه: ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ولم يقُل: ادعوا باسمِ اللهِ أو باسمِ الرَّحمنِ، يتضمَّنُ أنَّ المدعوَّ هو الربُّ الواحِدُ بذلك الاسمِ؛ فقد جعل الاسمَ تارةً مدعوًّا، وتارة مدعوًّا به في قَولِه: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا فهو مدعوٌّ به باعتبارِ أنَّ المدعوَّ هو المسمَّى، وإنما يُدعَى باسمِه، وجُعِل الاسمُ مدعوًّا باعتبارِ أنَّ المقصودَ به هو المسمَّى وإن كان في اللَّفظِ هو المدعوَّ المنادى، كما قال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أي: ادعُوا هذا الاسمَ أو هذا الاسمَ، والمرادُ: إذا دعَوتَه هو المسمَّى، أيَّ الاسمينِ دعوتَ ومُرادُك هو المسمَّى فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [1387] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/211-212).   .
6- قولُه تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فيه ردٌّ وتعليمٌ بأنَّ تَعَدُّدَ الأسماءِ لا يقتضي تَعَدُّدَ المسمَّى، وشتَّانَ بينَ ذلك وبينَ دعاءِ المشركينَ آلهةً مختلفةَ الأسماءِ والمسَمَّياتِ [1388] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/236).   .
7- قَولُ الله تعالى: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا فيه استحبابُ التوسُّطِ في القراءةِ في الصَّلاةِ الجَهريَّةِ بين المبالغةِ في رَفعِ الصَّوتِ والإسرارِ [1389] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 169). فقد روَى الشيخانِ مِن حديثِ ابنِ عباسٍ أنَّها نزلَت في القراءةِ في الصلاةِ، وقد تقدَّم (ص: 496).   .
8- قال الله تعالى: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا قولُه: بِصَلَاتِكَ أي: بقراءتِك فيها، فأُطلِقَ هنا اسمُ الكُلِّ على الجُزءِ؛ إشارةً إلى أنَّ المقصودَ الصَّلاةُ، وفي قَولِه: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء: 78] أُطلِقَ اسمُ الجزءِ على الكُلِّ؛ لأنَّ المقصودَ الأعظَمَ هناك القراءةُ في الفَجرِ [1390] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/540).   .
9- قال اللهُ تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا فلم ينفِ الوليَّ نفيًا عامًّا مُطلَقًا، بل نفى أن يكونَ له وليٌّ من الذُّلِّ، وأثبت في موضعٍ آخَرَ أنَّ له أولياءَ، بقَولِه: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: 62] ، وقَولِه: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: 257] ، فهذا مُوالاةُ رَحمةٍ وإحسانٍ وجَبرٍ، والموالاةُ المنفيَّةُ مُوالاةُ حاجةٍ وذُلٍّ [1391] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/163)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (2/136-137).   !
10- في قَولِه تعالى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا أَمَرَ اللهُ بحَمدِه؛ لانتفاءِ صِفاتِ النَّقصِ عنه، وهي: اتِّخاذُ الولدِ -ونَفيُه عن اللهِ يتَضَمَّنُ مع انتِفائِه كَمالَ غِناه- ونفيُ الشَّريكِ عن اللهِ يتَضَمَّنُ كَمالَ وحدانيَّتِه وقُدْرَتِه، ونَفيُ الوليِّ عنه مِن الذُّلِّ يتضَمَّنُ كَمالَ عِزِّه وقَهْرِه [1392] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (4/279).   .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا
- في قولِه: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ذُكِرَ فعْلُ النُّزولِ مرَّتينِ، وذُكِرَ له في كلِّ مرَّةٍ مُتعلَّقٌ مُتماثِلُ اللَّفظِ، لكنَّه مُختلفُ المعنى؛ فعُلِّقَ إنزالُ اللهِ إيَّاه بأنَّه بالحقِّ، فكان معنى الحقِّ: الثَّابت الَّذي لا ريبَ فيه ولا كذِبَ، وهو رَدٌّ لتَكذيبِ المُشركينَ أنْ يكونَ القُرآنُ وحيًا من عندِ اللهِ. وعُلِّقَ نُزولُ القُرآنِ -أي: بُلوغُه للنَّاسِ- بأنَّه بالحقِّ، فكان معنى الحقِّ الثَّاني مُقابِلَ الباطلِ، ولولا اختلافُ معنى الباءين في الآيةِ لكان قولُه: وَبِالْحَقِّ نَزَلَ مُجرَّدَ تأكيدٍ لقولِه: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ [1393] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/229- 230).   . وقيل: إنَّ قولَه: وَبِالْحَقِّ نَزَلَ توكيدٌ من حيث المعنى؛ لمَّا كان يُقال: أنزَلْتُه فنزَلَ، وأنزَلْتُه فلم ينزِلْ؛ إذا عرَضَ له مانعٌ من نُزولِه، جاء وَبِالْحَقِّ نَزَلَ؛ مُزيلًا لهذا الاحتمالِ ومُؤكِّدًا [1394] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/123).   .
- وتقديمُ المجرورِ بِالْحَقِّ في الموضعينِ على عامِلِه للقصْرِ؛ رَدًّا على المُنكرين الَّذين ادَّعَوا أنَّه أساطيرُ الأوَّلينَ، أو سِحْرٌ مُبينٌ، أو نحوُ ذلك [1395] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/230).   .
- قولُه: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ فيه الذِّكرُ أو التَّصريحُ بقولِه: وَبِالْحَقِّ نَزَلَ، وهو إظهارٌ في مقامِ الإضمارِ لنُكتةٍ بَديعةٍ؛ فإنَّه لو ترَكَ الإظهارَ، وعدَلَ عنه إلى الإضمارِ -كما يَقْتضي السِّياقُ- فقال: (وبالحقِّ أنزَلْناه وبه نَزَل)، لم يكُنْ فيه من الفخامةِ ما فيه الآنَ [1396] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/518).   .
- وجُملةُ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا مُعترضةٌ بين جُملةِ وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وجُملةِ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ، وفيها قصْرٌ بـ(ما... إلَّا)؛ للرَّدِّ على الَّذين سأَلوه أشياءَ من تصرُّفاتِ اللهِ تعالى والَّذين ظنُّوا ألَّا يكونَ الرَّسولُ بشَرًا [1397] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/230)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/520).   .
- وفي هذه الآياتِ السَّابقةِ من البلاغةِ ما يُعرَفُ بالاستطرادِ والخُروجِ من معنًى إلى معنًى؛ وهو أنْ يكونَ المُتكلِّمُ في غرَضٍ من الأغراضِ يُوهِمُ أنَّه مُستمِرٌّ فيه لم يخرُجْ منه إلى غيرِه لمُناسبةٍ بينهما، ثمَّ يرجِعُ إلى الأوَّلِ، ويقطَعُ الكلامَ. وهنا قدِ انتقَلَ سُبحانَه من كلامِه عن القُرآنِ، وأنَّ الإنسَ والجنَّ عاجزونَ عن الإتيانِ بمثْلِه في فصاحتِه وبَلاغتِه، ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظَهيرًا، انتقَلَ إلى ما في مُنطوياتِه من مُثُلٍ وعِبَرٍ وبصائرَ، وانساقَ الكلامُ إلى تعنُّتِ الكافرينَ وتَمادِيهم في اللَّجاجِ، واستِمرارِهم في الغيِّ والمُكابرةِ، وطَمْسِ الحقائقِ، وإنكارِ الوقائعِ، ثمَّ أورَدَ شاهدًا على ذلك: ما لاقاهُ مُوسى من مُكابرةِ فِرعونَ وملَئِه، وضرَبَ مثَلًا في المَغبَّةِ الَّتي نالها فِرعونُ ومَن معه، ثمَّ عاد إلى الموضوعِ الَّذي شرَعَ فيه، وهو كونُ القُرآنِ نازلًا بالحقِّ، وإليه هادفًا [1398] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/518-519).   .
2- قوله تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا
- قولُه: وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا في التَّعبيرِ بفعْلِ نَزَّلْنَاهُ المُضاعفِ وتأكيدِه بالمفعولِ المُطلَقِ: إشارةٌ إلى تَفريقِ إنزالِه المذكورِ في قولِه: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ [1399] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/231).   .
3- قوله تعالى: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا
- قولُه: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا... أمْرٌ يتضمَّنُ الإعراضَ عنهم، واحتقارَهم، والازدِراءَ بهم، وعدَمَ الاكتراثِ بهم وبإيمانِهم وبامتناعِهم عنه، وأنَّهم إنْ لم يَدْخُلوا في الإيمانِ ولم يُصدِّقوا بالقُرآنِ، وهم أهلُ جاهليَّةٍ وشِرْكٍ، فإنَّ خيرًا منهم وأفضَلَ -وهم العُلماءُ الَّذين قَرؤوا الكُتبَ، وعَلِموا ما الوحيُ وما الشَّرائعُ- قد آمَنوا به وصَدَّقوه. وفيه تعريضٌ بأنَّ الَّذين أعْرَضوا عن الإيمانِ بالقُرآنِ جهلةٌ وأهلُ جاهليَّةٍ؛ فالآيةُ تَحقيرٌ للكُفَّارِ، وفي ضِمْنِه ضَرْبٌ من التَّوعُّدِ، والمعنى: أنَّكم لستُمْ بحُجَّةٍ، فسواءٌ علينا أآمنْتُم أمْ كفرْتُم، وإنَّما ضَررُ ذلك على أنفُسِكم، وإنَّما الحُجَّةُ أهلُ العلْمِ. وقيل: الآية مُخلَصةٌ للوعيدِ دُونَ التَّحقيرِ، والمعنى: فسَتَرون ما تُجازونَ به [1400] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/699)، ((تفسير أبي حيان)) (7/124)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/232).   .
- وقولُه: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا تَعليلٌ، ويجوزُ أنْ يكونَ تعليلًا لقولِه: آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا، وأنْ يكونَ تعليلًا لـ قُلْ، على سبيلِ التَّسليةِ لرسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وتَطييبِ نفْسِه، كأنَّه قيل: تسَلَّ عن إيمانِ الجهلةِ بإيمانِ العُلماءِ. وعلى الأوَّلِ: إنْ لم تُؤْمِنوا به لقد آمَنَ به مَن هو خيرٌ منكم [1401] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/699)، ((تفسير البيضاوي)) (3/269)، ((تفسير أبي حيان)) (7/124)، ((تفسير أبي السعود)) (5/199).   .
- قولُه: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا معنى الخُرورِ للذَّقَنِ: السُّقوطُ على الوجْهِ، وإنَّما ذُكِرَ الذَّقَنُ وهو مُجتمَعُ اللَّحيَينِ؛ لأنَّ السَّاجدَ أوَّلُ ما يَلْقى به الأرضَ من وجْهِه الذَّقَنُ، وعُبِّرَ هنا باللَّامِ دونَ حرفِ الاستعلاءِ (على)، وهو ظاهرُ المعنى إذا قلْتَ: خَرَّ على وجْهِه، وعلى ذَقَنِه، فقال: لِلْأَذْقَانِ ولم يقُلْ: (على الأذقانِ)؛ لأنَّ المعنى: أنَّه جعَلَ ذَقَنَه ووجْهَه للخُرورِ، واختَصَّه به؛ فعُبِّرَ باللَّامِ لأنَّ اللَّامَ للاختصاصِ [1402] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/699-700)، ((تفسير البيضاوي)) (3/270)، ((تفسير أبي حيان)) (7/124)، ((تفسير أبي السعود)) (5/199)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/234).   .
4- قوله تعالى: وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا
- جُملةُ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا عُطِفَت على يَخِرُّونَ؛ للإشارةِ إلى أنَّهم يَجْمعون بين الفعْلِ الدَّالِّ على الخُضوعِ، والقولِ الدَّالِّ على التَّنزيهِ والتَّعظيمِ. على أنَّ في قولِهم: سُبْحَانَ رَبِّنَا دَلالةً على التَّعجُّبِ والبهجةِ من تَحقُّقِ وعْدِ اللهِ في التَّوراةِ والإنجيلِ بمَجيءِ الرَّسولِ الخاتمِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. وجُملةُ إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا مِن تَمامِ مقولِهم، وهو المقصودُ من القولِ؛ لأنَّ تَسبيحَهم قبلَه تَسبيحُ تعجُّبٍ واعتبارٍ بأنَّه الكتابُ الموعودُ به وبرسولِه في الكُتبِ السَّابقةِ [1403] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/234).   .
5- قوله تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا
- قولُه: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ فيه تَكرارُ (الأذقانِ)؛ لاختلافِ الحالَينِ، وهما: خُرورُهم في حالِ كونِهم ساجدينَ، وخُرورُهم في حالِ كونِهم باكينَ. أو الأوَّلُ واقعٌ في قِراءةِ القُرآنِ أو سماعِه، والثَّاني في غيرِ ذلك [1404] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/700)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (1/336).   . أو لاختلافِ السببِ؛ فإنَّ الأوَّلَ لتعظيمِ الله سُبحانَه وتنزيهِه، وقيل: للشُّكرِ عند إنجازِ الوعدِ، والثَّاني لِمَا أثَّرَ فيهم من مواعظِ القُرآن حالَ كونِهم باكينَ من خَشيةِ اللهِ [1405] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/270)، ((تفسير أبي السعود)) (5/200)، ((تفسير الشوكاني)) (3/314).   .
- ومن البلاغةِ: أنَّه عقَّبَ الحالينِ بحالٍ ثالثةٍ، وهي زيادتُهم خُشوعًا كلَّما قَرؤوا، وكلَّما سَجدوا؛ فاستوفى بذلك سائرَ أحوالِهم، وهم الكَمَلةُ الَّذين أُوتوا العلْمَ، وقد أُتِيَ بالحالِ الأُولى سُجَّدًا اسمًا؛ للدَّلالةِ على الاستمرارِ، وإشارةً إلى دوامِ ذلِّهم بالسجودِ المشروعِ، أو بمطلقِ الخضوعِ، وقيل: لأن حالةَ السُّجودِ لمَّا كانت لا تتجدَّدُ في كلِّ وقْتٍ عُبِّرَ فيها بالاسمِ. وأُتِيَ بالحالِ الثَّانيةِ يَبْكُونَ فِعلًا؛ للدَّلالةِ على التَّجدُّدِ والحُدوثِ، فكأنَّما بُكاؤهم يتجدَّدُ بتجدُّدِ الأحوالِ الطَّارئةِ والعِظاتِ المُتتاليةِ، وأيضًا لما لهم في بعضِ الأحيانِ مِن السرورِ ببعضِ ما أُبيحَ مِن الملاذِّ [1406] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/125- 126)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/535)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/521- 522).   .
6- قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا
- قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ اختصَّ هَذَينِ الاسمَينِ بالذِّكرِ؛ لأنَّهما أصلُ بَقيَّةِ أسماءِ اللهِ تعالى [1407] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (1/379).   ، وأيضًا فهذا التَخصيصُ يدُلُّ على أنَّهما أشرَفُ مِن سائِرِ الأسماءِ، وتَقديمُ اسمِ (الله) على اسمِ (الرحمن) يدُلُّ على أنَّ (الله) أعظَمُ الأسماءِ [1408] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/345).   .
- قولُه: أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (ما) صِلَةٌ لتأكيدِ ما في أَيًّا من الإبهامِ [1409] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/700)، ((تفسير البيضاوي)) (3/270)، ((تفسير أبي حيان)) (7/127)، ((تفسير أبي السعود)) (5/200).   ، وأصْلُ الكلامِ: أيًّا ما تَدْعوا فهو حَسَنٌ، فوُضِعَ مَوضِعَه فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى؛ للمُبالغةِ والدَّلالةِ على ما هو الدَّليلُ عليه؛ إذ حُسْنُ جميعِ أسمائِه يَسْتدعي حُسْنَ ذَيْنك الاسمينِ [1410] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/700)، ((تفسير البيضاوي)) (3/270)، ((تفسير أبي السعود)) (5/200).   . وقولُه: فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى عِلَّةُ الجوابِ، والتَّقديرُ: أيَّ اسمٍ من أسمائِه تَعالى تَدْعُون، فلا حرَجَ في دُعائه بعدَّةِ أسماءٍ؛ إذ له الأسماءُ الحُسنى، وإذ المُسمَّى واحدٌ [1411] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/237).   .
7- قوله تعالى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا
- لَمَّا ذكَرَ تعالى أنَّه واحدٌ وإنْ تعدَّدَت أسماؤُه، أمَرَ تعالى أنْ يحمَدَه على ما أنعَمَ به عليه ممَّا آتاه من شرَفِ الرِّسالةِ والاصطِفاءِ، ووصَفَ نفْسَه بأنَّه لم يتَّخِذْ ولدًا، فيُعْتَقَد فيه تَكثُّرٌ بالنَّوعِ، وكان ذلك رَدًّا على اليهودِ والنَّصارى والعربِ الَّذين عبَدوا الأصنامَ وجعَلوها شُركاءَ للهِ، والعربِ الَّذين عبَدوا الملائكةَ واعْتَقدوا أنَّهم بناتُ اللهِ. ونَفى أوَّلًا الولدَ خُصوصًا، ثمَّ نَفى الشَّريكَ في مُلْكِه، وهو أعمُّ من أنْ يُنْسَبَ إليه ولدٌ فيَشْركُه أو غيرُه، ولمَّا نَفى الولدَ ونَفى الشَّريكَ نَفى الوليَّ وهو النَّاصرُ، وهو أعمُّ من أنْ يكونَ ولدًا أو شريكًا أو غيرَ شريكٍ، ولمَّا كان اتِّخاذُ الوليِّ قد يكونُ للانتصارِ والاعتزازِ به والاحتماءِ من الذُّلِّ، وقد يكونُ للتَّفضُّلِ والرَّحمةِ لمَن والَى من صالحِي عِبادِه؛ كان النَّفيُ لمَن ينتصِرُ به من أجْلِ المَذلَّةِ؛ إذ كان مَوردُ الولايةِ يحتمِلُ هذينِ الوجهينِ، فنَفى الجهةَ الَّتي لأجْلِ النَّقصِ، بخلافِ الولدِ والشَّريكِ فإنَّهما نُفِيَا على الإطلاقِ. وجاء الوصفُ الأوَّلُ بقولِه: الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا، والمعنى: أنَّه تعالى لم يُسَمِّ ولم يَعُدَّ أحدًا ولدًا، ولم يَنْفِه بجِهَةِ التَّوالُدِ؛ لاستحالةِ ذلك في بَدائِه العُقولِ، فلا يتعرَّضُ لنَفْيِه بالمنقولِ؛ ولذلك جاء: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ [المؤمنون: 91] ، مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا [1412] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/128).   [الجن: 3] .
- ونَفى عنه أنْ يكونَ له ما يُشارِكُه من جنْسِه ومن غيرِ جنْسِه، اختيارًا واضطرارًا، وما يُعاوِنُه ويُقوِّيه، ورتَّبَ الحمْدَ عليه؛ للدَّلالةِ على أنَّه الَّذي يستحِقُّ جنْسَ الحمدِ؛ لأنَّه الكاملُ الذَّاتِ، المُنفرِدُ بالإيجادِ، المُنعِمُ على الإطلاقِ، وما عَداهُ ناقصٌ مملوكٌ؛ نِعمةٌ، أو مُنْعَمٌ عليه، ولذلك عُطِفَ عليه قولُه: وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا [1413] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/270)، ((تفسير أبي السعود)) (5/200).   .
- وجُملةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ تَقْتضي تخصيصَه تعالى بالحمْدِ، أي: قصْرَ جنْسِ الحمْدِ عليه تَعالى؛ لأنَّه أعظَمُ مُستحِقٍّ لأنْ يُحْمَدَ، فالتَّخصيصُ ادِّعائيٌّ؛ بادِّعاءِ أنَّ دَواعِيَ حمْدِ غيرِ اللهِ تعالى في جانبِ دَواعي حمْدِ اللهِ بمنزلةِ العدَمِ [1414] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/239).   .
- في قولِه: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا وصْفٌ بنَفْيِ الولدِ والشَّريكِ والذُّلِّ بكلمةِ التَّحميدِ؛ لأنَّ مَن هذا وصْفُه هو الَّذي يقدِرُ على إيلاءِ كلِّ نِعمةٍ، فهو الَّذي يستحِقُّ جنْسَ الحمْدِ [1415] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/701)، ((تفسير أبي حيان)) (7/129)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/240).   .
- وفي الأمرِ بالتكبيرِ في قولِه: وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا -بعد ما تقدَّم- مؤكَّدًا بالمصدرِ المنكَّرِ، مِن غيرِ تعيينٍ لما يُعَظَّمُ به تعالى؛ فيه تَنبيهٌ على أنَّ العبدَ وإنْ بالغَ في التَّنزيهِ والتَّمجيدِ، واجتهَدَ في العبادةِ والتَّحميدِ، يَنْبغي أنْ يعترِفَ بالقُصورِ عن حَقِّه في ذلك [1416] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/270)، ((تفسير الألوسي)) (8/184).   .