موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (258-260)

ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ

غريب الكلمات:


فَبُهِتَ: انقَطع، وذهبتْ حُجَّتُه، ودَهِش وتحيَّر [2458] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 128)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/307)، ((المفردات)) للراغب (ص: 148)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 114). .
خَاوِيَةٌ: خالية، وخراب؛ فأصْلُ الخَوَاء: الخلوُّ، والسُّقوط، والخلاء [2459] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 94)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 208)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/265)، ((المفردات)) للراغب (1 /305)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 114). .
عُرُوشِهَا: سُقُوفها، وأصْل العَرْش: الارتفاعُ في شيء مبني [2460] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 94)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 208)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/265)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 114). .
أَنَّى: حرْف للبحث عن الحال والمكان، بمعنى (كيف) و(أين)؛ لتضمُّنه معناهما [2461] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 85)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 52)، ((المفردات)) للراغب (ص: 95)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/141)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 107). .
لَمْ يَتَسَنَّهْ: لم يتغيَّر بمرِّ السِّنينَ عليه، مأخوذ من السَّنَهْ، وأصْله يتسنَّن، أُبدِلت النُّونُ هاءً [2462] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 94)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 503)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/103)، ((المفردات)) للراغب (ص: 429)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 37)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 114). .
نُنْشِزُهَا: نُحْيِيها، ونرفعها إلى مواضِعها، ونُحرِّك بعضَها إلى بعض؛ فأصْل النَّشْزِ: الارتفاع والعُلُوُّ [2463] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 95)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 472)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/430)، ((المفردات)) للراغب (ص: 806)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 37)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 114). .
فَصُرْهُنَّ: أمِلْهُنَّ إليك، واجْمَعهن، وضُمَّهنَ إليكَ، أو صِحْ بِهِنَّ، وصِرهنَّ- بكسر الصَّاد -: قطِّعهنَّ [2464] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 96)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 308)، ((المفردات)) للراغب (ص: 498)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 37)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 115). .
سَعْيًا: السَّعي: المشي السَّريع دون العَدْو، وقيل: المعنى هنا: عَدوًا، ويُقال: مشيًا على أرجُلهنَّ؛ لأنَّه لا يُقال للطَّائر إذا طار: سعَى [2465] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 97)، ((المفردات)) للراغب (ص: 411). .

مشكل الإعراب:


قوله: يَأْتِينَك سعيًا: سعيًا: مصدرٌ واقِع موقعَ الحال من ضَمير الطَّير، أي: يأتينك ساعيات، أو ذواتِ سعيٍ، وقيل: هو حالٌ من المخاطَب (إبراهيم عليه السلام) أي: يأتينك وأنتَ تَسعى سعيًا. وقيل غير ذلك [2466] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/139)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/213)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/578). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِر الله تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ عن قصَّة الرَّجل الذي وهَبه اللهُ المُلكَ حين خاصَمَ نبيَّ الله إبراهيمَ عليه السَّلام، وناظَرَه في وجود الله ورُبوبيَّته وأُلوهيَّته، وما حمَله على ذلك وجرَّأه عليه إلَّا المُلْكُ الذي أعطاه اللهُ له، فاستَكبَر وطغى، وأَنكَر وجودَ الله جلَّ وعلا، فأخبره إبراهيمُ عليه السَّلامُ أنَّ الله يُحيي ويُميت، مُستدِلًّا بذلك عليه السَّلامُ على وجود الربِّ تعالى وربوبيَّته وأحقِّيَّته وحده بالعبادة، فردَّ عليه المَلِك- عنادًا- أنَّه أيضًا يَملِك أن يَفعَل هذا الفِعلَ؛ فالإحياء باستبقاء مَن أراد قتْله، أو الإماتة بقتْل مَن أراد إماتته فردَّ إبراهيم عليه السَّلام عليه أنَّ الله َيأتي بالشَّمس كلَّ يوم من جِهة المشرِق، فإنْ كان إلهًا حقًّا، يُحيي ويُميت، فليَجْعلها تَطلُع من جِهة المغرِب، فحينها عَلِمَ ذلك المُحاجِجُ أنه عجَز وانقَطَع عن الإدلاء بحُجَّة، فتحيَّر واندهَش، والله تعالى لا يُوفِّق مَن ظلَم نفسَه بإيثاره الكُفْرَ على الإيمان.
ثم ذكَر الله لنبيِّه محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قصَّة الرَّجلِ الذي مرَّ على قرية فارغة، قد مات أهلها جميعًا، وقد خَرِبتْ أَبنيتُها، فتساءل مُستَبعِدًا: كيف يُمكِن أنْ يُعيدَ اللهُ الحياةَ إلى ما كانت عليه سابقًا؟ فقبَض اللهُ رُوحَه مئةَ عامٍ، ثم أحياه بَعدَها، وسألَه عن المدَّة التي لَبِثها في هذا المكان، فكان جوابه: أنَّه لَبِث إمَّا يومًا أو بعضَ يوم، وظنَّ أنَّه كان نائمًا فاستيقظ، فقال له جلَّ وعلا: بل مَكثتَ مئةَ عامٍ، فشَاهِدْ ما معك من طعامٍ وشراب لم يُغيِّره مرورُ كلِّ هذا الوقتِ، مع كَونهما من أسرع الأشياء تغيُّرًا، وشَاهِدْ حمارَكَ وقد مات وبَلِيتْ عِظامُه، وليجعلك الله للناس حُجَّةً على قدْرته سبحانه، وشاهِدِ العِظامَ الباليةَ لحمارك؛ كيف يُحْييها الله، ويُغطِّيها باللحم، فلمَّا اتَّضَح له، أَمَره اللهُ أنْ يَتيقَّن أنَّ الله قادرٌ على كلِّ شيء، فأقرَّ حينها بيقينِه بذلك.
ثم ذكَر اللهُ لنبيِّه قصَّةَ إبراهيم عليه السَّلام، حين طلَب من ربِّه أن يجعلَه يُشاهِد بعينَيه كيفيَّةَ إحياءِ اللهِ للموتى، فقال له الله تعالى: أَوَلستَ مؤمنًا؟ فأجاب نبيُّ الله إبراهيم عليه السلام: بأنَّه مؤمن، ولا يَعْتريه أيُّ شكٍّ، ولكنْ أراد أنْ يَزداد طُمأنينةً، فأَمَره تعالى أنْ يأخذ أربعةً من الطُّيور، ويَذبحهنَّ ويُقطِّعهنَّ، ثم يُفرِّقهنَّ على رؤوس عِدَّة جبال، ثم يَدْعوهنَّ فيَجئنَ إليه مُسرِعات، ففعل ذلك فأقْبَلْنَ إليه طائرات، فأَمَره اللهُ تعالى أنْ يتيقَّن أنَّه تعالى عليمٌ حكيم.

تفسير الآيات:


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا ذكَر الله تعالى أنه يُخرِج الذين آمَنوا من الظُّلماتِ إلى النُّور، وأنَّ الطَّاغوت يُخرِجون الذين كفروا من النُّور إلى الظُّلمات، ساق ثلاثةَ شواهدَ على ذلك، هذا أوَّلُها وأجمعها؛ لأنه اشتَمَل على ضَلالِ الكافر، وهُدى المؤمن؛ فكان هذا في قوَّة المِثال [2467] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/31). ، فقال تعالى:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ.
أي: ألم تَنظُر يا محمَّد، بقلبك مُتعجِّبًا من هذا المَلِك الذي خاصَم إبراهيمَ عليه الصَّلاة والسَّلام، وناظَرَه في وجود ربِّه ورُبوببيَّته وأُلوهيَّته؟ هل رأيتَ أحدًا مِثْله يُنكِر أن يكون ثَمَّ إلهٌ غيره؟ وما حمَله على هذا التجرُّؤ والتجاهل والمحاجَّة فيما لا يَقبَل الشكَّ، إلَّا طغيانُه وتجبُّره؛ بسبب تملُّكه على رعيَّته مُلْكًا لا يُنازِعه أحدٌ فيه لمدَّةٍ طويلة، فاستكبَر وبغى، فأَنكَر وجودَ العليِّ الأعلى [2468] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/567-568)، ((تفسير ابن كثير)) (1/686)، ((تفسير السعدي)) (ص: 111)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/277-279). .
إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ.
أي: ألم ترَ- يا محمَّد- إلى ذلك المُحاجِج في أمرِ الربِّ عزَّ وجلَّ، حين أخبَره إبراهيمُ عليه الصَّلاة والسَّلام بدليلٍ يُثبِت وجودَ الربِّ ورُبوبيَّته وأحقِّيَّته وحده بالعبادة؛ فهو الخالق المالك المدبِّر، المُنفرِد بأنواع التصرُّف، وقد ذكَر إبراهيمُ منها على سبيل الخصوص: الإحياءَ والإماتةَ، وهي مِن أعظم أنواع التَّدابير التي لا يَقدِر عليها أحدٌ سوى الله تعالى، فيُحْيِي ما كان ميتًا ممَّا يَشاء مِن خَلْقه، ويُميتُ مَن أراد إماتتَه من الأحياء، فحدوثُ هذه الأشياء المشاهَدة بعد عَدَمِها، وعدمها بعد وجودها- دليلٌ قاطِع وواضحٌ على وجود الفاعل المختار؛ لأنَّها لم تَحدُث بنفسها، فلا بدَّ لها من مُوجِدٍ أَوجَدَها، وهو الربُّ الذي دعا إبراهيمُ إلى عبادته وحده لا شريكَ له، فحينها ردَّ عليه المَلِك مُستكبِرًا ومُوهِمًا بأنَّه يَملِك فِعْلَ ذلك أيضًا، غير مُنكِر أنَّ الله تعالى يفعله؛ إذ لم يَقصُر الأمرَ على نفْسه، التي ادَّعى لها هذا المقامَ عنادًا ولَجاجًا بالباطل، مُدَّعيًا أنَّ استبقاءه مَن أراد قتْله، إحياءٌ منه له، وقتْلَه لآخَر إماتةٌ له [2469] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/570)، ((مختصر الصواعق المرسلة)) لابن القيِّم (ص: 93)، ((تفسير ابن كثير)) (1/686)، ((تفسير السعدي)) (ص: 111)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/279-280). وممَّن رُوي عنه من السَّلف في قوله تعالى: قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ بمثل ما ذُكر: قتادة، ومجاهد، وعبد الرحمن بن زيد بن أَسلمَ، والربيع، والسُّدِّي، وابن جريج. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/571) وعليه أكثر المفسِّرين. يُنظر: ((تفسير العثيمين-الفاتحة والبقرة)) (3/280). .
قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ.
أي: لَمَّا أصرَّ هذا الكافرُ على المُغالطةِ والمُكابَرة، ردَّ عليه إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام من خلال ما زعَمه، بأنَّه إنْ كان حقًّا صادقًا في دعواه بأنَّه يَملِك القُدرةَ على الإحياء والإماتة؛ فإنَّه ينبغي أن يكون قادرًا كذلك على التصرُّف في الوجودِ كتسخير كواكبه، قائلًا: هذه الشَّمس الظَّاهرة للعِيان يُحرِّكها اللهُ الذي أَعبُده، فيأتي بها كلَّ يوم لتَطلُع من جِهة المَشرِق، فإن كنتَ إلهًا تُحيي وتُميت كما تَزعُم، فاجعلْها تَطلُع من جِهة المغرب [2470] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/686)، ((مختصر الصواعق المرسلة)) لابن القيِّم (ص: 93)، ((تفسير السعدي)) (ص: 111). ويُنظر أيضا: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/280، 283). .
فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ.
أي: لَمَّا عَلِم هذا المُحاجِجُ عجزَه وانقطاعَه عن الإدلاء بحُجَّة- إذ لا قِبَل له بإيراد شُبْهة تُشوِّش دليلَ إبراهيم عليه السَّلام، ولا عَرْضِ قادحٍ يَقْدَح فيه- تَحيَّر واندهش، فأُخرِس مغلوبًا، وبَطَلت حُجَّته، وقامت عليه حُجَّة الحقِّ [2471] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/570، 571)، ((تفسير ابن كثير)) (1/686)، ((مختصر الصواعق المرسلة)) لابن القيِّم (ص: 93)، ((تفسير السعدي)) (ص: 111)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/280، ). .
وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
أي: إنَّ الله تعالى لا يُوفِّق أهلَ الباطلِ الذين ظلموا أنفسَهم بإيثارهم الكُفْرَ على الإيمان، بل يُبقِيهم على كُفْرهم وضَلالهم، ولو كان قَصْدهم الهدايةَ إلى الحقِّ، لوفَّقهم ويسَّر لهم الوصولَ إليه، فحُجَجهم باطِلة، لا يُمكِن أنْ يُبطِلوا بها حُججَ أهلِ الحقِّ عند المحاجَّة والمُناظَرة [2472] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/576)، ((تفسير ابن كثير)) (1/686)، ((تفسير السعدي)) (ص: 111، 955)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/281). .
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا قرَّر بالآية السابقة ثبوتَ انفرادِ الله بالإلهيَّة، وذلك أصل الإسلام، أَعْقَب بإثبات البعثِ، الذي إنكاره أصْلُ أهلِ الإشراك [2473] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/34). فقال تعالى:
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا.
أي: أَلَمْ تَنظُر أيضًا يا محمَّد، مُتعجِّبًا من هذا الرجل الذي مرَّ على قرية فارِغةٍ، قد فَنِي أهلُها فماتوا جميعًا، وقد سقطت سُقُوفُها، وخرَّت الجِدران عليها، فخَرِبتْ أبنيتُها، فأصبحت مُوحِشةً بلا أنيس، مُقْفِرةً بلا عمارة [2474] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/577، 581-585)، ((تفسير ابن كثير)) (1/687-688)، ((تفسير السعدي)) (ص: 112، 955)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/36)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/286-289). وممَّن قال مِن السَّلف: إنَّ معنى عروشها: سقوفها: الضحَّاك والسُّدِّي. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/501). .
قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا.
أي: لَمَّا مرَّ هذا الرجُلُ بذلك الموضِع الخَرِب الذي كان عامرًا بالحياة، مأهولًا بالسُّكان، وقَف عليه مُتفكِّرًا فيما آل إليه حالُ هذا المكان، فتساءل مُستبعِدًا كيف يُمكِن عَوْد الحياة إلى ما كانت عليه سابقًا [2475] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/348)، ((تفسير ابن كثير)) (1/688)، ((تفسير السعدي)) (ص: 112)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/36)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/289). .
فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.
أي: إنَّ الله تعالى أراد أن يُريَه قُدرتَه على ما استَبْعَدَه، بضرْب المَثَل له في نَفْسه، فقبَض اللهُ سبحانه رُوحَه، وظلَّ مَيِّتًا لمدَّة مئة عامٍ كاملة، ثم أحياه الله عزَّ وجلَّ، فسأله عن مدة مُكْثه في هذا المكان، فأجاب- شاكًّا- بأنَّ لُبْثه لن يعدو يومًا كاملًا أو جزءًا من يوم، ظنًّا منه أنَّه كان نائمًا فاستيقظ، قيل: لأنَّه مات في أوَّل النَّهار وبُعِث في آخره بعد مِئة عام، فظنَّ لما رأى آخِرَ النَّهار أنَّه بقيَّة يومه الذي كان فيه حيًّا، أو أنَّه آخِر النَّهار من اليوم التَّالي [2476] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/586، 596)، ((تفسير ابن كثير)) (1/688)، ((تفسير السعدي)) (ص: 112)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/36)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/289-290). .
قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ.
أي: ليس الأمرُ كما ذكرتَ، فلمْ تَمكُث يومًا أو بعضَ يوم، وإنما مكثتَ مئة عامٍ بتمامها، فلْتُشاهِد الآن خوارقَ العادتِ الدَّالَّة على قُدْرة الربِّ عزَّ وجلَّ، فانظُرْ أولًا إلى ما بحوزتك من طعامٍ وشراب، فإنه لم يتغيَّر مُطلَقًا بمرور كلِّ تلك السِّنين، خلافًا لما جرتْ به العادة، فإنَّ الطعامَ والشَّراب من أسرع الأشياء تغيُّرًا [2477] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/598، 600)، ((تفسير ابن كثير)) (1/688)، ((تفسير السعدي)) (ص: 112، 955)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/36-37)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/290-291). .
وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ.
أي: انظُر بعينَي رأسِك إلى حمارك، وقد مات وتمزَّق لحمُه وجِلدُه، وتفرَّقت أوصالُه، وبَدَتْ عِظامُه النَّخِرة؛ فانظر كيف يُحيِيه اللهُ عزَّ وجلَّ [2478] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/688)، ((تفسير السعدي)) (ص: 112، 955)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/37)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/291). ؟
وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ.
أي: أَمتْناك مِئةَ عامٍ، ثمَّ بعثناك لنُصيِّرك حُجَّةً ودليلًا وعلامةً مرئيَّةً على قدرة الله تعالى، القادر وحده على فِعْل ما يشاء مِن إحياء وإماتة، وعلى إثبات البعثِ من القبور يوم القيامة؛ مِصداقًا لما أَخبَرتْ به رُسلُ الله عليهم السَّلام، وذلك لمن عرَفه مِن ولدِه وقومه ممن عَلِم موته، فرأوا ذاته وتحقَّقوا صفاتِه، ولعموم النِّاس كذلك [2479] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/613-615)، ((تفسير ابن عطية)) (1/350)، ((تفسير ابن كثير)) (1/688)، ((تفسير السعدي)) (ص: 112)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/37)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/291). .
وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا.
القراءات ذات الأثر في التفسير:
في قوله تعالى: نُنْشِزُهَا قراءتان:
1- نُنْشِزُهَا من النَّشَز، وهو: ما ارتفع مِن الأرضِ، والمعنى: نجعلُها بعدَ بِلاها وهمودِها ناشزةً، أي: نرفعُ بعضَها إلى بعضٍ [2480] قرأ بها ابن عامر والكوفِيُّون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/231). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (1/222)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 144). .
2- نُنْشِرُهَا من الإنشارِ، وهو الإحياءُ، أي: نُحييها بعدَ موتِها [2481] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/231). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (1/222)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 144). .
وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا.
أي: انظُر عيانًا إلى تلك العِظام البالية المتفرِّقة لحمارك، وشاهِدْ كيف نُحْييها، وهي ترتفعُ من الأرض فتتَّصلُ ببعضها، فنردُّها إلى مواضعها من الجسد، ونَستُرها باللَّحمِ بعد التئامها، فأحيا الله عزَّ وجلَّ الحِمارَ بالإعادة، من بعد تَحلُّل جَسدِه [2482] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/374)، ((تفسير ابن كثير)) (1/688)، ((تفسير السعدي)) (ص: 112، 955)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/37)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/291، 292). .
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
القراءات ذات الأثر في التفسير:
في قوله تعالى: قَالَ أَعْلَمُ قراءتان:
1- قراءة اعْلَمْ على معنى أنه أمرٌ من الله عزَّ وجلَّ له بالعلم [2483] قرأ بها حمزة والكسائي. ((النشر)) لابن الجزري (2/231، 232). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (1/223، 224). .
2- قراءة أَعْلَمُ على معنى أنَّ ذلك من مقالة الذي أحياه الله تعالى [2484] قرأ بها الباقون. ((النشر)) لابن الجزري (2/231، 232). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (1/223، 224). .
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
أي: فلما اتَّضح له ما كان مُستبعِدًا وقوعه، وظهر له عيانًا، أمره الله سبحانه أن يُدرِك الآن إدراكًا جازمًا بأنَّ الذي فعَل تلك الأشياء العجيبة بقدرته، قادِر أيضًا على أيِّ شيء أراده، فلا يُعجِزه شيء أبدًا، فقال: أُوقِن مطمئنًّا الآن- أكثرَ من أيِّ وقت مضى- بقُدرةِ الله، التي ليستْ لها حدودٌ [2485] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/620، 623)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/374)، ((تفسير ابن كثير)) (1/688)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/38)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/292). وممَّن فسَّرها بناءً على قراءة الأمر (اعلمْ) من السَّلف: ابن عبَّاس، والربيع. ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/620)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/507). وممَّن رُوي عنه من السَّلف معنى قراءة أَعْلَمُ: الحسن، وقتادة، والسُّدِّي، والضحَّاك، وابن زيد. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/506). .    
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
أنَّ في هذه الآية والتي قبلها دَلالةً على البَعْث المنسوب إلى الله تعالى، في قول إبراهيم للملك الذي خاصمه رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، لكنَّ المارَّ على القريةِ أراه اللهُ ذلك في نفْسِه وفي حماره، وإبراهيم أراه الله ذلك في غيره [2486] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/642). .
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى.
أي: واذْكُرْ يا محمَّد، حين طلَب إبراهيمُ عليه السَّلام من ربِّه أنْ يُشاهِد بعينيه كيفيَّةَ إحياء الموتى [2487] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (3/297، 298)، ونسَبَه للجمهور، ((تفسير ابن كثير)) (1/689)، ((تفسير السعدي)) (ص: 112، 955)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/38)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/299). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن جرير)) (4/624، 630). .
قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
أي: فقال الله تعالى لخليله عليه السَّلام: أَوَلستَ قد آمنتَ؟ يعني: أنَّه ما دُمتَ قد آمَنتَ فلِمَ تَطلُبُ هذه الرؤيةَ؟ فأجاب نبيُّ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ بأنَّه مؤمن، لا يَعْتري إيمانَه أدنى شكٍّ، ولكنَّه لفَرْط محبَّته للوصولِ إلى مرتبةِ المُعايَنة، رامَ الترقِّي من درجة عِلْم اليقين إلى عَين اليقين، حتى يزدادَ إيمانًا، ويزدادَ قلبُه طُمأنينةً [2488] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/374)، ((تفسير ابن كثير)) (1/689)، ((فتح الباري)) لابن رجب (1/11-12)، ((تفسير السعدي)) (ص: 112، 955، 956)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/38، 39)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/299-300). تنبيه: قال القرطبيُّ: (وأمَّا قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيمَ)) فمعناه: أنَّه لو كان شاكًّا لكنَّا نحن أحقَّ به، ونحن لا نشكُّ؛ فإبراهيمُ عليه السلام أحْرى ألَّا يشك، فالحديث مبنيٌّ على نفي الشكِّ عن إبراهيم... وإحياء الموتى إنما يثبت بالسَّمع، وقد كان إبراهيم عليه السلام أعلمَ به، يدلُّك على ذلك قوله: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ؛ فالشكُّ يَبعُد على مَن تثبت قدمه في الإيمان فقط؛ فكيف بمرتبة النبوَّة والخُلَّة؟) ((تفسير القرطبي)) (3/298-299). وقال ابن القيم: (طلب إبراهيم أن يكون اليقين عيانًا، والمعلوم مشاهدًا، وهذا هو المعنى الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بالشك في قوله: ((نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيم)) حيث قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى [البقرة: 260]، وهو صلَّى الله عليه وسلَّم لم يَشكَّ ولا إبراهيم، حاشاهما من ذلك، وإنَّما عبَّر عن هذا المعنى بهذه العبارة. هذا أحد الأقوال في الحديث. وفيه قولٌ ثانٍ: أنه على وجه النفي، أي لم يشكَّ إبراهيم حيث قال ما قال، ولم نشكَّ نحن، وهذا القول صحيح أيضًا أي لو كان ما طلبه للشك لكنَّا نحن أحقَّ به منه، لكن لم يطلبْ ما طلَبَ شكًّا، وإنما طلب ما طلبه طُمأنينةً. فالمراتب ثلاث: عِلم يقين يحصُل عن الخبر، ثم تتجلَّى حقيقة المخبر عنه للقلب أو البصر، حتى يصيرَ العلم به عَينَ يقين، ثم يُباشره ويلابسه فيصير حقَّ يقين)، ((مدارج السالكين)) (1/469). وقال أيضًا: (ولَمَّا كان بين العلم والعِيان منزلةٌ أخرى، قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيم» إذ قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى [البقرة: 260]، وإبراهيم لم يَشكَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ورسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم يشكَّ، ولكنْ أَوْقَع اسم «الشك» على المرتبة العِلميَّة باعتبار التفاوت الذي بينها وبين مَرتبة العِيان في الخارج، وباعتبار هذه المرتبة سُمِّي العلم اليقيني- قبل مشاهدة معلومِه- ظنًّا؛ قال تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: 46] وقال تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللهِ [البقرة: 249]، وهذا الظنُّ عِلمٌ جازم، كما قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ [البقرة: 223]، لكن بَينَ الخبر والعِيان فرقٌ) ((مدارج السالكين)) (3/359). .
قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ.
أي: أجاب اللهُ تعالى طلبَه، فأَمَره أنْ يأخذ أربعةَ طيور، وأنْ يَذبَحهنَّ ويُقطِّعهنَّ؛ ليكون ذلك بمرأًى منه، ولِيَتِمَّ الأمرُ على يديه [2489] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/638، 639، 642)، ((تفسير ابن كثير)) (1/689)، ((تفسير السعدي)) (ص: 112، 956)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/300-301). .
ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا.
أي: أَمَر اللهُ تعالى إبراهيمَ عليه السَّلام بتفريق أعضاء الطُّيور الأربعة التي قطَّعهنَّ، وقام بتَنْحِيتهنَّ عنه، بتَبدِيدهنَّ أجزاءً على رؤوس عدَّة جبالٍ؛ لتكون ظاهرةً للعِيان، وأَمَره أنْ يدعوهنَّ، ليُقبِلنَ عليه مُسرِعات، ففعل إبراهيمُ عليه السَّلام ذلك، وجئنَ طائراتٍ على أكمل ما يكون من الحياة [2490] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/648، 649)، ((تفسير ابن كثير)) (1/690)، ((تفسير السعدي)) (ص: 112، 956)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/301-302). .
قال تعالى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: 75].
وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
أي: اعْلَم يا إبراهيمُ، أنَّ الذي فعَل ذلك له كمالُ العِزَّة، فلا يَغلِبه شيءٌ، ولا يَستعصي عليه شيٌء أراده، وأنَّ أفعاله وأقواله وأقداره وشرائعه كلَّها صادرةٌ عن كمال حِكْمته؛ فيَضَع كلَّ شيء في مُوضِعه الصَّحيح، ولا يَفعل- أبدًا- شيئًا عبثًا [2491] يُنظر: ((تفسير بن جرير)) (4/649، 650)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/376)، ((تفسير ابن كثير)) (1/690)، ((تفسير السعدي)) (ص: 112، 956)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/302). .

الفوائِد التربويَّة:


1- في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ دلالةٌ على أنَّ النِّعم قد تكون سببًا للطُّغيان؛ لأنَّ هذا الرجُل ما طغى وأَنكَر الخالقَ؛ إلَّا لأنَّ الله آتاه الملْك؛ ولهذا أحيانًا تكون الأمراضُ نعمةً من الله على العبد؛ والفقر والمصائب تكون نعمةً على العبد؛ لأنَّ الإنسان إذا دام في نعمة، وفي رَغَدٍ، وفي عيشٍ هَنِيء، فإنَّه ربَّما يَطْغى، وينسى الله عزَّ وجلَّ [2492] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/281). .
2- أنَّ اللهَ لا يمنع فضلَه عن أحدٍ إلَّا إذا كان هذا الممنوع هو السَّببَ؛ لقوله تعالى: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ؛ فلظُلْمهم لم يَهدِهم اللهُ، وهذا كقوله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: 5] [2493] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/285). .
3- التَّحذير من الظُّلم؛ لقوله تعالى: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ؛ ومن الظُّلم أنْ يَتبيَّن لكَ الحقُّ فتُجادِل لنُصْرة قولِكَ؛ لأنَّ العدل أنْ تَنصاعَ للحقِّ، وألَّا تُكابِر عند وضوحه؛ ولهذا ضَلَّ مَن ضلَّ مِنْ أهل الكلام؛ لأنَّه تَبيَّن لهم الحقُّ، ولكنْ جادَلوا؛ فبَقُوا على ما هم عليه من ضَلالٍ [2495] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/285). .
4- في قوله تعالى: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: دلالةٌ على أنَّه كلَّما كان الإنسانُ أظلمَ كان عن الهِداية أبعدَ؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ علَّق نَفْي الهدايةِ بالظُّلم؛ وتعليق الحُكْم بالظُّلم يدلُّ على عِلِّيَّتِه؛ وكلما قويتِ العِلَّةُ قوي الحُكْم المُعلَّق عليها [2496] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/285). .
5- أنَّ مَن أخَذ بالعدل كان حَرِيًّا بالهِداية؛ لمفهوم المُخالفة في قوله تعالى: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [2497] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/286). .
6- جوازُ امتِحان العبدِ في معلوماته؛ لقوله تعالى: كَمْ لَبِثْتَ [2498] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/294). .
7- جواز إخبار الإنسان بما يَغلِب على ظنِّه؛ لقوله تعالى: قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ مع أنَّه لَبِث مئةَ عام [2499] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/294). .
8- أنَّه ينبغي التَّفكُّر فيما خلَقه الله عزَّ وجلَّ، وأَحدَثه في الكون؛ لأنَّ ذلك يَزيد الإيمانَ، حيث إنَّ هذا الشيء آيةٌ مِن آياتِ الله؛ كما في قوله: فَانْظُرْ... [2500] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/295). .
9- أنَّه ينبغي النَّظر إلى الآيات على وَجْه الإجمالِ والتَّفصيل؛ لقوله تعالى: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ: مُطلَق، ثم قال تعالى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا... إلخ؛ فيقتضي أنْ نتأمَّل أوَّلًا في الكون من حيث العموم، ثُمَّ من حيث التفصيل؛ فإنَّ ذلك أيضًا يَزيدنا في الإيمان [2501] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/296). .
10- أنَّ الإنسان بالتَّدبُّر والتَّأمُّل والنَّظر يَتبيَّن له مِن آياتِ الله، ما لا يَتبيَّن لو غَفَل؛ لقوله تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ إلخ [2502] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/296). .
11- أنَّه يَلزَم من النَّظر في الآيات العلمُ واليقينُ؛ لقوله تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2503] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/297). .

الفوائد العلمية واللَّطائف:


1- أنَّ المحاجَّة لإبطال الباطل، ولإحقاق الحقِّ من مقامات الرُّسل؛ لقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ... [2504] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/281). .
2- في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ، إشارةٌ إلى أنَّه يَنبغي للإنسان أن يتعلَّم طُرُقَ المناظَرة، والمحاجَّة؛ لأنَّها سُلَّم، ووسيلة لإحقاق الحقِّ، وإبطال البَاطل [2505] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/281). .
3- أنَّ مُلْك الإنسان ليس مُلْكًا ذاتيًّا من عند نفسه؛ ولكنَّه مُعطًى إيَّاه؛ لقوله تعالى: أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ؛ وهذه الآية كقوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ [2506] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/282). .
4- إثبات الأفعالِ الاختياريَّة لله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: يُحْيِي وَيُمِيتُ [2507] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/282). .
5- أنَّ الإنسانَ المُجادِل قد يُكابِر فيدَّعي ما يعلم يقينًا أنَّه لا يَملِكه؛ لقول الرجل الطاغية: قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ؛ ومعلوم أنَّ هذا إنَّما قاله في مضايقة المحاجَّة؛ والإنسان في مضايقة المحاجَّة ربَّما يَلتزِم أشياء هو نَفْسه لو رجَع إلى نفسه لعَلِم أنَّها غير صحيحة، لكن ضَيق المُناظَرة أَوجَب له أنْ يقول هذا؛ إنكارًا أو إثباتًا [2508] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/283). .
6- أنَّ الحقَّ لا تمكن المُجادَلة فيه؛ لقوله تعالى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [2509] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/285). .
7- الردُّ على القَدَريَّة؛ لقوله تعالى: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ؛ لأنَّهم يقولون: إنَّ الإنسانَ حرٌّ: يَهتدي بنفسه، ويَضِلُّ بنفسه؛ وهذه الآيةُ واضحة في أنَّ الهداية بيد الله [2510] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/285). .
8- الإشارة إلى أنَّه لا يَنبغي أنْ يَهتمَّ الإنسانُ بأعيان أصحاب القِصَّة؛ إذ لو كان هذا من الأمور المهمَّة، لكان الله يُبيِّن ذلك: يقول: فلان، ويُبيِّن القريةَ، فالعِبْرة بالمعاني والمقاصِد دون الأشخاص [2511] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/293). .
9- إطلاق القرية على المساكن؛ لقوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، مع أنَّه يَحتمِل أنْ يُراد بهذه الآية المساكنُ والسَّاكن؛ لأنَّ كونها خاويةً على عروشها يَدلُّ على أنَّ أهلها أيضًا مفقودون، وأنَّهم هالِكون [2512] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/293). .
10- أنَّ الإنسانَ إذا استَبعَد وقوعَ الشَّيء- ولكنَّه لم يَشُكَّ في قدرة الله على هذا الذي استبعده- لا يَكفُر بهذا؛ لقول الرجل الذي مرَّ على القرية: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [2513] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/293). .
11- أنَّ الله قد يَمُنُّ على عبده بأنْ يُريه مِن آياتِه ما يَزداد به يقينُه؛ لقوله تعالى: فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ... إلخ [2514] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/294). .
12- أنَّ قُدرةَ الله فوق ما هو مُعتاد من طبيعة الأمور، حيث بقي هذا الطَّعام والشَّراب مئة سَنةٍ لم يتغيَّر [2515] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/294). .
13- أنَّ الله يُحدِث للعبدِ ما يكون عِبْرةً لغيره؛ لقوله تعالى: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ، ومِثْل ذلك قوله تعالى عن مريمَ وابنها عيسى عليهما السَّلام: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ [2516] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/295). .
14- أنَّ الله عزَّ وجلَّ جعَل اللَّحمَ على العِظام كالكُسْوة؛ بل هو كُسْوة في الواقع؛ لقوله تعالى: ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا، وقال تعالى: فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا؛ ولهذا تَجِد اللَّحمَ يَقي العِظام من الكَسْر والضَّرر؛ لأنَّ الضَّرر في العِظام أشدُّ من الضَّرر في اللَّحم [2517] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/296). .
15- الردُّ على مُنكِري قيام الأفعال الاختياريَّة بالله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: فَأَمَاتَهُ اللهُ.... ثُمَّ بَعَثَهُ، وهذه أفعال مُتعلِّقة بمشيئته، واختياره: متى شاء فعَل، ومتى شاء لم يفعلْ [2518] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/296). .
16- أنَّ كلام الله عزَّ وجلَّ بحروف، وأصوات مسموعة؛ لقوله تعالى: كَمْ لَبِثْتَ، وقوله تعالى: بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ؛ فإنَّ مَقولَ القول حروف بصوت سَمِعه المُخاطَب، وأجاب عليه بقوله: لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ؛ ولكنَّ الصَّوتَ المسموع من كلام الله عزَّ وجلَّ ليس كصوتِ المخلوقين؛ الحروف هي الحروفُ التي يُعبِّر بها النَّاسُ؛ لكن الصَّوتَ لا؛ لأنَّ الصَّوتَ صِفةُ الربِّ عزَّ وجلَّ؛ والله سبحانه وتعالى يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [2519] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/297). .
17- في قوله: فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ   ثُبُوتُ كَراماتِ الأولياء؛ وهي كلُّ أَمْرٍ خارِقٍ للعادة يُجريه الله عزَّ وجلَّ على يدِ أحدِ أوليائه؛ تكريمًا له، وشهادةً بصِدْق الشَّريعة التي كان عليها؛ ولهذا قيل: كل كرامة لِولِيٍّ، فهي آية للنبيِّ الذي اتَّبَعه [2520] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/297). .
18- أنَّ التَّوسُّل إلى الله برُبوبيَّته من آداب الدُّعاء التي يَتوسَّل بها الرُّسُلُ؛ لقوله تعالى: رَبِّ؛ لأنَّ إجابةَ الدعاء من مُقتضيات الرُّبوبيَّة [2521] يُنظر: ((الموافقات)) للشاطبي (4/203)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/302). .
19- أنَّه لا حَرَج على الإنسان أنْ يَطلُب ما يزداد به يقينُه، لقوله تعالى: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى؛ لأنَّه إذا رأى بعينه ازداد يقينُه [2522] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/303). .
20- إثبات الكلام لله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ، وقوله تعالى: قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً...؛ والله سبحانه وتعالى يتكلَّم بما شاء، متى شاء، كيف شاء، بما شاء: مِن القولِ، متى شاء: في الزَّمن، كيف شاء: في الكيفيَّة [2523] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/304). .
21- جوازُ الاقتِصار في الجواب على الحرف الدَّالِّ عليه؛ لقوله تعالى: بَلَى؛ وعليه فلو قيل للرجل: أَلَمْ تُطلِّق زوجتَك؟ فقال: (بَلَى)، طلقتْ، ولو قيل للرجل عند عَقْد النِّكاح: أَقبِلتَ النِّكاحَ، وقال: (نعم)، انعَقَد النِّكاحُ؛ لأنَّ حرف الجوابِ يُغني عن ذِكْر الجُمْلة [2524] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/307). .
22- امتِنان الله على العبدِ بما يَزداد به إيمانُه؛ لقوله تعالى: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ.... إلى قوله تعالى: يَأْتِينَكَ سَعْيًا [2525] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/307). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
- في قوله أَلَم تَرَ: همزةُ الاستفهامِ لإنكارِ النَّفي، وتقريرِ المنفيِّ، أي: أَلَمْ تَنظُرْ، أو ألم يَنتهِ عِلمُك إلى هذا الطَّاغوت المارِدِ كيف تصدَّى لإضلال النَّاس وإخراجهم من النَّور إلى الظُّلمات؟ [2526] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/251)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 344). ، وبلاغة القرآن الكريم في عَرْض الأمور العجيبة مَعرِض التَّقرير والاستفهام؛ لأنَّ (التقَّرير) يَحمِل المُخاطَبَ على الإقرار؛ و(الاستفهام) يُثير اهتمامَ الإنسان؛ فجمع بين الاستفهام والتَّقرير [2527] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/281). .
- النُّكتةُ في الإظهار مقام الإضمار في قوله تعالى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ؛ لأجل أنْ نقول: كلُّ مَن جادَل كما جادَل هذا الرَّجل فهو كافر، ففيها إثباتُ أنَّ مَن جَحَد الله فهو كافر [2528] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/285). .
- قوله: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فيه إطناب بالتذييل؛ لتقرير مضمون ما قبله، أي: لا يَهدي الذين ظَلموا أنفسَهم بتعريضِها للعذابِ المُخلَّد؛ بسبب إعراضِهم عن قَبُول الهداية إلى مناهج الاستدلالِ، أو إلى سبيل النَّجاةِ أو إلى طريق الجنَّةِ يوم القيامة [2529] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/252). . وفيه توكيدُ الخبر باسميَّة الجملة، والنفي، وإظهارُ لفظة الجلالة (وَاللهُ)؛ لتربية المهابَة [2530] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/252). .
2- قوله: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ فيه من بَلاغَة القرآن تنويعُ الأدلَّة، والبراهين على الأمور العظيمة؛ فهذه الآية وما قبلها وما بعدها، كلُّها في سِياق قُدرة الله عزَّ وجلَّ على إحياء الموتى [2531] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/292). .
3- في قوله: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا أَوْجُه بلاغيَّة؛ منها:
- الاستفهام في أَنَّى؛ للتَّعجُّب، والاستبعادِ، والاستِعظامِ [2532] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/304)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش  (1/398)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 346). .
 - وفيه تقديم المفعول (هذه) على الفاعل (اللهُ)؛ للاعتناء بها من حيثُ إنَّ الاستبعاد ناشئٌ مِن جِهتِها، لا مِن جِهة الفاعلِ [2533] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/253). .
- وفيه طِباق بين الإحياء والإماتة [2534] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/253). ، وهو يُبرز المعنى ويوضِّحه.
4- قوله: أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عبَّر بصيغةِ المضارعِ (أَعلَمُ)؛ للدَّلالة على أنَّ عِلمَه بذلك مستمِرٌّ ومُتجَدِّد؛ نظرًا إلى أنَّ أصْلَه لم يَتغيَّرْ ولم يتبدَّل، بل إنَّما تَبدَّل بالعِيان وصفُه، إشعارًا بأنَّه إنما قال ما قال بِناءً على الاستبعاد العادي، واستِعْظامًا للأمر [2535] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/255)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/38). .
5- وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ... وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)
رَبِّ: كلمة استعطافٍ قُدِّمت بين يدي الدُّعاء مُبالغةً في استِدعاء الإجابةِ [2536] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/256). .
- أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: فيه توكيدُ الخبرِ بأنَّ، واسميَّة الجملة، والتَّعبير بصِيغة فَعيل عَزِيزٌ حَكِيمٌ؛ للمُبالَغة في الوصف [2537] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 347-348). .
- وفي هذه الآية إيجازٌ بالحذْف، حيث حذَف تتمَّة القصَّة، وحَكَى سبحانه أوامرَه، ولم يَتعرَّض لامتثالِ إبراهيم عليه السَّلام لها؛ لأنَّ ذلك مُدرَكٌ بالبَداهة [2538] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/403)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 348). .