موسوعة التفسير

سورةُ إبراهيمَ
 الآيتان (22-23)

ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ

غريب الكلمات:


بِمُصْرِخِكُمْ: أي: بمُغيثِكم ومُنقِذِكم، وأصلُ (صرخ): يدلُّ على صَوتٍ رَفيعٍ [286] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/629)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 442)، ((البسيط)) للواحدي (12/453)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 882). .

المعنى الإجمالي:


يخبرُ الله تعالَى عن الشَّيطانِ- بعد أن يقضيَ اللهُ الأمرَ،  ويُدخِلَ أهلَ الجنَّةِ الجنَّةَ، وأهلَ النَّارِ النارَ- أنَّه يقولُ: إنَّ اللهَ وعَدَكم على ألسِنةِ رُسُلِه وعدًا حقًّا بالبَعثِ والجزاءِ، وأنَّ فِي اتِّبَاعِ هؤلاء الرسلِ النَّجاةَ وَالسَّلامَةَ، فوفَى بوَعدِه، ووعدتُكم وعدًا باطِلًا؛ أنَّه لا بَعْثَ ولا جزاءَ، ووعدتُكم النُّصرةَ، فأخلَفتُكم وعدي، وما أظهرتُ لكم أيَّ حجَّةٍ تدُلُّ على صِدقي فيما وعدتُكم به، ولكِنْ دَعَوتُكم إلى الكُفرِ باللهِ والإشراكِ به ومَعصيتِه فاتَّبَعتُموني بلا بُرهانٍ، فلا تلوموني ولُوموا أنفُسَكم، ما أنا بمُغيثِكم ومُنقِذِكم من النَّارِ، ولا أنتم بمُغيثيَّ ومنقِذِيَّ منها، إني تبرَّأتُ مِن جَعْلِكم لي شريكًا مع اللهِ في طاعتِه وعبادتِه في الدُّنيا، إنَّ الظَّالمينَ- الذين وضعوا العِبادةَ والطَّاعةَ في غيرِ مَوضِعِها- لهم عذابٌ مُؤلِمٌ مُوجِعٌ. وأُدخِلَ الذين آمنوا بالله ورَسولِه وعَمِلوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجري مِن تحتِ أشجارِها وقُصورِها وتحت كل ما علا منها الأنهارُ، لا يخرُجونَ منها أبدًا بإذنِ رَبِّهم، تحيةُ بعضِهم لبعضٍ، وتحيةُ اللهِ لهم، وتحيةُ الملائكةِ إيَّاهم: سلامٌ.

تفسير الآيتين:


وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا ذكَرَ مُحاورةَ الأتباعِ لرُؤسائِهم الكَفَرةِ؛ ذكَرَ مُحاورةَ الشَّيطانِ وأتباعِه مِن الإنسِ؛ وذلك لاشتراكِ الرُّؤساءِ والشَّياطينِ في التلبُّسِ بالإضلالِ [287] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/427). .
وأيضًا فقد أفْضَتْ مجادلةُ الضعفاءِ وسادتِهم في تغريرِهم بالضلالةِ إلى نطقِ مصدرِ الضلالةِ، وهو الشَّيطانُ [288] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/218). .
وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ.
أي: وقال إبليسُ- وهو أوَّلُ المُستَكبرينَ المتبوعينَ في الضَّلالِ- لأتباعِه لَمَّا أدخَلَ اللهُ أهلَ الجنَّةِ الجنَّةَ، وأهلَ النَّارِ النَّارَ: إنَّ الله وعَدَكم على ألسِنةِ رُسُلِه وعدًا صادِقًا متحَقِّقًا لا يُخلَفُ بوقوعِ البَعثِ، وإثابةِ المُطيعِ بالجنَّةِ، والعاصي بالنَّارِ، ووعَدكم أنَّ فِي اتِّبَاعِ هؤلاء الرسلِ النَّجاةَ وَالسَّلامَةَ، فوفَى بوَعدِه، ووَعَدتُكم أنْ لا بعثَ، ولا جَنَّةَ ولا نارَ، ولَا ثَوابَ ولَا عِقابَ، ووعدتُكم النُّصرةَ، فأخلفْتُ وعدي لكم، وكذَبْتُ عليكم [289] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/628)، ((تفسير القرطبي)) (9/356)، ((تفسير ابن كثير)) (4/489)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/219). قال ابن عاشور: (وشَمِلَ وعدُ الحَقِّ جميعَ ما وعَدهم اللهُ بالقرآنِ على لسانِ رسولِه عليه الصلاةُ والسلامُ، وشَمِلَ الخُلْفُ جميعَ ما كان يعِدُهم الشيطانُ على لسانِ أوليائِه، وما يعِدُهم إلَّا غُرورًا). ((تفسير ابن عاشور)) (13/219). .
كما قال الله تعالى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [النساء: 120].
وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي.
أي: قال إبليسُ لأهلِ النَّارِ: وما أظهرتُ لكم أيَّ حجَّةٍ تدُلُّ على صِدقي فيما وعدتُكم به، ولكِنْ دعوتُكم إلى الكُفرِ باللهِ والإشراكِ به ومَعصيتِه، فأطعتُموني واتَّبعتُموني بلا بُرهانٍ [290] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/628)، ((تفسير القرطبي)) (9/356)، ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/100)، ((تفسير ابن كثير)) (4/489)، ((تفسير السعدي)) (ص: 425). وممن اختار أنَّ السلطانَ هنا بمعنَى الحجةِ والبرهانِ: ابنُ جريرٍ، والقرطبي، وابنُ القيمِ، وابنُ كثيرٍ، والسعدي. يُنظر: المصادر السابقة. وقِيل: المرادُ بالسُّلطانِ هنا: التسلطُ والقهرُ. وممن اختاره: الزمخشري، والبيضاوي، والبقاعي، وابنُ عاشورٍ. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/550)، ((تفسير البيضاوي)) (3/197)، ((نظم الدرر في تناسب الآيات والسور)) للبقاعي (10/407)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/219). قال ابنُ عطيةَ: (يحتمِلُ أن يريدَ بـ «السلطان» في هذه الآيةِ الغلبةَ والقدرةَ والملكَ، أي: ما اضْطررتُكم، ولا خوَّفْتُكم بقوةٍ منِّي، بل عرضْتُ عليكم شيئًا، فأتَى رأيُكم عليه). ((تفسير ابن عطية)) (3/334). وجمَع الثعلبيُّ بينَ المعنيين، فقال: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ ولايةٍ ومملكةٍ، وحجةٍ وبصيرةٍ). ((تفسير الثعلبي)) (5/313). .
فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ.
أي: فلا تَلوموني اليومَ على طاعتِكم واتِّباعِكم لي بلا حُجَّةٍ، ولوموا أنفُسَكم على ذلك؛ فأنتم السَّبَبُ في دخُولِكم النَّارَ؛ لأنَّكم مُؤاخَذونَ بكَسبِكم، ولكم قُدرةٌ واختيارٌ، فاختَرتُم الشَّرَّ على الخيرِ [291] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/628، 629)، ((تفسير القرطبي)) (9/357)، ((تفسير ابن كثير)) (4/489، 490)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/408)، ((تفسير السعدي)) (ص: 425). .
مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.
أي: ما أنا بمُغيثِكم ومُنقِذِكم من النَّارِ، وما أنتم بُمغيثينَ ومُنقذينَ لي من النَّارِ؛ فكلٌّ مِنَّا له قِسْطُه من العذابِ [292] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/629)، ((الوسيط)) للواحدي (3/29)، ((تفسير القرطبي)) (9/357)، ((تفسير ابن كثير)) (4/490)، ((تفسير السعدي)) (ص: 425). .
كما قال تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الصافات: 27 - 33].
وقال سُبحانه: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: 36 - 39].
إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ.
أي: إنِّي جَحَدْتُ وتبرَّأتُ مِن جَعْلِكم لي شَريكًا لله في العبادةِ والطَّاعةِ مِن قَبلُ في الدُّنيا [293] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/629)، ((تفسير ابن عطية)) (3/334)، ((تفسير القرطبي)) (9/358)، ((تفسير ابن كثير)) (4/490)، ((تفسير السعدي)) (ص: 425)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/221). .
كما قال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [مريم: 81-82].
وقال سبُحانه: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [يس: 60 - 62].
وقال عزَّ وجَلَّ: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: 5- 6].
إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
أي: إنَّ الكافرينَ- الذين ظلَموا أنفُسَهم بوَضعِهم العِبادةَ والطَّاعةَ في غيرِ مَوضِعِها- لهم عَذابٌ مُوجِعٌ [294] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/629)، ((البسيط)) للواحدي (12/461)، ((تفسير السعدي)) (ص: 425). قال أبو حيان: (الظاهِرُ أنَّه من تمامِ كلامِ إبليسَ، حكى اللهُ عنه ما سيقولُه في ذلك الوقت؛ ليكونَ تنبيهًا للسَّامعين على النَّظرِ في عاقبتِهم، والاستعدادِ لِما لا بُدَّ منه... وقيل: هو من كلامِ الخزَنةِ يوم ذاك. وقيل: مِن كلام الله تعالى). ((تفسير أبي حيان)) (6/430). .
وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا جمَعَ اللهُ تعالى الفَريقينِ في قَولِه: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا وذَكَرَ شَيئًا مِن أحوالِ الكُفَّارِ؛ ذكَرَ ما آل إليه أمرُ المؤمنينَ مِن إدخالِهم الجنَّةَ [295] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/430). ، فقال:
وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ.
أي: وأُدخِلَ الذين آمنوا وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحاتِ، فأطاعوا اللهَ تعالى واجتَنَبوا مَعصِيتَه؛ بساتينَ تجري الأنهارُ سارِحةً مِن تحتِ ما علا منها، كالغُرَفِ والمباني والأشجارِ وغيرِها [296] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/634)، ((تفسير ابن عطية)) (3/334)، ((تفسير ابن كثير)) (4/491). .
خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ.
أي: ماكثينَ في الجنَّةِ بأمرِ رَبِّهم [297] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/634)، ((تفسير القرطبي)) (9/358)، ((تفسير ابن كثير)) (4/491). .
تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ.
أي: تحيةُ بعضِهم لبعضٍ، وتحيةُ اللهِ لهم، وتحيةُ الملائكةِ إيَّاهم [298] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/89)، ((تفسير الرسعني)) (3/14)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/253). ممن اختار أنَّ الله يحيِّيهم بهذه الكلمةِ، والملائكةَ يحيُّونَهم بها، وبعضَهم يحيِّي بعضًا بها: الرازي، والرسعني، ومحمد رشيد رضا. يُنظر: المصادر السابقة. قال محمَّد رشيد رضا في قولِه: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ [يونس: 10]: (وهذه التَّحيَّةُ تكونُ مِنْه عَزَّ وَجَلَّ لهمْ؛ كما قال في سُورةِ الأحْزابِ: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ [الأحزاب: 44]، وفي سُورةِ (يس): سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58]، وتكونُ مِنَ الملائكةِ لهم عندَ دُخولِ الجنَّةِ؛ كما قال في سُورةِ الزُّمَرِ: وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: 73] ومِثْلُهُ في سُورةِ النَّحلِ: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: 32]، وفي كلِّ وقْتٍ يَدْخُلون فيه عليهمْ؛ كما قال في سُورةِ الرَّعْدِ: وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: 23، 24]، وتكونُ منهمْ بَعضِهمْ لِبَعضٍ، وهو المُتَبادَرُ مِن قولِه تَعالى في سُورةِ مريمَ: لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا [مريم: 62]، وفي سُورَةِ الواقعةِ: لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا [الواقعة: 25، 26]؛ فإنَّ اللَّغْوَ والتَّأثيمَ مِن شَأْنِ كَلامِ البشَرِ، فلمَّا نَفَى وُقُوعَهُما منهُمْ في الجنَّةِ، واسْتَدْرَكَ على نَفْيِهِ باستِثْناءِ كَلمةِ سَلامٍ مُنْقَطِعًا؛ تَرجَّحَ أنْ يكونَ المُرادُ بِه سَلامَ بَعضِهمْ على بَعضٍ، أو عامًّا يَشمَلُه. والجُملةُ في آيَتِنا: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ تَشمَلُ الأنواعَ كُلَّها). ((تفسير المنار)) (11/253). وقال الواحدي: (قولُه: تَحِيَّتُهُمْ مَصدرٌ مُضافٌ؛ فإنْ جَعلْتَه مُضافًا إلى الفاعِلِ، فهو تَحيَّةُ بَعضِهم بعضًا، وإنْ جَعلْتَه مُضافًا إلى المفعولِ، فهو تَحيَّةُ اللهِ إيَّاهم والملائكةِ، وقد ذكَرَ ابنُ عبَّاسٍ الوَجْهينِ). ((البسيط)) (12/462). وقيل: المراد: تُحَيِّيهم الملائكةُ. وهذا ظاهر اختيار ابن جرير، والشوكاني، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/634)، ((تفسير الشوكاني)) (3/126)، ((تفسير القاسمي)) (6/313). وممَّنْ قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ جريجٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/634). وقيل: المراد: يحَيِّي أهلُ الجنَّة بعضُهم بعضًا بالسلامِ. وممن اختار ذلك: السعدي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 425)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/104). وقيل: المرادُ: تحيَّتُهم فيما بينهم وتحيَّة الملائكةِ لهم. وممن اختار هذا القول: ابن أبي زمنين، والبغوي، والبقاعي، والعليمي. يُنظر: ((تفسير ابن أبي زمنين)) (2/245)، ((تفسير البغوي)) (3/37)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/410)، ((تفسير العليمي)) (3/518).  ويُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/151، 247). : سلامٌ [299] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (12/461)، ((تفسير ابن عطية)) (3/334)، ((تفسير السعدي)) (ص: 425). قال الرازي: (اعلَمْ أنَّ السَّلامَ مشتَقٌّ من السلامة، والأظهرُ أنَّ المرادَ أنهم سَلِموا من آفاتِ الدنيا وحَسراتِها أو فنون آلامِها وأسقامِها، وأنواعِ غمومها وهمومها). ((تفسير الرازي)) (19/89). وقال البقاعي: (فِيهَا سَلَامٌ أي: عافيةٌ وسلامةٌ وبقاءٌ، وقولُ كُلٍّ منهم للآخر: أدامَ اللهُ سلامتَك، ونحو هذا من الإخبارِ بدوامِ العافيةِ). ((نظم الدرر)) (10/410). .
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس: 9-10].
وقال سبحانه: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ [الأحزاب: 44].

الفوائد التربوية:


قال الله تعالى: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ... حِكايةُ هذه المُحاورةِ لِتَنبيهِ السَّامعينَ على النَّظَرِ في العواقِبِ، والاستعدادِ لذلك اليومِ قبل ألَّا يكونَ إلَّا النَّدمُ وقَرعُ السِّنِّ وعَضُّ اليَدِ [300] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/408). . ولإثارةِ بُغضِ الشَّيطانِ في نُفوسِ أهلِ الكُفرِ؛ ليأخُذوا حِذرَهم بدِفاعِ وِسْواسِه؛ لأنَّ هذا الخِطابَ الذي يُخاطِبُهم به الشَّيطانُ مَليءٌ بإضمارِ الشَّرِّ لهم فيما وعَدَهم في الدُّنيا ممَّا شَأنُه أن يستفِزَّ غَضَبَهم مِن كَيدِه لهم وسُخريتِه بهم، فيُورِثَهم ذلك كراهيةً له وسُوءَ ظَنِّهم بما يتوقَّعونَ إتيانَه إليهم مِن قِبَلِه، وذلك أصلٌ عَظيمٌ في المَوعِظةِ والتَّربيةِ [301] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/218). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قولُ الله تعالى: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ساقَه على صُورةِ الاستثناءِ- وإن لم يكُنْ دُعاؤُه من السُّلطانِ في شَيءٍ، فهو استثناءٌ منقطعٌ- لأنَّ السُّلطانَ أخَصُّ مِن البُرهانِ؛ إذ معناه: برهانٌ يتسَلَّطُ به على إبطالِ مَذهَبِ الخَصمِ، إشارةً إلى أنَّهم تَبِعوه ولا قُدرةَ له على غيرِ هذا الدُّعاءِ الذي لا سُلطانَ فيه، وترَكوا دُعاءَ مَن أنزل إليهم مِن كُلِّ سُلطانٍ مُبِينٍ، مع تهديدِهم بما هو قادِرٌ عليه، وضَربِهم ببَعضِه، وفاعِلُ مثلِ ذلك لا لومَ له على غيرِ نَفسِه [302] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/407). .
2- قال الله تعالى: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ذكَرَ الله تعالى في هذه الآيةِ أنَّه ليس للشَّيطانِ عليهم سُلطانٌ، وقال في آيةٍ أخرى: إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:100]، فأثبتَ له سُلطانًا، ولكِنَّ السُّلطانَ الذي أثبَتَه له عليهم غيرُ السُّلطانِ الذي نفاه، وذلك مِن وَجهينِ:
الأول: أنَّ السُّلطانَ الذي نفاه عنه هو سُلطانُ الحُجَّةِ والدَّليل، فليس له حُجَّةٌ أصلًا على ما يدعو إليه، وإنَّما نهايةُ ذلك أن يُقيمَ لهم مِن الشُّبَهِ والتَّزييناتِ ما به يتجَرَّؤون على المعاصي، وإطلاقُ السُّلطانِ على البرهانِ كثيرٌ في القرآنِ، وأمَّا السُّلطانُ الذي أثبَتَه فهو التسَلُّط بالإغراءِ على المعاصي لأوليائِه يَؤُزُّهم إلى المعاصي أزًّا.
الثاني: أنَّ الله لم يجعَلْ له عليهم سُلطانًا ابتداءً البتَّةَ، ولكِنَّهم هم الذين سَلَّطوه على أنفُسِهم بطاعتِه ودُخولِهم في حِزبِه، فلم يتسَلَّطْ عليهم بقُوَّةٍ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء: 76]، وإنَّما تسَلَّط عليهم بإرادتِهم واختيارِهم، فهم الذين سَلَّطوه على أنفُسِهم بموالاتِه والالتحاقِ بحِزبِه، ولهذا ليس له سُلطانٌ على الذين آمنوا وعلى ربِّهم يتوكَّلونَ [303] يُنظر: ((عدة الصابرين)) لابن القيم (ص: 26)، ((دفع إيهام الاضطراب)) للشنقيطي (ص: 134-135)، ((تفسير السعدي)) (ص: 425). .
3- قال تعالى: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فالشَّيطانُ قام لهم في هذا اليومِ مقامًا يقصِمُ ظُهورَهم ويُقَطِّعُ قُلوبَهم؛ فقد أوضَحَ لهم أوَّلًا: أنَّ مواعيدَه الَّتي كان يعِدُهم بها في الدُّنيا باطلةٌ، ومعارِضةٌ لِوعْدِ الحقِّ مِن اللهِ سبحانه. ثانيًا: أنَّه أخلَفَهم ما وعَدَهم مِن تلك المواعيدِ، ولم يَفِ لهم بشيءٍ منها. ثالثًا: أوضَحَ لهم أنَّهم قَبِلوا قولَه بما لا يوجِبُ القَبولَ، ولا ينفَقُ على عقْلِ عاقلٍ؛ لعدَمِ الحُجَّةِ الَّتي لا بدَّ للعاقلِ منها في قَبولِ غيرِه. رابعًا: أوضَحَ لهم أنَّه لم يكُنْ منه إلَّا مُجرَّدُ الدَّعوةِ العاطِلةِ عنِ البُرهانِ، الخاليةِ مِن أيسَرِ شيءٍ ممَّا يتمسَّكُ به العُقلاءُ. خامسًا: ثمَّ نعَى عليهم ما وقَعوا فيه، ودفَعَ لومَهم له، وأمَرَهم بأنْ يلوموا أنفُسَهم؛ لأنَّهم هم الَّذين قَبِلوا الباطلَ البحْتَ، الَّذي لا يلتَبِسُ بُطلانُه على مَن له أدنى مُسْكَةٍ مِن عقْلٍ. سادسًا: أوضَحَ لهم أنَّه لا نصْرَ عندَه ولا إغاثةَ، ولا يستطيعُ لهم نفعًا، ولا يدفَعُ عنهم ضرًّا، بل هو مِثْلُهم في الوُقوعِ في البليَّةِ والعجْزِ عنِ الخُلوصِ مِن هذه المِحنةِ. سابعًا: ثمَّ صرَّحَ لهم بأنَّه قد كفَرَ بما اعتَقَدوه وأثبَتوه له، فتضاعَفَت عليهمُ الحَسراتُ، وتوالَتْ عليهمُ المَصائبُ. وإذا كانت جُملةُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ مِن تتمَّةِ كلامِه- كما ذهَبَ إليه بعضُ المُفسِّرينَ- فهو نوعٌ ثامِنٌ مِن كلامِه الَّذي خاطَبَهم به [304] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/182- 183). .
4- في قَولِه تعالى: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ رَدٌّ على المُعتَزلةِ والقَدَرِيَّةِ فيما يزعُمونَ أنَّ «الإِذْنَ مِن اللهِ بمعنى العِلمِ» لا أنَّه إطلاقٌ؛ فِرارًا مما يَلزَمُهُم في قَولِه: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [يونس: 100]، فلو كان كما يقولونَ، لكان المُدْخِلُ إيَّاهم الجنَّةَ في هذه الآيةِ غيرَه، وهذا كُفْرٌ [305] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/26). .

بلاغة الآيتين:


1- قوله تعالى: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
- قوله: وَقَالَ الشَّيْطَانُ... لَمَّا كان الشَّيطانُ أعظَمَ المُستكبرينَ، ورأسَ المضلِّين؛ خُصَّ بالإفرادِ بالجوابِ، حيثُ ذُكِرَ جوابُه دونَ سائرِ أجوبةِ بقيَّةِ المستكبِرين المتْبوعِينَ في الضَّلالِ الذين أضلُّوا أقوامَهم [306] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/406). .
- ومجموعُ الجُملتينِ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ يُفيدُ معنى القصْرِ [307] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/220). .
- قولُه: وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ تعرَّضَ لذلك، مع أنَّه لم يكُنْ في حيِّزِ الاحتمالِ؛ مُبالَغةً في بيانِ عدَمِ إصراخِه إيَّاهم، وإيذانًا بأنَّه أيضًا مُبْتَلًى بمثْلِ ما ابْتُلوا به، ومحتاجٌ إلى الإصراخِ، فكيف مِن إصراخِ الغيرِ؟! ولذلك آثَرَ الجُملةَ الاسميَّةَ؛ فكأنَّ ما مضَى كان جوابًا منه عن تَوبيخِهم وتقريعِهم، وهذا جوابٌ عنِ استغاثَتِهم واستعانَتِهم به في استِدْفاعِ ما دهَمَهم منَ العذابِ [308] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/42). .
2- قوله تعالى: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ
- قولُه: خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ فيه إشارةٌ إلى العِنايةِ والاهتِمامِ؛ فهو إذْنٌ أخصُّ مِن أمْرِ القضاءِ العامِّ [309] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/222). . وفي التَّعرُّضِ لِوصفِ الرُّبوبيَّةِ، مع الإضافةِ إلى ضميرِهم في قولِه: رَبِّهِمْ: إظهارُ مزيدٍ مِن اللُّطفِ بهم [310] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/43). .