موسوعة التفسير

سُورةُ النِّساءِ
الآيات (114-122)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ

غريب الكلمات:


نَجْوَاهُمْ: أي: مُتناجِيهم، أو تَناجِيهم، وأصل النَّجاءِ: الانفصالُ مِنَ الشَّيءِ؛ يُقال: ناجيتُه، أي: سَارَرْتُه، وأصلُه: أنْ تخلوَ به في نَجوةٍ مِن الأرضِ يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 792- 793)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 917). .
مَعْرُوفٍ: المعروفُ كلُّ ما كان معروفًا فِعْلُه، جميلًا مستحسَنًا غيرَ مستقبَحٍ عند أهل الإيمان، و(عَرَف) في الأصل يدلُّ على السُّكونِ والطُّمأنينةِ، ومنه العُرف والمعروف؛ سُمِّي بذلك؛ لأنَّ النُّفوسَ تسكُنُ إليه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/105)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/281)، ((المفردات)) للراغب (ص: 561). .
يُشَاقِقِ: يخالِفْ، أو صار في شقٍّ غيرِ شقِّ أوليائه، والشِّقاقُ: المخالَفة، وأصل شق: يدلُّ على انصداعٍ في الشَّيءِ يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/170)، ((المفردات)) للراغب (ص: 459- 460)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 990). .
وَنُصْلِهِ: أي: نَشْوِهِ بها، وصَلَى النارَ: أي: دخَل فيها، وأصل الصَّلْيِ: الإيقادُ بالنَّار، ويُقال: صَلِيَ بالنَّار وبكذا، أي: بَلِيَ بها يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 490)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 166). .
مَرِيدًا: أي: ماردًا، يعني: عاتيًا، قد عرِيَ من الخيرِ وظَهَر شرُّه، من قولهم: شجرة مَرْدَاء، إذا سقَط ورقها فظهَرَتْ عِيدانُها، ومنه غلامٌ أمردُ: إذا لم يكُنْ في وجهه شَعَرٌ، والماردُ والمَريدِ: كلُّ عاتٍ مِن شَياطينِ الجِنِّ والإنسِ، وأصل (مرد): يدلُّ على تَجريدِ الشَّيءِ مِن قِشْره، أو ما يَعْلوه من شَعرِه يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 135)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 413)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/317)، ((المفردات)) للراغب (ص: 764)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 143). .
فَلَيُبَتِّكُنَّ: أي: يُقطِّعُونها ويَشقُّونها، والبَتْكُ: القَطْعُ، ويُستعملُ في قَطْعِ الأعضاءِ والشَّعرِ؛ يُقال: بتَك شَعرَه وأُذنَه يُنظر: ((العين)) للخليل (5/342)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 136)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/195)، ((المفردات)) للراغب (ص: 106)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 72)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 143)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 988). .
فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ: يُشوِّهون خَلْقَه بالخِصاءِ، وقطعِ الآذانِ، وفَقْءِ العيون، ونَتْفِ اللِّحيةِ، أو: يُبدِّلون حُكمَه ودِينَه، وأصل غيَّر: اختلافُ شيئينِ، والخَلْقُ أصله: التَّقديرُ المستقيم، ويُستعمَلُ في إبداعِ الشَّيء من غير أصلٍ ولا احتذاءٍ يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 136)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/213) و(4/403)، ((المفردات)) للراغب (ص: 296- 297)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 72). .
غُرُورًا: الغرورُ: الباطل، والغِرَّةُ: غفلةٌ في اليقظةِ، يقال: غَررْتُ فلانًا: أصبتُ غِرَّتَهُ ونِلتُ منه ما أريدُه، وأصل ذلك من الغَرِّ، وهو الأثَرُ الظَّاهر من الشَّيء، والغَرور: كلُّ ما يغُرُّ الإنسانَ من مالٍ وجاهٍ وشهوةٍ وشيطانٍ يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 352)، ((المفردات)) للراغب (ص: 603-604)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 263). .
مَحِيصًا: أي: مَعْدلًا ومهربًا، وحاص عن الشَّيء: أي: عدَل، وأصل (حيص): هو الميلُ في جورٍ وتَلَدُّدٍ يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 468)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/300)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 143)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 877، 882). .
قِيلًا: قولًا ومقالًا، وأصل القول من النُّطق، ويستعمل على أوجهٍ كثيرة يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/42)، ((المفردات)) للراغب (ص: 688)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 144، 326)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 160، 739). .

مشكل الإعراب:


قوله تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ
إِلَّا مَنْ أَمَرَ: في هذا الاستثناءِ قولانِ، أحدُهما: أنَّه متَّصلٌ أي: أنَّ ما بعدَ أداةِ الاستثناءِ (المستثنى) مِن جنسِ ما قَبْلَها (المستثنى منه)، حضَر الطلابُ إلَّا محمدًا. وما حضر الطلابُ إلَّا محمدٌ - ومحمَّدًا. ، على أنَّ المرادَ بالنَّجْوَى: القومُ الَّذين يَتناجَون؛ ومنه قوله تعالى: وَإِذْ هُمْ نَجْوَى [الإسراء: 47]، أي: مُتناجُون، وهو مِن إطلاقِ المصدرِ على الَّذي صدَرَ منه، نحو: رجلٌ عَدْلٌ، أي: عادِل. أو على أنَّ في الكَلامِ حذْفَ مُضافٍ، تقديرُه: إلَّا نَجْوَى مَنْ أَمَرَ؛ فعَلَى هذا يَجوزُ أنْ تكونَ مَنْ في موضعِ جرٍّ بدلًا مِن نَجْوَاهُمْ، وأنْ تكونَ في مَوضِعِ نَصْبٍ على أَصلِ بابِ الاستثناءِ. والثَّاني: أنَّ الاستثناءَ مُنقطِعٌ أي: أنَّ ما بعدَ أداة الاستثناءِ (المستثنى) ليس مِن جنس ما قَبْلَها (المستثنى منه)، نحو: ما وصل المسافرون إلا سفينةً- بالنصب فقط عند غير بني تميم. ، وعليه فالمرادُ بالنَّجْوَى هنا المصدرُ فقط كالدَّعوى، ومَنْ للأشْخاصِ، وليستْ مِن جِنسِ التَّناجِي، وعليه فـمَنْ في موضِع نصْبٍ على الاستِثْناءِ يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/208)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/389). .

المَعنَى الإجماليُّ:


يُخبِرُ تعالى أنَّه لا خيرَ في كثيرٍ ممَّا يُسِرُّه النَّاسُ بينهم من الكلامِ، إلَّا ما كان مِن أمرٍ بالتَّصدُّق، أو أمرٍ بمعروف، أو إصلاحٍ بين النَّاس، ومَن يفعلْ ذلك مخلِصًا لله فسوف يُعطيه اللهُ ثوابًا عظيمًا.
ثمَّ توعَّد سبحانه وتعالى مَن يخالفُ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويعاندُه مِن بعدِ ظهور الحقِّ له، ويتَّبِعُ خلافَ ما عليه سَيرُ المؤمنين، وينهَجُ غيرَ نهجِهم؛ توعَّده سبحانه بأن يَكِلَه إلى ما اختار لنفسِه، ويُحسِّنَه له استدراجًا له، ويُحرِقَه بنارِ جهنَّمَ، وقبُحَتْ جهنَّمُ مصيرًا.
ثمَّ أخبَر تعالى أنَّه لا يغفِرُ لمن أشرَك به، ومات على ذلك، ويغفِرُ ما دون الشِّرك لمن يشاءُ سبحانه وتعالى، ومَن يُشرِكْ بالله فقد ضلَّ عن الحقِّ ضلالًا بعيدًا.
ثمَّ بيَّن أنَّ الذين يُشْرِكونَ بالله ما يَدْعُون إلَّا أصنامًا بمسمَّيَاتٍ مؤنَّثةٍ، وما يَدْعون في حقيقةِ الأمر إلَّا شيطانًا رجيمًا متمرِّدًا على خالقِه جلَّ وعلا، قد طرَده اللهُ مِن رحمتِه، فقال لربِّه حينها معزِّزًا قولَه بالقَسَمِ: إنَّه سيتَّخذُ مِن عباده جزءًا معلومًا مقدَّرًا يكونون أولياءَه، وسيُضِلُّهم عن الطَّريقِ المستقيم، ويقذِفُ في أنفسِهم أمانيَّ يعِدُهم بها، تكونُ سببًا في ابتعادِهم عن التَّوحيدِ والطَّاعة، وسيأمُرُهم بتقطيعِ آذانِ الأنعامِ، وتغييرِ خَلْقِ الله وفِطرتِه، ثمَّ أخبَر تعالى محذِّرًا أنَّ مَن يتَّخذ الشَّيطانَ وليًّا مِن دون الله فقد خسِر خسرانًا ظاهرًا واضحًا؛ فإنَّ الشَّيطانَ يعِدُ أولياءَه ويقذِفُ في نفوسهم الأمانيَّ، وما وعودُه وأمانِيُّه إلَّا باطلٌ وخداعٌ، أولئك الَّذين يتَّخذونه أولياءَ مصيرُهم جهنَّمُ، ولا يجِدون عنها مَهربًا.
وأمَّا الَّذين آمنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ، فسيُدخِلُهم اللهُ جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهارُ، ماكثين فيها أبدًا، وَعْدَ اللهِ الَّذي وعدهم به، ووعدُه الحقُّ، ولا أحدَ أصْدَقُ منه جلَّ وعلا قولًا وخبرًا.

 تفسير الآيات:


لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا لم تَخلُ الحوادثُ الَّتي أشارت إليها الآيُ السَّابقةُ، ولا الأحوالُ الَّتي حذَّرَت منها؛ مِن تناجٍ وتحاورٍ، سرًّا وجهرًا، لتدبيرِ الخيانات وإخفائِها وتبييتِها؛ لذلك كان المقامُ حقيقًا بتعقيبِ جميعِ ذلك بذِكْرِ النَّجوى وما تشتملُ عليه؛ لأنَّ في ذلك تعليمًا وتربيةً وتشريعًا يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/198). ، فقال تعالى:
لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ
أي: لا خيرَ في كثيرٍ من الكلام الَّذي يُسِرُّه النَّاس بينهم؛ إمَّا لأنَّه لا فائدةَ فيه؛ كفضولِ الكلام المباح، وإمَّا لكونِه شرًّا ومَضرَّةً محضةً؛ كالكلام المُحرَّمِ بجميعِ أنواعه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/481)، ((تفسير ابن كثير)) (2/411)، ((تفسير السعدي)) (ص: 202)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/217). .
إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ
أي: عَدَا الأمْرَ بالتَّصدُّقِ، سواءٌ كان بالمال أو بالعِلم، أو بأيِّ نفعٍ كان يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/481)، ((تفسير السعدي)) (ص: 202)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/217). .
أَوْ مَعْرُوفٍ
أي: وعَدَا الأَمْرَ بالمعروفِ، وهو كلُّ ما أمَر الله تعالى به، أو ندَب إليه من أعمالِ البِرِّ والخيرِ والإحسانِ والطَّاعة، وكلُّ ما عُرِف في الشَّرعِ والعَقلِ حُسْنُه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/481)، ((تفسير السعدي)) (ص: 202)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/217-218). .
أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ
أي: وعَدَا الأمرَ بالإصلاحِ بين المتنازعَيْنِ والمتخاصمَيْنِ حتَّى تُزالَ العداوةُ والشَّحناء بينهم، ويتمَّ التَّراجعُ إلى ما فيه الأُلفةُ، واجتماعُ الكلمة على ما أذِن اللهُ تعالى وأمَر به يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/481)، ((تفسير السعدي)) (ص: 202)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/218). .
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ
أي: ومَن يأمُرْ بصدقةٍ أو معروف أو يُصلِحْ بين النَّاس؛ طلبًا لرضَا الله تعالى بفعله هذا، مخلصًا له فيه، ومحتسبًا ثوابَه عند الله عزَّ وجلَّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/481-482)، ((تفسير ابن كثير)) (2/412)، ((تفسير السعدي)) (ص: 202)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/218). .
فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا
أي: فسوف يُعطيه اللهُ تعالى جزاءً لِمَا فعَل من ذلك، ثوابًا كثيرًا واسعًا، لا يعلَمُ قدرَه سواه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/482)، ((تفسير ابن كثير)) (2/412). .
وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا رتَّب الثَّوابَ العظيم على الموافَقةِ، وبيَّن وعدَه بالجزاء الحسَنِ للَّذين يتناجَوْن بالخيرِ، ويبتغونَ بنفعِ النَّاس مرضاةَ الله عزَّ وجلَّ، رتَّب العقابَ الشَّديدَ على المخالَفة والمشاقَقَة، ووكَل المخالِفَ إلى نفسِه بقوله تعالى يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/401)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/200)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (5/335). :
وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ
أي: ومَن يُخالِفِ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ويعانِدْه فيما جاء به، سالكًا غيرَ طريقِ الشَّريعةِ الَّتي جاء بها الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فصار في جانبٍ والشَّرعُ في جانبٍ آخرَ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/483)، ((تفسير ابن كثير)) (2/412)، ((تفسير السعدي)) (ص: 202)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/226). .
مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى
أي: وحَصَلتْ منه تِلك المُشاقَّةُ عن عَمْدٍ بعدَما ظهَر له الحقُّ واتَّضَح يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/483-484)، ((تفسير ابن كثير)) (2/412)، ((تفسير السعدي)) (ص: 202)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/226). .
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ
أي: ومَن يتَّبِعْ طريقًا غيرَ طريقِ المؤمنين في عَقائدِهم وأعمالهِم، ويَسلُكْ منهجًا غيرَ منهجِهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/484)، ((تفسير ابن كثير)) (2/412)، ((تفسير السعدي)) (ص: 202)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/226). قال ابنُ كثير: (قوله: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: 115] هذا ملازِمٌ للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لِما أجمعت عليه الأمَّة المحمَّدية، فيما علم اتفاقُهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضُمِنت لهم العصمةُ في اجتماعهم من الخطأ، تشريفًا لهم، وتعظيمًا لنبيهم صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد وردت في ذلك أحاديثُ صحيحة كثيرة، ... ومن العلماء مَن ادَّعى تواتر معناها، والذي عوَّل عليه الشافعيُّ رحمه الله، في الاحتجاج على كونِ الإجماع حجَّةً تحرُمُ مخالفتُه: هذه الآيةُ الكريمة، بعد التروِّي والفكر الطويل، وهو مِن أحسنِ الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك واستبعد الدلالةَ منها على ذلك). ((تفسير ابن كثير)) (2/412-413). .
نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى
أي: إذا سلَك هذه الطَّريقَ نَتخلَّى عنه، ونتركُه إلى ما اختاره لنفْسِه، ونُحسِّنُه له في صدرِه استدراجًا له يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/413)، ((تفسير السعدي)) (ص: 202)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/226-227). .
كما قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: 5].
وقال عزَّ وجلَّ: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: 110].
وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ
أي: ونُدخِلْهُ نارَ جهنَّمَ ونُحرِقْه بها يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/484)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 289)، ((تفسير السعدي)) (ص: 203)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/227). .
وَسَاءَتْ مَصِيرًا
أي: وما أسوَأَها مِن مرجعٍ ومآلٍ يصيرُ إليه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/484)، ((تفسير السعدي)) (ص: 203)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/227). !
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا توعَّد اللهُ تعالى على مُشاقَقةِ الرَّسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واتِّباعِ غيرِ سبيلِ المؤمنينَ، وكان فاعلُ ذلك بعد بيانِ الهدى هم أهلَ الكتابِ ومَن أضلُّوه من المنافقينَ، فردُّوهم إلى ظلامِ الشِّرك والشَّكِّ- حسُنَ إيلاؤُه ببيانِ خطورةِ الشِّرك؛ تعظيمًا لأهلِ الإسلام، وحثًّا على لزوم هديِهم، وذمًّا لِمَن نابَذهم، وتوعُّدًا له يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/401)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/200). ، فقال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
أي: إنَّ اللهَ تعالى لا يغفِرُ لِمَن أشرَك به ومات على شِرْكِه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/485)، ((تفسير السعدي)) (ص: 203). .
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ
أي: وما دونَ الشِّرك من الذُّنوبِ والمعاصي فهو تحت المشيئةِ؛ إن شاء اللهُ غَفَرَه برحمتِه وحِكمتِه، وإنْ شاء عذَّبَ عليه بعَدلِه وحكمتِه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/485)، ((تفسير السعدي)) (ص: 203). .
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا
أي: ومَن يجعَلْ لله تعالى شريكًا، فقد سلَك غيرَ طريقِ الحقِّ، وانحرَف عن سواءِ السَّبيلِ، وبَعُدَ عن الصَّوابِ بُعدًا شديدًا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/485)، ((تفسير ابن كثير)) (2/414). .
إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117)
إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا
أي: ما يَدْعو هؤلاء المشرِكون مِن دونِ الله تعالى إلَّا أوثانًا وأصنامًا مسمَّياتٍ بأسماءِ الإناثِ؛ كاللَّات والعُزَّى ومَنَاةَ، والمؤنَّثُ دون المذكَّرِ في قوَّتِه ومرتبتِه ومقامِه؛ ممَّا يدلُّ على نقصِ المسمَّيات بتلك الأسماءِ، وفَقْدِها لصفات الكمال، فكيف تُتَّخذُ آلهةً تُعبدُ؟! يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/490-491)، ((تفسير السعدي)) (ص: 203-204)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/235). وقيل المعنى: إن يَدْعون إلا شيئًا مثلَ الإناث لا يدفع عن نفسِه، فكيف يدفع عن غيره، وعلى هذا القول يدخلُ في ذلك الأصنامُ المُذكَّرة، مثل: هُبَلُ؛ فهُبَلُ مُذكَّر، ومع ذلك يُعبد من دون الله. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/235). .
وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا
أي: وما يعبُدُ هؤلاء الَّذين يعبُدون هذه الأوثانَ مِن دونِ الله تعالى- في حقيقةِ الأمر- إلَّا شيطانًا متمرِّدًا على الله سبحانه، هو الَّذي أمَرهم بذلك، وزيَّنه لهم فأطاعوه، مع أنَّه عدوُّهم الَّذي يريدُ إهلاكَهم، ويسعى في ذلك بكلِّ ما يقدِرُ عليه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/491)، ((تفسير ابن كثير)) (2/415)، ((تفسير السعدي)) (ص: 204)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/235-236). .
لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118)
لَعَنَهُ اللَّهُ
أي: قد أَقصاه اللهُ تعالى وأبعَدَه وطرَدَه مِن رحمتِه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/491)، ((تفسير ابن كثير)) (2/415)، ((تفسير السعدي)) (ص: 204)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/236). .
كما قال تعالى: قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [ص: 77-78].
وكما أبعَدَه اللهُ تعالى من رحمتِه، يسعى في إبعاد العبادِ عن رحمة الله عزَّ وجلَّ؛ ولهذا أخبَر اللهُ عن سعيِه في إغواءِ العباد، وتزيينِ الشَّرِّ لهم والفسادِ يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 204). ؛ قال اللهُ تعالى:
وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا
أي: قال الشَّيطانُ لربِّه حين لَعَنَه: واللهِ لأتَّخذَنَّ مِن عبادِك جزءًا معلومًا مقدَّرًا، أجعَلُهم أولياءَ لي، أتولَّاهم ويتولَّوْنَني، فيكونون من حزبِي أصحابِ السَّعيرِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/491-492)، ((تفسير ابن كثير)) (2/415)، ((تفسير السعدي)) (ص: 204)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/237-238). قال ابن جرير: (وإنَّما أخبر جلَّ ثناؤُه في هذه الآية بما أخبَر به عن الَّشيطان من قِيلِه: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء: 118]؛ ليعلَمَ الذين شاقُّوا الرَّسول من بعد ما تبيَّن لهم الهدى أَّنهم من نصيبِ الشَّيطان الَّذي لَعنه اللهُ المفروضِ، وأنَّه ممَّن صدَّق عليهم ظنَّه) ((تفسير ابن جرير)) (7/492). .
كما قال الله تعالى: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: 82، 83].
وقال أيضًا: إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ.
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
بعد أن أقسَمَ الشَّيطانُ أنَّه سيتَّخذُ نصيبًا مفروضًا من العِباد، ذكَر ما يعتزمُ فعلَه بهم بقوله يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 204). :
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ
أي: واللهِ لأَصُدَّنَّهم عن طريق الحقِّ إلى سُبُلِ الضَّلالِ، ضلال في العِلمِ، وضلال في العمل يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/492)، ((تفسير ابن كثير)) (2/415)، ((تفسير السعدي)) (ص: 204)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/238). .
وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ
أي: واللهِ لأجعَلَنَّ في نفوسِهم من الأمانيِّ الَّتي أعِدُهم بها، ما يُزيغُهم عن توحيدِك وطاعتِك؛ كأن يُزيِّنَ لهم ما هم فيه من الضَّلالِ، مع تمنِّيهم أن ينالوا ما ناله المهتدونَ، وكأن يُمنِّيَهم بطولِ العمرِ مع أمرِهم بالتَّسويفِ والتَّأخيرِ في التَّوبةِ حتَّى يَبغَتَهم الموتُ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/492)، ((تفسير ابن كثير)) (2/415)، ((تفسير السعدي)) (ص: 204)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/238). .
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ
أي: واللهِ لآمُرَنَّهم بأن يُقطِّعوا آذانَ الأنعامِ من الإبلِ والبقرِ والغَنَم علامةً على أنَّها محرَّمةٌ-قيل: يُقطِّعونها نُسُكًا في عبادةِ الأوثانِ- وهذا يقتضي تحريمَ ما أحَلَّ اللهُ، أو تحليلَ ما حرَّمه، ويلتحقُ بذلك مِن الاعتقاداتِ الفاسدةِ والأحكامِ الجائرةِ ما هو مِن أكبرِ الضَّلالِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/492-493)، ((تفسير السعدي)) (ص: 204)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/240). قال الواحدي: (قوله: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ [النساء: 119] البَتْك: القطع، والتبتيك: التقطيع، وهو في هذا الموضع: قطعُ آذانِ البَحِيرة عند جميع أهل التَّفسير) ((التفسير الوسيط)) (2/118). .
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ
أي: ولآمُرَنَّهم بتغييرِ خِلقتِهم الظَّاهرةِ بالوَشْمِ، والنَّمْصِ، والتَّفلُّجِ للحُسنِ، وغير ذلك يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/502-503)، ((تفسير السعدي)) (ص: 204)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/240-241). قال السعديُّ: (وذلك يتضمَّن التَّسخُّطَ من خِلقتِه، والقدحَ في حكمته، واعتقاد أنَّ ما يَصنعون بأيديهم أحسنُ مِن خِلقةِ الرَّحمن، وعدم الرِّضا بتقديره وتدبيره) ((تفسير السعدي)) (ص: 204). ، وتغيير خِلقتِهم الباطنة، فتتغيَّرُ فِطرتُهم الَّتي فُطِروا عليها من التَّوحيدِ إلى الشِّركِ، ومِن اليقينِ إلى الشَّكِّ، ومِن قَبولِ الحقِّ والعملِ به إلى تركِه والإعراضِ عنه والتَّمرُّدِ عليه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/502-503)، ((تفسير السعدي)) (ص: 204)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/240-241). .
عن عبدِ اللهِ بن مسعود رضِي اللهُ عنه قالَ: ((لعنَ اللهُ الواشمَاتِ والمُتَوشِّماتِ الوَشْم: أن يُغرَزَ الجِلدُ بإبرة، ثم يُحشَى بكُحل أو نيل، فيَزرقَّ أثرُه أو يخضرَّ. وقد وَشَمَتْ تَشِمُ وَشْمًا فهي واشمةٌ. والمستوشِمة والموتشِمة: التي يُفعَل بها ذلِك. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (5/189). ، والمُتَنَمِّصَات النَّمْص: نتفُ الشَّعر. والنَّامِصَةُ: الَّتِي تَنْتِف الشَّعَر مِن وجهِها. والمُتَنَمِّصَةُ: الَّتِي تأمُر مَن يَفْعل بِها ذَلِكَ. يُنظر: ((الصحاح)) للجوهري (3/1060)، ((النهاية)) لابن الأثير (5/119). والمُتَفَلِّجَاتِ للحُسْنِ التفلُّج: التشقُّق، والفَلَج بالتحريك: فُرْجة ما بين الثنايا والرَّبَاعيات، والفرق: فُرجة بين الثنيتين. و(المتفلِّجات للحسن)، أي: النِّساء اللاتي يفعلن ذلك بأسنانهن؛ رغبةً في التحسين. يُنظر: ((القاموس المحيط)) للفيروزابادي (ص: 202)، ((النهاية)) لابن الأثير (3/468). ، المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللهِ، فبلغَ ذلكَ امرأةً من بني أسدٍ يُقالُ لها: أمُّ يعقوبَ، فجاءَت فقالت: إنَّهُ بلغَني أنَّكَ لعَنْتَ كيْتَ وكيْتَ، فقالَ: وما ليَ لا ألعَنُ مَن لعنَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومَنْ هوَ في كتابِ اللهِ، فقالت: لقدْ قرأتُ ما بينَ اللَّوحينِ، فمَا وجدْتُ فيه ما تقولُ، قالَ: لئنْ كنتِ قرَأتِيهِ لقد وجَدْتِيهِ، أمَا قرأتِ: ومَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، قالتْ: بلى، قالَ: فإنَّهُ قدْ نهَى عنهُ، قالت: فإنِّي أرَى أهْلَكَ يفعَلونَهُ، قالَ: فاذْهَبي فانْظُرِي، فَذَهَبتْ فَنَظَرتْ، فلمْ تَرَ مِن حاجَتِها شيئًا، فقالَ: لو كانَتْ كذَلِك مَا جَامَعَتْنا )) رواه البخاري (4886)، واللفظ له، ومسلم (2125). .
وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ
مُناسَبتُها لِمَا قَبلَها:
لَمَّا حكَى عن الشَّيطانِ دَعاويَه في الإغواءِ والضَّلالِ، حذَّر النَّاسَ عن متابعتِه يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/224). ، فقال:
وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي: ومَن يجعَلِ الشَّيطانَ وليًّا لنفسِه ونصيرًا دون الله تعالى فيتَّبِعْه ويُطِعْه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/503)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/241). .
فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا
أي: فقد هلَك في الدُّنيا والآخِرةِ هلاكًا ظاهرًا، يُبيِنُ عن عطَبِه وهلاكِه، فيحصُلُ له الشَّقاءُ الأبديُّ، ويفُوتُه النَّعيمُ السَّرمديُّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/503-504)، ((تفسير ابن كثير)) (2/416)، ((تفسير السعدي)) (ص: 204)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/241-242). قال ابنُ جرير: (لأنَّ الشَّيطان لا يملِكُ له نصرًا من الله إذا عاقَبه على معصيته إيَّاه في خلافِه أمرَه، بل يخذُلُه عند حاجتِه إليه) ((تفسير ابن جرير)) (7/503- 504). .
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120)
يَعِدُهُمْ
أي: يعِدُ الشَّيطانُ أولياءَه بوعودٍ باطلةٍ لإضلالِهم؛ كأنْ يعِدَهم بأن يكونَ لهم نصيرًا ممَّن أرادهم بسوءٍ، وكأن يعِدَهم بأنَّهم إذا أنفَقوا في سبيلِ الله عزَّ وجلَّ افتقَروا، وإن جاهَدوا في سبيل الله تعالى قُتِلوا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/504)، ((تفسير ابن كثير)) (2/416)، ((تفسير السعدي)) (ص: 204)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/242). .
وَيُمَنِّيهِمْ
أي: يُرجِّيهم ويَفتَحُ أمامَهم الآمالَ الكاذبةَ، والأمانيَّ الباطلةَ؛ كأنْ يُمنِّيَهم بالظَّفَرِ على أعدائِهم، وكأن يُمنِّيَهم بأنَّهم هم الفائزونَ في الدُّنيا والآخرةِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/504)، ((تفسير ابن كثير)) (2/416)، ((تفسير السعدي)) (ص: 204)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/242). .
وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا
أي: وما يعِدُ الشَّيطانُ أولياءَه إلَّا باطلًا وأوهامًا خادعةً لا حقيقةَ لها يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/504)، ((تفسير ابن كثير)) (2/416)، ((تفسير السعدي)) (ص: 204)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/242). .
فإنَّه إذا حَصْحَصَ الحقُّ وصاروا إلى الحاجةِ إليه، قال لهم عدوُّ الله: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم: 22].
وكما قال للمُشركين ببدرٍ وقد زيَّن لهم أعمالَهم: لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ [الأنفال: 48]، وحَصْحَصَ الحقُّ، وعايَن جِدَّ الأمرِ، ونزولَ عذابِ الله بحزبِه، نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: 48]، فصارَتْ عِداتُه إيَّاهم عند حاجتِهم إليه غرورًا، كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ [النور: 39] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/504). .
أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121)
أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ
أي: إنَّ هؤلاء الَّذين اتَّخَذوا الشَّيطانَ وليًّا مِن دونِ الله تعالى، مصيرُهم الَّذي يَصِيرون إليه ومآلُهم ومستقَرُّهم يومَ حسابهم: نارُ جهنَّمَ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/505)، ((تفسير ابن كثير)) (2/416)، ((تفسير السعدي)) (ص: 204). .
وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا
أي: لا يَجِدون عن جَهنَّمَ ملجأً ولا مفرًّا، ولا خَلاصًا منها، بل هم خالِدون فيها يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/505)، ((تفسير ابن كثير)) (2/416)، ((تفسير السعدي)) (ص: 204)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/246). .
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذكَر اللهُ تعالى ما للكفَّار ترهيبًا، أتبَعَه ما لغيرِهم ترغيبًا، فكما رتَّبَ تعالى مصيرَ مَن كان تابعًا لإبليس إلى النَّار؛ لإشراكِه وكفرِه، وتغييرِ أحكامِ الله تعالى، رتَّب هنا دخولَ الجنَّةِ على الإيمانِ وعملِ الصَّالحاتِ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/74)، ((تفسير الشربيني)) (1/334). ، فقال:
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
أي: إنَّ المؤمنين باللهِ تعالى وملائكتِه وكُتُبِه ورسُلِه واليومِ الآخِرِ، والقَدَرِ خيرِه وشرِّه على الوجهِ الَّذي أُمِروا به عِلمًا وتصديقًا وإقرارًا، الَّذين يعمَلون الأعمالَ الصَّالحة مِن واجباتٍ ومستحبَّاتٍ على القلب، واللِّسانِ، وبقيَّةِ الجوارحِ، يَعمَلونها خالصةً لله عزَّ وجلَّ، وعلى هَدْيِ رسولِه عليه الصَّلاة والسَّلامُ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/505)، ((تفسير ابن كثير)) (2/416)، ((تفسير السعدي)) (ص: 204-205)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/247-248). .
سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
أي: سوف يُدخِلُهم اللهُ تعالى يومَ القيامةِ- جزاءً لهم- دارَ النَّعيمِ، الَّتي فيها ما لا عينٌ رأَتْ، ولا أُذنٌ سمِعَتْ، ولا خطَرَ على قلبِ بشَرٍ، تَجري من تحت أشجارِها وقُصورِها أنهارٌ متنوِّعة يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/505)، ((تفسير السعدي)) (ص: 204-205)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/251). .
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا
أي: ماكثين فيها أبدًا بلا زوالٍ ولا انتقالٍ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/505-506)، ((تفسير ابن كثير)) (2/416)، ((تفسير السعدي)) (ص: 205). .
وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا
أي: هذا وعدٌ مِن الله تعالى واقعٌ لا محالةَ، لا كعِدَةِ الشَّيطانِ الكاذبةِ الَّتي وعَدَها أولياءَه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/506)، ((تفسير ابن كثير)) (2/416)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/251-252). .
وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا
أي: لا أحدَ أصدَقُ مِن الله تعالى قولًا وخبرًا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/506-507)، ((تفسير ابن كثير)) (2/416)، ((تفسير السعدي)) (ص: 205)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/252). .

الفَوائِد التربويَّة:


1- فضيلةُ الأمرِ بالإصلاحِ بين النَّاس؛ قال سبحانه: أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/220). .
2- فضيلةُ الأمر بالمعروف؛ حيث قرَنه اللهُ تعالى بالأمر بالصَّدقةِ؛ لقوله: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/220). .
3- قال الله تعالى: أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، والإصلاحُ لا يكونُ إلَّا بين مُتنازعَيْنِ مُتخاصمَيْنِ، والنِّزاعُ والخِصامُ والتَّغاضُبُ يوجِبُ مِن الشَّرِّ والفُرقةِ ما لا يمكِنُ حصرُه؛ فلذلك حثَّ الشَّارعُ على الإصلاحِ بين النَّاسِ في الدِّماءِ والأموالِ والأعراضِ، بل وفي الأديانِ يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 202). .
4- وجوبُ العناية بالإخلاصِ؛ فمع أنَّ هذه المذكوراتِ في قوله: أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ أعمالٌ في غاية الشَّرفِ والجلالةِ، والخيرَ وصفٌ ثابتٌ لها؛ لِمَا فيها من المنافعِ؛ ولأنَّها مأمورٌ بها في الشَّرعِ- إلَّا أن الثَّوابَ لا يحصُلُ إلَّا عن فعلِها ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ، ولا ينتفعُ بها المرءُ إلَّا إذا أتى بها لوجه الله؛ فقال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا، فأمَّا إذا أتى بها للرِّياءِ والسُّمعةِ انقلَبَتْ فصارت مِن أعظمِ المفاسدِ. وأيضًا فكمالُ الأجرِ وتمامُه بحسَب النِّيَّةِ والإخلاص؛ فلهذا ينبغي للعبدِ أن يقصِدَ وجهَ الله تعالى، ويُخلِصَ العملَ لله؛ ليحصُلَ له بذلك الأجرُ العظيمُ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/65)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/200). ((تفسير الرازي)) (11/218)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/401)، ((تفسير السعدي)) (ص: 202)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/220). .
5- أنَّ الإيمانَ وحده لا يكفي، بل لا بدَّ من عملٍ، وأنَّ العمَلَ وحده لا يكفي، بل لا بدَّ من إيمانٍ، فلا يستحقُّ الجنَّةَ إلَّا مَن جمَع بين الإيمانِ والعملِ الصَّالح، وإذا ذُكِرَ ثوابُ الجنَّةِ مقيَّدًا أو معلَّقًا بالإيمانِ وحده، فالمرادُ بذلك الإيمانُ المتضمِّنُ للعملِ الصَّالحِ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/252). .
6- أنَّ العملَ لا ينفَعُ صاحبَه إلَّا إذا كان صالحًا، والعملُ الصَّالحُ هو: الخالصُ الصَّوابُ، أي: ما ابتُغِيَ به وجهُ الله، وكان على شريعةِ الله؛ قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/252). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائف:


1- في قول الله تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ الصَّدقةُ، والمعروفُ، والإصلاحُ بين النَّاس، هذه الثَّلاثةُ لو لم تُذكَرْ، لدخَلَتْ في القليلِ من نجواهم، الثَّابتِ له الخيرُ، فلمَّا ذُكِرَتْ بطريقِ الاستثناءِ علِمْنا أنَّ نَظْمَ الكلام جرى على أسلوبٍ بديع، فأخرج ما فيه الخيرُ مِن نجواهم ابتداءً بمفهومِ الصِّفة، ثمَّ أُريدَ الاهتمامُ ببعض هذا القليلِ مِن نجواهم، فأُخرِجَ مِن كثيرِ نجواهم بطريقِ الاستثناءِ، فبقي ما عدا ذلك مِن نجواهم- وهو الكثيرُ- موصوفًا بأنْ لا خيرَ فيه يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/200). .
2- المعروفُ يَندرجُ تحته الصَّدقةُ والإصلاحُ، لكنَّهما جُرِّدا منه في قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، واختصَّا بالذِّكر لعِظَمِ أهميَّتِهما يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/65). .
3- في قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ فضيلة الصَّدَقةِ، وجهُ ذلك: أنَّه إذا كان الآمِرُ بالصَّدقةِ في أمرِه خيرٌ، ففاعلُ الصَّدقةِ مِن بابِ أَوْلى يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/220). .
4- الحِكمةُ في كونِ النَّجوى مظِنَّةَ الشَّرِّ في الأكثرِ، هي أنَّ العادةَ الغالبةَ وسُنَّةَ الفِطرةِ المتَّبَعة هي استحبابُ إظهارِ الخيرِ والتَّحدُّثِ به في الملأِ، وأنَّ الشَّرَّ والإثمَ هو الَّذي يخفى، ويُذكَرُ في السِّرِّ والنَّجوى؛ لذا قال تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ يُنظر: ((تفسير المنار)) (5/331). .
5- مَعْرُوفٍ المعروفُ هو الإحسانُ والطَّاعةُ، وكلُّ ما عُرِف في الشَّرعِ والعقلِ حُسْنُه، وإذا أُطلِق الأمرُ بالمعروف من غيرِ أن يُقرَنَ بالنَّهيِ عن المُنكَرِ، دخَل فيه النَّهيُ عن المُنكَر؛ وذلك لأنَّ تَرْك المنهيَّاتِ مِن المعروفِ، وأيضًا لا يتمُّ فعلُ الخيرِ إلَّا بترك الشَّرِّ، وأمَّا عند الاقترانِ فيُفسَّرُ المعروفُ بفعل المأمورِ، والمُنكَرُ بترك المَنْهِيِّ يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 202). .
6- في قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ بيانُ أنَّ هذه الأمورَ الثَّلاثةَ فيها خيرٌ وإن فعَلها الإنسانُ مِن غيرِ استحضارِ نيَّةٍ، وجهُه: أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا نفى الخيرَ في كثيرٍ من النَّجوى استثنى هذه الثَّلاثةَ، ثمَّ قال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/220). .
7- أنَّه يصحُّ إطلاقُ الفعلِ على القولِ، وتؤخذُ مِن قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، مع أنَّ الَّذي حصَل أمرٌ بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/220). .
8- إثباتُ صفاتِ الفعلِ في قوله: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/223). .
9- في قوله: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا أنَّه لا يَنبغي للإنسانِ أنْ يستعجِلَ الثَّوابَ؛ إذ قد يؤخِّرُ اللهُ الثَّوابَ لحكمةٍ؛ فَسَوْفَ دَّالَّةٌ على التَّسويفِ، وهي تدلُّ أيضًا على التَّحقيقِ؛ ولهذا لا ينبغي استعجالُ ثوابِ اللهِ، وإجابةِ اللهِ تعالى للدُّعاء يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/223). .
10- عِظَمُ ثوابِ مَن فعَل ذلك ابتغاءَ وجهِ الله؛ لقوله: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا؛ لأنَّ تعظيمَ الشَّيءِ مِن العظيمِ يدلُّ على عظَمتِه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/224). .
11- تحريمُ مُشاقَّةِ الرَّسولِ، وأنَّها مِن كبائر الذُّنوب، وجهُه: أنَّه رتَّب عليها العقوبةَ، وهي: التَّخلِّي عنه، وصَلْيُه جهنَّمَ: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ... يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/224). .
12- العُذْرُ بالجهل؛ لقوله: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى، فلو أنكَر الإنسانُ شيئًا ممَّا جاء به الرَّسولُ عليه الصَّلاة والسَّلام، وصار يُحاجُّ عليه، لكنَّه جاهلٌ، فإنَّه معذورٌ؛ لأنَّ الآيةَ صريحةٌ: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/228). . ودلَّت الآيةُ أيضًا على أنَّه مع التَّردُّدِ لا تقومُ الحُجَّةُ، لكنْ على الإنسانِ أن يتبيَّنَ، فالذين لا يطلُبون التَّبيُّنَ، هم مُفرِّطون بلا شكٍّ، ولا يُعذَرون بجهلِهم يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/228). .
13- أنَّ ما جاء به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فهو هُدًى ونورٌ، ويتبيَّنُ بأنْ يتأمَّلَ الإنسانُ ما جاء به الرَّسولُ عليه الصَّلاة والسَّلام من العباداتِ والأخلاقِ والمعاملاتِ وغيرِ هذا، فإذا تأمَّله بعِلمٍ وعدلٍ- يعني: كان مُنصِفًا- تبيَّن له الحقُّ، وعرَفَ أنَّ ما جاء به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو الحقُّ؛ قال تعالى: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/228). .
14- قول الله تعالى: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ، فيه دَلالةٌ على أنَّ الإجماعَ حُجَّةٌ؛ لأنَّه لا يُتوعَّدُ إلَّا على مخالَفةِ الحقِّ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/219)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/402). ؛ فالأمَّةُ إذا أجمَعَتْ على شيءٍ فإنَّه حقٌّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/228). ، وسَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مفردٌ مضافٌ، يشمَلُ سائرَ ما المؤمنونَ عليه من العقائدِ والأعمالِ، فإذا اتَّفقوا على إيجابِ شيءٍ أو استحبابِه، أو تحريمِه أو كراهتِه، أو إباحتِه- فهذا سبيلُهم؛ فمن خالَفهم في شيءٍ من ذلك بعد انعقادِ إجماعِهم عليه، فقد اتَّبَع غيرَ سبيلِهم يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 203). .
15- مَن لم يُشاقِقِ الرَّسولَ، واتَّبعَ سبيلَ المؤمِنين، بأن كان قصدُه وجهَ اللهِ واتِّباعَ رسولِه ولزومَ جماعةِ المسلمين، ثمَّ صدَر منه مِن الذُّنوبِ أو الهمِّ بها ما هو من مقتضياتِ النُّفوس، وغَلَبات الطِّباعِ، فإنَّ اللهَ لا يُولِّيه نفسَه وشيطانَه، بل يتدارَكُه بلُطفِه، ويمُنُّ عليه بحفظِه، ويعصِمُه من السُّوءِ، دلَّ على ذلك مفهومُ قولِه تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 202). .
16- قول الله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ، يدلُّ على أنَّه يجبُ الاقتداءُ بالرَّسولِ عليه الصَّلاة والسَّلام في أفعالِه؛ إذ لو كان فعلُ الأمَّةِ غيرَ فعلِ الرَّسول لزِم كونُ كلِّ واحدٍ منهما في شقٍّ آخرَ مِن العمل، فتحصُلُ المُشاقَّةُ، لكنَّ المُشاقَّةَ محرَّمةٌ، فيلزَمُ وجوبُ الاقتداءِ به في أفعاله يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/219). .
17- أنَّ سبيلَ المؤمنين طاعةُ الرَّسولِ عليه الصَّلاة والسَّلام؛ لأنه قال: وَمَنْ يُشَاقِقِ، وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، إذًا: سبيلُ المؤمنين هي عدمُ المُشاقَّة، وهو كذلك، وكلَّما كان الإنسانُ أقوى إيمانًا، كان أقوى اتِّباعًا لرسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/231). .
18- كرَّر اللهُ تعالى قوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ مرَّتينِ في هذه السُّورة، وكان بين الآيتين ذِكرُ قتلِ النَّفس، وقد قال أهلُ العلم: إنَّ قاتلَ النَّفس له توبةٌ، واستدلُّوا لذلك بأنَّ الله ذكَر قَتْلَ النَّفس بين آيتين كلتاهما تدلُّ على أنَّ ما سوى الشِّرك فاللهُ تعالى يغفِرُه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/233). .
19- قوله: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا، وفي الآية الأولى: فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا، فيؤخذُ مِن مجموعِ الآيتينِ أنَّ المشركَ مُفتَرٍ ضالٌّ، وهو كذلك؛ لأنَّ دَعْواه أنَّ لله شريكًا كذِبٌ وافتراءٌ عظيمٌ، وكونُه يَبني على هذه الدَّعوى أن يُشرِكَ بالله يكونُ هذا ضلالًا، فمجرَّدُ قوله: إنَّ اللهَ له شريكٌ، افتراءٌ، ثمَّ تطبيقُ ذلك في عملِه يُعتبَرُ ضلالًا، فيُؤخَذ من الآيتين الكريمتين: أنَّ المُشرِكَ مُفتَرٍ ضالٌّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/233). .
20- قول الله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا، كنى بالدُّعاءِ عن العبادةِ؛ لأنَّ مَن عبَد شيئًا دعاه عند حوائجِه ومصالحه، وما أنسَبَ التَّعبيرَ لعبَّاد الأوثانِ عن العبادة بالدُّعاءِ، إشارة إلى أنَّ كلَّ معبودٍ لا يُدعى في الضَّروراتِ فيسمَع، فعابدُه أجهلُ الجَهَلةِ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/68)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/404). .
21- أنَّ الطَّاعةَ تُسمَّى دُعاءً وعِبادةً؛ لقوله: وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطانًا مَرِيدًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/243). .
22- التَّحذيرُ مِن الانصياعِ لأوامرِ مَن لَعَنَه اللهُ؛ لأنَّ هذه الجملةَ في قوله: لَعَنَهُ اللَّهُ كالتَّعليلِ لذَمِّهم حينما عبَدوا الشَّيطانَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/243). .
23- إثباتُ القولِ للشَّيطان، وأنَّه يقولُ كما أنَّه يفعَلُ أيضًا، وقد أخبَر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه يأكل ويشربُ بشِماله؛ فهو يقولُ ويفعلُ ويُمَنِّي ويعِدُ ويضُرُّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/243). .
24- أنَّ نصيبَ الشَّيطانِ من عباد الله مفروضٌ، أي: مُقدَّرٌ لا بدَّ أن يكونَ؛ قال سبحانه وتعالى: وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/243). .
25- أنَّ الشَّيطانَ أقسَم قَسَمًا مؤكَّدًا أن يُضِلَّ هؤلاء النَّصيبَ الَّذين فُرِضوا له، وهذا القَسَمُ له مدلوله، فيتفرَّعُ عليه أنَّه يجبُ علينا أن نحذَرَ مِن وساوسِ الشَّيطانِ؛ لأنَّها كلَّها ضلالٌ؛ لقوله: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/243). .
26- أنَّ هذا الإضلالَ الَّذي يقعُ مِن الشَّيطانِ لبني آدمَ مصحوبٌ بالأمنِيَّاتِ، بمعنى أنَّه يُدخِلُ عليهم الأمانيَّ وأنَّهم ينالون خيرًا، وأنَّ المعاصيَ لا تضُرُّهم، وأنَّ التَّوبةَ قريبةٌ، وما أشبَهَ ذلك، قال تعالى حاكيا عنه: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/244). .
27- قول الله تعالى: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ، بدأ بالأمرِ بالتَّبتيكِ، وإن كان مندرجًا تحت عمومِ التَّغييرِ لخَلقِ اللهِ؛ ليكونَ ذلك استدراجًا لِمَا يكونُ بعده من التَّغييرِ العامِّ، واستيضاحًا من إبليسَ طواعيتَهم في أوَّلِ شيءٍ يُلقيه إليهم، فيَعلَمَ بذلك قَبولَهم له، فإذا قبِلوا ذلك أمَرَهم بجميع التَّغييراتِ الَّتي يُريدُها منهم؛ كما يفعلُ الإنسانُ بمن يقصِدُ خداعَه: يأمُرُه أوَّلًا بشيءٍ سهلٍ، فإذا رآه قد قبِل ما ألقاه إليه من ذلك، أمَره بجميعِ ما يُريدُ منه يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/72-73). .
28- في قوله تعالى: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ أنَّ الأصلَ في تغيير خَلْقِ الله المنعُ؛ لأنَّه من أوامرِ الشَّيطانِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/244). .
29- أنَّه لولا وعودُ الشَّيطانِ لَمَا عُنِيَ أولياؤُه بنَشْرِ مذاهبِهم الفاسدةِ وآرائِهم وأضاليلِهم، الَّتي يَبتغون بها الرِّفعةَ والجاهَ والمال، وهؤلاء موجودون في كلِّ زمان، ويُعرَفون بمقاصدِهم، وقد دلَّ على هذا ما قبله، ولكنَّه ذكَرَه ليصِلَ به قولَه: وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا يُنظر: ((تفسير المنار)) (5/351). .
30- في قوله تعالى: أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا أنَّ مرجعَ الطَّائعينَ للشَّيطانِ جهنَّمُ، وأنَّه لا يمكِنُ أن يخرُجوا منها، ويكونُ ذلك على مَن أطاعوه طاعةً مُطلَقةً، أمَّا مَن أطاعوه في بعضِ المعاصي فإنَّ مذهبَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أنَّهم لا يُخلَّدون في النَّار، وإنَّما يُعذَّبون بقدر أعمالِهم، ثمَّ يُخرَجون من النَّارِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/246). .
31- جوازُ الشَّهادة لكلِّ مؤمنٍ عمِل الصَّالحات بأنَّه يدخُلُ الجنَّةَ؛ لقوله تعالى: سَنُدْخِلُهُمْ، ثمَّ قال: وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا، وهذا على سبيلِ العموم، فإنَّنا نشهَدُ لكلِّ مؤمنٍ عاملٍ للصَّالحاتِ أنَّه سيدخُلُ الجنَّةَ، لكن لا نُطبِّقُ الشَّهادةَ هذه على جميع أفراد العموم يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/253). .
32- قول الله تعالى: وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا أكثَرَ مِن التَّأكيدِ هنا؛ لأنَّه في مقابلةِ وعدِ الشَّيطان، ووعدُ الشَّيطان موافِقٌ للهوى الَّذي طُبِعَتْ عليه النُّفوسُ، فلا تنصرِفُ عنه إلَّا بعُسرٍ شديدٍ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/74)، ((تفسير الشربيني)) (1/334). .
33- قال تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا، فصدَق اللهُ العظيمُ الَّذي بلَغ قولُه وحديثُه في الصِّدق أعلى ما يكونُ؛ ولهذا لَمَّا كان كلامُه صِدقًا وخبرُه حقًّا، كان ما يدلُّ عليه مطابَقةً وتضمُّنًا وملازمةً كلُّ ذلك مرادًا مِن كلامه، وكذلك كلامُ رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لكونه لا يُخبِر إلَّا بأمرِه، ولا ينطِقُ إلَّا عن وحيِه يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 205). .

بَلاغةُ الآياتِ:


1- قوله: نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا فيه: التفاتٌ من الغَيبة في قوله: ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ إلى التَّكلُّم بقوله: نُؤْتِيهِ- على قِراءة الجُمهورِ بالنُّونِ-؛ ليُناسِبَ ما بَعدَه من قولِه: نُوَلِّهِ مَا تَولَّى وَنُصْلِهِ، فيكون إسنادُ الثوابِ والعِقابِ إلى ضميرِ المتكلِّمِ العَظيمِ، وهو أبلغُ مِن إسنادِه إلى ضميرِ الغائبِ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/722) و(4/66)، ((تفسير أبي السعود)) (2/232)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/200). .
2- قوله: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ: فيه عَطْفُ اتِّباعِ غَيْرِ سبيلِ المُؤمنينَ على مُشاقَّةِ الرَّسولِ في قوله: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى على سَبيلِ التَّوكيدِ والتَّشنيعِ، وإلَّا فمَن يُشاقِقُ الرَّسولَ هو متَّبِعٌ غيرَ سبيلِ المؤمنين ضرورةً، ولكنَّه بدأ بالأعظمِ في الإثم، وأتْبَعَ بلازمِه توكيدًا، وفائدتُه أيضًا الحَيْطَة لحفِظِ الجامِعةِ الإسلاميَّةِ بعدَ الرسولِ؛ فقد ارتدَّ بعضُ العَرَبِ بعد الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فكانوا ممَّن اتَّبَعَ غيرَ سبيلِ المؤمنينَ ولم يُشاقُّوا الرَّسولَ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/67) ((تفسير ابن عاشور)) (5/201). .
3- قوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا: استئناف ابتدائيٌّ، جُعِل تمهيدًا لِمَا بعده مِن وصفِ أحوال شِركِهم يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/202). .
- وقوله: لَا يَغْفِرُ، ويَغْفِرُ... لِمَنْ يَشَاءُ فيه: تكرارٌ للتَّأكيدِ، والتَّشديدِ يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/565)، ((تفسير البيضاوي)) (2/97)، ((تفسير أبي حيان)) (4/78)، ((تفسير أبي السعود)) (2/233). .
- وقوله: يُشْرَكَ، ووَمَنْ يُشْرِكْ فيه: تكرارٌ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/78). ، وهو يُفيدُ التَّأكيدَ.
- وقوله: فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا: فيه تأكيدُ الخبرِ بحرف (قد)؛ اهتمامًا به؛ لأنَّ المواجَهَ بالكلامِ هنا المؤمِنون، وهم لا يَشكُّون في تحقُّقِ ذلك يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/202). .
4- قوله: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا بيانٌ وتفصيلٌ بعدَ الإجمال في قوله: فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/203). .
- قوله: إِلَّا إِنَاثًا إيرادُها بهذا الاسم؛ للتَّنبيهِ على فَرْطِ حماقةِ عَبَدتِها، وتَنَاهِي جهلِهم يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/233). .
- وقوله تعالى: وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا عبَّر بصيغةِ "فعيل" مَرِيدًا- أي: عاتيًا صُلْبًا عاصيًا ملازمًا للعِصيان- الَّتي هي للمُبالغةِ في سياقِ ذمِّهم؛ تنبيهًا على أنَّهم تَعبَّدوا لِمَا لا إلباسَ في شَرِّه يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/405). .
5- قوله: وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا: الجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّر لِمَا قبلها؛ فقد دلَّ على أنَّ ما دعاهم إليه الشَّيطانُ: مِن تَبْتِيكِ-أي: تَقطيع- آذانِ الأنعامِ، وتغييرِ خَلْقِ الله، إنَّما دعاهم إليه؛ لِمَا يقتضيه من الدَّلالةِ على استشعارِهم بشِعاره، والتَّديُّنِ بدعوتِه يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/206). .
6- قوله: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا استئنافٌ لبيانِ أنَّه أنجَز عزمَه، فوعَد ومنَّى وهو لا يزالُ يعِدُ ويُمنِّي؛ فلذلك جِيءَ بالمضارعِ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/206). .
- وجملة: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ تأكيدٌ لقوله: وَلَأَمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/245). .
- وفيه تَكرارُ فِعْل يَعِدُهُمْ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/78). ، وهو يُفيد التَّأكيدَ على كثرةِ وعودِه الكاذبةِ.
- وقوله: وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا: فيه إظهارٌ لِلَفْظة الشَّيْطَانُ في موضعِ الإضمار، وكان مُقتضى السِّياقِ أن يقولَ: (وما يعِدُهم إلَّا غرورًا)، لكنَّه أظهرَ في مقام الإضمارِ؛ لإظهارِ عداوتِه؛ كما قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر: 6] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/242). .
7- قوله: أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ: جِيءَ باسم الإشارة أُولَئِكَ؛ لتنبيه السَّامعين إلى ما يرِدُ بعدَ اسمِ الإشارةِ من الخبرِ، وأنَّ المشارَ إليهم جَديرونَ به عقِبَ ما تَقدَّم مِن ذِكرِ صِفاتهم يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/206). .
8- قوله تعالى: سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ فيه إسنادُ الفِعلِ إلى نونِ العظَمةِ؛ اعتناءً بأنَّه تعالى هو الَّذي يتولَّى إدخالَهم الجنَّةَ، وتشريفًا لهم يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/72-73). .
9- قوله: وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا: كلمة حَقًّا مصدرٌ مؤكِّد لمضمونِ جملة: سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ؛ إذ هذا في معنى الوَعدِ، أي: هذا الوعدُ أُحقِّقُه حقًّا، أي: لا يتخلَّفُ يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/567)، ((تفسير البيضاوي)) (2/98)، ((تفسير أبي حيان)) (4/74، 78)، ((تفسير أبي السعود)) (2/235)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/207). .
10- قوله: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا: الاستفهامُ فيه غَرضُه الإنكارُ يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/567)، ((تفسير أبي السعود)) (2/235)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/207). .
- والجملةُ تذييلٌ للوعدِ، وتحقيقٌ له، وهي جملةٌ مؤكِّدةٌ بليغةٌ، وفائدةُ هذه التَّوكيداتِ معارَضَةُ مواعيدِ الشَّيطانِ الكاذبةِ لقُرنائِه بوعدِ اللهِ الصَّادقِ لأوليائِه، والمبالغةُ في تأكيدِه؛ ترغيبًا للعبادِ في تَحصيلِه يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/567)، ((تفسير أبي السعود)) (2/235)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/207). .