موسوعة التفسير

سُورةُ يُونُس
الآيات (21-23)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ

غريب الكلمات:


ضَرَّاءَ: أي: مرَضًا وضُّرًّا، والضَّرَّاءُ كذلك: سوءُ الحالِ، والفقرُ والقحطُ، والضرُّ: خلافُ النَّفْعِ [276]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 70)، ((تفسير ابن جرير)) (12/145)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3 /360)، ((المفردات)) للراغب (ص: 503- 504)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 26)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 119). .
مَكْرٌ: أي: استِهزاءٌ وتَكذيبٌ، والمكرُ: صَرفُ الغَيرِ عمَّا يَقصِدُه بحيلةٍ، فسمَّى استهزاءَهم وتكذيبَهم مكرًا؛ لاحتيالِهم لدفعِ آياتِ الله بكلِّ سبيلٍ، وأصلُ (مكر): يدلُّ على احتيالٍ وخِداعٍ [277] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 195)، ((تفسير ابن جرير)) (12/144)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/345)، ((البسيط)) للواحدي (11/155)، ((المفردات)) للراغب (ص: 772). .
الْفُلْكِ: أي: السُّفنِ، وواحده وجمْعه بلفظٍ واحد، وأصلُ (الفلك): الاستدارةُ في الشَّيءِ، ولعلَّ السُّفن سُمِّيت فُلكًا؛ لأنَّها تُدارُ في الماءِ [278]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 67)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/453)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 162)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 116). .
عَاصِفٌ: أي: شَديدةُ الهُبوبِ. وأصلُ (عصف): يدلُّ على خِفَّةٍ وسُرعةٍ [279] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/146)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/328)، ((غريب القرآن)) لقاسم الحنفي (ص: 93)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 658). .
أُحِيطَ بِهِمْ: أي: هلَكوا، وأصلُ هذا أنَّ العدوَّ إذا أحاطَ ببلدٍ، فقد دنَا أهلُه مِن الهلَكَةِ، وأصلُ (حوط): الشيءُ يطيفُ بالشيءِ [280] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 195)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/120)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 152)، ((تفسير القرطبي)) (8/325)، ((تفسير ابن كثير)) (4/259). .
مَتَاعَ: المتاع: المَنفعةٌ، وكلُّ ما حَصَل التمتُّع والانتفاعُ به على وجهٍ ما، أو ما يُنتفعُ به انتفاعًا قليلًا غيرَ باقٍ، بل يَنقضي عن قَريبٍ، وأصل (متع): يدلُّ على مَنفعةٍ، وامتدادٍ مُدَّةً في خيرٍ [281] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 303)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/293)، ((تفسير القرطبي)) (9/314)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 804). .

مشكل الإعراب:


قَولُه تعالى: إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
مَتَاعَ: منصوبٌ على المَصدرِ، أي: تتمتَّعونَ متاعَ الحياةِ الدُّنيا، أو منصوبٌ على الحالِ، أي: متمتِّعينَ. أو على أنَّه مَفعولٌ لأجلِه، أي: لأجلِ مَتاعِ. وعلى ذلك فـعَلَى أَنْفُسِكُمْ متعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرُ بَغْيُكُمْ، وقيل: الخبَرُ مَحذوفٌ تَقديرُه: مذمومٌ، ونحوُ هذا.
وقُرِئ مَتَاعُ بالرَّفعِ، وفي رفْعه أوجُهٌ؛ أحدُها: أنَّه خبرُ بَغْيُكُمْ وعلى هذا فقَولُه: عَلَى أَنْفُسِكُمْ متعلِّقٌ بـ بَغْيُكُمْ؛ لأنَّه مصدرٌ. الثاني: أن يكونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ خبَرًا لـبَغْيُكُمْ، ومَتَاعُ خبَرًا ثانيًا. الثالث: أن يكونَ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو متاعُ الحياةِ الدُّنيا [282] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/341-343)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/670)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (6/174-175). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّه إذا أذاقَ المُشرِكينَ رَحمةً بعد أن أصابَهم البَلاءُ، سَعَوا بكلِّ حيلةٍ بالباطِلِ؛ لإبطالِ الحَقِّ وتَكذيبِه، ومقابِلَ هذا المَكرِ أمَرَ نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يقولَ لهم: إنَّ اللهَ أعجَلُ منكم مكرًا؛ إنَّ رُسُلَه يكتبونَ ما تَمكرونَ.
هو سُبحانه وتعالى الذي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحرِ، حتَّى إذا كُنتُم في السُّفُنِ، وجَرَت بكم بريحٍ طَيِّبةٍ، وفَرِحَ ركَّابُ السَّفينةِ بها، جاءَتْها ريحٌ شَديدةُ الهُبوبِ، وجاء ركابَ السَّفينةِ الموجُ مِن كُلِّ جَوانبِ السَّفينةِ، وأيقَنوا أنَّ الهلاكَ قد أحاط بهم، وأنَّهم سيَغرَقونَ- دَعَوُا اللهَ مُخلِصينَ له الدِّينَ لَئِن أنجاهم من هذه الشِّدَّةِ ليَكونُنَّ مِن الشَّاكرينَ.
فلمَّا أنجاهم أخلَفوا اللهَ ما وعدوه، فبَغَوا في الأرضِ بإشراكِهم باللهِ، وإفسادِهم في الأرضِ بالكُفرِ والظُّلمِ والمعاصي، يا أيُّها النَّاسُ إنَّما وبالُ بَغيِكم  عائِدٌ على أنفُسِكم، تتمتعون به مدة حياتكم القصيرة، ثمَّ إلى الله مَرجِعُكم يومَ القيامةِ، فيُخبِرُكم بما كُنتُم تعملونَ في الدُّنيا مِن خَيرٍ أو شَرٍّ، ويُجازيكم به.

تفسير الآيات:


وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ الكافرينَ لَمَّا طَلَبوا من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم آيةً أخرى سوى القُرآنِ، وأجابَهم بما في قَولِه: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ [يونس: 20] ذكَرَ جوابًا آخرَ، وهو المذكورُ في هذه الآيةِ، وهو أنَّه تعالى بيَّنَ في هذه الآيةِ أنَّ عادةَ هؤلاءِ الأقوامِ المَكرُ واللَّجاجُ، والعِنادُ وعدمُ  الإنصافِ، وإذا كانوا كذلك فبِتَقديرِ أن يُعطَوا ما سألوه من إنزالِ مُعجِزاتٍ أخرى، فإنَّهم لا يؤمنونَ، بل يَبقَونَ على كُفرِهم وجَهلِهم [283] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/230). .
وأيضًا لَمَّا حكى اللهُ تعالى تمَرُّدَ المُشرِكينَ، وذكر قَولَه: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ وذلك على سبيلِ التعنُّتِ؛ أخبَرَ أنَّ هؤلاء إنَّما يصيرونَ لهذه المقالاتِ عندما يكونونَ في رخاءٍ مِن العَيشِ، وخُلُوِّ بالٍ، وأنَّهم في ذلك لاهون ببَطَرِهم، وازدهائِهم بالنِّعمةِ والدَّعَة، وأنَّ إحسانَ اللهِ تعالى قابَلوه بما لا يجوزُ من ابتغاءِ المَكرِ لآياتِه، وتفَنَّنوا في التكذيبِ بوعيدِ اللهِ أفانينَ الاستهزاءِ، وكان خليقًا بهم أن يكونوا أوَّلَ مَن صدَّقَ بآياتِه [284] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/30)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/132). .
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا.
أي: وإذا فرَّجنا عن المُشرِكينَ ورَحِمناهم، من بعدِ بَلاءٍ أصابَهم، سَعَوا بكلِّ حيلةٍ بالباطِلِ؛ لإبطالِ آياتِنا [285] ذهب بعضُ المُفَسِّرينَ إلى أنَّ المُرادَ بالآيات هنا: الآياتُ الكونيَّةُ، وممَّن اختار ذلك: محمد رشيد رضا. يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/273-274). قال الرازي: (فقوله: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً المرادُ منه تلك الأمطارُ النَّافعةُ. وقوله: مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ المرادُ منه ذلك القَحطُ الشَّديدُ. وقوله: إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا المرادُ منه إضافَتُهم تلك المنافِعَ الجليلةَ إلى الأنواءِ والكواكِبِ، أو إلى الأصنامِ). ((تفسير الرازي)) (17/231). وذهب آخرونَ إلى أنَّها آياتُ القُرآنِ الكريمِ. وممن اختار ذلك: الواحدي، وابن عاشور. يُنظر: ((الوسيط)) (2/542) للواحدي، ((تفسير ابن عاشور)) (11/133). وردِّها وتكذيبِها [286] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/144، 145)، ((البسيط)) للواحدي (11/155)، ((تفسير البيضاوي)) (3/109)، ((تفسير ابن كثير)) (4/258)، ((تفسير أبي السعود)) (4/133)، ((تفسير السعدي)) (ص: 361)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/133). !
كما قال تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ [يونس: 12] .
وقال سبحانه: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الروم: 33-34].
وقال عزَّ وجلَّ: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر: 8] .
وقال تبارك وتعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ [فصلت: 50-51] .
وعن زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَني رَضِيَ الله عنه، قال: ((صلَّى بنا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صلاةَ الصُّبحِ بالحُدَيبية في إثْرِ السَّماءِ [287] أي: بعد نُزولِ المَطَرٍ، وأصلُ السماءِ: كلُّ ما ارتفَع فأظلَّ وعلا، فالسحابُ يُسمَّى سماءً، وسُمِّى المطرُ بذلك؛ لمجيءِ السحابِ به. يُنظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (1/330)، ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (5/99). كانت من اللَّيلِ، فلما انصرَفَ أقبَلَ على النَّاسِ فقال: هل تَدرونَ ماذا قال ربُّكم؟ قالوا: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: قال: أصبحَ مِن عبادي مؤمِنٌ بي وكافِرٌ، فأمَّا من قال: مُطِرْنا بفَضلِ اللهِ ورَحمتِه، فذلك مُؤمِنٌ بي، كافِرٌ بالكوكَبِ، وأمَّا من قال: مُطِرْنا بنَوءِ كذا وكذا [288] النَّوءُ: الكَوكَبُ؛ ولذلك سَمَّوا مَنازِلَ القَمَرِ الأنواءَ. يُنظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (1/553). ، فذلك كافِرٌ بي، مُؤمِنٌ بالكوكبِ)) [289] رواه البخاري (846)، ومسلم (71) واللفظ له. .
قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا كانت جملةُ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا دالَّةً على إسراعِ الكافرينَ بالمَكرِ مِن ثلاثةِ أوجُهٍ: التعبيرُ بالذَّوقِ الذي هو أوَّلُ المُخالطةِ، ولفظُ (مِن) التي هي للابتداءِ، و(إذا) الفجائيَّة، كان كأنَّه قيل: أسرَعوا جُهدَهم في المَكرِ، فقيل [290] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/96). :
قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا.
أي: قُل- يا مُحمَّدُ- لهؤلاء المُشرِكينَ: اللهُ أعجَلُ مَكرًا بكم- باستدراجِكم وتعجيلِ عُقوبتِكم- مِن مَكرِكم في آياتِه [291] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/145)، ((تفسير ابن كثير)) (4/258)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/274)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/133). .
قال تعالى: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43] .
إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ.
أي: إنَّ المَلائكةَ الحَفَظةَ يَكتُبونَ مَكْرَكم في آياِتي- أيُّها المُشرِكونَ- ويُحصُون أعمالَكم؛ للحِسابِ عليها في الآخرةِ [292] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/145)، ((البسيط)) للواحدي (11/157)، ((تفسير القرطبي)) (8/324)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/274، 275). قال أبو حيان: (والرُّسلُ هنا الحفظةُ بلا خلافٍ). ((تفسير أبي حيان)) (6/31). .
كما قال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: 10 - 12].
وقال تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: 80] .
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا قال: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا  كان هذا الكلامُ كلامًا كُلِّيًّا لا ينكَشِفُ معناه تمامَ الانكشافِ إلَّا بذِكرِ مِثالٍ كاملٍ، فذكرَ اللهُ تعالى لِنَقلِ الإنسانِ مِن الضُّرِّ الشَّديدِ إلى الرَّحمةِ مِثالًا، ولِمَكر الإنسانِ مِثالًا؛ حتى تكونَ هذه الآيةُ كالمُفَسِّرةِ للآيةِ التي قَبلَها [293] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/232). .
وأيضًا لَمَّا قال الله تعالى: قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا أخذ سبحانَه يبيِّنُ ما يتَّضِحُ به أسرعيَّةُ مَكرِه، في مثالٍ دالٍّ على نَقْلِه سبحانَه لِعبادِه مِن الضُّرِّ إلى النِّعمةِ، ومِن سُرعةِ تَقَلُّبِهم [294] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/98). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ تعالى القاعدةَ العامَّةَ في أحوالِ النَّاسِ عند إصابةِ الرَّحمةِ لهم بعد الضَّرَّاءِ، واليُسرِ بعد العُسرِ؛ ذكَرَ حالةً تؤيِّدُ ذلك، وهي حالُهم في البَحرِ عند اشتدادِه، والخوفِ مِن عَواقِبِه، فقال تعالى [295] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 361). :
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
القراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
1- قراءةُ يَنْشُرُكُمْ مِن النَّشرِ، أي: يبثُّكم [296] قرأ بها ابن عامر، وأبو جعفر. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/282). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/41)، ((الحجة للقراء السبعة)) لأبي علي الفارسي (4/265)، ((حجة القراءات)) (ص: 329) لابن زنجلة.
2- قراءةُ يُسَيِّرُكُمْ مِنَ التَّسييرِ، أي: يَحمِلُكم في البَرِّ والبَحرِ [297] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/282). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/41)، ((الحجة للقراء السبعة)) لأبي علي الفارسي (4/265)، ((حجة القراءات)) (ص: 329) لابن زنجلة. .
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
أي: اللهُ هو الذي يُسَيِّرُكم في البَرِّ؛ بإقدارِه لكم على المَشيِ على أقدامِكم، وبما سَخَّرَه لكم من الدوابِّ وغَيرِها، ويُسَيِّرُكم في البَحرِ في السُّفُنِ التي يَسَّرَ لكم صُنعَها [298] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/146)، ((البسيط)) للواحدي (11/157)، ((تفسير ابن كثير)) (4/259)، ((تفسير الشوكاني)) (2/494)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/276)، ((تفسير السعدي)) (ص: 361). .
حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ.
أي: حتى إذا [299] قال الزمخشري: (إن قلتَ: كيف جعَلَ الكَونَ في الفُلكِ غايةً للتَّسييرِ في البحرِ، والتَّسييرُ في البحر إنَّما هو بالكَونِ في الفُلكِ؟ قلتُ: لم يُجعَلِ الكونُ في الفلك غايةً للتَّسييرِ في البحر، ولكِنْ مَضمون الجملة الشَّرطية الواقعة بعد حَتَّى بما في حَيِّزها، كأنَّه قيل: يسَيِّرُكم حتى إذا وقعَتْ هذه الحادثةُ، وكان كيت وكيت؛ مِن مجيءِ الرِّيحِ العاصِفِ، وتَراكُمِ الأمواجِ، والظنِّ للهَلاكِ، والدُّعاءِ بالإنجاءِ. فإن قلتَ: ما جوابُ إِذَا؟ قلتُ: جَاءَتْهَا. فإن قلتَ: فـ «دَعَوا»؟ قلتُ: بدَلٌ مِن «ظَنُّوا»، لأنَّ دعاءَهم من لوازمِ ظَنِّهم الهلاكَ، فهو مُلتَبِسٌ به). ((تفسير الزمخشري)) (2/338). كُنتم في السُّفُنِ، وجَرَت بكم؛ بسَبَبِ ريحٍ لَيِّنةِ الهُبوِبِ، مُوافِقةٍ لرَغبتِكم، وفَرِحَ رُكَّابُ السَّفينةِ بتلك الرِّيحِ، واطمأنُّوا بها، فبينما هم كذلك إذ جاءت السَّفينةَ ريحٌ شديدةُ الهُبوبِ [300] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/146)، ((تفسير ابن كثير)) (4/259)، ((تفسير القاسمي)) (6/17)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/276)، ((تفسير السعدي)) (ص: 361)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/137). .
وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ.
أي: وجاء ركابَ السَّفينةِ مَوجُ البَحرِ مِن كُلِّ جانبٍ مِن جوانِبِ السَّفينةِ [301] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/146)، ((تفسير الشوكاني)) (2/494)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/276)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/137). .
وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ.
أي: وأيقَنُوا أنَّ الهَلاكَ قد أحاط بهم، وأنهم سيَغرَقونَ في البَحرِ الهائِجِ [302] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/234)، ((تفسير ابن جرير)) (12/146)، ((تفسير الثعلبي)) (5/127)، ((الوسيط)) للواحدي (2/543)، ((تفسير السمعاني)) (2/375)، ((تفسير البغوي)) (2/415)، ((تفسير القرطبي)) (8/325)، ((تفسير ابن كثير)) (4/259)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/276)، ((تفسير السعدي)) (ص: 361)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/137). .
دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
أي: دَعُوا اللهَ وَحْدَه أن يُنجِيَهم مِن الكَربِ، وأخلصوا له الدُّعاءَ دون آلهتِهم [303] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/146، 148)، ((تفسير القرطبي)) (8/325)، ((تفسير ابن كثير)) (4/259)، ((تفسير الألوسي)) (6/92)، ((تفسير السعدي)) (ص: 361)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/138). .
كما قال تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: 67] .
لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ.
أي: وقالوا: واللهِ لَئِنْ أنجيتَنا- يا ربَّنا- من هذه الشِّدَّةِ، لنكونَنَّ مِن الشَّاكرينَ لنِعَمِك، المُطيعينَ أمْرَك، ولا نُشرِكُ بك شيئًا في عبادَتِك [304] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (11/160)، ((تفسير القرطبي)) (8/326)، ((تفسير ابن كثير)) (4/259)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/277)، ((تفسير السعدي)) (ص: 361). .
عن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه، قال: ((لَمَّا كان يومُ فَتحِ مَكَّةَ أمَّنَ رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ النَّاسَ، إلَّا أربعةَ نَفَرٍ وامرأتينِ، وقال: اقتُلوهم، وإن وَجَدتُموهم متعَلِّقينَ بأستارِ الكَعبةِ: عِكرمةُ بنُ أبي جَهلٍ، وعبدُ الله بنُ خطَل، ومقيسُ بنُ صُبابةَ، وعبدُ اللهِ بنُ سعدِ بن أبي السَّرحِ... وأمَّا عِكرمةُ فرَكِبَ البَحرَ، فأصابتهم عاصِفٌ، فقال أصحابُ السَّفينةِ: أخلِصوا؛ فإنَّ آلهَتَكم لا تُغني عنكم شيئًا هاهنا. فقال عكرمةُ: واللهِ لَئِنْ لم ينجِّني من البَحرِ إلَّا الإخلاصُ، لا ينَجِّيني في البَرِّ غَيرُه، اللهمَّ إنَّ لك عليَّ عَهدًا، إن أنت عافيتَني ممَّا أنا فيه، أنْ آتيَ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حتى أضَعَ يَدي في يَدِه، فلأَجِدَنَّه عَفُوًّا كريمًا، فجاء فأسلَمَ )) [305] أخرجه النسائي (4067) واللفظ له، والبزار (1151)، وأبو يعلى (757). صحَّح إسنادَه ابنُ القيِّم في ((زاد المعاد)) (3/110)، وصحَّحه ابنُ الملقنِ في ((البدر المنير)) (9/153)، ووثَّق رجالَه الهيثميُّ في ((مجمع الزوائد)) (6/171)، والبوصيري في ((إتحاف الخيرة المهرة)) (5/245)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن النسائي)) (4067). .
فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (23).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا حكى اللهُ تعالى عن الكافرينَ هذا التضُرَّعَ الكامِلَ عند البَليَّةِ؛ بيَّنَ أنَّهم بعدَ الخلاصِ مِن تلك البَليَّةِ والمِحنةِ أقدَموا في الحالِ على البَغيِ في الأرضِ بِغَيرِ الحَقِّ [306] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/235). .
فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ.
أي: فلمَّا أنقَذَ اللهُ رُكَّابَ السَّفينةِ أخلَفوا اللهَ ما وَعَدوه، فأشرَكوا به، وأفسَدوا في الأرضِ بالكُفرِ والظُّلمِ والمعاصي [307] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/148)، ((البسيط)) للواحدي (11/160)، ((تفسير ابن عطية)) (3/113)، ((تفسير القرطبي)) (8/326)، ((تفسير ابن كثير)) (4/259)، ((تفسير السعدي)) (ص: 361). !
كما قال تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء: 67] .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم.
أي: يا أيُّها النَّاسُ إنَّما وَبالُ بَغيِكم هذا عائدٌ على أنفُسِكم في الدُّنيا والآخِرةِ، ولن تَضُرُّوا اللهَ شيئًا [308] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/148)، ((تفسير ابن عطية)) (3/113)، ((تفسير القرطبي)) (8/326)، ((تفسير ابن كثير)) (4/259)، ((تفسير الألوسي)) (6/115). .
كما قال تعالى: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43] .
 وعن أبي بَكرةَ رَضِيَ الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ما مِن ذَنبٍ أجدَرُ أن يُعَجِّلَ اللهُ لِصاحِبِه العُقوبةَ في الدُّنيا مع ما يَدَّخِرُ له في الآخرةِ، مِن البَغيِ وقَطيعةِ الرَّحِم) ) [309] أخرجه أبو داود (4902)، والترمذي (2511)، وابن ماجه (4211) واللفظ له، وأحمد (20414). قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ، وصحَّحه ابنُ بازٍ في ((مجموع الفتاوى)) (23/231)، والألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (4211). .
مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
أي: تتمَتَّعونَ به مُدَّةَ حَياتِكم القصيرةِ الفانيةِ [310] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/236)، ((تفسير ابن كثير)) (4/259)، ((تفسير السعدي)) (ص: 361). .
ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.
أي: ثمَّ إلينا يكونُ مَصيرُكم بعد مَوتِكم، فنُخبِرُكم يومَ القيامةِ بما كُنتُم تعملونَ في الدُّنيا، ونجازيكم عليه [311] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/149)، ((تفسير الرازي)) (17/236)، ((تفسير ابن كثير)) (4/259)، ((تفسير السعدي)) (ص: 361). قال الرازي: (والإنباءُ هو الإخبارُ، وهو في هذا الموضعِ وعيدٌ بالعذابِ، كقولِ الرجلِ لغيرِه: سأخبرُك بما فعلتَ). ((تفسير الرازي)) (17/236). .

الفوائد التربوية :


1- قَولُ الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ تضمَّنَتِ الآيةُ البَيانَ عَمَّا توجِبُه بديهةُ العَقلِ مِن الفَزعِ عند الشِّدَّةِ إلى واهِبِ السَّلامةِ، ومُسبِغِ النِّعمةِ، في كَشفِ تلك البَليَّةِ [312] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/99). .
2- البَغيُ يُجازَى أصحابُه عليه في الدُّنيا والآخرةِ؛ نَستفيدُ ذلك مِن قَولِ الله تعالى: فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [313] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/280). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا  سمَّى تكذيبَهم بآياتِ اللهِ (مكرًا)؛ لأنَّ المكرَ عِبارةٌ عن صَرفِ الشَّيءِ عن وَجهِه الظَّاهِرِ بطريقِ الحِيلةِ، وهؤلاء يحتالونَ لِدَفعِ آياتِ اللهِ بكُلِّ ما يَقدِرونَ عليه؛ مِن إلقاءِ شُبهةٍ، أو تخليطٍ في مناظرةٍ، أو غيرِ ذلك من الأمورِ الفاسدةِ [314] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/232). .
2- قَولُ الله تعالى: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ تضمَّنَت الآيةُ البَيانَ عَمَّا يُوجِبُه حالُ الجاهِلِ مِن تَضييعِ حَقِّ النِّعمةِ والمَكرِ فيها، وإن جَلَّتْ مَنزِلتُها، وأتتْ على فاقةٍ إليها، وشِدَّةِ حاجةٍ إلى نُزولِها، مع الوعيدِ بعائدِ الوَبالِ على الماكرِ فيها [315] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/97). .
3- قَولُ الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فيه جوازُ رُكوبِ البَحرِ مُطلقًا في الغَزوِ، وفي غيرِ الغَزوِ [316] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:147). .
4- قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ في هذا دَليلٌ على أنَّ المُضطرَّ يُجابُ دُعاؤه وإن كان كافرًا؛ لانقطاعِ الأسبابِ، ورُجوعِه إلى الواحِدِ رَبِّ الأربابِ [317] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/325). .
5- قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الاعترافُ باللهِ مَركوزٌ في طبائِعِ العالَم، وهم مَجبولونَ على أنَّه المتصَرِّفُ في الأشياءِ، فإذا حقَّت الحقائِقُ رَجَعوا إليه كُلُّهم؛ مُؤمِنُهم وكافِرُهم [318] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/34). ؛ فقد جُبِلوا على الرُّجوعِ إليه في الشَّدائِدِ [319] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/325). .
6- قَولُ الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ لَمَّا كان الخَوفُ في البَحرِ أغلَبَ على الإنسانِ منه في البَرِّ؛ وقع المِثالُ به لذلك المَعنى الكُليِّ؛ مِن التجاءِ العَبدِ لِرَبِّه تعالى حالةَ الشِّدَّةِ، والإهمالِ لجانِبِه حالةَ الرَّخاءِ [320] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/33). .
7- ذُكرتِ الرياحُ في القُرآنِ جَمعًا ومُفردةً، فحيث كانت في سياقِ الرَّحمةِ أتت مجموعةً، وحيثُ وقعتْ في سياقِ العَذابِ أتت مُفردةً، وسرُّ ذلك أنَّ رياحَ الرَّحمةِ مُختلفةُ الصِّفاتِ والمهابِّ والمَنافِعِ، وأمَّا في العذابِ فإنَّها تأتي مِن وجهٍ واحدٍ وصِمَام واحدٍ لا يقومُ لها شيءٌ، ولا يعارِضُها غيرُها حتى تنتهيَ إلى حيث أُمِرَتْ، ولهذا وصفَ سُبحانه الريحَ التي أرسلَها على عادٍ بأنَّها عقيمٌ، فقال سُبحانه: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات: 41] وهي التي لا تُلقِحُ [321]  أي: لَا تُلقِحُ شَجرًا، ولا تُنشِئُ سَحابًا، ولا تَحمِلُ مطرًا، إنَّما هي ريحُ الإهلاكِ. يُنظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (1/189)، ((لسان العرب)) لابن منظور (12/413). ، ولا خيرَ فيها، إلَّا أنَّ هذا لم يَطَّرِدْ هنا في قَولِه تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ حيث جاءت بالإفرادِ، ووُصِفَت بأنها طَيِّبةٌ! ووجهُ ذلك: أنَّ تمامَ الرَّحمةِ هنا إنَّما تحصُلُ بوَحدةِ الرِّيحِ لا باختلافِها، بخلافِ المقصودِ منها في البَرِّ؛ فإنَّ السفينةَ لا تسيرُ إلَّا بريحٍ واحدةٍ مِن وجهٍ واحدٍ تُسَيِّرُها، فإذا اختَلَفَت عليها الرِّياحُ وتصادَمَتْ وتقابَلَتْ، فهو سببُ الهلاكِ، فالمطلوبُ هنا ريحٌ واحدةٌ لا رياحٌ، وأكَّدَ هذا المعنى بوصفِها بالطَّيِّبةِ؛ دفعًا لتوهُّمِ أنْ تكون ريحًا عاصفةً؛ بل هي ممَّا يُفرحُ بها لِطِيبِها [322] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (1/118)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/201). .
8- قَولُ اللهِ تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فيه بَيانُ أنَّ هؤلاءِ المُشرِكينَ كانوا لا يَلتَفِتونَ إلى أصنامِهم في هذه الحالةِ وما يُشابِهُها، والعجب مِن طوائِفَ يَعتَقِدونَ في الأمواتِ!! فإذا عَرَضَت لهم في البَحرِ مثلُ هذه الحالةِ دَعُوا الأمواتَ، ولم يُخلِصُوا الدُّعاءَ لله كما فعَلَه المُشرِكونَ، فلينظُر المرء إلى ما فعَلَت تلك الاعتقاداتُ الشَّيطانيَّةُ، وأين وصل بها أهلُها، وإلى أينَ رمى بهم الشَّيطانُ، وكيف اقتادَهم وتسَلَّطَ عليهم؟! حتى انقادوا له انقيادًا ما كان يَطمَعُ في مِثلِه ولا في بَعضِه عُبَّاد الأوثانِ [323] يُنظر: ((فتح القدير)) للشوكاني (2/495). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ
- وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ... فيه إسنادُ المِساسِ إلى الضَّرَّاءِ بعدَ إسنادِ الإذاقةِ إلى ضَميرِ الجَلالةِ، وهذا مِن الآدابِ القُرآنيَّةِ؛ كما في قولِه تعالى: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: 80] ونَظائرِه [324] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/133). .
- وجاء الكلامُ على طَريقةِ الحِكايةِ عن حالِهم، والمُلْقَى إليه الكلامُ هو النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمؤمِنون، وفيه تعريضٌ بتَذْكيرِ الكُفَّارِ بحالِ حُلولِ المصائبِ بِهم؛ لعلَّهم يتَذكَّرون، فيُعِدُّوا عُدَّةَ الخوفِ مِن حُلولِ النِّقْمةِ الَّتي أنذَرَهم بها في قولِه: فَانْتَظِرُوا [325] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/132). .
- قولُه: إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا فيه تنكيرُ مَكْرٌ؛ للتَّفخيمِ [326] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/133). .
- قولُه: قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا فيه مناسَبةٌ حسَنةٌ؛ فإنَّه قال: قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا، فجاءَت أفعَلُ التَّفضيلِ؛ لأنَّ جُملةَ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قبْلَها تتَضمَّنُ سُرعةَ المَكْرِ مِنهم؛ لأنَّ هذه الجملةَ دليلٌ على سُرعةِ تَقلُّبِ ابنِ آدَمَ مِن حالةِ الخيرِ إلى حالةِ الشَّرِّ، وذلك بلَفْظِ أَذَقْنَا، كأنَّه قيلَ: أوَّلَ ذَوْقِه الرَّحمةَ قبلَ أن يُداوِمَ استِطْعامَها مَكَروهٌ، وبلفظِ مِنْ الْمُشْعِرِ بابتِداءِ الغايةِ، أي: يُنشِئُ المَكْرَ إثْرَ كَشْفِ الضَّرَّاءِ لا يُمهِلُ ذلك، وبلَفظِ (إذا) الفُجائيَّةِ الواقعةِ جَوابًا لـ(إذا) الشَّرطيَّةِ، أي: في وقتِ إذاقةِ الرَّحمةِ، كأنَّه قال: وإذا رَحِمْناهم مِن بعدِ ضرَّاءَ فاجَؤوا وُقوعَ المكرِ مِنهم، وسارَعوا إليه قبل أن يَغسِلوا رُؤوسَهم مِن مَسِّ الضَّرَّاءِ، ولم يتَلبَّثوا ريثَما يُسيغُون غُصَّتَهم [327] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/337)، ((تفسير أبي حيان)) (6/30- 31). .
- وجملةُ: إِنَّ رُسَلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ استِئْنافُ خِطابٍ للمُشرِكينَ مُباشَرةً؛ تَهديدًا مِن اللهِ؛ فلِذَلِك فُصِلَت ولم تُعطَفْ على الَّتي قبلَها؛ لاختِلافِ المُخاطَبِ، وتأكيدُ الجملةِ بـإنَّ؛ لِكَونِ المخُاطَبين يَعتقِدون خِلافَ ذلك؛ إذْ كانوا يَحسَبون أنَّهم يَمكُرون بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّ مَكْرَهم يتَمشَّى عليه ولا يَشعُرُ به، فأعلَمَهم اللهُ بأنَّ الملائِكةَ الموكَّلِين بإحصاءِ الأعمالِ يَكتُبون ذلك [328] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/134). . وهذه الجملةُ أيضًا تَعليلٌ مِن جِهتِه تعالى لأسرَعيَّةِ مَكرِه سبحانه، وفيه مِن المبالَغةِ ما لا يوصَفُ، وصيغةُ الاستقبالِ في (يَكْتُبون- تَمكُرون)؛ للدَّلالةِ على الاستِمرارِ التَّجدُّديِّ [329] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/133). ، والتَّكرُّرِ، أي: تتَكرَّرُ كِتابتُهم كلَّما يتَكرَّرُ مَكرُهم [330] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/134). .
- وفي قولِه: تَمْكُرُونَ- بالتَّاءِ على الخِطابِ- مُبالَغةٌ لهم في الإعلامِ بحالِ مَكرِهم [331] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/31). .
- وفي قولِه: إِنَّ رُسَلَنَا الْتِفَاتٌ- حيث لم يَقُلْ: (إنَّ رُسلَه)- فهو تلوينٌ للخِطابِ بصَرفِه عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهم؛ للتَّشديدِ في التَّوبيخِ [332] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/31)، ((تفسير أبي السعود)) (4/133). .
2- قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
- في قولِه: وَجَرَيْنَ بِهِمْ التفاتٌ، حيث عدَل عن الخِطابِ إلى الغيبةِ؛ للمُبالغةِ، كأنَّه تذكِرةٌ لغَيرِهم؛ لِيتعجَّبَ مِن حالِهم ويُنكِرَ عليهم [333] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/338)، ((تفسير البيضاوي)) (3/109). ، ومِن بديعِ الأسلوبِ في الآيةِ: أنَّها لَمَّا كانت بصَددِ ذِكْرِ النِّعمةِ جاءَت بضَمائرِ الخِطابِ الصَّالحةِ لِجَميعِ السَّامِعين، فلمَّا تَهيَّأَت للانتِقالِ إلى ذِكْرِ الضَّرَّاءِ وقَع الانتِقالُ مِن ضَمائرِ الخِطابِ إلى ضَميرِ الغيبةِ؛ لِتَلوينِ الأسلوبِ بما يُخلِّصُه إلى الإفضاءِ إلى ما يَخُصُّ المشرِكين، فقال: وَجَرَيْنَ بِهِمْ على طريقةِ الالتِفاتِ، أي: وجرَيْن بكُم، وهكذا أُجرِيَت الضَّمائرُ جامِعةً للفريقَين، إلى أن قال: فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ؛ فإنَّ هذا ليس مِن شِيَمِ المؤمِنين، فتَمحَّضَ ضميرُ الغيبةِ هذا للمُشركين، فقد أخرَج مِن الخبَرِ مَن عَدا الَّذين يَبغُون في الأرضِ بغيرِ الحقِّ؛ تعويلًا على القَرينةِ؛ لأنَّ الَّذين يَبغون في الأرضِ بغيرِ الحقِّ لا يَشمَلُ المسلِمين [334] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/135). .
- وأيضًا ابتُدِئ الإتيانُ بضَميرِ الغيبةِ مِن آخِرِ ذكرِ النِّعمةِ عندَ قولِه: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ؛ للتَّصريحِ بأنَّ النِّعمةَ شَمِلَتهم، وللإشارةِ إلى أنَّ مَجيءَ العاصفةِ فجأةً في حالِ الفرَحِ مُرادٌ مِنه ابتِلاؤُهم وتخويفُهم؛ فهو تمهيدٌ لقولِه: وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [335] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/136). .
- قولُه: لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فيه تأكيدُ وَعْدِهم بالشُّكرِ بثَلاثِ مُؤكِّداتٍ: لامِ تَوطِئةِ القَسَمِ، ونونِ التَّوكيدِ، والتَّعبيرِ بصيغةِ مِنَ الشَّاكِرِينَ وهو أبلَغُ مِن (لنَكوننَّ شاكِرين)؛ لِما يُفيدُه مِن كَونِهم مِن هذه الزُّمرةِ الَّتي دَيدَنُها الشُّكرُ [336] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/138). .
3- قوله تعالى: فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
- قولُه: فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أتَى بـ (إذا) الفُجائيَّةِ في جوابِ (لَمَّا)؛ للدَّلالةِ على تَعجيلِهم بالبَغيِ في الأرضِ عَقِبَ النَّجاةِ [337] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/35)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/138). .
- وزيادةُ فِي الْأَرْضِ؛ للدَّلالةِ على شُمولِ بَغيِهم لأقطارِها، وصيغةُ المضارِعِ يَبْغُونَ؛ للدَّلالةِ على التَّجدُّدِ والاستمرارِ [338] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/135). .
- وقولُه: بِغَيْرِ الْحَقِّ قيدٌ كاشفٌ لِمَعنى البغيِ؛ إذ البغيُ لا يَكونُ بحقٍّ، فهو كالتَّقييدِ في قولِه تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ [339] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/139). [القصص: 50] .
- قولُه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ توجيهٌ للخِطابِ إلى أولئك الباغينَ؛ للتَّشديدِ في التَّهديدِ، والمبالَغةِ في الوَعيدِ [340] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/135). . وافتُتِح الخِطابُ بـ يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ لاستِصْغاءِ أسماعِهم، والمقصودُ مِن هذا تَحذيرُ المشرِكين ثمَّ تَهديدُهم [341] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/139). .
قولُه: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ في قَصْرِ البَغيِ على كونِه مُضِرًّا بهم- كما هو مُفادُ حرفِ الاستِعْلاءِ (على)- تنبيهٌ على حَقيقةٍ واقعيَّةٍ وموعظةٍ لهم؛ لِيَعلَموا أنَّ التَّحذيرَ مِن الشِّركِ والتَّهديدَ عليه لِرَعْيِ صَلاحِهم، لا لأنَّهم يَضُرُّونه سُبحانَه [342] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/139). .
- قولُه: ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ... فيه تقديم الجارِّ والمجرورِ؛ للدَّلالةِ على الثَّباتِ والقَصْرِ [343] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/136). ، وإفادةِ الاختِصاصِ، أي: تُرجَعون إلينا لا إلى غيرِنا؛ تَنزيلًا للمُخاطَبين منزلةَ مَن يظُنُّ أنَّه يُرجَعُ إلى غيرِ اللهِ؛ لأنَّ حالَهم في التَّكذيبِ بآياتِه، والإعراضِ عن عِبادتِه إلى عبادةِ الأصنامِ كحالِ مَن يظُنُّ أنَّه يُحشَرُ إلى الأصنامِ، وإن كان المشرِكون يُنكِرون البَعثَ مِن أصلِه [344] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/140). .
- وعُطِفَت هذه الجملةُ بـ (ثُمَّ)؛ لإفادةِ التَّراخي الرُّتبيِّ؛ لأنَّ مضمونَ هذه الجملةِ أصرَحُ تَهديدًا مِن مَضمونِ جُملةِ: إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [345] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/140). .
- قولُه: فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيه تفريعُ فَنُنَبِّئُكُمْ على جملةِ: إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ تفريعَ وعيدٍ على تهديدٍ، والإنباءُ هنا كنايةٌ عَن الجزاءِ؛ لأنَّ الإنباءَ يَستلزِمُ العِلمَ بأعمالِهم السَّيِّئةِ، والقادِرُ إذا عَلِم بسوءِ صَنيعِ عَبدِه لا يَمنَعُه مِن عقابِه مانِعٌ، وفي ذِكْرِ كُنْتُمْ والفِعْلِ المضارعِ تَعْمَلُونَ دَلالةٌ على تَكرُّرِ عمَلِهم، وتَمكُّنِه مِنهم [346] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/140). .