موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (243 - 252)

ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ

غريب الكلمات:


يَقْبِضُ: يُضيِّق ويُمسِك، وقبْضُ اليَدِ على الشَّيءِ: جمعُها بعدَ تناوُله، وقَبضُها عنه: جمْعُها قبلَ تناوُله [2247] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 652)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 112). .
الْمَلَأ: أشراف النَّاسِ ووجوههم [2248] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 92)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 411)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/346). .
بَسْطَةً: أي: سَعَةً؛ يقال: بسطت الشيء إذا كان مجموعًا: ففتحتَه ووسعتَه، وأصل (بسط): امتداد الشَّيء وسَعَته [2249] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 92)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/247)، ((المفردات)) للراغب (ص: 123). .
التَّابُوتُ: الصُّندوق والوِعاء، ومنه سُمِّي القَلب تابوت الحِكمة [2250] يُنظر: ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 112)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 323). .
سَكِينَةٌ: طُمأنينة، وزوالٌ للرُّعب، وأصْل سَكَن: خلاف الاضطِرابِ والحرَكَة [2251] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 92، 186)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/88)، ((المفردات)) للراغب (ص: 417). .
فَصَلَ: أي: خرَج [2252] يُنظر: ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 36). .
بَرَزُوا: خرَجوا إلى الفَضاء والمتَّسع من الأرض، أصله: ظهور الشيء وبُدوُّه، ومنه سُمِّي الفضاء؛ لأنَّه ظاهرٌ وبادٍ غير خفي [2253] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/218)، ((المفردات)) للراغب (ص: 118). .
أَفْرِغ: اصْبُبْ علينا، كما يُفرَغ الدَّلوُ، أي: يُصبُّ ما فيه [2254] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/493)، ((المفردات)) للراغب (ص: 632). .

المعنى الإجمالي:


يُخبر تعالى عن قصَّة الذين فرُّوا مِن دِيارهم وهم جموعٌ مكوَّنةٌ من آلاف الأشخاص، وقد كان فرارُهم خوفًا من نزول الموت بهم، إما لوباءٍ حلَّ في موطنِهم، أو لعدوٍّ هاجَمَهم في أرضهم، فأَماتَهم الله عزَّ وجلَّ جميعًا؛ معاملةً لهم بنَقيض قصدِهم، ثم أحياهم بعدَ مُدَّة من الزَّمن تفضلًا منه سبحانه وتعالى عليهم؛ فالله جلَّ جلاله صاحب الإحسان والإنعام على النَّاس كافَّةً، لكنَّ أكثرهم لا يُقابِلون ذلك الفضلَ بما يستحقُّه من شُكرٍ.
ثم أمَر الله عباده المؤمنين بقتال أعداء الدِّين لإعلاء كلمته سبحانه، وأنْ يَعْلَموا أنَّ الله سميع لأقوالهم، عليم بأحوالهم، وذلك مدعاةٌ لهم لأن يحذَروا من مخالفة أمره.
ورغَّب سبحانه وتعالى بعدَها في الإنفاق من المال الحلال؛ احتسابًا للأجْر، وطلبًا لمرضاة الله تعالى في أوجه الخير كالجهاد ونحوه، فإنَّ الله يُثِيب فاعل ذلك على عمله، ويزيده مرَّةً بعد مرَّة زيادات كثيرة، وحتى لا يتوهَّم متوهِّم أنَّ الإنفاق مدعاةٌ إلى الافتقار أخبر الله سبحانه أنَّه هو مَن يُوسِّع رِزق مَن يشاء من عباده، ويقبض الرزق عمَّن يشاء، فلْيُنفِقوا ولا يتخوَّفوا؛ فإليه سبحانه الرجوع يوم القيامة فيجازيهم على أعمالهم.
ثم يُخبِر تعالى عن قصَّة مِن قَصص بني إسرائيل جرَت أحداثها من بعد وفاة موسى عليه السَّلام، حيث اجتمع أشرافُهم ووجهاؤهم طالبينَ من أحد أنبيائهم أن يُعيِّن لهم مَلِكًا يُوحِّد أمرهم، ويُقاتلون جميعًا تحت لوائه أعداءَ الله تعالى، فسألهم نبيُّهم عليه السلام هل يتوقَّعون إنْ فرَض اللهُ عليهم القتالَ أن يَفُوا بما وعَدوا من القيام بالجهاد. فأجابوا بأنَّه لا شيء يحولُ بينهم وبين الجهاد في سبيل الله، وخاصة بعد أنْ أُخرجوا من ديارهم، وسُبي أبناؤهم، فلمَّا فرَض الله عليهم القتالَ لمْ يفوا بالوعد! بل أدْبروا ناكلينَ عن الجهاد إلَّا عددًا قليلًا منهم، والله تعالى يعلم مَن ظلم منهم، وأخلف وعده، وسيجازيه على ظلمه.
ثمَّ أعلمهم نبيُّهم أنَّ الله قد أجابهم إلى ما طلَبوا، وعيَّن لهم طالوتَ ملِكًا عليهم، وكان طالوت رجلًا من عامَّتهم، لا ينتمي إلى سِبط ملوكِ بني إسرائيل، فلم يُسلِّموا لما اختاره الله لهم! بل اعترضوا على ذلك فقالوا: كيف يكون ملِكًا علينا وهو دُوننا في الشَّرف، وهو مع ذلك ليس من أصحاب الأموال، كما هو حال الملوك؟! فأخبرهم نبيُّهم عليه السلام عند ذلك أنَّ الله هو الذي اختاره لهم، واختصَّه مِن بينهم، وأعطاه زيادةً في العِلم، وطولَ قامةٍ، وقوَّةً في الجسد، ثم إنَّ المُلك لله وحْده يؤتيه مَن يشاء، وهو سبحانه واسعُ الفضل والكرم، لا يخصُّ بكرمه شريفًا عن وضيع، أو غنيًّا عن فقير، عليمٌ بكلِّ شيء، ومن ذلك عِلمُه بمَن يصلُح للمُلك من غيره.
وقال لهم نبيُّهم أيضًا: إنَّ العلَامةَ الدالَّة على صحَّة تنصيبِ طالوت ملكًا عليهم هي أن يُردَّ إليهم التابوتُ الذي سُلِب منهم، فتطمئنَّ به قلوبهم، وحاويًا ما يُهدِّئ نفوسهم، وممَّا يحويه أشياء تبقَّت من تَرِكة موسى وهارون عليهما السلام، يحمل هذا التابوتَ إليهم الملائكةُ عليهم السَّلام، وإنَّ في هذا الأمر لعلامةً واضحة لكم على اختيار الله لطالوت؛ ليكونَ ملِكًا عليكم، إنْ كنتم مؤمنين بالله، ومصدِّقين لما أخبرتكم به.
فلمَّا أَذعنوا أخيرًا لِمُلْك طالوت عليهم بعد أنْ جاءهم التابوت، انضمُّوا إليه لقتال عدوِّهم، فلمَّا جاوَزوا موطنهم في طريقهم إلى ملاقاة العدوِّ، أعلمهم طالوت أنَّ الله مختبرُهم بنَهَرٍ؛ ليُظهِر الكاذب من الصادق، ويتميَّز الصابر من الجازع، وأَعلن طالوتُ براءتَه مِن كلِّ مَن يَشربُ منه، وأنَّه لن يَصحبَه مع الجيش إلى القِتال، وأنَّ مَن لم يَطْعَمه- إلَّا أن يَغترِفَ بكفِّه غرفةً واحدة- فإنَّه منه،  فشَرِب معظمُهم، ولم يُطعِ الأمر إلا قليلٌ منهم ممَّن وفقهم الله تعالى وثبَّتهم.
فلمَّا تعدَّى طالوت النهر ومَن آمن معه، ممَّن أطاعوه فلم يشربوا من النهر أو شربوا غرفة واحدة- قال بعضُهم لَمَّا رأَوا من كثرة أعدائهم مقارنة بعددهم القليل: لا قُدرةَ لنا هذا اليوم بقتال جالوت وجنودِه؛ لكثرة عددِهم وعَتادهم، فحينها قال لهم الموقِنون برُجوعهم إلى الله تعالى: ما أكثرَ ما تغلبُ الجماعةُ القليلة الجماعةَ الكثيرة! وذلك بمشيئة الله عزَّ وجلَّ؛ فلا تفيد الكثرةُ مَن خَذَله الله، ولا تضرُّ القِلَّةُ مَن وفَّقه الله، والله سبحانه مع الصَّابرين.
ولَمَّا ظهَر المؤمنون- طالوتُ وجُنوده- لجالوتَ وجُنودِه، دعا أهلُ الإيمان ربَّهم أن يُلهِمَهم الصَّبر، ويثبِّت أقدامَهم، وأنْ ينصرَهم على أهل الكفر، فاستجاب الله دُعاءَهم، وغلَب المؤمنون عدوَّهم، وسلَّط اللهُ داودَ عليه السلام على جالوت فقتله، وأعطا الله داودَ المُلكَ والنبوَّة وآتاه من العِلم ما يشاء سبحانه. ولولا أن الله يدفع بالمؤمنين المجاهدين في سبيله كيدَ الكفَّار والفجَّار لحلَّ بالأرض الفساد، ولكن الله ذو فضلٍ واسع على جميع خلقه.

تفسير الآيات:


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا قال الله تعالى: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ذَكَر هذه القصة؛ لأنَّها من عظيم آياته، وبدائِع قدرته، فقال جلَّ وعلا [2255] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/559-560)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (3/385-388). :
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ.
أي: ألم تعلمْ يا محمَّد، خبرَ تلك الجموع المؤلَّفة من آلاف الأشخاص، الذين فرُّوا من دُورِهم وموطنِهم ابتغاءَ السَّلامة من الموت، إما حذرًا من إصابتهم بوباءٍ وقع في بلادهم، أو خوفًا من مقاتلة عدوٍّ يدهمهم في أرضهم [2256] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/413، 423، 424)، ((تفسير السعدي)) (ص: 106)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/194-195). وممَّن قال من السَّلَف: إنَّ فرارهم كان من أجْل الطَّاعون: ابن عبَّاس-في رواية عنه. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/456). وممَّن قال من السَّلَف: إنَّهم فرُّوا خوفًا من مقاتلة عدوٍّ: ابن عبَّاس-في رواية أخرى عنه-والضَّحَّاك. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/424)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/456). .
فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ.
أي: أمَر الله تعالى أمرًا كونيًّا بأنْ يموتوا، فماتوا، ثم أحياهم اللهُ تعالى بعدَ مُدَّة، فقاموا، فهؤلاء لَمَّا فروا- إمَّا من الوباء، أو مِن مقاتلةِ الأعداء؛ طلبًا لطولِ الحياةِ والبقاء- عُومِلوا بنقيض ما قَصدوا، وجاءهم الموت جميعًا فحُصدوا، وفي هذا حثٌّ للمؤمنين على جِهاد الأعداء، بإعلامهم أنَّ إليه وحده الإماتةَ والإحياء، وأنَّ الفرار من القتال والبقاء في الدُّور للاختباء، ليس بمُنجٍ أحدًا من وقوع القَدَر والقضاء [2257] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/425)، ((تفسير ابن كثير)) (1/661)، ((تفسير السعدي)) (ص: 106)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/152-153)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/195). .
إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ.
أي: إنَّ الله تعالى هو صاحبُ الإحسان والإنعام على عموم النَّاس، ومِن ذلك تفضُّلُه عليهم ببيان آياته، وطريق إحياء أرواحهم بنور الهدى، ومنها إحياء أبدانهم بإنقاذهم من الموت والهلاك، وكان الواجب على النَّاس تقديم الشكر لله تعالى في مقابل تلك النِّعم، إلَّا أنَّ الصفة السَّائدة لديهم هي القيام بجحودِها، بالكفر، أو العصيان، أو الغفلة والنِّسيان [2258] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/425-426)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/355)، ((تفسير السعدي)) (ص: 106)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/195-196). .
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا بيَّن سبحانه وتعالى أنَّ الموت لا يصون منه فرارٌ، أمرَ بالجهاد [2259] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (3/400). .
وأيضًا لَمَّا بيَّن تعالى بعض ما يتعلَّقُ بالنِّكاح من أحكام، ذكَر حُكم القِتال؛ لأنَّ النكاحَ تحصينٌ للدِّين، والقِتال تحصينٌ للدِّين والأرواح والأموال، فقال تعالى [2260] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/559-560)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (3/385-388). :
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244).
أي: كما أنَّ الحذر لا يُغني من القدْر، فكذلك الفرار من الجهاد وتجنُّبه لا يُقرِّب أجلًا، ولا يُباعِده، فقاتلوا- أيُّها المؤمنون- أعداءَ دِينكم؛ لإعلاء دين ربِّكم الذي هداكم له، واعلموا أنَّه لا يُفيدكم القعود عن القتال شيئًا، وإنْ ظننتم أنَّ في القعود بقاءَكم، فليس الأمر كذلك؛ فلا تجبُنوا عن لقائهم، وتقعُدوا عن حربِهم؛ فإن بيدي حياتَكم وموتَكم، فلا تخافوا الموت على أنفسكم، واشكروا الله تعالى بطاعة ربِّكم، واعلموا أنَّ الله عزَّ وجلَّ سميعٌ لأقوالكم؛ عليمٌ بأحوالكم؛ فاحذروا من المخالفة، وقوموا بما أوجب الله تعالى عليكم، فإنَّ الله سبحانه يُجازي كلًّا بعمله؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر [2261] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/426-427)، ((تفسير ابن كثير)) (1/662)، ((تفسير السعدي)) (ص: 107)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/198-199). .
قال تعالى: الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران: 168].
وقال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: 77-78].
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا حثَّ الله عزَّ وجلَّ على القتال، حثَّ على الإنفاق؛ فإنَّ القِتال يَستدعي أموالًا لتجهيزِ الجيش بالعددِ والعَتاد [2262] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/481). ، فقال تعالى.
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً.
القراءات ذات الأثر في التفسير:
في قوله تعالى: فَيُضَاعِفَهُ لَهُ قراءتان:
1- فَيُضَعِّفه، وتعني: المداومة وتكرير الفِعل، أي يستمر في المضاعفة مرَّةً بعد مرَّة [2263] قرأ بها ابنُ كَثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 159). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 98)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 139)، ((الكشف)) لمكي (1/300). .
2- فَيُضَاعِفه، وتعني: كثرة ما يُضاعف [2264] قرأ بها الباقون . يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 159). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 98)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 139)، ((الكشف)) لمكي (1/300). .
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً.
أي: هل ثمَّة أحدٌ يقتطع جزءًا من ماله الحلال، فينفقه احتسابًا للأجْر، وطلبًا لمرضاة الله تعالى، في أوجه الخيرِ كالجِهاد وغيره، طيِّبةً نفسُه بذلك، ودون أن يُتبع نفقتَه منًّا أو أذًى- فإنَّ الله تعالى لا يَقضيه مثله في الأجر وحسب؟ بل يَزيده الغنيُّ الكريم مرَّة بعد مرَّة، زياداتٍ كثيرة، قد تبلغ سبعمئة ضِعفٍ وتزيد [2265] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/428-431)، ((طريق الهجرتين)) لابن القيم (ص: 363)، ((تفسير ابن كثير)) (1/662-663)، ((تفسير السعدي)) (ص: 107)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/153)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/201-203). .
كما قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 261-262].
وعن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((ينزلُ اللهُ في السَّماءِ الدنيا لِشطرِ الليلِ، أو لِثُلُثِ الليلِ الآخرِ، فيقولُ: مَن يدعوني فأَستجيبَ له! أو يسألُني فأُعطِيَه! ثم يقولُ:مَن يُقْرِضُ غيرَ عديمٍ ولا ظَلُومٍ ؟ )) [2266] رواه مسلم (758). .
وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
مناسبتها لِمَا قبلها:
لَمَّا كان الإنسانُ ربَّما يتوهَّم أنَّه إذا أنفق افتقر؛ دفَع سبحانه هذا الوهم بقوله [2267] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 107). :
وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
أي: يُضيِّق الله تعالى الرزق على مَن يشاء من عباده، ويُوسِّعه على مَن يشاء منهم، فالتصرُّف كلُّه بيديه، والأمور كلُّها راجعةٌ إليه؛ فالإمساكُ لا يبسط الرِّزق، والإنفاقُ لا يقبضه، فأنفِقوا- أيُّها العباد- ولا تُبالُوا؛ فالله هو الرزَّاق، وهو مع ذلك غير مضيِّع أعمالكم، بل تجدون ما قدَّمتموه مُوفَّرًا مُضاعَفًا، يوم ترجعون فيه إلى ربِّكم فيُجازيكم بأعمالِكم [2268] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/432-435). .
كما أنَّ اللهَ تعالى هو الذي قبَض الرِّزق عمَّن حثَّ على مَعونتِه وإعطائه؛ ليبتليَه بالصبر، وهو الذي بَسط على آخَر؛ ليمتحنه بعمله فيما بسط عليه، ويجازي يوم القيامة كل واحد منهما على قدر طاعتهما له سبحانه فيما ابتلاهما به، من غنًى وفاقةٍ، وسَعَةٍ وضيقٍ [2269] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/432-435)، ((تفسير ابن كثير)) (1/664)، ((تفسير السعدي)) (ص: 107)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/202). .
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا أمَرَ سبحانه المؤمنين بالقتالِ في سبيله، بعد قِصَّة الذين خرَجوا من دِيارهم وهم ألوفٌ حذرَ الموت، أردْف ذلك بأنَّ القتال كان مطلوبًا ومشروعًا في الأمم السابقة، فكانتِ النفسُ أميلَ لقَبوله من التكليف الذي يقَعُ على انفراد، ولِيعلمَ المؤمنون حالَ وعاقبةَ مَن الْتزمَ أمْرَ الله تعالى بالقتال في سبيله، ومَن خالفه، فقال عزَّ وجلَّ [2270] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/567-569). وقد اعتِيد في القرآن ذكر القصص العظام بعد بيان الأحكام؛ لتفيد الاعتبار للسَّامع، فيحمله ذلك على الخضوع والانقياد، وترك التمرُّد والعناد. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (6/495). :
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ.
أي: ألم تَنظُرْ يا محمَّد، إلى شأنَ أشراف بني إسرائيل ووجهائهم، من بعد وفاة موسى عليه السَّلام، حين طلبوا من أحد أنبيائهم أن يُعيِّن لهم ملِكًا يوحِّد أمْرهم على جهاد أعداء الله تعالى [2271] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/435، 442)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/356)، ((تفسير السعدي)) (ص: 107)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/205-207). .
قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا.
أي: قال النبيُّ الذي سألوه أنْ يبعث لهم ملكًا؛ ليُجاهدوا معه في سبيل الله: لعلَّكم تَجبُنون عن القِتال إذا فُرِض عليكم [2272] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/442-443)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/356)، ((تفسير ابن كثير)) (1/665)، ((تفسير السعدي)) (ص: 107)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/485)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/207-208). ؟
قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا.
أي: قال الملأ من بني إسرائيل لنبيهم: وأيُّ شيء يمنعنا من الجهاد في سبيل الله تعالى، وما الذي يبقى لنا إذا تركنا القتال، والحال أنَّنا مضطرُّون إليه؛ فالبلاد قد أُخذت، والأبناء قد سُبيَت، فما دام أنَّ الأمر قد بلغ هذا المبلغ فلا بدَّ حينئذٍ من إقامة الجهاد [2273] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/357)، ((تفسير ابن كثير)) (1/665)، ((تفسير السعدي)) (ص: 107)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/486-487)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/208). .
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.
أي: لَمَّا فُرِض عليهم قتال عدوِّهم ما وَفوا بما وَعدوا، بل أَدبر أكثرُهم ناكلينَ عن القتال، وضيَّعوا فرْضَ الجهاد الذي طلبوه ابتداءً من عند أنفسِهم، فجبنوا، واستولى على أكثرهم الضَّعفُ والخور، وبقِي منهم عددٌ قليل قد عصمهم الله تعالى وثبَّتهم، فالتزموا أمر الله عزَّ وجلَّ، والله سبحانه يَعلم مَن ظَلَم نفْسه منهم ومِن غيرهم، ممَّن أخلف وعْدَه، ونكص عن أمر ربِّه، واللهُ تعالى مجازيه على ظُلمه [2274] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/446-447)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/357)، ((تفسير ابن كثير)) (1/665)، ((تفسير السعدي)) (ص: 107)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/487)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/208). .
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247).
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ.
أي: أخبَرهم نبيُّهم بأنَّ الله تعالى قد أجابهم إلى ما سألوا مِن بعث الملِك لمصلحتهم، يُقاتل ويقاتلون معه، فعيَّن لهم طالوت، وكان رجلًا من عامَّتهم، لا يَنتمي إلى السِّبط الذي فيه المُلْك، فكان الواجب عليهم قَبولَ مَن اختاره الله تعالى، والانقيادَ إليه، فأبوا إلَّا أن يعترِضوا، واستبعدوا مُلكه عليهم، فقالوا: كيف يكون ملكًا يسيطر علينا، وهو دُوننا في الشَّرف والنسب؟! فلماذا لم يأتِ الملِك منَّا، ونحن من سِبط الملوك فنحن أولى منه بذلك؟! ثمَّ هو مع هذا رجلٌ لا يمتلك الكثيرَ من الأموال كما هو شأن الملوك الآخرين [2275] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/447-448)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/357)، ((تفسير ابن كثير)) (1/666)، ((تفسير السعدي)) (ص: 107-108)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/489-492)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/212-213). !
قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ.
أي: لَمَّا اعتقدوا رأيًا فاسدًا، وهو أنَّ الملْك يتطلَّب شرف النَّسَب، وكثرة المال، ولم يدركوا الصِّفات الأساسيَّة المقدَّمة على هذين، قال لهم نبيُّهم: إنَّ الله اختاره لكم، واختصَّه من بينكم، والله أعلم به منكم، ولستُ أنا مَن عيَّنه من تلقاءِ نفسي، بل الله تعالى هو الذي عيَّنه لي لَمَّا طلبتم ذلك، فلزِمكم الانقيادُ إليه، وهو مع هذا قد أعطاه الله تعالى زيادة في العلم، الذي يمنحه حنكةً وقدرةً على تدبير الأمور، وأعطاه طول القامة وقوة الجسد اللَّذيْنِ يمنحانِه هيبةً وشجاعة، فتوفَّرت لديه الأسباب الحقيقيَّة لاستحقاق الملْك دون غيره، فبهاتين القوَّتين: القوة المعنويَّة: قوة العلم والرأي، والقوة الحسيَّة: قوة الجسد، تتمُّ أمور الملك وسياسة الرعية، وتكثر أموال المملكة، ويحصُل النصر على الأعداء، بإذن الله تعالى [2276] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/454-455)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/357)، ((تفسير ابن كثير)) (1/666)، ((تفسير السعدي)) (ص: 108)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/213). .
وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
أي: إنَّ المُلك لله تعالى وحده، وبيده دون غيره، يُؤتيه مَن يشاءُ بحسَب ما تقتضيه حِكمتُه، فيخصه به، فلا تستنكروا يا معشرَ الملأِ من بني إسرائيل أن يبعث الله طالوت ملكًا عليكم، وإنْ لم يكُن من أهل بيت المُلْك؛ فإنَّ المُلْك ليس بميراث عن الآباء والأجداد، ولكنَّه بإيتاءِ الله وحده، فلا تتخيَّروا على الله تعالى، فهو الحاكم الذي ما شاء فعل، ولا يُسأل عمَّا يفعل وهم يُسألون.
والله تعالى ذو سَعةٍ في جميع صفاته؛ ومن ذلك أنَّه واسعٌ في عِلمه، وواسعٌ في فضله، وكرمه؛ ومِن سَعة فضله أنَّه لا يخصُّ بكرمه شريفًا عن وضيع، أو غنيًّا عن فقير، وأنَّه يُنعم بالملْك حتى على مَن لم يكُن من بيت مُلك، وهو سبحانه واسع العلم، عليم بكلِّ شيء؛ ومِن ذلك علمه بمن يصلح للملْك من غيره [2277] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/456)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/357)، ((تفسير ابن كثير)) (1/666)، ((تفسير السعدي)) (ص: 108)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/213-214). .
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248).
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ.
أي: إنَّ علامة صِحَّة تنصيبِ طالوت ملكًا عليكم، وإن كان من غير سبطِ ملوككم، هي أن يُردَّ إليكم الصُّندوق الذي سُلب منكم، فتطمئنَّ به قلوبكم ويحوي ما يُهدِّئ نفوسكم، وممَّا يحويه أشياء تبقَّت من تركةِ موسى وهارون عليهما السَّلام، قيل: منها بقيةٌ من آثار ألواح التوراة، تحوي العِلم والحِكمة، وميراث الأنبياء عليهم السلام، ويحمل هذا الصندوقَ إليهم ملائكةُ الربِّ عزَّ وجلَّ [2278] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/457-459، 466-467، 472-480)، ((تفسير السعدي)) (ص: 108)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/217-218). .
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
أي: إنَّ في رجوعِ التابوت إليكم كما وصفتُ لكم، علَامةً على اختيار الله تعالى لطالوت ملكًا عليكم، وستؤمنون بأنَّها دلالة صحيحة لكم على هذا الأمر، إن كنتم مؤمنين بالله تعالى حقًّا، ومصدِّقيَّ فيما أخبرتكم به [2279] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/480-481)، ((تفسير ابن كثير)) (1/667-668)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/495)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/218). .
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ (249).
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ.
أي: فلمَّا أتاهم التابوت كما أخبرهم نبيُّهم، فصدَّقوه وأذعَنوا لولاية طالوت، انضمُّوا إليه لقتال عدوِّهم، فلما سار طالوت بالجنود متجاوزًا موطنهم، وشاخصًا نحو موضع آخر، أخبرهم أن الله تعالى مختبرهم بماء نَهَرٍ؛ ليتميَّز منهم الكاذب من الصادق، والصابر من الجازع، ويترتَّب عليه مَن يصحب الجيش حيث وجهته، ومَن يفارقه؛ لكونه ليس أهلًا للجهاد في سبيل الله تعالى، فأخبرهم بأنَّ مَن شرِب من هذا الماء فأنا منه بريء، وليس من أهل طاعتي وولايتي وهو بذلك عاصٍ، فلا يتبعنا لمعصيته وعدم ثباته، ومَن لم يذُقْ منه شيئًا سوى ما اغترفه بكفِّه مرَّةً واحدة، فليصحبنا، فإنَّه من أهل طاعتي وولايتي، فكانت نتيجة هذا الامتحان أنْ شرِب منه معظمُهم، ونكصوا عن قتال عدوِّهم، ولم يبقَ مع طالوت سوى عددٍ قليل قدِ الْتَزموا ما أمَرَهم به [2280] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/481-486)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/359-360)، ((تفسير ابن كثير)) (1/668)، ((تفسير السعدي)) (ص: 108)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/221). !
عن البَراء بن عازبٍ رضي الله عنه، قال: ((حدَّثني أصحابُ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ممَّن شهِد بدرًا: أنهم كانوا عِدَّةَ أصحابِ طالوتَ، الذين جازوا معه النهرَ، بضعةَ عشرَ وثلاثمئةٍ. قال البراءُ: لا واللهِ ما جاوز معه النهرَ إلَّا مؤمنٌ )) [2281] رواه البخاري (3957). .
فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ.
أي: فلمَّا تعدَّى طالوتُ النَّهرَ، ومَن معه مِن المؤمنين الذين أطاعوه، فلم يشرَبوا شيئًا من مائه، أو شرِبوا غرفةً واحدةً باليد، قال بعضهم لَمَّا شاهدوا قلَّتَهم وكثرةَ عدوِّهم: لا قدرةَ لنا في هذا اليوم بقتال جالوت وجنودِه؛ لكثرة عَددهم وعُددهم [2282] نَسَب ابنُ عطية القولَ بأنَّ الذين تجاوزوا النهر مع طالوت هم مَن ذَكْرنا، إلى جمهورِ المفسِّرين. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/336)، ((تفسير السعدي)) (ص: 108). .
قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
أي: قال الذين يعلمون يقينًا أنهم راجعون إلى الله تعالى وملاقوه، وهم أهل الإيمان الثابت واليقين الراسخ منهم، قالوا مُطَمْئِنينَ مثبِّتينَ لباقيهم الذين قالوا: لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ: ما أكثرَ ما تغلبُ الجماعةُ القليلةُ الجماعةَ الكثيرة! وذلك بقدر الله تعالى وإرادته، فلا تُغنِي الكثرة مع خذلانِه، ولا تضرُّ القِلَّة مع توفيقِه، والله عزَّ وجلَّ مع الحابسين أنفسهم على رِضاه وطاعتِه، وتجنُّب معصيته، وتحمُّل أقداره، فيُعِينهم على الجهاد في سبيله وغير ذلك من طاعاته، ويؤيِّدهم وينصرهم، ويُظهِرهم على أعدائهم الصادِّين عن دينه [2283] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/495-497)، ((تفسير ابن كثير)) (1/668)، ((تفسير السعدي)) (ص: 108)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/222). .
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250).
لَمَّا ظهر حزبُ الإيمان- طالوتُ وجنودُه- لجالوتَ وجنودِه، قالوا: ربَّنا أنزِلْ علينا صبرًا، واملأْ به قلوبنا، وقوِّها على جهادهم؛ لتثبتَ أقدامنا فلا تتزلزل فنجبُنَ ونفرَّ، وانصرنا على هؤلاء القوم الذين كفروا بك [2284] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/497)، ((تفسير ابن كثير)) (1/669)، ((تفسير السعدي)) (ص: 108)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/228). .
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251).
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ.
أي: فاستجاب لهم ربُّهم دعاءَهم، فغلَب طالوتُ وجنودُه عدوَّهم بقدَرِ الله تعالى وتوفيقه، وباشَر داودُ عليه السَّلام قتْلَ جالوت بنفْسه؛ لشجاعته وقوَّته وصبره، وأعطاه الله السلطان والنبوَّة، وعلَّمه ممَّا يشاؤه سبحانه، ومن ذلك تعليمه صَنعةَ الدروع، كما قال جلَّ وعلا: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ [2285] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/497-498، 513)، ((تفسير ابن كثير)) (1/669)، ((تفسير السعدي)) (ص: 108)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/230). وممَّن قال من السَّلَف: إنَّ معنى الحِكمة: النُّبوَّة: السُّدِّي. يُنظر: (تفسير ابن جرير)) (4/514). [الأنبياء: 80].
وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ.
أي: لولا أنَّ الله تعالى يدفع بالمجاهدين في سبيله كيد الكفَّار والفجَّار، وإلا لفسَدت الأرض باستيلائهم عليها، وإقامتِهم شعائرَ الكفر ومظاهرَ الفِسق والفجور، ومنعهم من إظهار عِبادة الله تعالى وحده، فتحُلُّ بالأرض وأهلها العقوبات، ويَهلِك الحرثُ والنَّسل؛ فالله سبحانه صاحب الفضل الواسِع على جميع خلقه، ومِن ذلك أنْ شرَع لعباده الجهاد رحمةً بهم ولطفًا؛ إذ فيه سعادتهم، والمدافعة عنهم؛ لتمكينِهم من الأرض [2286] وهو اختيار الواحدي في ((الوجيز)) (ص: 181)، وابن عطية في ((تفسيره)) (1/337، 338)، والسعدي في ((تفسيره)) (ص: 109)، وابن عاشور في ((تفسيره)) (2/500-503)، وابن عثيمين في ((تفسير الفاتحة والبقرة)) (3/233). ويُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/669). وممَّن قال بهذا القول من السَّلف: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/481). وقيل المراد: لولا دفعُ الله بالمؤمنين والأبرار عن الكافرين والفجار، لأُهلكوا بعقوبة منه سبحانه. وهذا اختيار ابن جرير. ((تفسير ابن جرير)) (4/514-515)، وقيل هو قول أكثر المفسرين. يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/361)، ((تفسير ابن عطية)) (1/338). ويُنظر: ((لطائف المعارف)) لابن رجب (ص: 133). وممن قال بهذا القول من السلف: ابن عباس، ومجاهد. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/515)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/480). .
تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ.
أي: هذه الآيات التي أنبأتُك بها يا محمَّد هي علاماتٌ على الله تعالى وتوحيده، وحُجج ودلائل على الهدى، تأتيك بالواقع الذي كان عليه الأمرُ، المطابق لِمَا بأيدي أهل الكتاب من الحقِّ الذي يعلمه علماءُ بني إسرائيل؛ فهي أخبارٌ صادقةٌ لا ريبَ فيها؛ ولذا أكَّد الله تعالى لرسوله عليه الصَّلاة والسَّلام رسالتَه، التي مِن جملة أدلَّتها ما قصَّه الله عليه من أخبار الأمم الماضين التي لم يَعلمْها، إلَّا بعد إخبار الله تعالى له بذلك، فدلَّ هذا على أنَّه رسول الله حقًّا، ونبيُّه صدقًا [2287] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/518-519)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/362)، ((تفسير ابن كثير)) (1/670)، ((تفسير السعدي)) (ص: 109)، ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/234).   .

الفوائد التربويَّة:

1- الحثُّ على الإنفاق في سبيل الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً؛ فالاستفهام هنا للحثِّ، والتشويق [2289] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/202). .
2- إذا طلب الإنسان شيئًا من غيره فعليه أن يذكُرَ له ما يُشجِّعه على إجابة طلبه؛ لقولهم: نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فإن هذا يَبعثُ النبيَّ ويُشجِّعه على أن يبعث لهم الملك [2291] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/209). .
وينبغي كذلك اختيار الألفاظ التي يكون بها إقناع المخاطَب، وتسليمه للأمر الواقع؛ لقول نبيهم: إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ [2292] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/214). .
3- أنَّ الإنسان قد يظنُّ أنَّه يستطيع الصبر على ترك المحظور، أو القيام بالمأمور؛ فإذا ابتلي نكص؛ لقوله تعالى: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ مع أنهم كانوا متحمِّسين للقتال [2293] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/210). .
4- أنَّ الإيمان مُوجِب للصبر، والتحمُّل؛ لقوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [2294] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/224). .
5- أنَّ الله عزَّ وجلَّ عند الابتلاء يرحَمُ الخلق بما يكون فيه بقاء حياتهم؛ لقوله تعالى هنا: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ؛ لأنَّهم لا بدَّ أن يشربوا للنَّجاة من الموت [2295] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/225). .
6- أنَّ مَن صدَق اللُّجوءَ إلى الله، وأحسن الظنَّ به، أجاب الله دعاءه [2296] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/231). حيث قال المؤمنون: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فاستجاب الله تعالى دعاءهم فقال: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ.
7- إسناد الفضل إلى أهله؛ لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ [2297] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/214). .
8- أنَّ المجيبَ يختار ما يكون به الإقناع بادئًا بالأهمِّ فالأهم؛ لقول نبيِّهم في جوابه: إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ... إلخ؛ فبدأ بذكر ما لا جدالَ فيه -وهو اصطفاء الله عليهم- ثم ذكر بقيَّة المؤهلات: وهي أنَّ الله زاده بَسطةً في العِلم، وتدبير الأمَّة، والحروب، وغير ذلك، وأنَّ الله زاده بَسطةً في الجسم: ويشمل القوة، والطول... وأنَّ الله عزَّ وجلَّ هو الذي يُؤتِي مُلكَه مَن يشاء، وفعله هذا لا بدَّ وأن يكون مقرونًا بالحِكمة؛ فلولا أنَّ الحِكمةَ تَقتضي أن يكون طالوتُ هو الملِكَ ما أعطاه الله عزَّ وجلَّ المُلْك، وأنَّ الله واسعٌ عليم؛ فهو ذو الفضل الذي يَمدُّه إلى مَن يشاء من عباده؛ فله أن يتفضَّل على مَن يشاء، وأنَّ الله أعلمُ حيث يَجعل رِسالتَه، وأعلمُ أيضًا حيث يجعل ولايتَه [2298] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/215). .
9- أنَّ مِن شأن الأمم الاختلافَ في اختيار الرئيس الذي يكون له المُلْك عليها، والاختلاف مدعاةٌ للتفرُّق، فيجب أن يكون هناك مرجِّح يقبله الجمهور من الأمَّة؛ لذلك لجأ الملأ من بني إسرائيل إلى نبيِّهم، وطلبوا منه أن يختار لهم رجلًا يكون ملِكًا عليهم، كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا، وقد جعل الإسلامُ المرجِّحَ لاختيار إمام المسلمين مبايعةَ أُولي الأمر لمن يختارونه من أنفسهم، وهم أهل الحَلِّ والعَقد والمكانة في الأمَّة، الذين هم عون السُّلطان، وقوَّته باحترام الأمَّة لهم، وثقتها بهم [2299] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (2/391). .
10- أنَّ اجتماع أهل الكلمة والحَلِّ والعقد، وبحثهم في الطريق الذي تستقيم به أمورُهم وفَهمه، ثم العمل به، من أكبرِ الأسباب لارتقائهم وحصول مقصودهم، كما وقَع لأولئك الملأ من بني إسرائيل، حين راجعوا نبيَّهم عليه السلام في تعيين مَلِك تجتمع به كلمتهم ويلمُّ متفرِّقهم، وتحصل له الطاعة منهم [2300] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 109). .
11- أنَّ الحقَّ كلَّما عُورِض وأُوردت عليه الشُّبه ازداد وضوحًا وتميَّز، وحصل به اليقين التامُّ كما جرى لهؤلاء؛ لَمَّا اعترضوا على استحقاق طالوت للمُلك أُجيبوا بأجوبةٍ حصَل بها الإقناع وزوال الشُّبه والريب [2301] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 109). .
12- أنَّ العلم والرأي مع القوة؛ بهما كمالُ الولايات، وبفَقْدهما أو فَقْد أحدهما نُقصانُها وضررها؛ لقوله تعالى: وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [2302] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 109). .
13- أنَّ الاتِّكال على النفس سبب الفشل والخذلان، والاستعانة بالله والصبر والالتجاء إليه سبب النصر، فالأول كما في قولهم لنبيهم وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فكأنَّ نتيجةَ ذلك أنَّه لَمَّا كتب عليهم القتال تولوا، والثاني في قوله: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ [2303] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 109). .
14- أنَّ من حِكمة الله تعالى تمييزَ الخبيث من الطيِّب، والصادق من الكاذب، والصابر من السَّاخط، وأنه لم يكن ليذرَ العباد على ما هم عليه من الاختلاط وعدم التمييز [2304] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 109). .
15- أنَّ الإنسان إذا ازداد إيمانًا ازداد فهمًا لكتاب الله سبحانه وتعالى، وسُنَّة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ لأنَّ الشيء إذا عُلِّق على وصف، فإنَّه يزداد بزيادة ذلك الوصف، وينقص بنقصانه؛ فكلَّما تمَّ الإيمانُ كان انتفاعُ الإنسان بآيات الله أكثرَ، وفَهمُه لها أعظمَ؛ لقوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2305] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/220). .
16- أنَّ طاعة الجنود للقائد فيما يأمر به وينهَى عنه شرط في الظفر واستقامة الأمر [2306] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (2/393). .
17- أنَّ الإيمان بالله تعالى، والتَّصديق بلقائه من أعظمِ أسباب الصَّبر والثبات في مواقفِ الجِلاد؛ لقوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ... الآيةَ [2307] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (2/393)، ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/225). .
18- أنَّ القليل من النَّاس هم الذين يصبرون عند البلوى؛ لقوله تعالى: فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [2308] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/225). .

الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:


1- أنَّه لا فرارَ من قدَر الله؛ لقوله تعالى: حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا [2310] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/196). .
2- في قوله تعالى: مُوتُوا إثبات أنَّ كلام الله سبحانه وتعالى بحروف مرتَّبة، وفيه ردٌّ على مَن قال: إنَّ كلام الله هو المعنى القائم بنفْسه [2311] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/197). .
3- أنَّه سبحانه وتعالى يَمدَح نفْسَه بما أنعم به على عباده؛ لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ؛ فهو سبحانه وتعالى يحبُّ أن يُمدح، ويُحمَد؛ لأنَّ ذلك صِدقٌ، وحقٌّ؛ فإنَّه سبحانه وتعالى أحقُّ مَن يُثنَى عليه، وأحقُّ مَن يُحمَد؛ وهو سبحانه وتعالى يحبُّ الحقَّ [2312] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/198). .
4- أنَّ الجزاء على العمل مضمونٌ كضمان القرض لمقرضه، قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً [2313] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/202). .
5- أنَّ فضل الله وعطاءه واسع؛ وأنَّ جزاءه للمحسن جزاء فضل؛ لقوله تعالى: فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً مع أنَّ أصْلِ توفيقه للعمل الصَّالح فضلٌ منه [2314] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/203). .
6- في قوله تعالى: وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ إثباتُ صِفة القَبْض والبَسْط لله عزَّ وجلَّ [2315] يُنظر: ((كتاب التوحيد)) لابن منده (2/93)، ((التدمرية)) لابن تيمية (ص: 29). .
7- الإشارة إلى أنَّ الإنفاق ليس هو سببَ الإقتار والفقر؛ لأنَّ ذِكر هذه الجملة وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ بعد الحثِّ على الإنفاق، يُشير إلى أنَّ الإنفاقَ لا يستلزمُ الإعدامَ، أو التضييق؛ لأنَّ الأمرَ بيد الله سبحانه وتعالى [2316] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/204). .
8- ترهيب المرء من المخالَفة، وترغيبه في طاعة الله؛ لقوله تعالى: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ؛ لأنَّ الإنسان إذا علم أنَّه راجع إلى ربه لا محالة فإنَّه لا بدَّ أن يكون فاعلًا لِمَا أُمِر به، تاركًا لما نُهِي عنه؛ لأنَّه يخاف من هذا الرجوع [2317] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/205). .
9- من الفوائد الاجتماعيَّة: أنَّ الأُمم التي تفسد أخلاقها وتضعُف، قد تفكِّر في المدافعة عند الحاجة إليها، وتعزم على القيام بها إذا توفَّرت شرائطها، التي يتخيَّلونها، ثم إذا توفَّرت الشروط يضعُفون ويجبنون، ويزعمون أنَّها غير كافية؛ ليعذروا أنفسهم وما هم بمعذورين، والله عليم بالظالمين، كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [2318] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (2/377). .
10- أنَّ مرتبة النبوَّة أعلى من مرتبة الملْك؛ لقولهم: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا يُخاطبون النبيَّ؛ فالنبيُّ له السُّلطة أن يبعث لهم ملِكًا يتولَّى أمورهم ويدبِّرهم [2319] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/209). .
11- أنَّ بعض الأسئلة تكون نَكبةً على السائل، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة: 101] [2320] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/211). ، وذلك أنَّ بَني إسرائيلَ طلبوا مِن نبيِّهم أنْ يبعثَ لهم مَلِكًا يُقاتلون معه في سبيل الله تعالى، فلمَّا جاءَهم الملِكُ، وفُرِضَ عليهم القتالُ وقَعوا في الظُّلم بالنُّكوص والإعراض عنه.
12- أنَّ الله قد يُعطي المُلْكَ مَن لا يترقَّبه [2321] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/214). ، وذلك أنَّ طالوت لم يكُن من سلالة ملوكهم، ولم يكن يتشوَّف إلى المُلك، فاختاره الله تعالى له لأهليَّته لذلك.
13- أنَّ تقديرَ الله عزَّ وجلَّ فوق كلِّ تصوُّر؛ لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ مع أنَّهم قدَحوا فيه من وجهين: أنَّهم أحقُّ بالمُلك منه، وأنَّه لا يَملك أموالًا كثيرة؛ فبيَّن لهم نبيُّهم أنَّ الله اصطفاه عليهم بما تَقتضيه الحِكمة [2322] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/216). .
14- أنَّ مُلك بني آدم ملكٌ لله؛ لقوله تعالى: وَاللهُ يُؤتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ؛ فهذا الملِك في مملكته هو في الحقيقة ما مَلَك إلَّا بإذن الله عزَّ وجلَّ؛ فالملْك لله سبحانه وتعالى وحده، يُؤتيه من يشاء [2323] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/216). .
15- أنَّ مُلكنا لِمَا نملكه ليس ملكًا مطلقًا نتصرف فيه كما نشاء؛ بل هو مقيَّدٌ بما أذِن الله به؛ ولهذا لا نتصرَّف فيما نملك إلَّا على حسَب ما شرَعه الله؛ فلو أراد الإنسان أن يتصرَّف في ملكه كما يشاء- يُتلِفه ويحرقه، ويعذِّبه إذا كان حيوانًا- فليس له ذلك؛ لأنَّ مُلْكَه تابعٌ لملْك الله سبحانه وتعالى، كما قال عزَّ وجلَّ: وَاللهُ يُؤتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ [2324] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/216). .
16- أنَّ من الحِكمة اختبارَ الجند؛ ليظهرَ مَن هو أهلٌ للقتال، ومَن ليس بأهلٍ له، كما قال تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ [البقرة: 249] [2325] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/223). .
17- أنَّه يجبُ على القائد أن َيمنع مَن لا يصلُح للحرب، سواء كان مُخذِّلًا، أو مُرجِفًا، أو غير ذلك؛ لقوله تعالى: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [2326] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/222). .
18- أنَّ الأنبياء عليهم الصَّلاة والسلام ليس عندهم من العلم إلَّا ما علَّمهم الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ؛ فالنبيُّ نفسه لا يعلم الغيب، ولا يعلم الشرع إلَّا ما آتاه الله سبحانه وتعالى؛ ومثل ذلك قول الله تعالى لنبيِّه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ: وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء: 113] [2327] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/232). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى... استفهام غرضُه التقرير، والتَّعجيب من شأنهم [2328] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/290)، ((تفسير الرازي)) (6/496)، ((تفسير البيضاوي)) (1/148)، ((تفسير أبي حيان)) (2/560)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/505)، ((تفسير أبي السعود)) (1/237-239)، ((تفسير القاسمي)) (2/173)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/475-477)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/361-362). .
2- قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً جملة استفهاميَّة متضمِّنة معنى الطَّلب، فهو استفهام مستعمَل في التحضيض والتهييج على الاتِّصاف بالخير [2329] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/565)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/481). .
3- وفي قوله: فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا جناس مغاير [2330] الجناس (أو التجنيس): هو تشابه لفظين في النطق، واختلافهما في المعنى، وهو من المحاسن اللفظية، وفنٌّ بديعٌ في اختيار الألفاظ التي تُوهِمُ في البدْءِ التكرير، لكنَّها تُفاجِئ بالتأسيس واختلافِ المعنى. وينقسم الجناس إلى نوعين: لفظي-ومعنوي، وكل منهما يندرج تحته أنواع. ومن أنواع الجناس المعنوي: الجِناس المصحَّف، ويُسمَّى أيضًا جِناس الخط: وهو تشابُه اللفظين في الكتابة مع الاختلاف في نقط الحروف، مثل: جنة وحبة، و(يَسْقي) و(يَشفي). في قوله تعالى: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: 79-80]. كما ينقسم إلى: جناس (مماثل): وهو الجناس التامُّ، الذي يكون اللَّفظان المتشابهان فيه من نوع واحد من أنواع الكلام، كاسمين، أو فعلين. جناس مغاير «محرَّف»: وهو ما اختلف فيه اللَّفظان في هيئة الحروف، واتَّفقَا في نوعها وعددها وترتيبها. وله فروعٌ أخرى. يُنظر: ((البرهان)) للزركشي (3/450-452)، ((الإتقان)) للسيوطي (5/1757)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني (2/485، 488، 491، 497)، ((جواهر البلاغة)) للهاشمي (ص: 325 وما بعدها). ، وصِيغة المفاعلة في (فَيُضَاعِفَهُ)؛ للمبالغة [2331] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (1/149)، ((تفسير أبي حيان)) (2/567-569). .
4- قوله: فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ
- فيه إيجازٌ بالحذف، والتقدير: فماتوا ثم أحياهم، والعطف بـ(ثم) يدلُّ على تراخي الإحياء عن الإماتة [2332] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/563-564)، ((تفسير أبي حيان)) (2/567-569)، ((تفسير القاسمي)) (2/173)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/361-362). .
وفيه: طِباق بين الإماتة والإحياء [2333] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/361-362). ، وهو يُبرز المعنى ويوضِّحه.
5- قوله: إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ فيه الإظهار أَكْثَرَ النَّاسِ في موضِع الإضمار (أكثرهم)؛ ليكون أنصَّ على العموم، لئلَّا يدَّعي مدَّعٍ أنَّ المراد بالناس في الموضع الأوَّل أهلُ زمان ما، فيخصُّ الثاني أكثرهم، بل ليشملَ جميعَ النَّاس في أيِّ زمانٍ ومكانٍ كانوا [2334] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (3/396)، ((تفسير الشربيني)) (1/158). .
وجملة إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ واقعة موقعَ التعليل لجملة ثُمَّ أَحْيَاهُمْ، والمقصود منها بَعْثُ خُلُقِ الاعتماد على الله في نفوس المسلمين في جميع أمورهم، وأنَّهم إنْ شَكروا اللهَ على ما آتاهم من النِّعم، زادهم من فضلِه، ويسَّر لهم ما هو صعب [2335] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/480). .
6- قوله: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا مدلول (عسى) الإنشاء؛ لأنَّها للترجِّي أو للإِشفاق، ودخَلَتْ عليها (هل) التي تقتضي الاستفهامَ؛ لأنَّ الكلامَ محمولٌ على المعنى، أي: هل قارَبْتم ألَّا تقاتلوا، فأدخل (هل) مستفهِمًا عمَّا هو متوقَّعٌ عنده ومظنون [2336] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/290)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/516)، ((تفسير القاسمي)) (2/179-187)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/365). .
7- قوله: وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ استفهام، معناه الإنكار [2337] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/571)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/517). .
8- قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلَأِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى فيه بيان لعِظم إخلالهم بأوامِر الله تعالى، حيث عبَّر عنهم بـ(الملأ)، وهم الأشراف، والإخلالُ من الشريف أقبح، ومِن أولاد الصلحاء أشنع، فقال: مِن بَنِي إِسْرَائيل. وممَّن تقرَّر له الدِّين، واتَّضحت له المعجزات، واشتهرت عنده الأمور الإلهيات أفْحَش، فقال مِن بَعْدِ مُوسَى أي الذي جاءهم بالآيات [2338] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (3/407-408). .
9- قوله: وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ
فيه تفصيلٌ بعد إجمال، حيثُ شرَع في تفصيل ما جرى بينه عليه السَّلامُ وبينهم من الأقوال والأفعال بعدَ الإشارةِ الإجماليَّة إلى مصير حالِهم [2339] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/240)، ((تفسير القاسمي)) (2/179). .
وتكرار الفعل في: وَقَال؛ للدَّلالة على أنَّ كلامه هذا ليس من بقيَّة كلامه الأوَّل، بل هو حديثٌ آخَر متأخِّر عنه [2340] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/489). .
10- قوله: إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا فيه تأكيد الخبر بـ(إنَّ)؛ للإيذان بأنَّ مِن شأنِ هذا الخبر أن يُتلقَّى بالاستغراب والشك، كما أنبأ عنه قولهم: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا [2341] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/489). .
11- قوله: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فيه ترتيب بليغ؛ إذ سألوا أولًا إفراغ الصَّبر في قلوبهم الذي هو ملاكُ الأمر، ثم سألوا ثباتَ القلب والقدَمِ في مداحِض الحرب، ثم سألوا النصرَ على العدوِّ المترتِّب عليهما غالبًا، والتعبيرُ عن منحهم الصبر بالإفراغ؛ للكَثرة مع التَّعميم والإحاطة [2342] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (1/152)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/499). .
12- قوله: وَإِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ
فيه تأكيد بإنَّ واللَّام؛ للاهتمامِ بهذا الخبر. وعبَّر بقوله: مِنَ المُرْسَلِينَ دون أن يقول: (وإنَّك لرسولُ الله)؛ للردِّ على المنكِرين بتذكيرهم أنَّه ما كان بِدعًا من الرُّسُل، وأنَّه أرسله كما أرسل مَن قَبْله [2343] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (1/152)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/499). .