موسوعة التفسير

سورةُ مَريمَ
الآيات (77-84)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ

غريب الكلمات:


تَؤُزُّهُمْ أَزًّا: أي: تُغويهم إغواءً، وتُزعِجُهم إزعاجًا، وتحرِّكهم، وأصلُ (أزز): يدُلُّ على التَّحريكِ والإزعاجِ [840] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 275)، ((تفسير ابن جرير)) (15/626)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 147)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/13)، ((المفردات)) للراغب (ص: 74)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 226)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 317). .

المعنى الإجمالي:


يخبرُ الله تعالى عن مقالةٍ أُخرَى مِن مقالاتِ الكفَّارِ الباطلةِ، ويردُّ على قائلِها أبلغَ ردٍّ، فيقول: انظُرْ مُتعَجِّبًا -يا مُحمَّدُ- إلى هذا الذي كفَرَ بآياتِ القُرآنِ، وقال: لأُعطَينَّ في الآخرةِ -إن كانت حقًّا- أموالًا وأولادًا.
ثمَّ يردُّ الله عليه، فيقول: أطَّلَع الغَيبَ فرأى أنَّ له مالًا ووَلَدًا، أم له عندَ اللهِ عَهدٌ بذلك؟! ليس الأمرُ كما يَزعُمُ ذلك الكافرُ، سنكتُبُ ما يقولُ مِن كَذِبٍ وافتراءٍ على اللهِ، ونَزيدُه في الآخرةِ عذابًا زائدًا؛ بسَبَبِ كَذِبِه وافترائِه، ونَسلُبُ مالَه وولَدَه في الدُّنيا بمَوتِه عن جميعِ ذلك، ويأتينا يومَ القيامةِ فَردًا وَحدَه، لا مالَ معه ولا ولَدَ.
 ثمَّ يخبرُ الله تعالى عن تعززِ المشركينَ بأصنامِهم، فيقول: واتخذَ المُشرِكونَ آلهةً يَعبُدونَها من دونِ الله؛ لينالوا بها العِزَّ، وتمنَعَهم من عذابِ اللهِ. ويردُّ عليهم، فيقولُ سبحانَه: ليس الأمرُ كما يَزعُمونَ؛ فستكفُرُ هذه الآلهةُ في الآخرةِ بعِبادةِ المشركينَ لها، وتكونُ بخلافِ ما ظنُّوا.
ثمَّ يُبيِّنُ الله عزَّ وجلَّ استحواذَ الشياطينِ على هؤلاء الكافرينَ، فيقولُ: ألم تَرَ -يا محمَّدُ- أنَّا سلَّطْنا الشَّياطينَ على الكافرينَ؛ لتُغويَهم وتدفَعَهم إلى الكُفرِ والمعاصي دفعًا، فلا تستعجِلْ بطَلَبِ وُقوعِ العذابِ على هؤلاء الكافرينَ؛ إنما نؤخِّرُ تَعذيبَهم إلى أجَلٍ معدودٍ مَضبوطٍ، فإذا جاءَ الوقتُ المحدَّدُ لذلك أهلَكْناهم.

تفسير الآيات:


أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ الله تعالى لَمَّا ذكَرَ الدَّلائِلَ على صِحَّةِ البَعثِ، ثمَّ أورد شُبهةَ المُنكِرينَ، وأجاب عنها؛ أورد عنهم الآنَ ما ذكَروه على سبيلِ الاستهزاءِ؛ طعنًا في القَولِ بالحَشرِ [841] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (٢١/٥٦٢). .
وأيضًا فهو تفريعٌ على قولِه: وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [مريم: 66] وما اتَّصلَ به من الاعتراضِ والتَّفريعاتِ، والمُناسبةُ: أنَّ قائلَ هذا الكلامِ كان في غُرورٍ مثْلِ الغُرورِ الَّذي كان فيه أصحابُه، وهو غُرورُ إحالةِ البعثِ [842] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/158). .
سَبَبُ النُّزولِ:
عن خَبَّابِ بنِ الأرَتِّ رَضِيَ الله عنه، قال: (جئتُ العاصَ بنَ وائلٍ السَّهميَّ أتقاضاه حقًّا لي عندَه، فقال: لا أُعْطيك حتى تَكفُرَ بمُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقلتُ: لا حتى تموتَ ثمَّ تُبعَثَ، قال: وإنِّي لميتٌ ثمَّ مَبعوثٌ؟! قلتُ: نعم، قال: إنَّ لي هناك مالًا وولدًا فأقضيكه! فنزلت هذه الآيةُ: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا) [843] رواه البخاري (4732) واللفظ له، ومسلم (2795). .
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) .
أي: انظُرْ مُتعَجِّبًا -يا محمَّدُ [844] ممن اختار أنَّ الخطابَ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ابنُ جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/617). وقيل: الخِطابُ لكُلِّ مَن يصلُحُ للخطابِ، فلم يُرَدْ به مُعَيَّنٌ. وممن قال بذلك: ابن عاشور. وجوَّز أن يكون خطابًا للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/159). - إلى هذا الذي كفَرَ بآياتِ القُرآنِ، وقال: واللهِ ليعطينِّي اللهُ في الآخرةِ -على تقديرِ قيامِها- مالًا وأولادًا، مع كُفرِه باللهِ وتكذيبِه بآياتِه، ومِن جُملتِها آياتُ البعثِ بعدَ الموتِ [845] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/617)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/241-242)، ((تفسير الشوكاني)) (3/411)، ((تفسير السعدي)) (ص: 500)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/159). قال السعدي: (هذه الآيةُ، وإن كانت نازلةً في كافرٍ مُعَيَّن، فإنَّها تشمَلُ كُلَّ كافرٍ زعَم أنَّه على الحَقِّ، وأنَّه مِن أهلِ الجنَّةِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 500). ؟!
أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) .
أي: هل عَلِمَ هذا الكافِرُ -المتألِّي على اللهِ- عِلمَ الغَيبِ، فعَلِمَ أنَّ له في الآخرة مالًا وولدًا، أم له عهدٌ عند اللهِ بأنَّه سيعطيه ذلك [846] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/260)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/160)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/507). ممن اختار المعنى المذكورَ: الزمخشري، والبيضاوي، وابنُ كثير، والعُليمي، والشوكاني، وابنُ عاشور، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/39)، ((تفسير البيضاوي)) (4/18)، ((تفسير ابن كثير)) (5/260)، ((تفسير العُليمي)) (4/271)، ((تفسير الشوكاني)) (3/411)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/160)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/507). قال الشنقيطي: (أظهرُ الأقوالِ عندي في معنى العَهدِ في قَولِه تعالى في هذه الآيةِ الكريمةِ: أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم: 78] أنَّ المعنى: أم أعطاه اللهُ عهدًا أنَّه سيفعَلُ له ذلك؛ بدَليلِ قَولِه تعالى في نظيرِه في سورة «البقرة»: قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ [البقرة: 80]، وخيرُ ما يُفسَّرُ به القرآنُ: القُرآنُ). ((أضواء البيان)) (3/507). وقيل: اتخاذُ العهدِ معناه بالإيمانِ والأعمالِ الصالحةِ. وممن اختاره: ابنُ جرير، ومكي، وابنُ عطية، والثعالبي، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/621)، ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكي (7/4586)، ((تفسير ابن عطية)) (4/31)، ((تفسير الثعالبي)) (4/36)، ((تفسير السعدي)) (ص: 500). قال ابنُ جرير: (أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم: 78] يقولُ: أم آمنَ باللهِ، وعَمِلَ بما أُمِرَ به، وانتهى عمَّا نهاه عنه، فكان له بذلك عند الله عهدًا أن يؤتيَه ما يقولُ مِن المالِ والولَدِ؟!). ((تفسير ابن جرير)) (15/621). ؟!
كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) .
كَلَّا .
أي: ليس الأمرُ على ما قالَ هذا الكافرُ مِن أنَّه يُؤْتَى المالَ والولدَ؛ فهو مخطِئٌ فيما يقولُه ويتَمَنَّاه [847] يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 688)، ((تفسير الرازي)) (21/563)، ((تفسير الشوكاني)) (3/412). وقال القرطبي: (كَلَّا ردٌّ عليه، أي: لم يَكُنْ ذلك؛ لم يطَّلِعِ الغيبَ، ولم يتَّخِذْ عندَ الرَّحمنِ عهدًا). ((تفسير القرطبي)) (11/146). ويُنظر: ((البسيط)) للواحدي (14/317). .
سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ .
أي: ستَكتُبُ الملائكةُ الحَفَظةُ بأمْرِنا ما يقولُ هذا الكافِرُ المفتري على اللهِ أنَّه سيُعطيه في الآخرةِ مالًا وولدًا، وسنُجازيه في الآخرةِ على كَذِبِه وكُفرِه [848] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/638)، ((تفسير ابن جرير)) (15/621)، ((تفسير السمعاني)) (3/312)، ((تفسير القرطبي)) (11/148)، ((تفسير السعدي)) (ص: 500). .
كما قال تعالى: قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ [يونس: 21].
وقال سُبحانه: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: 80].
وقال عزَّ وجلَّ: كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: 9 - 12].
وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا .
أي: ونزيدُ هذا الكافِرَ في الآخرةِ عذابًا زائدًا؛ بسَبَبِ قَولِه الكَذِبَ على رَبِّه [849] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/621)، ((تفسير القرطبي)) (11/148)، ((تفسير ابن كثير)) (5/261)، ((تفسير السعدي)) (ص: 500)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/507). وقال البقاعي: (وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا باستدراجِه بأسبابِه مِن كثرةِ النِّعَمِ، مِن الأموالِ والأولادِ المحَبَّبةِ له في الدنيا، المعَذِّبةِ له فيها بالكَدحِ في جَمعِها، والمُخاصَمةِ عليها المُوجِبةِ له التَّمادي في الكُفرِ المُوجِبِ لعذابِ الآخرةِ؛ وإتيانِ بَعضِه في إثرِ بَعضٍ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 85]). ((نظم الدرر)) (12/243). .
كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [يونس: 69، 70].
وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80) .
أي: ونَسلُبُ مالَه وولَدَه في الدُّنيا بمَوتِه عن جميعِ ذلك، فيصيرُ ذلك إلينا دونَه، ويأتينا يومَ القيامةِ وَحدَه لا مالَ معه ولا ولَدَ [850] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/622)، ((تفسير القرطبي)) (11/148)، ((تفسير ابن كثير)) (5/261)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/243)، ((تفسير السعدي)) (ص: 500)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/507، 508). وقيل: نحرِمُه ما تمنَّاهُ في الآخرةِ مِن مالٍ وولَدٍ، ونجعلُه لغيرِه مِن المسلمينَ. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (11/148). .
كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [مريم: 40].
وقال سُبحانه: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم: 93 - 95].
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) .
أي: واتخذَ المُشرِكونَ أوثانًا يَعبُدونَها مِن دونِ اللهِ؛ مِن أجلِ أن ينالوا بها العِزَّ، وتمنَعَهم مِن عذابِ اللهِ، وتُقرِّبَهم إليه، وتنصُرَهم، وتشفَعَ لهم [851] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/623)، ((تفسير القرطبي)) (11/148)، ((تفسير ابن كثير)) (5/261)، ((تفسير السعدي)) (ص: 500)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/509). .
كما قال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس: 18].
وقال سُبحانه: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ [يس: 74].
وقال عزَّ وجلَّ: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: 3].
كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) .
كَلَّا .
أي: ليس الأمرُ كما ظنُّوا مِن أنَّ آلهتَهم تكونُ لهم عزًّا؛ فهي لا تستطيعُ أن تمنَعَهم من العذابِ، أو تنصُرَهم، أو تشفَعَ لهم، أو تقرِّبَهم إلى اللهِ [852] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/623)، ((تفسير القرطبي)) (11/148)، ((تفسير ابن كثير)) (5/261)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/509). .
كما قال تعالى: أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [الأنبياء: 43].
سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا .
أي: ولكن ستَكفُرُ تلك المعبوداتُ يومَ القيامةِ بعبادةِ المُشرِكينَ لها، وتتبرَّأُ منهم، وتكونُ بخلافِ ما ظنُّوا فيهم، فتكونُ أعوانًا عليهم في خصومتِهم وتكذيبِهم والتبرؤِ منهم، ويَؤولُ بهم ذلك إلى الذلِّ والهوانِ [853] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/623، 625)، ((تفسير القرطبي)) (11/148)، ((تفسير ابن كثير)) (5/261)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/245)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/509، 510). وقيل: المرادُ أنَّ العابدينَ هم الذين يكفرونَ بعبادتِهم شركاءَهم، وينكرونَها. يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/509). !
كما قال تعالى: وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ * وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [النحل: 86، 87].
وقال سُبحانَه: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ [يونس: 28، 29].
وقال عزَّ وجلَّ: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا * فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا [الفرقان: 17 - 19].
وقال تبارك وتعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ * وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ [القصص: 62-64].
وقال سُبحانَه: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر: 13-14].
وقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: 5-6].
أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا ذكَرَ حالَ الكُفَّارِ مع الأصنامِ في الآخرة؛ ذكَرَ بَعدَه حالَهم مع الشياطينِ في الدُّنيا؛ فإنَّهم يتولَّونَهم، وينقادونَ لهم، فقال [854] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (٢١/564)، ((تفسير ابن عادل)) (13/141). :
أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) .
أي: ألم تَرَ [855] قال ابنُ عطية: (الرؤيةُ في الآيةِ رؤيةُ القلبِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/32). -يا محمَّدُ- أنَّا سلَّطْنا الشَّياطينَ على الكافرينَ باللهِ، فتهيِّجُهم بالإغواءِ والتَّزيينِ إلى الكُفرِ والمعاصي، وتُزعِجُهم إليها إزعاجًا [856] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/626)، ((تفسير ابن عطية)) (4/32)، ((تفسير القرطبي)) (11/150)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (2/258)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 62)، ((تفسير ابن كثير)) (5/262)، ((تفسير السعدي)) (ص: 500)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/511). ؟
كما قال تعالى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [فصلت: 25].
وقال سُبحانَه: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: 36، 37].
فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84) .
فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ .
أي: فلا تَستعجِلْ -يا محمَّدُ- بطَلَبِ وُقوعِ الهلاكِ والعذابِ على أولئك الكافرينَ [857] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/628)، ((تفسير القرطبي)) (11/150)، ((تفسير ابن كثير)) (5/262)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/166)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/511). .
كما قال تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ [الأحقاف: 34، 35].
إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا .
أي: إنَّما نَعُدُّ الأعوامَ والشُّهورَ والأيَّامَ، فنُمهِلُهم ونؤخِّرُ تَعذيبَهم إلى أجَلٍ معدودٍ مَضبوطٍ، فإذا جاءَ الوقتُ المحدَّدُ لذلك أهلَكْناهم [858] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/262)، ((تفسير السعدي)) (ص: 500)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/512). وممَّن اختار هذا المعنى المذكورَ في الجملة: ابنُ كثير، والسعدي، والشنقيطي. يُنظر: المصادر السابقة. وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ في روايةٍ عنه. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/147). وقيل: المرادُ: ونحن نَعُدُّ أعمالَهم كلَّها ونُحصيها حتى أنفاسَهم؛ لنُجازيَهم على جميعِها، ونؤخِّرُ إهلاكَهم ليزدادوا إثمًا، ولم نَترُك تعجيلَ هلاكِهم لخيرٍ أردناه بهم. وممَّن اختار هذا المعنى: ابن جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/628). وممن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ، وطاوس، ومقاتل، وأبو جعفر محمد بنُ علي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/639)، ((تفسير ابن جرير)) (15/628)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/147)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (5/538). .

الفوائد التربوية:


1- ما عَلَّقَ العبدُ رجاءَه وتوكُّلَه بغيرِ اللهِ إلَّا خاب مِن تلك الجهةِ، ولا استنصرَ بغيرِ اللهِ إلَّا خُذِلَ؛ قال الله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [859] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (1/29). .
2- قَولُ اللهِ تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا هذا من عُقوبةِ الكافرينَ أنَّهم لَمَّا لم يعتَصِموا باللهِ ولم يتمَسَّكوا بحبلِ اللهِ، بل أشركوا به، ووالَوا أعداءَه مِن الشياطينِ؛ سَلَّطهم عليهم، وقيَّضَهم لهم، فجُعِلَت الشياطينُ تؤزُّهم إلى المعاصي أزًّا، وتُزعِجُهم إلى الكُفرِ إزعاجًا، فيُوسوِسونَ لهم، ويُوحون إليهم، ويُزَيِّنونَ لهم الباطِلَ، ويقبِّحونَ لهم الحَقَّ، فيدخُلُ حُبُّ الباطِلِ في قلوبِهم ويتشَرَّبُها، فيسعَى فيه سعيَ المحِقِّ في حَقِّه، فينصُرُه بجُهدِه ويُحارِبُ عنه، ويجاهدُ أهلَ الحَقِّ في سبيلِ الباطِلِ، وهذا كلُّه جزاءً له على تولِّيه مَن ولِيَه، وتولِّيه لعدُوِّه؛ جُعِلَ له عليه سلطانٌ، وإلَّا فلو آمَن بالله وتوكَّلَ عليه، لم يكُنْ له عليه سلطانٌ، كما قال تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [860] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 500). [النحل: 99-100].

الفوائد العلمية واللطائف :


1- في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا دلالةٌ على أن المُخْبِرَ عن خَبَرٍ يحصلُ في المستقبلِ لا يكون إلَّا بطريقينِ: إمَّا اطِّلاعُه على الغيبِ -وهو العلمُ بما سيكونُ-، وإمَّا أنْ يكونَ قد اتَّخَذَ عندَ الرحمنِ عهدًا -واللهُ مُوْفٍ بعهدِه-؛ فالأولُ عِلْمٌ بالخبرِ، والثاني عِلْمٌ بالأمرِ، الأولُ عِلْمٌ بالكلماتِ الكونيةِ، والثاني عِلْمٌ بالكلماتِ الدينيةِ [861] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/232). .
2- قَولُه تعالى: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا في هذه الآيةِ الكَريمةِ رَدٌّ على العاصِ بنِ وائلٍ السَّهميِّ قَولَه: إنَّه يؤتى يومَ القيامةِ مالًا وولدًا، بالدَّليلِ المعروفِ عندَ الأصوليِّينَ بـ (السَّبرِ والتَّقسيمِ) [862] ويُعرَفُ عندَ الجدَليِّينَ بـ (التَّقسيمِ والتَّرديدِ)، وعندَ المنطقيِّينَ بـ (الشَّرطيِّ المنفصِلِ). ، وضابِطُ هذا الدَّليلِ العظيمِ أنَّه مُتركِّبٌ مِن أصلَينِ:
أحدُهما: حَصرُ أوصافِ المحَلِّ بطَريقٍ مِن طُرُقِ الحَصرِ، وهو المعبَّرُ عنه بالتَّقسيمِ عند الأصوليِّينَ [863] ويُعرَفُ عندَ الجَدليِّينَ بـ (التَّقسيمِ) أيضًا، وعندَ المنطقيِّينَ بـ (الشَّرطيِّ المنفصِلِ). .
والثَّاني: هو اختيارُ تلك الأوصافِ المحصورةِ، وإبطالُ ما هو باطِلٌ منها، وإبقاءُ ما هو صحيحٌ منها، وهذا الأخيرُ هو المعبَّرُ عنه عندَ الأصوليِّينَ بـ (السَّبرِ) [864] ويُعرفُ عندَ الجَدليِّينَ: بـ (التَّرديدِ)، وعندَ المنطقيِّينَ بـ (الاستثناءِ في الشَّرطيِّ المنفصِلِ). ، والتَّقسيمُ الصَّحيحُ في هذه الآيةِ الكريمةِ يحصُرُ أوصافَ المحَلِّ في ثلاثةٍ، والسَّبرُ الصَّحيحُ يُبطِلُ اثنينِ منها ويصَحِّحُ الثالِثَ، وبذلك يَتِمُّ إلقامُ العاصِ بنِ وائلٍ الحَجَرَ في دَعواه أنَّه يُؤتى يومَ القيامةِ مالًا وولدًا.
أمَّا وَجهُ حَصرِ أوصافِ المحَلِّ في ثلاثةٍ، فهو أنَّا نَقولُ: قولُك إنَّك تُؤتَى مالًا وولدًا يومَ القيامةِ لا يخلو مُستَنَدُك فيه مِن واحدٍ مِن ثلاثةِ أشياءَ:
الأوَّلُ: أن تكونَ اطَّلَعتَ على الغَيبِ، وعَلِمتَ أنَّ إيتاءَك المالَ والولَدَ يومَ القيامةِ ممَّا كَتَبه اللهُ في اللَّوحِ المحفوظِ.
والثَّاني: أن يكونَ اللهُ أعطاك عَهدًا بذلك، فإنَّه إن أعطاك عَهدًا لن يُخلِفَه.
الثالث: أن تكونَ قُلتَ ذلك افتراءً على اللهِ مِن غَيرِ عَهدٍ، ولا اطِّلاعِ غَيبٍ.
وقد ذكَر تعالى القِسمَينِ الأوَّلَينِ في قَولِه: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا مُبطِلًا لهما بأداةِ الإنكارِ، ولا شَكَّ أنَّ كِلا هَذينِ القِسمَينِ باطِلٌ؛ لأنَّ العاصِ المذكورَ لم يطَّلِعِ الغَيبَ، ولم يتَّخِذْ عند الرَّحمنِ عَهدًا؛ فتعَيَّنَ القِسمُ الثَّالِثُ، وهو أنَّه قال ذلك افتراءً على اللهِ، وقد أشار تعالى إلى هذا القِسمِ الذي هو الواقِعُ بحَرفِ الزَّجرِ والرَّدعِ، وهو قَولُه: كَلَّا، أي: ليس الأمرُ كذلك، لم يطَّلِعِ الغَيبَ، ولم يتَّخِذْ عندَ الرَّحمنِ عَهدًا، بل قال ذلك افتراءً على اللهِ؛ لأنَّه لو كان أحَدُهما حاصِلًا لم يَستوجِبِ الرَّدعَ عن مقالتِه كما ترى [865] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/491، 492). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا فيه سؤالٌ: لم قال: سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ بسينِ التَّسويفِ، وهو كما قاله، كُتِبَ مِن غيرِ تأخيرٍ؛ قال تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨]؟
الجوابُ فيه مِن أوجهٍ:
الأول: سيظهرُ له، ويعلَمُ أنَّا كتَبْنا.
الثاني: أنَّ المتوعِّدَ يقولُ للجاني: سوف أنتَقِمُ منك، وإن كان في الحالِ في الانتقامِ، ويكونُ غَرَضُه من هذا الكلام محضَ التهديدِ، فكذا هاهنا [866] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (٢١/٥٦٣). .
الثالث: سَننتقِمُ منه انتقامَ مَن كتَبَ جريمةَ العدُوِّ وحفِظَها عليه، يعني: أنَّه لا يُخِلُّ بالانتصارِ، وإنْ تطاولَ به الزَّمانُ واستأخَرَ [867] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/40)، ((تفسير البيضاوي)) (4/19)، ((تفسير أبي حيان)) (7/295)، ((تفسير أبي السعود)) (5/279). .
الرابع: لتحقيقِ أنَّ ذلك واقعٌ لا مَحالةَ، كقولِه تعالى: قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي [868] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/162). [يوسف: 98].
4- قَولُ اللهِ تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا الاتخاذُ: جعْلُ الشَّخصِ الشَّيءَ لنَفسِه، فجُعِلَ الاتخاذُ هنا الاعتقادَ والعبادةَ. وفي فِعلِ الاتخاذِ إيماءٌ إلى أنَّ عقيدتَهم في تلك الآلهةِ شَيءٌ مُصطلحٌ عليه، مختلقٌ لم يأمر اللهُ به، كما قال تعالى عن إبراهيم: قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ [869] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/163). [الصافات: 95].
5- في قَولِه تعالى: مِنْ دُونِ اللَّهِ إيماءٌ إلى أنَّ الحَقَّ يقتضي أن يتَّخِذوا اللهَ إلهًا؛ إذ بذلك تقرَّر الاعتِقادُ الحَقُّ مِن مبدأِ الخليقةِ، وعليه دَلَّت العُقولُ الرَّاجِحةُ [870] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/163). .
6- في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا حُجَّةٌ على المعتزلةِ والقَدَريَّةِ في إرسالِ الشَّياطينِ، وهو دليلٌ على أنَّ الشَّيطانَ مخلوقٌ نِقمةً لِمَن حَقَّتْ عليه كلمةُ ربِّه؛ يُزعجُه إلى معاصيه وإلى الكُفرِ، بإرسالِ ربِّه عليه [871] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (2/277). .
7- الإرسالُ في قولِه تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا إرسالٌ كونيٌّ قَدَرِيٌّ، كإرسالِ الرِّياحِ، وليس بإرسالٍ دينيٍّ شرعيٍّ؛ فهو إرسالُ تسليطٍ، بخلافِ قولِه في المؤمنين: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر: 42]، فهذا السلطانُ المَنْفِيُّ عنه على المؤمنينَ هو الذي أرسلَ به جُندَه على الكافرينَ [872] يُنظر: ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 62). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا
- قولُه: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ الاستفهامُ في قولِه: أَفَرَأَيْتَ مُستعملٌ في التَّعجيبِ من كُفرِ هذا الكافرِ، والمقصودُ مِن الاستفهامِ: لفتُ الذِّهنِ إلى معرفةِ هذه القصَّةِ، أو إلى تذكُّرِها إنْ كان عالمًا بها، وعبَّرَ عنه بالموصولِ؛ لِما في الصِّلةِ من منشَأِ العجَبِ، ولا سيَّما قَولِه: لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا [873] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/159). ؛ فالهمزةُ للتَّعجيبِ من حالِه، والإيذانِ بأنَّها من الغرابةِ والشَّناعةِ بحيث يجِبُ أنْ تُرى، ويُقضَى منها العجَبُ، والفاءُ للعطفِ على مُقدَّرٍ يَقْتضيه المقامُ، أي: أنظَرْتَ فرأيتَ الَّذي كفَرَ بآياتِنا الباهرةِ الَّتي حقُّها أنْ يؤمِنَ بها كلُّ مَن يُشاهِدُها [874] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/279). ؟! وقيل: لمَّا كانتِ الرُّؤيةُ أقْوَى سنَدِ الإخبارِ، اسْتُعْمِلَ (أَرَأَيْتَ) بمعنى الإخبارِ، والفاءُ للتَّعقيبِ، والمعنى: أخبِرْ بقصَّةِ هذا الكافرِ عقِبَ حديثِ أولئك [875] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/39)، ((تفسير البيضاوي)) (4/18)، ((تفسير أبي حيان)) (7/293). .
2- قوله تعالى: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا
- قولُه: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ ردٌّ لكلمتِه الشَّنعاءِ، وإظهارٌ لبُطلانِها إثرَ ما أُشيرَ إليه بالتَّعجيبِ منها [876] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/279). ، ولاختيارِ هذه الكلمةِ شأنٌ، والمعنى: أوَ قدْ بلَغَ من عظَمةِ شأنِه أنِ ارْتَقى إلى علْمِ الغيبِ الَّذي توحَّدَ به الواحدُ القهَّارُ [877] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/39)، ((تفسير البيضاوي)) (4/18)، ((تفسير أبي حيان)) (7/294)، ((تفسير أبي السعود)) (5/279)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/160). ؟!
- أيضًا قولُه: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ جوابٌ لكلامِه على طريقةِ الأُسلوبِ الحكيمِ، بحمْلِ كلامِه على ظاهرِ عبارتِه من الوعْدِ بقضاءِ الدَّينِ من المالِ الَّذي سيجِدُه حينَ يُبْعَثُ؛ فالاستفهامُ في قولِه: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ إنكاريٌّ وتَعجيبيٌّ. و(اطَّلع): افتَعَلَ مِن طلَعَ؛ للمُبالغةِ في حُصولِ فعْلِ الطُّلوعِ وهو الارتقاءُ، ولذلك يقال لمكانِ الطُّلوعِ: مَطْلعٌ بالتَّخفيفِ، ومُطَّلعٌ بالتَّشديدِ [878] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/159-160). .
- قولُه: أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا اخْتِيرَ هنا مِن أسمائِه الرَّحمنُ؛ لأنَّ استحضارَ مَدلولِه أجدَرُ في وفائِه بما عهِدَ به مِن النِّعمةِ المزعومةِ لهذا الكافرِ [879] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/279)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/161). ، ولأنَّ في ذكْرِ هذا الاسمِ تورُّكًا على المُشرِكين الَّذين قالوا: وَمَا الرَّحْمَنُ [880] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/161). [الفرقان: 60].
- وفي قولِه: أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا إيجازٌ بالحذفِ؛ فمُتعلِّقُ العهدِ محذوفٌ يدُلُّ عليه السِّياقُ، تَقديرُه: بأنْ يُعطِيَه مالًا وولدًا [881] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/160). .
3- قولُه تعالى: كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا في هذه الآيةِ والَّتي بعْدَها إيجازٌ؛ لأنَّه لو حُكِيَ كلامُه لطال [882] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/162). .
- في قولِه: وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا جُرِّدَ الفعْلُ هاهنا لمعنى الوعيدِ، وأُكِّدَ بالمصدرِ مَدًّا؛ دَلالةً على فرْطِ غضَبِه عليه [883] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/40)، ((تفسير البيضاوي)) (4/19)، ((تفسير أبي السعود)) (5/280). .
4- قولُه تعالى: وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا
- قولُه: وَنَرِثُهُ كِنايةٌ عن لازمِه، وهو الهلاكُ، والمقصودُ: تذكيرُه بالموتِ، أو تَهديدُه بقُرْبِ هلاكِه [884] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/163). ، وفيه بِشارةٌ للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ونِكايةٌ وكمَدٌ للعاصِ بنِ وائلٍ [885] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/163). .
5- قولُه تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا عطْفٌ على جُملةِ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ؛ فضميرُ (اتَّخَذُوا) عائدٌ إلى الَّذين أشْرَكوا؛ لأنَّ الكلامَ جرَى على بعضٍ منهم [886] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/163). .
- قولُه: لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا أجْرَى على الآلهةِ ضَميرَ العاقلِ؛ لأنَّ المُشرِكين الَّذين اتَّخَذوهم توهَّمُوهم عُقلاءَ مُدبِّرينَ. وأخبَرَ عنها بالمصدرِ عِزًّا؛ لتَصويرِ اعتقادِ المُشرِكين في آلهتِهم أنَّهم نفْسُ العِزِّ، أي: أنَّ مُجرَّدَ الانتماءِ لها يُكسِبُهم عِزًّا [887] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/163-164). .
6- قوله تعالى: كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا
- قولُه: كَلَّا ردْعٌ لهم عن ذلك الاعتقادِ الباطلِ، وإنكارٌ لوُقوعِ ما عَلَّقوا به أطماعَهم الفارغةَ [888] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/41)، ((تفسير البيضاوي)) (4/19)، ((تفسير أبي حيان)) (7/296)، ((تفسير أبي السعود)) (5/280). .
- الواوُ في قولِه: سَيَكْفُرُونَ وَيَكُونُونَ إمَّا أنْ ترجِعَ إلى آَلِهَةً، ويكونُ قولُه: وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا في مُقابلةِ لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا، والمُرادُ: ضِدُّ العِزِّ، وهو الذُّلُّ والهوانُ، أي: يكونونَ عليهم ضِدًّا لِما قصَدوه وأرادوهُ، كأنَّه قيل: ويكونونَ عليهم ذُلًّا، لا لهم عِزًّا، أو يكونونَ عليهم عونًا. ومعنى كونِ الآلهةِ عونًا عليهم: أنَّهم وَقودُ النَّارِ وحصَبُ جهنَّمَ، ولأنَّهم عُذِّبوا بسبَبِ عبادتِها، وإنْ رجعَتِ الواوُ في سَيَكْفُرُونَ و(يَكُونُونَ) إلى المُشرِكين؛ فالمعنى: ويكونونَ عليهم -أي: أعدائِهم- ضِدًّا، أي: كَفرةً بهم بعدَ أنْ كانوا يَعْبُدونها [889] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/41-42)، ((تفسير البيضاوي)) (4/19)، ((تفسير أبي حيان)) (7/297)، ((تفسير أبي السعود)) (5/280). ، ويكونُ حرفُ الاستقبالِ للحُصولِ قريبًا، أي: سيكفُرُ المُشرِكون بعبادةِ الأصنامِ ويَدْخلون في الإسلامِ، ويكونونَ ضِدًّا على الأصنامِ؛ يَهْدِمون هياكِلَها ويلْعَنونها، فهو بِشارةٌ للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنَّ دِينَه سَيظهَرُ على دِينِ الكُفرِ. وفي هذه المُقابَلةِ طِباقٌ مرَّتينِ [890] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/164). والطِّباق: هو الجمعُ بينَ مُتضادَّينِ معَ مراعاةِ التقابُلِ، كالبياضِ والسوادِ، والليلِ والنهارِ، وهو قسمانِ: لفظيٌّ، ومعنويٌّ؛ فمِن الطباقِ اللفظيِّ: قولُه تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا [التوبة: 82]، طابَق بينَ الضَّحكِ والبكاءِ، والقليلِ والكثيرِ. ومِن الطباقِ المعنويِّ: قولُه تعالى: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [يس: 15-16]؛ معناه: ربُّنا يعلمُ إنَّا لصادقونَ. ومنه: طباق ظاهرٌ، وهو ما كان وجهُ الضِّدِّيَّةِ فيه واضحًا. وطباقٌ خَفيٌّ: وهو أن تكونَ الضِّديَّةُ في الصورةِ متوهَّمةٌ، فتبدو المطابقةُ خفيَّةً؛ لتعلُّقِ أحدِ الركنين بما يقابلُ الآخَرَ تعلُّقَ السببيةِ أو اللزومِ، كقولِه تعالى: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا [نوح: 25]؛ فإنَّ إدخالَ النارِ يستلزمُ الإحراقَ المضادَّ للإغراقِ، ومنه: قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة: 179]؛ لأنَّ معنى القصاصِ: القتلُ، فصار القتْلُ سببَ الحياةِ. وهذا مِن أملحِ الطِّباقِ وأخفاه. يُنظر: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (3/455 - 457)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (ص: 567). .
- قَولُه: وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا، وحَّد ضِدًّا، وإن كان خبرًا عن جَمعٍ، ولم يقُلْ: (أضدادًا)؛ ووجهُ ذلك: أنَّ لفظَ (الضِّدِّ) هو مصدرٌ في الأصلِ، والمصادرُ مُوَحَّدةٌ مُذكَّرةٌ. أو وحَّدَه إشارةً إلى اتِّفاقِ كَلمتِهم، بحيثُ إنَّهم لِفَرطِ تضامُنِهم وتوافُقِهم كشيءٍ واحدٍ. وقيل: هو مفردٌ في معنى الجمعِ [891] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/41)، ((تفسير البيضاوي)) (4/19)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (١٢/٢٤٥)، ((تفسير أبي السعود)). .
7- قولُه تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا استئنافٌ بَيانيٌّ لجوابِ سُؤالٍ يَجيشُ في نفْسِ الرَّسولِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ من إيغالِ الكافرينَ في الضَّلالِ: جماعتِهم وآحادِهم، وما جرَّهُ إليهم مِن سُوءِ المصيرِ، ابتداءً مِن قولِه تعالى: وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا، وما تخلَّلَ ذلك مِن ذكْرِ إمهالِ اللهِ إيَّاهم في الدُّنيا، وما أعَدَّ لهم مِن العذابِ في الآخرةِ، وهي مُعترِضةٌ بينَ جُملةِ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً [مريم: 81] وجُملةِ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ [مريم: 85]. وأيضًا هي كالتَّذييلِ لتلك الآياتِ والتَّقريرِ لمضمونِها؛ لأنَّها تَستخلِصُ أحوالَهم، وتتضمَّنُ تَسليةَ الرَّسولِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن إمهالِهم، وعدَمِ تَعجيلِ عقابِهم [892] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/165). .
- والمُرادُ بقولِه: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا ... تَعجيبُ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعدَ الآياتِ الَّتي ذُكِرَ فيها العُتاةُ والمَردةُ من الكُفَّارِ، وأقاويلُهم، ومُعاندتُهم للرُّسلِ، واستهزاؤُهم بالدِّينِ: مِن تَماديهم في الغيِّ، وإفراطِهم في العنادِ، وتَصميمِهم على الكُفرِ، واجتماعِهم على دفْعِ الحقِّ بعدَ وُضوحِه، وانتفاءِ الشَّكِّ عنه، وانهماكِهم لذلك في اتِّباعِ الشَّياطينِ وما تُسَوِّلُ لهم [893] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/42)، ((تفسير البيضاوي)) (4/19)، ((تفسير أبي حيان)) (7/297). . وفيه تَنبيهٌ على أنَّ جميعَ ذلك منهم بإضلالِ الشَّياطينِ وإغوائِهم، لا لأنَّ له مُسوِّغًا ما في الجُملةِ [894] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/281). ؛ فقولُه: أَلَمْ تَرَ استفهامٌ تَعجيبيٌّ، ومثْلُه شائعٌ في كلامِ العربِ؛ يَجْعلون الاستفهامَ على نفْيِ فعْلٍ، والمُرادُ حُصولُ ضِدِّه بحَثِّ المُخاطَبِ على الاهتمامِ بتحصيلِه، أي: كيف لم تَرَ ذلك. ونُزِّلَ إرسالُ الشَّياطينِ على الكافرين-لاتِّضاحِ آثارِه- مَنزلةَ الشَّيءِ المَرئيِّ المُشاهَدِ؛ فوقَعَ التَّعجيبُ مِن مَرآهُ بقولِه: ألَمْ تَرَ ذلك [895] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/165). .
- قولُه: تَؤُزُّهُمْ أَزًّا إمَّا حالٌ مُقدَّرةٌ مِن الشَّيَاطِينَ، أو استئنافٌ وقَعَ جَوابًا عمَّا نشَأَ من صدْرِ الكلامِ؛ كأنَّه قيل: ماذا يفعَلُ الشَّياطينُ بهم حينئذٍ؟ فقيل: تؤُزُّهم، أي: تُغْريهم، وتُهيِّجُهم على المعاصي تَهييجًا شديدًا بأنواعِ الوساوسِ والتَّسويلاتِ [896] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/281). .
- وفي قولِه: تَؤُزُّهُمْ أَزًّا شبَّهَ اضطرابَ اعتقادِهم، وتناقُضَ أقوالِهم، واختلاقَ أكاذيبِهم: بالغَليانِ في صُعودٍ وانخفاضٍ، وفرقعةٍ وسُكونٍ [897] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/165-166). .
- وإرسالُ الشَّياطينِ عليهم: تَسخيرُهم لها، وعدَمُ انتفاعِهم بالإرشادِ النَّبويِّ المُنقِذِ من حبائلِها، وذلك لكُفرِهم وإعراضِهم عنِ استماعِ مواعظِ الوحيِ. وللإشارةِ إلى هذا المعنى عَدَلَ عن الإضمارِ إلى الإظهارِ في قولِه: عَلَى الْكَافِرِينَ، وجعَلَ تَؤُزُّهُمْ حالًا مُقيِّدًا للإرسالِ؛ لأنَّ الشَّياطينَ مُرسَلةٌ على جميعِ النَّاسِ، ولكنَّ اللهَ يحفَظُ المُؤمِنين من كيدِ الشَّياطينِ على حسَبِ قُوَّةِ الإيمانِ، وصلاحِ العملِ. وفرَّعَ على هذا الاستئنافِ وهذه التَّسليةِ قولَه: فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ [898] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/165-166). .
8- قولُه تعالى: فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا الفاءُ في قولِه: فَلَا؛ للإشعارِ بكونِ ما قبْلَها مَظنَّةً لوُقوعِ المَنهيِّ عنه، مُحوِجةً إلى النَّهيِ [899] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/281). .
- وعبَّرَ بـ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ مُعدًّى بحرفِ الاستعلاءِ (على)؛ إكرامًا للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ بأنْ نُزِّلَ منزلةَ الَّذي هلاكُهم بيَدِه، فنُهِيَ عن تَعجيلِه بهلاكِهم. وذلك إشارةٌ إلى قَبولِ دُعائِه عندَ ربِّه، فلو دعا عليهم بالهلاكِ لَأهلَكَهم اللهُ؛ كيْلَا يرُدَّ دعوةَ نَبيِّه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ [900] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/166). .
- قولُه: إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا تعليلٌ لمُوجبِ النَّهيِ ببَيانِ اقترابِ هلاكِهم [901] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/281). ، وأفادتْ جُملةُ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا تعليلَ النَّهيِ عن التَّعجيلِ عليهم؛ لأنَّ (إنَّما) مُركَّبةٌ من (إنَّ) و(ما)، و(إنَّ) تفيدُ التَّعليلَ. وفي هذا إنذارٌ باقترابِ استئصالِهم [902] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/167). .
- وإِنَّمَا للقصْرِ، أي: ما نحنُ إلَّا نعُدُّ لهم، وهو قصْرُ موصوفٍ على صِفَةٍ قصْرًا إضافيًّا، أي: نعُدُّ لهم، ولسْنا بناسينَ لهم كما يظنُّون، أو لسْنا بتاركِينهم من العذابِ، بل نُؤخِّرُهم إلى يومٍ موعودٍ [903] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/167). .
- وفيه مُناسبةٌ حَسنةٌ؛ حيث قال هنا: فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ، وقال في سُورةِ (الأحقافِ): وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الأحقاف: 35]؛ ولعلَّ سبَبَ الاختلافِ بينَ هذه الآيةِ وبينَ ما في سُورةِ (الأحقافِ): أنَّ المُرادَ هنا استعجالُ الاستئصالِ والإهلاكِ، وهو مُقدَّرٌ كونُه على يَدِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فلذلك قيل هنا: فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ، أي: انتظِرْ يومَهم الموعودَ، وهو يومُ بدرٍ؛ ولذلك عقَّبَ بقولِه: إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا، أي: نُنْظِرُهم ونُؤجِّلُهم، وأنَّ العذابَ المقصودَ في سُورةِ (الأحقافِ) هو عذابُ الآخرةِ؛ لوُقوعِه في خلالِ الوعيدِ لهم بعذابِ النَّارِ؛ لقولِه هنالك: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ [904] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/166). [الأحقاف: 34، 35].