موسوعة التفسير

سُورةُ النِّساءِ
الآيات (110-113)

ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ

غريب الكلمات:


خَطِيئَةً: الخَطيئة: فعيلةٌ من الخطأ، وهو العدولُ عن القصدِ والجِهةِ، يقال: خَطِئَ الرَّجلُ يَخْطَأُ خِطْأً-: إذا تعمَّد الذَّنب يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 215)، ((المفردات)) للراغب (ص: 287)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 87). .
بُهْتَانًا: أي: ظُلمًا، والبُهْتَانُ كذلك الكذِبُ، أو كلُّ فِعل مستبشَعٍ يُتعاطَى باليدِ والرِّجل مِن تناوُل ما لا يجوزُ، والمَشْي إلى ما يقبُحُ يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 122)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/307)، ((المفردات)) للراغب (ص: 148). .
لَهَمَّتْ: الهمُّ: جرَيان الشَّيءِ في القلب، وأصل هَمَم: يدلُّ على ذَوبٍ وجريانٍ ودبيبٍ يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/13)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 127). .

المَعنَى الإجماليُّ:


يخبِرُ تعالى أنَّ مَن يعمل عملًا يُسيء به إلى غيره، أو يكتسِبُ ما يجعلُه يستحقُّ العقوبةَ من الله، ثمَّ يستغفر اللهَ تعالى عمَّا اقترَف، فإنَّه سيجدُ مِن الله مغفرةً لذنوبه، ورحمةً به، ومَن يقترف ذنبًا متعمِّدًا فإنَّما يجني بذلك على نفسِه وبالَ الذَّنبِ وعاقبتَه، وكان الله عليمًا حكيمًا.
ثمَّ يخبِرُ تعالى أنَّ مَن يصدُرْ منه ذنبٌ غيرَ متعمَّدٍ له، أو يرتكِبْه عامدًا ثمَّ يتَّهِمْ بهذا الذَّنبِ الَّذي اقترفه مَن هو بَريءٌ منه، فقد تحمَّلَ بعَمَله القبيحِ هذا فِرْيَةً على ذلك البريءِ، وإثمًا ظاهرًا بيِّنًا.
ثمَّ يخاطبُ الله نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه لولا أنَّ الله تفضَّل عليه فحَفِظَه وعصَمه، لهمَّتْ طائفةٌ مِن الَّذين يختانون أنفسَهم أن يُضلُّوه عن طريق الحقِّ، وما يُضلُّون في الحقيقة إلَّا أنفسَهم، ولا يمكن أن يضرُّوه عليه الصَّلاة والسَّلام بشيءٍ، ثمَّ ذكَّره تعالى بنعمتِه عليه وفضلِه حين أنزل عليه القرآنَ، والسنَّة، ومعرفة أسرار الشَّريعة، وعلَّمه سبحانه وتعالى ما لم يكُنْ يعلَمُه مِن قبلِ تعليمِ الله سبحانه وتعالى له، وكان فضلُ الله عليه عظيمًا.

تفسير الآيات:


وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا نهى اللهُ تعالى عن نُصْرةِ الخائن وحذَّر منها، ندَب إلى التَّوبة مِن كلِّ سُوءٍ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/215)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/396). فقال:
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
أي: ومَن يعمَلْ ما يُسيءُ به إلى غيرِه، أو يظلِمْ نفسَه بإكسابه إيَّاها ما يستحقُّ به عقوبةَ الله من شِركٍ ومعاصٍ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/474)، ((تفسير السعدي)) (ص: 200)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/194). .
ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ
أي: ثمَّ يطلُبْ مِن الله تعالى أن يستُرَ ما عمِلَ مِن ذنوبٍ، ويتجاوَزَ عن مؤاخَذتِه بها يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/474)، ((تفسير السعدي)) (ص: 200)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/195). .
يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا
أي: فإنَّه يجدُ اللهَ تعالى غفورًا لذنوبِه، رحيمًا به يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/475)، ((تفسير السعدي)) (ص: 200)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/196). .
وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ندَبَ الله تعالى إلى التَّوبة ورغَّب فيها، بيَّن أنَّ ضررَ إثمِ الآثِم لا يتعدَّى نفسَه، حثًّا على التَّوبةِ، وتهييجًا إليها؛ لِمَا جُبِل عليه كلُّ أحدٍ مِن محبَّة نَفْع نفسِه، ودَفْع الضُّرِّ عنها يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/397). ، فقال:
وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ
أي: ومَن يَأتِ ذَنبًا عامدًا له، فإنَّما يَجترحُ وبالَ ذلك الذَّنبِ وضُرَّه وخِزيَه وعارَه في الدُّنيا والآخرة على نفسِه دون غيرِه، فلا يَجني أحدٌ على أحدٍ، وإنَّما على كلِّ نفسٍ ما عمِلَتْ، لا يَحمِلُه عنها غيرُها يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/476-477)، ((تفسير ابن كثير)) (2/410)، ((تفسير السعدي)) (ص: 201)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/200-201). قال السعديُّ: (لكن إذا ظهرت السيِّئات فلم تُنكَرْ، عمَّت عقوبتُها، وشمِل إثمُها، فلا تخرج أيضًا عن حُكم هذه الآية الكريمة؛ لأنَّ مَن ترَك الإنكارَ الواجب فقد كسَب سيِّئةً) ((تفسير السعدي)) (ص: 201). .
كما قال تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [فاطر: 18].
وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
أي: إنَّ اللهَ تعالى له العلمُ الكاملُ، والحِكمةُ التَّامَّة، ومِن عِلْمه وحِكمتِه أنَّه يَعلمُ الذَّنبَ وما صدَر منه، والسَّببَ الدَّاعي لفِعلِه، والعقوبةَ المترتِّبةَ على فِعلِه، ويَعلمُ حالةَ المُذنِب يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/477)، ((تفسير ابن كثير)) (2/410)، ((تفسير السعدي)) (ص: 201)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/201). .
وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذكَر سبحانه وتعالى ما يخصُّ الإنسانَ مِن إثمِه، أتبَعَه ما يُعدِّيه إلى غيرِه يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/398). ، فقال:
وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا
أي: ومَن يَرتكِبْ خَطيئةً؛ أي ذنبًا غيرَ عامدٍ له، أو يرتكبْ إثمًا؛ أي ذنبًا متعمِّدًا له وهذا اختيار ابن جرير في ((تفسيره)) (7/477)، والراغب الأصفهاني في ((تفسيره)) (3/1433). ويُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/215). قال العسكريُّ: (الفرقُ بينَ الخطيئةِ والإثمِ: أنَّ الخطيئةَ قد تكونُ مِن غيرِ تعمُّدٍ، ولا يكونُ الإثمُ إلَّا تعمدًا، ثم كثُر ذلك حتى سُمِّيت الذُّنوب كلُّها خطايا). ((الفروق اللغوية)) (1/222). وقيل: الخطيئةُ هي الذنبُ الكبير، والإثمُ ما دون ذلك. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 201). وقيل بعكس ذلك. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/196). .
ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا
أي: يُلصِقْ ذَنبَه الَّذي ارتكبَه بشخصٍ آخرَ بريءٍ من هذا الذَّنبِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/478)، ((تفسير السعدي)) (ص: 201)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/203). .
فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا
أي: فقد تحمَّل بهذا الفِعلِ الشَّنيعِ فِريةً وكذبًا على ذلك البَريءِ، وإثمًا ظاهرًا بيِّنًا، يُبِينُ عن أمْرِ مُتحمِّلِه، وجَراءتِه على ربِّه سبحانه وتعالى يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/478-479)، ((تفسير السعدي)) (ص: 201)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/203). .
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لـمَّا وعَظ سُبحانه وتعالى في هذه النَّازلةِ وحذَّر ونهى وأمَر، بَيَّن نِعمَتَه على نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في عِصمتِه عمَّا أرادوه مِن مُجادلتِه عن الخائنِ بقوله تعالى يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/398). :
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ
أي: ولولا أنَّ اللهَ تعالى تَفضَّل عليك- يا محمَّدُ- فحفِظَكَ وعصَمك بتوفيقِه وتبيانِه لك أَمْرَ هذا الخائنِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/479)، ((تفسير ابن كثير)) (2/410)، ((تفسير السعدي)) (ص: 201). .
لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ
أي: لعزَمَتْ فِرقةٌ من أولئك الَّذين يختانونَ أنفسَهم أن يَحْرِفوكَ عن طريق الحقِّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/479)، ((تفسير السعدي)) (ص: 201)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/207). .
وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
أي: إنَّ كيدَهم ومكرَهم يعودُ على أنفسِهم، فما يُضلُّونَ بذلك في الحقيقةِ إلَّا أنفسَهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/479)، ((تفسير السعدي)) (ص: 201)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/206-207). .
وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ
أي: لا يمكِنُ أن يُضرُّوك بأيِّ شيءٍ من الأشياءِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/480)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/208). .
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
أي: ومِن فَضْلِ اللهِ تعالى عليك- يا محمَّدُ- مع سائرِ ما تفضَّلَ به عليك مِن نِعَمِه، أنَّه أنزَل عليك الكتابَ: وهو القرآنُ، والحِكمةَ: وهي السُّنَّة ومعرفةُ أسرارِ أحكامِ الشَّريعة يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/480)، ((تفسير ابن كثير)) (2/410)، ((تفسير السعدي)) (ص: 201)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/208). .
وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
أي: ومِن فَضْله تعالى عليك- يا محمَّدُ- أنْ علَّمَك ما لم تكُنْ تعلَمُه من قبلِ نزولِ الوحيِ عليك يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/480)، ((تفسير ابن كثير)) (2/410)، ((تفسير السعدي)) (ص: 201)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/208-209). .
كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ [الشورى: 52].
وقال سبحانه: وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص: 86].
وقال جلَّ وعلا: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: 48].
وقال عزَّ وجلَّ: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى: 7].
وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
أي: إنَّ ما منَحَك اللهُ تعالى إيَّاه من نِعَمٍ وعطايا- يا محمَّدُ- أمرٌ عظيمٌ من لَدُنِ العظيمِ الكريم سبحانه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/480-481)، ((تفسير السعدي)) (ص: 201-202)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/209). .

الفَوائِد التربويَّة:


1- قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا يفتَحُ باب التَّوبة على مصراعَيْه، وبابَ المغفرة على سَعَتِه، ويُطمِّعُ كلَّ مذنبٍ تائبٍ في العفوِ والقَبول، ويدلُّ على أنَّ التَّوبةَ مقبولةٌ عن جميعِ الذُّنوبِ؛ لأنَّ قوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ... عمَّ الكلَّ، فمَنْ يَستغْفِرْ ويصدُقْ في استغفارِه فسوفَ يَجِدُ اللهَ عزَّ وجلَّ غفورًا رحيمًا يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/215)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/200). .
2- أنَّ المعاصيَ ظُلْمٌ للنَّفسِ؛ لقوله: أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، وهذا شيءٌ ثابتٌ مُكرَّرٌ في القرآنِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/199). .
3- أنَّ الإنسانَ تصحُّ توبتُه من الذَّنبِ ولو تكرَّر، ووجهُه: العمومُ في قوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ، وهذا عامٌ فيمَّن تكرَّر منه ذلك، أو لم يتكرَّرْ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/199). .
4- في قوله تعالى: أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ أنَّ الإنسانَ قد يكون عدوًّا لنفسِه، كما أنَّ أقرَبَ النَّاسِ قد يكون عدوًّا له؛ كما قال تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن: 14]، فلْيَحذَرْ كلُّ إنسانٍ نَفْسَه؛ فإنَّها عدوُّه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/200). .
5- تحريم رميِ الغيرِ بما يفعله الإنسانُ من خطيئةٍ، والتَّحذيرُ منه؛ قال تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/204، 205). .
6- الحذرُ من شَهادة الزُّورِ والبُهتان؛ فصاحبُ البهتان مذمومٌ في الدُّنيا أشدَّ الذَّمِّ، ومعاقَبٌ في الآخرةِ أشدَّ العقابِ؛ يُستفادُ ذلك من قول الله تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/216). .

الفوائد العِلميَّة واللَّطائف:


1- قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ عملُ السُّوءِ عند الإطلاقِ يشمَلُ سائرَ المعاصي، الصَّغيرة والكبيرة، وسُمِّي "سوءًا"؛ لكونه يسُوءُ عاملَه بعقوبَتِه، ولكونِه في نفْسِه سيِّئًا غيرَ حسَنٍ، وكذلك ظُلمُ النَّفسِ عند الإطلاقِ يشمَلُ ظُلمَها بالشِّرك فما دونه، ولكنْ عند اقترانِ أحدِهما بالآخَرِ قد يُفسَّرُ كلُّ واحدٍ منهما بما يُناسِبُه، فيُفسَّرُ عملُ السُّوءِ هنا بالظُّلم الَّذي يسُوء النَّاسَ، وهو ظُلمُهم في دمائِهم وأموالِهم وأعراضِهم، ويُفسَّرُ ظُلمُ النَّفس بالظُّلم والمعاصي الَّتي بين اللهِ وبين عبده يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 200)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/195)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/194). .
2- قول الله تعالى: يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا، أي: يتحقَّقُ ذلك، فاستُعِيرَ فعل (يجد) للتَّحقُّق؛ لأنَّ فعل (وَجَد) حقيقتُه الظَّفَرُ بالشَّيءِ ومشاهدتُه، فأُطلِقَ على تحقيقِ العفْوِ والمغفرة يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/196). .
3- بيان عَدْلِ الله وحَكْمتِه؛ أنَّه لا يعاقِبُ أحدًا بذَنبِ أحدٍ، ولا يعاقِبُ أحدًا أكثرَ من العقوبة النَّاشئةِ عن ذَنبه؛ ولهذا قال: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، أي: له العِلمُ الكاملُ والحكمة التَّامَّةُ يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 201). .
4- قول الله تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا قدَّم البُهتَ؛ لقُربه من قوله: ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا، ولأنَّه ذنبٌ أفظعُ مِن كَسْبِ الخطيئةِ أو الإثمِ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/60). .
5- أنَّ السَّيِّئاتِ تتضاعَفُ بتعدُّدِ أوصافِها؛ لقوله: وَإِثْمًا مُبِينًا، وهذا هو الواقعُ، وهو العدلُ؛ فمَن قذَف قريبًا له ومَن قذَف أجنبيًّا عنه، كلاهما قد قذَفَ، لكنِ انضَمَّ إلى قذفِ القريبِ قطيعةُ الرَّحِم، فتكونُ هذه السَّيِّئةُ متضاعِفةً، فلا جرمَ أن يتضاعَفَ إثمُها؛ لأنَّ الأحكامَ مرتَّبةٌ على أوصافِها يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/204). .
6- إثباتُ الرَّحمة الخاصَّة، فإنَّ قوله: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ رحمةٌ خاصَّةٌ لم تكُنْ لغيرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/209). .
7- بيانُ فضلِ اللهِ على رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأنَّه محتاجٌ لفضلِ اللهِ ورحمتِه، ولولا فضلُ الله عليه ورحمتُه لحصَل له ما يحصُلُ لغيره؛ لقوله: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/209). .
8- أنَّ مَن أراد إضلالَ الخَلْقِ، فإنَّه لا يضُرُّ إلَّا نفسَه؛ لقوله: وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ؛ لأنَّهم عَمُوا في الواقعِ عن الحقِّ، ودَعَوُا النَّاسَ إلى الباطل، فاكتسَبوا إثمًا إلى آثامِهم، فأضَلُّوا أنفسَهم بذلك يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/210). .
9- إثباتُ علوِّ الله؛ لقوله: أَنْزَلَ، والنُّزولُ يكون مِن أعلى يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/211). .
10- فضيلةُ الرَّسولِ عليه الصَّلاة والسَّلام؛ حيث كان محلًّا لإنزالِ الكتابِ عليه؛ قال تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/213). .
11- أنَّ القرآنَ (كتابٌ)، على وزن (فِعَال) بمعنى (مفعول)، وهو مكتوبٌ في اللَّوحِ المحفوظ، ومكتوبٌ في الصُّحُف الَّتي بأيدي الملائكةِ الكِرام البَرَرة، ومكتوبٌ في المصاحف الَّتي بأيدينا، قال جلَّ وعلا: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/213). .
12- فضيلةُ العِلم؛ لأنَّ الله امتَنَّ به على رسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم؛ حيث قال: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، ولا شكَّ أنَّ العِلمَ أشرفُ ما يُلَقَّاهُ الإنسانُ بعد الإسلامِ؛ فهو خيرٌ مِن المال، وخيرٌ من الأولادِ، وخيرٌ من الأزواجِ، وخيرٌ من الدُّنيا كلِّها يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/213). .

بَلاغةُ الآياتِ:


1- قوله: يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا: فيه مبالغةٌ في الغُفرانِ، كأنَّ المغفرةَ والرَّحمة مُعدَّانِ لطالبِهما، مُهيَّآن له، متى طلَبهما وجَدَهما، فلا يتخلَّفُ عنه شمولُ مَغفرتِه ورحمتِه زمَنًا. وصِيغةُ غَفُورًا رَحِيمًا فيها مبالغةٌ، أي: كثيرَ الغُفران، وكثيرَ الرَّحمةِ؛ وذلك كِناية عن العُمومِ والتَّعجيل؛ فهو عامُّ المغفرةِ والرَّحمة، فلا يخرج منها أحدٌ استغفَره وتابَ إليه يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/59)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/196). .
2- قوله: وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
- في لفظةِ (على) في قولِه: فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ دلالةٌ على استعلاءِ الإثمِ على فاعلِه، واستيلائِه وقَهْرِه له يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/60). .
- قوله: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا: التَّعبيرُ بصيغةِ المبالغةِ (فعيل)؛ للدَّلالةِ على المبالَغةِ في الوصْف يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/230) . .
3- قوله: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا
- لفظ (احتَمَل) في قوله: فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا أبلغُ من (حمَل)؛ لأنَّ افتَعل فيه للتَّسبُّب، كاعْتَمَل يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/60). ، وأيضًا في (احتمل) تمثيلٌ لحالِ فاعلِه بحالِ عَناءِ الحاملِ ثِقلًا يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/196). .
- وفي قوله:بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا مُبِينًا صفةٌ لقولِه إِثْمًا أي: بيِّنًا فاحشًا، وقد اكتُفِيَ في بيانِ عِظَمِ البُهتانِ بالتنكيرِ التفخيميِّ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/230). .
4- قول الله تعالى: وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ (مِنْ) تدُلُّ على العمومِ نصًّا، أي: لا يضرُّونَك قَليلًا ولا كثيرًا يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/61). .