موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (254 - 257)

ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ

غريب الكلمات:


خُلَّةٌ: مودَّة، وصَداقة مُتناهِية في الإخلاص، وأصلْ الخِلِّ: تَقارُب الفُروع، ومنه الخليلُ الذي يُخالُّك [2370] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 93)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 213)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/154)، ((المفردات)) للراغب (ص: 291)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 113). .
الْقَيُّومُ: القائمُ الحافِظ لكلِّ شيء، والمعطي له ما به قِوامُه، والذي لا يَزول، والقائم بأمْر الخَلْق، والعالِم بالأشياء، على وزن فَيْعُول، مِن قُمْتُ بالشِّيء: إذا وَلِيتُه [2371] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 373)، ((المفردات)) للراغب (ص: 691)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 113). .
سِنَةٌ: النُّعاس من غير نوْم، وابتداؤه يكون في الرَّأس، والسِّنَة: الغفلة، والغفوة أيضًا [2372] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 93)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 279)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/111)، ((المفردات)) للراغب (ص: 872)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 113). .
كُرْسِيُّهُ: الكُرسيُّ جسمٌ عظيم، مخلوق بين يَدَي العَرْش، والعرش أعظمُ منه، والكرسيُّ موضِع القَدمينِ للبارئ جلَّ وعزَّ [2373] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/169)، ((المفردات)) للراغب (ص: 706)، ((العرش)) للذهبي (1/351). .
يَؤُودُهُ: يُثقِله، والوَأْد: الثِّقَل؛ يقال: آدَه الشيءُ يؤوده، وآدَه يَئيده، أي: أَثْقَله [2374] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 93)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 503)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/154)، ((المفردات)) للراغب (ص: 97)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 36). .
الرُّشْدُ: الحقُّ، وهو خلاف الغَيِّ، يُستعمَل استعمالَ الهداية، واستقامة الطَّريق [2375] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/398-399)، ((المفردات)) للراغب (ص: 354)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 37). .
الْغَيِّ: خِلاف الرُّشدِ، وهو الانهماكُ في الباطل، والضَّلالُ، والجهلُ بالأمر مِن اعتقادٍ فاسدٍ [2376] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/399)، ((المفردات)) للراغب (ص: 620)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 37)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 113). .
بِالطَّاغُوتِ: الطاغوت: الشَّيطان، والأصنام، وكلُّ مُتعدٍّ، وكلُّ معبودٍ يُعبَد مِن دون الله ورضِي بذلك، وأصْل الطُّغيان: تَجاوُزُ الحدِّ [2377] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 128)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 316)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/412)، ((المفردات)) للراغب (ص: 520)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 37)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 113). .
بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى: العُرْوة: ما يُتعلَّق به، والوُثقَى: المحكَمة [2378] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/296)، ((المفردات)) للراغب (ص: 853)، ((المفردات)) للراغب (ص: 563). .
انْفِصَامَ: انقطاع، وانكسار؛ مِن فَصمتُ القدحَ، أي: كسرتُه وقصمتُه [2379] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 93)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 101)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 114). .
وَلِيُّ: أصْل هذه المادَّة يدلُّ على القُرْب، سواء من حيثُ: المكان، أو النِّسبة، أو الدِّين، أو الصَّداقة، أو النُّصرة، أو الاعتقاد، وكلُّ مَن وَلِيَ أمْرَ آخَرَ فهو وَلِيُّه [2380] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/141)، ((المفردات)) للراغب (ص: 885)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 89). .

المعنى الإجمالي:


يأمُر اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين بالإنفاق ممَّا رزَقهم في وجوه الخير، قبل أنْ يأتي يوم القيامة، ذلك اليوم الذي لا تكون فيه تِجارةٌ، ولا يكون فيه صديقٌ حميم يَنصُر، وليس لهم من شافع يَشفَع لهم عند الله فتُفيدُهم شفاعتُه، إلَّا أنْ يشاء الله، وهؤلاء الكُفَّار المكذِّبون بالله تعالى وبرُسله، الجاحِدون للحقِّ هم الظالمون.
ثم يَصِف نفْسَه عزَّ وجلَّ بأنَّه الإله المعبود الذي لا معبودَ بحقٍّ غيرُه؛ فهو وحده المستحقُّ للعبادة، وله سبحانَه الحياةُ الكاملةُ التي لم يَسْبقها عَدَمٌ، ولا يَلحَقها زوالٌ، وهو القائم بنفْسه الذي لا يَحتاج لأحدٍ، والقائمُ بأمور خَلْقه من رزقٍ وغيره، فجميع الخَلْق مُفتَقِر إليه، ومِن كمال حياته وقَيوميَّته تعالى: أنَّه لا يَعتريه نُعاسٌ، ولا يَغلِبه نومٌ، يَملِك سبحانه جميعَ ما في الكون وحده، لا أحدَ يَشفَع عنده إلَّا بعد أن يأذَن سبحانه له، يعلم سبحانه جميعَ أمور العباد؛ ما مضَى منها وما سيأتي، وجميعُ من هم دونه عزَّ وجلَّ لا يَعلمون شيئًا إلَّا ما علَّمهم بمشيئته، ولِعَظمتِه جلَّ وعلا واتِّساع سُلطانه، أحاط وشَمِل كُرسيُّه- الذي هو موضِع قدميه سبحانه- السَّمواتِ والأرضَ، على الرغم من اتِّساع السَّموات والأرض وعظمتهما، ولا يُثقِله ولا يَشقُّ عليه حِفْظ السَّموات والأرض، بل هو أمرٌ سَهْل ويسيرٌ عليه سبحانه، وهو ذو العُلوِّ المطلَق على جميع مخلوقاته، فهو عليٌّ بذاته، وبقهرِه وكمال صِفاتِه، كما أنَّه ذو العظمة المطلَقة في ذاته وصفاته وسُلطانه.
ثم يُخبِر تعالى أنْ لا إكراهَ في الدِّين، فلا ينبغي أن يُرْغَم أحدٌ على اعتِناق الدِّين الإسلامي؛ فإنَّ الدِّين واضح جَلِيٌّ قد تَميَّز من الضَّلال، وتبيَّنت أدلَّتُه، وظهرتْ حقائقُه. ويُخبِر بعدها تعالى أنَّ مَن يَكفُر بالطاغوت- وهو كلُّ ما تَجاوَز به العبدُ حدَّه من معبود، أو متبوع، أو مُطاع- ويُؤمِن بالله تعالى وحْدَه، فقد تمسَّك بالدِّين القويم، والله يَسمَع مَن يُعلِن كُفْرَه بالطاغوت وإيمانَه بالله، ومَن كان حالُه على عكس ذلك، ويَعلم ما يُخفيه صدْرُ كلٍّ منهما، وسيُجازي كلًّا بحسَبه.
ثم يُخبِر تعالى أنَّ مَن كان مؤمنًا به حقًّا، فإنَّه يتولَّاه على الدَّوام، فيكون عونًا له ونصيرًا، ومؤيِّدًا ومُوفِّقًا، ويَنتشِله من ظُلمات الضَّلال إلى نور الإيمان، وأمَّا الكُفَّار، فإنَّ مَن يتولَّاهم هو الطاغوت؛ فهو حليفُهم الذي يؤيِّدهم ويُعينهم، ويُغْويهم، ومن أعظم الطَّواغيت الشيطانُ الرَّجيم؛ فإنَّه يُسَلَّط عليهم عقوبةً لهم، فيُخرِجهم من النور إلى الظُّلمات، هؤلاء هم أهلُ النَّار الملازِمون لها بلا نهاية، وبئس المصيرُ النارُ.

تفسير الآيات:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا قدَّم الأمرَ بالقتال، وهو بذْلُ النَّفْس في سبيل الله، أَعقَبه بالأمر بالإنفاق، وهو بَذْل المال، وأيضًا فيه وجه آخَر، وهو أنَّه تعالى أمرَ بالقتال فيما سبَق بقوله: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، ثم أَعقَبه بقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا، والمقصود منه: إنفاقُ المال في الجهاد، ثم إنَّه مرَّةً ثانية أكَّد الأمرَ بالقتال، وذكَر فيه قصَّة طالوتَ، ثمَّ أَعقَبه بالأمْر بالإنفاق في الجِهاد [2381] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (6/530). ، فقال:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ.
أي: يُنادي اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين مُنبِّهًا، وحاثًّا لهم على أمرٍ مهمٍّ من مقتضيات إيمانهم، وهو الإنفاقُ في سبيله سبحانه، فأمَرهم الله تعالى أن يُخرِجوا ممَّا أعطاهم من الخير صدقةً؛ واجبة كانت أو مُستحبَّة، ويَشتَروا بها ما عند الله تعالى من نعيم الآخِرة، قبل مجيء اليوم الآخِر الذي يَنقطِع فيه العمل، ولا يَملِك الكُفَّارُ فيه شيئًا يُنفِقونه لله تعالى، ولا مالَ لديهم يَفتدون به من عذابه عزَّ وجلَّ، ليس هذا فحسبُ، بل لا صديقَ حميم يَنصرُهم في ذلك اليوم، ولا ثمَّ شافعٌ يَشْفع لهم عند الله تعالى، فيدفع عنهم ضرًّا، أو يَجلِب لهم خيرًا، فنَفَى الله سبحانه بذلك كلَّ الوسائل التي يُمكِن أن يَنتفِعوا بها في ذلك اليومِ العظيم [2382] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/523-525)، ((تفسير ابن كثير)) (1/671)، ((تفسير السعدي)) (ص: 110)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/247-248)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/244-246). .
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران: 91] .
وقال سبحانه: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: 18] .
وقال عزَّ وجلَّ حكايةً عن أهل النَّار أنهم يقولون: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: 100 - 102] .
وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
أي: إنَّ هؤلاء الكفَّار الذين كذَّبوا بالله تعالى ورُسله عليهم السَّلام، غيرَ مُقرِّين بهم ولا مُنقادِين إليهم، قدْ فعلوا بذلك ما ليس لهم فِعْلُه، ووضَعوا أنفسَهم في غير ما ينبغي أن يكونوا عليه، واختاروا لأنفسهم الكُفْرَ فخسِروها [2383] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/525-526)، ((تفسير ابن كثير)) (1/671)، ((تفسير السعدي)) (ص: 110)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/246-247). .
اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255).
فضْل آية الكُرْسي:
وردت عدَّة أحاديث في فضل آية الكرسي [2384] فُضِّلت آيةُ الكرسيِّ على غيرها، حتى ورد في فضلها ما ورد؛ لاشتمالها على توحيد الله، وتعظيمه وتمجيده، وصفاته العظمى، ولا مذكور أعظم من ربِّ العزة، فما كان ذكرًا له كان أفضل من سائر الأذكار. يُنظر: ((جامع مسائل ابن تيمية)) (3/288)، ((تفسير القاسمي)) (3/662). منها:
- عن أُبَيِّ بن كَعْب رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال له: ((يا أبا المنذِرِ ، أَتدري أيُّ آيةٍ من كتاب اللهِ معك أَعْظمُ؟. قال: قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: يا أبا المنذِرُ، أَتدري أيُّ آيةٍ من كتاب اللهِ معك أَعْظمُ؟. قال: قلتُ: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. قال: فضرب في صدري، وقال: واللهِ، لِيَهْنِك العِلمُ [2385] ليهنك العلم: أي ليكن العلم هنيئًا لك. ((مرعاة المفاتيح)) للمباركفوري (7/191). أبا المنذِرِ )) [2386] رواه مسلم (810). .
- وعن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، قال: ((وكَّلَني رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بحفظِ زكاةِ رمضانَ، فأتاني آتٍ، فجعَل يَحْثو من الطَّعامِ، فأخذْتُه وقلتُ: واللهِ لأرفعنَّكَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، قال: إني مُحتاجٌ، وعليَّ عِيالٌ، ولي حاجةٌ شديدةٌ، قال: فخلَّيتُ عنه، فأصبَحْتُ، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: يا أبا هُرَيرَةَ، ما فعَل أسيرُك البارِحَةَ؟، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، شَكَا حاجةً شديدةً وعِيالًا، فرحِمْتُه فخلَّيْتُ سبيلَه، قال: أَمَا إنَّه قد كذَبَك، وسيعودُ، فعرَفْتُ أنَّه سيعودُ؛ لقَولِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: إنَّه سيعودُ، فرصَدْتُه، فجاء يحثو من الطَّعامِ فأخَذْتُه، فقلتُ: لأرفعَنَّك إلى رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، قال: دَعْني؛ فإنِّي مُحتاجٌ، وعليَّ عِيالٌ، لا أعودُ، فرحِمْتُه فخلَّيْتُ سبيلَه، فأصبَحْتُ، فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: يا أبا هُرَيرَةَ، ما فعَل أسيرُك، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، شَكا حاجةً شديدةً وعِيالًا، فرحِمْتُه فخلَّيْتُ سبيلَه، قال: أَمَا إنَّه كذَبَك، وسيعودُ، فرصَدْتُه الثالثةَ، فجاء يَحْثو من الطعامِ، فأخَذْتُه فقلتُ: لأرفعَنَّك إلى رسولِ اللهِ، وهذا آخِرُ ثلاثِ مراتٍ تزعُمُ لا تعودُ، ثم تعودُ، قال: دَعْني، أُعلِّمْك كلماتٍ ينفَعُك اللهُ بها، قلتُ: ما هو؟ قال: إذا أوَيْتَ إلى فِراشِك، فاقرأ آيةَ الكرسِيِّ: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، حتى تَختِمَ الآيةَ؛ فإنَّك لن يزالَ عليك من اللهَ حافِظٌ، ولا يَقربَنَّك شيطانٌ حتى تُصبِحَ، فخلَّيْتُ سبيلَه فأصبَحْتُ، فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ما فعَل أسيرُك البارِحَةَ؟، قلتُ: يا رسولَ الله، زعَم أنه يُعَلِّمُني كلماتٍ، ينفَعُني اللهُ بها فخلَّيْتُ سبيلَه، قال: ما هي؟ قلتُ: قال لي: إذا أوَيْتَ إلى فِراشِكَ، فاقرَأْ آيةَ الكرسِيِّ من أوَّلِها حتى تختِمَ: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وقال لي: لن يَزالَ عليك من اللهِ حافِظٌ، ولا يقرَبُك شيطانٌ حتى تُصبِحَ- وكانوا أحرصَ شيءٍ على الخيرِ، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: أمَا إنَّه قد صدَقَك وهو كَذوبٌ، تعلَمُ من تُخاطِبُ منذُ ثلاثِ ليالٍ يا أبا هُرَيرَةَ؟ قال: لا، قال: ذاكَ شيطانٌ )) [2387] رواه البخاري (2311). .
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا ذكر اللهُ تعالى أنَّ الكافرين هم الظَّالمون، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ بُعِث إلى النَّاس كافَّةً، وكانوا على غير استقامة في شرائعهم وعقائدهم، سواء اليهود والنَّصارى الذين أحْدثوا بِدْعًا في أديانهم وعقائدهم، ونَسبوا اللهَ تعالى إلى ما لا يجوز عليه، أو العرب الذين كانوا قد اتَّخذوا من دون الله أصنامًا آلهةً، وأشركوا بالله، أتى بهذه الآية العظيمة الدَّالة على إفراد الله بالوحدانيَّة، المتضمِّنة صفاتِه العُلا، من: الحياة، وقَيوميَّته، ومُلْكه لما في السَّموات والأرض، وامتناع الشَّفاعة عنده إلَّا بإذنه، وسَعَة عِلْمه، وعدم إحاطة أحدٍ بشيء مِن عِلْمه إلَّا بإرادته، إلى غير ذلك ممَّا تضمَّنته الآية، نبَّههم بها على العقيدةِ الصَّحيحةِ التي هي مَحْض التَّوحيد، وعلى طرَحْ ما سواها [2388] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/607). .
اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
أي: لا أحدَ معبودٌ بحقٍّ سوى الله تعالى؛ فهو وحده المستحِقُّ للعبادة حبًّا وتعظيمًا له تعالى؛ لكمال صفاته [2389] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/527)، ((تفسير ابن كثير)) (1/678)، ((تفسير السعدي)) (ص: 110)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/250-251). .
كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج: 62] .
الْحَيُّ الْقَيُّومُ.
أي: إنَّ الله تبارك وتعالى هو الذي له الحياة الكاملة، التي لم يَسبِقها عَدَمٌ، ولا يَلحَقها زَوال، المُستلزِمة لجميع صِفاتِ الكمال، وهو أيضًا القائم بنفسه؛ فلا يحتاج لأحد، القائمُ بأمور غيره من خَلْقه من الرِّزق وغيره؛ فكلُّ الموجودات إليه مُفتَقِرة، ولا قِوام لها بدونه، وهذه القَيُّوميَّة مُستلزِمةٌ لجميع أفعال الكمال [2390] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/527-528)، ((تفسير ابن كثير)) (1/678)، ((تفسير السعدي)) (ص: 110)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/251). وممَّن قال مِن السَّلف في معنى القيوم: إنَّه القائم بأمور غيره من خلقه، من الرزق وغيره: الربيع بن أنس، ومجاهد، وقتادة. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/486). .
كما قال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ [الفرقان: 58] .
وقال سبحانه: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [الروم: 25] .
لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ.
أي: ومِن كمال حياته وقيُّوميَّته أنَّه لا يَعتريه سبحانه نُعاسٌ، ولا يَغلِبه نومٌ [2391] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/530-533)، ((الصفدية)) لابن تيمية (2/64)، ((تفسير ابن كثير)) (1/678)، ((تفسير السعدي)) (ص: 110)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/252). وممَّن قال مِن السَّلف: إنَّ السِّنة تعني النُّعاس: ابن عبَّاس، وقتادة، والحسن، والضحَّاك، والسُّدِّي، والربيع، ويحيى بن رافع. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/531). .
لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.
أي: إنَّه يَملِك وحده جميعَ ما في الكون بغير نِدٍّ ولا شريك، والجميعُ عبيده ومملوكون له؛ فلا تنبغي العبادةُ لغيره سبحانه [2392] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/534-535)، ((تفسير ابن كثير)) (1/679)، ((تفسير السعدي)) (ص: 110)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/252). .
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
أي: لا أحدَ يتجاسَر على القيام بالشَّفاعة عند الله تعالى إلَّا بعد إذنه جلَّ وعلا [2393] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/535)، ((تفسير ابن كثير)) (1/679)، ((تفسير السعدي)) (ص: 110)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/252-253). .
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ.
أي: إنَّ الله تعالى يعلم ما بين أيدي خلقه من الأمور الماضية، ويعلم أيضًا ما خلفهم من الأمور المستقبلة [2394] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/535)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 714)، ((تفسير ابن عطية)) (1/341)، ((تفسير ابن كثير)) (1/679)، ((تفسير السعدي)) (ص: 110). .
وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ.
أي: إنَّ سائر من دونه سبحانه لا يعلمون من علم الله تعالى شيئًا البتَّةَ، فلا يعلمون ما بين أيديهم ولا ما خلفهم ولا غير ذلك، إلَّا ما علَّمهم الله تعالى بمشيئته [2395] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/536)، ((الصفدية)) لابن تيمية (2/65)، ((تفسير ابن كثير)) (1/679- 680)، ((تفسير السعدي)) (ص: 110). .
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ.
أي: أحاطَ كرسيُّ المَلِك- تعالى وتقدَّس- بالسَّموات والأرض- على اتِّساعهما وعظمتهما- وشَمِلهما.
والكُرسيُّ: هو موضِع قَدَمَي الربِّ عزَّ وجلَّ [2396] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (6/584-585)، ((تفسير ابن كثير)) (1/681)، ((تفسير السعدي)) (ص: 110)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/254-255). وممَّن قال مِن السَّلف: إنَّ الكرسيَّ هو موضع القدمين: أبو موسى، والسُّدِّي، ومسلم البطين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/538). .
فعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما، قال: (الكرسيُّ موضعُ القدميْنِ، والعرشُ لا يَقْدِرُ أحدٌ قدْرَه) [2397] أخرجه عبد الرزَّاق في ((تفسيره)) (3030)، وابن خزيمة في ((التوحيد)) (1/249)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (2601)، وأبو الشيخ في ((العظمة)) (2/582)، والحاكم (3116). وثَّق رواته الذهبي في ((العلو)) (76)، وصحَّحه موقوفًا ابن كثير في ((تفسير القرآن)) (1/457)، والألباني في ((شرح الطحاوية)) (279). .
وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا.
أي: لا يُثقِله ولا يَشقُّ عليه حِفْظ السَّموات والأرض، بل ذلك سَهْلٌ عليه ويسير [2398] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/542، 544)، ((تفسير ابن كثير)) (1/681)، ((تفسير السعدي)) (ص: 110)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/256). .
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.
أي: إنَّه تَبارك وتقدَّس ذو العُلُوِّ المطلَق على كلِّ مخلوقاته، فهو عليٌّ بذاته فوق عرشه، عليٌّ على خَلْقه بقهره، وكمال صفاته، وهو ذو العَظمة المطلَقة في ذاته وصفاته وسُلطانه، وكلُّ ما سواه حقيرٌ بين يديه، صغيرٌ بالنِّسبة إليه، فلا شيءَ أعظم منه سبحانه وتعالى [2399] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/682)، ((تفسير السعدي)) (ص: 110)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/256). .
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256).
سبب النُّزول:
عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال: (كانت المرأةُ من نِساء الأنصار تكون مِقلاةً [2400] مِقلاة: أي: قليلة الوَلَد. ((النهاية)) لابن الأثير (5/40). ، فتَجعَل على نَفْسها إنْ عاش لها ولدٌ أن تُهوِّدَه، فلمَّا أُجليتِ النَّضيرُ كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا نَدَع أبناءَنا؛ فأنزل الله تعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ........ الآية) [2401] أخرجه الواحديُّ في ((أسباب النزول)) (ص: 52). صحَّحه ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) (93)، وصحَّح إسنادَه ابن كثير في ((إرشاد الفقيه)) (2/169) وقال: لكن رُوي عن سعيد بن جُبَير مرسلًا. وذكَر الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (8/217): أنه رُوي من طرق جميع رِجاله لا مطعنَ فيهم. .
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا اشتملتْ آيةُ الكُرسيِّ السَّابقة على دلائل الوَحدانيَّة، وعظمة الخالق، وتنزيهه عن شوائبِ ما كَفرتْ به الأمم، كان ذلك من شأنه أنْ يسوق ذوي العقول إلى قَبُول هذا الدِّين الواضِح العقيدة، المستقيم الشَّريعة، باختيارهم دون جَبْرٍ ولا إكراه، ومِن شأنه أن يَجعلَ دوامَهم على الشِّرك بمَحَلِّ السُّؤال: أيُتركَون عليه، أم يُكرَهون على الإسلام؟ فكانت الجملة استئنافًا بيانيًّا [2402] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/25). ، فقال تعالى:
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ.
أي: لا ينبغي أن تُرغِموا أحدًا على اعتناق الدِّين الإسلامي؛ إذ لا حاجةَ لذلك؛ فهو أمرٌ واضحٌ وجَلِيٌّ، قدْ تَميَّز من الضَّلال، وتبيَّنت أدلَّته، وظهرتْ حقائقه، فلا خفاءَ فيه ولا غموض، فمَن هداه الله تعالى له، وشرَح صدرَه، دخَل فيه على بيِّنة، ومَن أعمى الله قلبَه، فإنَّه لا يُفيده الدخولُ فيه مُكرَهًا عليه.
والمقصودُ: أنَّ دِين الإسلام من حيث هو، واضحةٌ فيه معالمُ الحقِّ، ويتمايَز بجلاء عمَّا سواه من الباطل، ممَّا يُوجِب اعتناقَه مِن قِبَل كلِّ مُنصِفٍ مُرادُه اقتفاءُ الحقِّ [2403] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/553-555)، ((تفسير ابن كثير)) (1/682-683)، ((تفسير السعدي)) (ص: 111)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/264-266). .
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا.
أي: إنَّ مَن جحَد ربوبيَّة الطَّاغوت وأُلوهيَّته المزعومتين، فتبرَّأ منه ومن عبادته وطاعته- والطَّاغوت: هو كلُّ ما تَجاوَز به العبدُ حدَّه، من معبود، أو متبوع، أو مُطاع- وآمَن بالله تعالى وحده وجودًا ورُبوبيَّةً وأُلوهيَّةً، وبما له من أسماء حسنى، وصفات عُلا، فعبَده وقَبِل خبرَه، وأذْعن لطلبه واتَّقاه، ممتَثِلًا أمره ومجتنبًا نهيه، فإنَّه قد تَمسَّك تمسُّكًا شديدًا بأقوى رِباط، وأَحْكمِ أمر، وهو دِينُ الله تعالى الحقُّ المبرَم، وهو أَوثَق ما يُتمسَّك به لطلب العِصمة والنَّجاة، فيبقى ثابتًا على الحقِّ، مستقيمًا عليه، دون أن يَخشى انقطاعًا وانفكاكًا بخِذلان الله تعالى له وإسلامه إلى التَّهلُكة [2404] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/558-561)، ((تفسير ابن كثير)) (1/683-684)، ((تفسير السعدي)) (ص: 111)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/245)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/266-267). وممَّن قال في معنى العروة الوثقى بنحو ما ذُكر: مجاهد، والسُّدِّي، وسعيد بن جُبَير، والضحَّاك. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/560). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: 36] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ [الزمر: 17] .
وقال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: 60] .
وعن قَيس بن عبَّاد قال: ((كنتُ بالمدينةِ في ناسٍ فيهم بعضُ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ فجاء رجلٌ في وجهِه أثرٌ من خشوعٍ، فقال بعضُ القومِ: هذا رجلٌ من أهلِ الجنةِ، هذا رجلٌ من أهلِ الجنةِ، فصلَّى ركعتينِ يتجوَّزُ فيهما، ثم خرَج فاتَّبَعْتُه، فدخل منزلَه، ودخلتُ، فتحدَّثنا، فلمَّا استأنس، قلتُ له: إنَّك لَمَّا دخلتَ قبلُ، قال رجلٌ: كذا وكذا، قال: سبحان اللهِ ما ينبغي لأحدٍ أن يقول ما لا يعلمُ، وسأُحدِّثك لمَ ذاك، رأيتُ رؤيا على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فقصصتُها عليه، رأيتُني في روضةٍ- ذكَر سَعَتَها وعُشْبَها وخُضْرتَها- ووسَطِ الرَّوضةِ عمودٌ من حديدٍ، أسفلُه في الأرضِ، وأعلاهُ في السَّماءِ، في أعلاهُ عروةٌ، فقيل لي: ارْقَه، فقلتُ له: لا أستطيعُ، فجاءني مِنْصَفٌ- قال ابنُ عونٍ: والمِنْصَفُ: الخادمُ- فقَال بثيابي مِن خَلْفي- وصَفَ أنَّهُ رفعَه من خلفِه بيدِه- فرقِيتُ حتى كنتُ في أعلى العمودِ، فأخذتُ بالعروةِ، فقيل لي: استَمسِك، فلقد استيقظتُ وإنَّها لفي يدي، فقصصتُها على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فقال: تلك الرَّوضةُ: الإسلامُ، وذلك العمودُ عمودُ الإسلامِ، وتلك العُروةُ عُروةُ الوُثْقى، وأنتَ على الإسلامِ حتى تموتَ، قال: والرجلُ عبدُ اللهِ بنُ سلَام )) [2405] رواه البخاري (3813)، ومسلم (2484) واللفظ له. .
وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
مناسبتها لِمَا قبلها:
لَمَّا كان الكُفْر بالطَّاغوت، والإيمانُ بالله تعالى مُتعلِّقًا بالنُّطق باللِّسان، واعتقاد القلب، قال تعالى [2406] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/344). :
وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
أي: إنَّ الله تعالى يسمعُ كلَّ شيء، ومنه سَماعُه إعلان من أعلن الكفرَ بالطاغوتِ، والإيمانَ باللهِ، وإعلان من أعلن خلافَ ذلك، ويعلمُ أيضًا كلَّ شيء سبحانه، ومن ذلك علمه بما في صدور خلقه مِن الإيمانِ والكفرِ؛ فيُجازي كلَّ واحدٍ منهم بحسب ما يَنطِق به لسانه، وما تُضمِره نَفْسه؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر [2407] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/562)، ((تفسير ابن عطية)) (1/344)، ((تفسير السعدي)) (ص: 111). .
اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
أنَّ قوله تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا...... الآية وقع موقِعَ التعليلِ لقوله: لَا انْفِصَامَ لَهَا؛ لأنَّ الذين كفروا بالطَّاغوت وآمَنوا بالله، قد تَولَّوُا اللهَ فصار وَلِيَّهم؛ فبذلك يَستمرُّ تَمسُّكهم بالعُروة الوُثقى، ويأمَنون انفصامَها، وبعكسهم الذين اختاروا الكُفْرَ على الإسلام، فإنَّ اختيارهم ذلك دلَّ على خَتْمٍ ضُرِبَ على قلوبهم، فلم يهتدوا، فهم يَزدادون في الضَّلال يومًا فيومًا [2408] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/30) وقال: (ولأجْل هذا الازدياد المتجدِّد في الأمرين وقع التعبير بالمضارع في: يُخرجهم، ويخرجونهم). ؛ لذا قال:
اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.
أي: مَن آمَن بالله حقًّا، فإنَّه جلَّ وعلا يتولَّاه على الدوام، فيكون عونًا له ونصيرًا، ويؤيِّده ويوفِّقه، ويمكِّنه من التوغُّل شيئًا فشيئًا في طريق اليقين الأوحد، فيَخرُج من ظلمات الضَّلال، ويَخترِق حُجُبَ الشُّبهات والشَّهوات المظلِمة، فيَنكشِف له نورُ الإيمان واليقين، ويُؤتَى نَفاذَ البصيرةِ، ويتجدَّد له السموُّ في مقامات الإيمان، والصُّعود في درجات اليقين، فيُبصِر قلبُه حقائقَ الأمور أكثرَ فأكثر [2409] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/563)، ((تفسير ابن كثير)) (1/685)، ((تفسير السعدي)) (ص: 111)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/30)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/54)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/271). .
كما قال جلَّ وعلا: قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [الأعراف: 195-196] .
وقال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: 17] .
وقال سبحانه: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحديد: 9] .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
أي: إنَّ الكفار يتولَّاهم الطاغوتُ؛ فهو حليفهم الذي يؤيِّدهم ويُعينهم، ويُغوِيهم بدعوى نَصْرهم، وطَلَب فلاحِهم، ومن أعظم الطَّواغيت الشَّيطان؛ فإنَّه يُسلَّط عليهم؛ عقوبةً لهم، فيُزعِجهم إلى الضَّلال إزعاجًا، فيُخرِجهم من الإيمان- إنْ كانوا مؤمنين من قبل- أو يُخرِجهم من نور الفِطرة السَّليمة، أو يُزيِّن لهم مرَّة بعد مرَّة ما هم عليه من الكُفْر والشِّرك، فيَظلُّون باقين في تلك الحُجُبِ المظلِمة التي تزداد كثافةً، وتَحجُب عن أبصارِ قلوبِهم رؤيةَ حقائقِ الإيمان وأدلَّته وطريقه، إلى أنْ يَحينَ انتقالُهم إلى مُستقرِّهم الأخير، فيُلازِمون النَّارَ بلا نهاية، وبئس المصير [2410] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/563، 566، 567)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيِّم (2/219)، ((تفسير ابن كثير)) (1/685)، ((تفسير السعدي)) (ص: 111)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/30-31)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/272-274). .
كما قال تعالى: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: 121-122] .
وقال جل وعلا: إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا [النساء: 116-121] .
وقال سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء: 76] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: 39-40] .

الفوائِد التربويَّة :


1- في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ دلالةٌ على أنَّ الإنفاق من مقتضى الإيمان، وأنَّ البُخْل نقْصٌ في الإيمان؛ ولهذا لا يكون المؤمن بخيلًا؛ المؤمن جَوَادٌ بعِلمه، جَوَاد بجاهه، جواد بماله، جواد ببَدَنه [2411] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/247). .
2- في قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ إشارةٌ إلى أنَّه لا مِنَّةَ للعبد على الله ممَّا أنفقه في سبيله؛ لأنَّ ما أنفقه من رِزْق الله له [2412] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/247). .
3- التَّنبيه على أنَّ الإنسان لا يُحصِّل الرِّزقَ بمجرَّد كسْبه؛ الكسبُ سببٌ، لكنَّ المسبِّب هو الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ؛ فلا ينبغي أن يُعجَب الإنسانُ بنفسه حتى يجعل ما اكتَسبه من رِزقٍ مِن كسْبه وعمَله، كما في قول القائل: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: 78] [2413] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/247). .
4- تسلية الإنسان على المصائِب، ورِضاه بقضاء الله عزَّ وجلَّ وقَدَرِه؛ لأنَّه متى عَلِم أنَّ المُلْك لله وحده، رضي بقضائه؛ كما في قوله: لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [2414] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/259). .
5- التَّحذير من الطُّغيان على الآخَرين؛ لقوله تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ؛ ولهذا قال الله في سورة النِّساء: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء: 34] ؛ فإذا كنتَ مُتعاليًا في نفْسك فاذكُر عُلُوَّ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ وإذا كنتَ عظيمًا في نفْسك فاذكُر عظمةَ الله، وإذا كنتَ كبيرًا في نفْسك فاذكُر كبرياءَ الله [2415] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/263). .
6- أنَّه لا يَتِمُّ الإخلاص لله إلَّا بنفي جميع الشِّرك؛ لقوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ، فمَن آمَن بالله، ولم يَكفُرْ بالطاغوت، فليس بمؤمن [2416] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/268). .

الفوائد العلمية واللَّطائف:


1- أنَّ الكافرين لا تَنفَعهم الشفاعةُ؛ لأنَّه تعالى أَعقَب قولَه: وَلَا شَفَاعَةٌ بقوله تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ، ويؤيِّد ذلك قولُه تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48] [2417] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/248). .
2- قوله: لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ: انتفاءُ البيع والخُلَّة والشَّفاعة فيه كِنايةٌ عن تَعذُّر التَّدارك للفائت؛ لأنَّ المرء يُحصِّل ما يَعوزه بطُرُق، هي المعاوضَة المعبَّر عنها بالبيع، والارتفاق من الغير، وذلك بسببِ الخُلَّة، أو بسبب توسُّط الواسطة إلى مَن ليس بخليل، وهي الشَّفاعة [2418] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/14). .
3- أنَّ الكُفْرَ أعظمُ الظُّلم؛ ووجه الدَّلالة منه: حَصْر الظُّلم في الكافرين؛ وطريق الحَصْر هنا ضمير الفصل: هُمْ [2419] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/16)، ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/248). ، ودخول (أل) على الخبر الظالمون، مما يشعر أنَّهم حصَّلوا الوصف الكامل من الظلم.
4- قوله سبحانه: الحَيُّ القَيُّومُ: اسمان كريمان يَدُلَّانِ على سائر الأسماء الحسنى دَلالةَ مطابقةٍ وتضمُّنٍ ولُزومٍ؛ فالحيُّ: مَن له الحياة الكاملة المُستلزمة لجميع صِفات الذَّات، كالسَّمع والبَصر والعِلم والقُدرة، ونحو ذلك، والقيُّوم: هو الذي قام بنَفْسِه وقام به غيرُه، وذلك مستلزمٌ لجميع الأفعال التي اتَّصف بها ربُّ العالَمين مِن فِعله ما يشاء، من الاستواءِ والنُّزول والكلام والقَول والخَلْق والرَّزْق والإماتة والإحياء، وسائرِ أنواع التَّدبير، كلُّ ذلك داخلٌ في قيوميَّة الباري عزَّ وجلَّ [2420] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 110). .
5- في قوله تعالى: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لم ينفِ الله سبحانه ذكر النوم وحده؛ لئلَّا يُتوهَّم أنَّ السِّنَةَ يجوزُ أن تَطْرُقَه، فيُزيل تمكُّنها بنحو ما يَفعَلُ البَشرُ، من نحو مشيٍ، وضربٍ للوجه بماءٍ وغير ذلك، ولم يَذْكُر السِّنة وحدها؛ لأنَّ النوم ربما يهجم بقوة، دفعة واحدة، من غير تدرُّجِ فتورٍ [2421] يُنظر: ((الفتح القدسي)) للبقاعي (ص: 72). .
6- قُدِّمَت السِّنة على النوم، قيل: مراعاةً للترتيب الوجودي، فلتقدُّمها على النوم في الخارج؛ قُدِّمَت عليه في اللفظ [2422] يُنظر: ((روح المعانى)) للألوسي (2/9) ، وقيل: لأجل التعبير بالأخذ الذي معناه القهر والغلبة قُدِّمت السِّنة، كما لو قيل: فلانٌ لا يغلبه أميرٌ ولا سلطان [2423] يُنظر: ((الفتح القدسي)) للبقاعي (ص: 73). .
7- احتجَّ بعضُ أهل العلم بقوله تعالى: لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ على أنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى؛ لأنَّ قوله سبحانه: لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يتناول كلَّ ما في السموات والأرض، وأفعالُ العِباد من جُملة ما في السَّموات والأرض، فوجب أن تكون مُنتسبةً إلى الله تعالى [2424] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (4/319). .
8- أنَّ الحُكْم الشَّرعي بين النَّاس، والفصل بينهم، يجب أنْ يكون مُستنِدًا على حُكْم الله تعالى، وأنَّ اعتماد الإنسان على حُكْم المخلوقين، والقوانين الوضعيَّة نوعٌ من الإشراك بالله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ الملْك لله عزَّ وجلَّ؛ كما في قوله: لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [2425] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/259). .
9- إثبات الإذن -وهو الأمْر-؛ لقوله تعالى: إِلَّا بِإِذْنِهِ، وذلك الإذن يتعلَّق بالشَّافع والمشفوع فيه، وبوقت الشَّفاعة؛ فليس يَشفعُ إلَّا مَن أذِن الله له في الشَّفاعة، وليس له أن يَشفَعَ إلَّا بعد أنْ يأذنَ الله له، وليس له أنْ يَشفعَ إلَّا فيمَن أذِن الله تعالى له أن يَشفعَ فيه؛ قال تعالى: كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ الله لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: 26] ، وقال أيضًا: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: 28] ، وقال:  مَا مِنْ شَفِيعٍ إلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [2426] يُنظر: ((معارج القبول)) للحكمي (2/887)، ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/260). [يونس: 3] .
10- في قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ إثباتُ الشفاعة، والردُّ على الخوارج والمعتزلة؛ فهم ينكرون الشفاعة في أهل الكبائر؛ لأنَّ مذهبَهما أنَّ فاعل الكبيرة مُخلَّدٌ في النار لا تَنفع فيه شفاعةٌ [2427] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/260). .
11- في قوله تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ: ردٌّ على القدرية الغلاة؛ فإثبات عموم العِلم يردُّ عليهم؛ لأنَّهم أنكروا عِلمَ الله تعالى بأفعال خَلْقه قَبلَ وقوعِها [2428] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/260). .
12- أنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يُحاط به عِلْمًا، كما لا يُحاط به سمعًا ولا بصرًا؛ قال تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام: 103] ، وقال تعالى: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [2429] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/260). [طه: 110] .
13- عظمة خالِق الكُرْسيِّ؛ لأنَّ عِظَم المخلوق يَدُلُّ على عظمة الخالق [2430] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/261). .
14- إثبات ما تتضمَّنه هذه الجُملة: وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا، وهي العِلْم، والقدرة، والحياة، والرحمة، والحِكمة، والقوَّة [2431] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/262). .
15- أنَّ السَّمواتِ والأرضَ تحتاج إلى حِفْظ؛ لقوله تعالى: وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا، ولولا حِفْظ الله لفَسَدتا؛ لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [2432] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/262). [فاطر: 41] .
16- في قوله تعالى: وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا أي: السَّموات والأرض، لم يتعرَّض لذِكر ما فيهما؛ لأنَّ حفظهما مستتبعٌ لحفظه، وخصَّهما بالذِّكر دون الكرسيِّ؛ قيل: لأنَّ حِفظهما أمرٌ مشاهدٌ محسوس [2433] يُنظر: ((روح المعانى)) للألوسي (2 /12) .
17- في قوله تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ ردٌّ على الحُلوليَّة، وعلى المعطِّلة النُّفاة؛ فالحُلوليَّة قالوا: إنَّه ليس بعالٍ؛ بل هو في كلِّ مكان، والمعطِّلة النُّفاة قالوا: لا يُوصَف بعُلوٍّ ولا سُفْل، ولا يمين ولا شِمال، ولا اتِّصال ولا انفِصال [2434] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/263). .
18- أفاد قوله تعالى: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ  أنَّه ليس هناك إلَّا رُشْدٌ أو غيٌّ؛ لأنَّه لو كان هناك ثالث لذُكِر؛ لأنَّ المقام مقام حَصْر، ويَدُلُّ على هذا قولُه تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: 32] ، وقوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [سبأ: 24] [2435] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/267). .
19- أنَّ كلَّ ما عُبِد من دون الله فهو طاغوت؛ لقوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ، ووَجْه هذا: أنَّه سبحانه وتعالى جعل الكُفْر بالطَّاغوت قسيمًا للإيمان بالله، وقسيم الشِّيء غيرُ الشيء، بل هو مُنفصِل عنه [2436] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/268). .
20- أنَّه لا نَجاةَ إلَّا بالكُفْرِ بالطَّاغوت والإيمانِ بالله؛ لقوله تعالى: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [2437] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/268). .
21- أنَّ الأعمالَ تتفاضَل؛ يؤخَذ ذلك مِن اسم التَّفضيل: الْوُثْقَى [2438] الوُثْقى: فُعْلى للتفضيل؛ تأنيث (الأوثق)، كفُضْلى تأنيث (أفْضَل). يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/559). ؛ لأنَّ التَّفضيل يقتضي مُفضَّلًا، ومُفضَّلًا عليه؛ ولا شكَّ أنَّ الأعمال تتفاضل بنصِّ القرآن والسُّنة [2439] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/268). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: وَلَا شَفَاعَةٌ فيه إطلاقُ العامِّ وإرادة الخصوص به؛ إذ المعنى: ولا شفاعة للكُفَّار، أو: ولا شفاعة إلَّا بإذن الله، فعلى الخصوص بالكفَّار: لا شفاعةَ لهم ولا منهم، وعلى تأويلِ الإذن: لا شَفاعة للمؤمنين إلَّا بإذنه [2441] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/605). .
2- قوله: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) فيه من أنواع الفصاحة وعِلْم البيان:
- حُسن الافتتاح؛ لأنَّها افتُتِحت بأجلِّ أسماء الله تعالى [2442] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/620). ؛ فهذا الاسم الكريم إذا ورد على القلب أولًا استبشر به؛ كذلك للتبرك بتقديم ذكر اسم الله عز وجل، ولإظهار المنَّة على هؤلاء بأنَّ الله هو الذي امتنَّ عليهم أولًا، فأخرجهم من الظُّلمات إلى النُّور [2443] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/272). .
- تأكيدُ الخبر باسميَّة الجُملة، ونَفْي الأُلوهيَّة عمَّن سوى الله تعالى بـ(لا، وإلَّا) [2444] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 338). .
- لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ: فيه تَكرار حرْف النَّفي (لا)، وفائدته: بيان انتفائهما على كلِّ حال؛ إذ لو أُسقِطتْ (لا) وقيل: (لا تأخذه سِنَةٌ ونومٌ)، لاحتَمَل انتفاؤهما بقَيدِ الاجتماع [2445] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/610)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 339). .
- قوله: لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ: (ما): للعموم تَشمَل كلَّ موجود، واللام للمِلْك؛ أخبر تعالى أنَّ مظروفَ السَّموات والأرض مِلكٌ له تعالى، وكرَّر (ما)، للتَّوكيد [2446] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/610). . وفيه توكيد الخبر باسميَّة الجملة، والصِّلة، وتقديم ما حقُّه التأخير (له) [2447] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 339). . ويُفيد اختصاص الله تعالى بهذا الملْك؛ لأنَّ الخبرَ حقُّه التَّأخير؛ فإذا قُدِّم أفاد الحصرَ [2448] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/259). .
- وقوله: يَعْلَمُ...: تقرير وتكميل لِمَا تضمَّنه مجموع جُمْلتَي الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، ولما تضمَّنته جملةُ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ فإنَّ جُمْلتَي الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ دلَّتَا على عموم عِلْمه بما حدَث، ووُجِد من الأكوان، ولم تَدلَّا على عِلْمه بما سيكون، فأكَّد وكمَّل بقوله يَعْلَمُ... الآية، وهي أيضًا تعليلٌ لجُملة مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، ولأجْل هذين المعنيين فُصِلتْ الجملةُ عمَّا قبلها، أي: لم تُعطَف عليها بالواو [2449] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/21). .
- وفي هذه الآية العظيمة ترتَّبتِ الجُملُ من غير حرف عطفٍ؛ ففيها ما يُسمَّى بالفَصْل في عِلْم المعاني؛ وذلك لأنَّه ما منها جُملةٌ إلَّا وهي واردةٌ على سبيل البيان لِمَا ترتَّبت عليه، والبيان مُتَّحِد بالمُبين، فلو توسَّط بينهما عاطفٌ لكان كما تقول العرب: بين العصا ولِحائها، فاتَّحد البيانُ بالمُبين في تصوير المُلْك الحقيقيِّ الذي لا يُنازَع فيه، بأرشقِ عبارةٍ، وأدقِّ وصْف [2450] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/301)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/383). .
- وقوله: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ قيل: عُطِفت هذه الجملةُ على ما قبلها، وهو قوله: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ؛ لمغايرتها لها؛ لأنَّ هذه تُشعر بأنَّه سبحانه يَعلمُ كلَّ شيءٍ، وتلك تُفيد أنه لا يَعلمُه غَيرُه، ومجموعهما دالٌّ على تفرُّده تعالى بكمال العِلم [2451]  يُنظر: ((روح المعانى)) للألوسي (2 /10) .
- وتضمَّنت الآيةُ كذلك مِن الإيجاز ما لا مَطمحَ فيه لتقليد أو مُحاكاة؛ فقد اشتَملت آيةُ الكُرْسيِّ على ما لم تَشتمِل عليه آيةٌ مِن آياتِ الله سبحانه، وذلك أنَّها مُشتَمِلة على سَبعة عشرَ موضِعًا فيها اسمُ الله تعالى ظاهرًا في بعضها، ومُستكِنًّا في بعضها الآخر، وقد أوصلها البعضُ إلى واحد وعشرين، وهذا مِن أدقِّ مباحث عِلم المعاني [2452] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/620)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/383). .
3- قوله: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ فيه مَعدولُ الخِطاب [2453] معدول الخطاب (أو تلوين الخطاب): هو تغييرُ الأسلوب، وذلك قد يكون بالعدول عن صِيغة إلى صيغةٍ أخرى، أو بالعدول عن خِطاب إلى خِطاب آخَر، كالخطاب بصيغة الخبر الذي معناه الأمْر، وكالخِطاب العامِّ المراد به المعنى الخاص، وعكسه، أو خِطاب الغَيبة إلى خِطاب المواجهة، والالتفاتُ مِن شُعَبِه. يُنظر: رسالة مستقلَّة بعنوان ((تلوين الخطاب)) لابن كمال باشا. ، أي: جاء الخطابُ بصِيغة الخبرِ، لكنَّ معناه الأمْر - إذا كان المعنى لا تُكرِهوا على الدِّين أحدًا [2454] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/620). .
4- قوله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ قدَّم ذِكْرَ الكُفْر بالطاغوت على الإيمان بالله؛ لإظهار الاهتمامِ بوجوب الكُفْر بالطاغوت [2455] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/344)، ((تفسير أبي حيان)) (2/617). ، ولأنَّه من باب التخلية قبلَ التحلية.
5- وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فيه التصريحُ بلفظِ الجَلالة (الله)؛ لإدْخال الرَّوعةِ وتربية المهابة، وفيه توكيدُ الخبرِ باسميَّة الجُمْلة، والتعبير بصيغة فعيل (سميع- عليم) للمُبالغةِ في الوَصْف [2456] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 341-342). .
6- في قوله: يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
جَمَع الظُّلماتِ وأفْرَد النورَ؛ لسرٍّ بلاغيٍّ عجيب، وهو الإشارة إلى وَحْدة الحقِّ، وتعدُّد أنواعِ الظُّلمات التي هي الضَّلالات، وما أكثرَها! ولأنَّ طريق الحقِّ واضِحةُ المعالم، لا لَبْس فيها، ولا تَشعُّب في مسالكها، أمَّا طريق الضلال؛ فهي مُلتَبِسةٌ على مَن يَسلُكها [2457] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/153)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/389). .