موسوعة التفسير

سُورةُ يُونُس
الآيات (18-20)

ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّ المُشرِكينَ يعبدونَ مِن دونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا ينفَعُهم، ويقولونَ إنَّ هؤلاءِ الذين نَعبُدُهم يَشفَعونَ لنا عندَ الله، وأمَرَ اللهُ نَبيَّه مُحمَّدًا أن يقولَ لهم: أتُخبِرونَ الله بما ليس موجودًا في السَّمواتِ ولا في الأرضِ، تَنَزَّه الله وتقَدَّسَ عمَّا يُشرِكونَ.
ويبَيِّنُ تعالى أنَّ النَّاسَ كانوا مُجتَمِعينَ على دينِ التَّوحيدِ، فاختلفوا في دينِهم، وأشرَكوا بالله، ولولا أنَّه سبَقَ مِن اللهِ أنَّه يُمهِلُ المُشرِكينَ والعُصاةَ، ويؤخِّرُ جزاءَهم إلى يومِ القيامةِ؛ لحَكَم سبحانه بينَ مَن اختلَفوا في الدُّنيا، فيُنَجِّي أهلَ التَّوحيدِ، ويعجِّلُ بعقوبةِ المُشرِكينَ.
ويخبِرُ تعالى أنَّ المُشرِكينَ يقولون: هلَّا أُنزِلَ على محمَّدٍ مُعجِزةٌ مِن رَبِّه ممَّا نقتَرِحُ عليه؛ حتى نعلَمَ أنَّه رسولٌ مِن عندِ الله حقًّا، وأمَرَ نَبيَّه أن يقولَ لهم: إنَّما إنزالُ الآياتِ مِن الغَيبِ الذي لا يعلَمُه إلَّا اللهُ، ولا يقدِرُ على إنزالِه إلَّا هو، فإن شاء أنزَلَها، وإن شاء لم يُنزِلْها، فانتظروا حُكمَ اللهِ فينا بعقوبةِ المُبطِلِ مِنَّا، ونصْرِ المُحِقِّ، إنَّا معكم مُنتَظِرونَ.

تفسير الآيات:


وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
أنَّ الكافرينَ إنَّما التَمَسوا من الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قرآنًا غيرَ هذا القرآنِ، أو تبديلَ هذا القُرآنِ؛ لأنَّ هذا القُرآنَ مُشتَمِلٌ على شَتمِ الأصنامِ التي جَعَلوها آلهةً لأنفُسِهم؛ فلهذا السَّبَبِ ذكَرَ اللهُ تعالى في هذا الموضِعِ ما يدُلُّ على قُبحِ عبادةِ الأصنامِ؛ لِيُبيِّنَ أنَّ تَحقيرَها والاستخفافَ بها أمرٌ حَقٌّ، وطريقٌ مُتيَقَّنٌ [235] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/227). .
وأيضًا فهذه الآيةَ عَطفٌ على قَولِه تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ [يونس: 15] عطْفَ القِصَّةِ على القِصَّةِ، فهذه قصَّةٌ أخرى مِن قَصَصِ أحوالِ كُفرِهم، أن قالوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا [يونس: 15] حين تُتلى عليهم آياتُ القرآنِ، ومِن كُفرِهم أنَّهم يعبدونَ الأصنامَ، ويقولون: هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ والمناسبةُ بين القِصَّتَينِ أنَّ في كِلتَيهما كُفرًا أظهَرُوه في صورةِ السُّخريةِ والاستهزاءِ، وإيهامِ أنَّ العُذرَ لهم في الاسترسالِ على الكُفرِ [236] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/124). .
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ.
أي: ويَعبُدُ المُشرِكونَ مِن دُونِ الله آلهةً مِن الأصنامِ وغَيرِها، لا تَضُرُّهم إن تركوا عِبادتَها، ولا تنفَعُهم في الدُّنيا ولا في الآخرةِ إنْ عَبَدوها [237] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/142)، ((معاني القرآن)) للزجاج (3/11)، ((تفسير الزمخشري)) (2/336)، ((تفسير ابن عطية)) (3/111)، ((تفسير الرازي)) (17/227)، ((تفسير ابن كثير)) (4/356)، ((تفسير السعدي)) (ص: 360). .
كما قال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ [النحل: 73].
وقال سُبحانه: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: 6].
وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ.
أي: ويقولُ المُشرِكونَ: هؤلاء الذين نعبُدُهم يَشفَعونَ لنا عند الله [238] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/142)، ((البسيط)) للواحدي (11/149)، ((تفسير البيضاوي)) (3/108)، ((تفسير السعدي)) (ص: 360). قال الواحدي: (وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ، قال أهلُ المعاني: توهَّموا أنَّ عِبادَتَها أشَدُّ في تعظيمِ اللهِ مِن قَصْدِه بالعبادةِ، فعَبَدوها وأحَلُّوها محَلَّ الشَّافِعِ عندَ اللهِ). ((البسيط)) (11/149). .
قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ.
أي: قُل- يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ المُشرِكينَ: أتُخبِرونَ اللهَ بما لا يقعُ، ولا يَكونُ أبدًا في السَّمواتِ ولا في الأرضِ، وهو أنَّ له شركاءَ يشفعون لكم عندَ الله، وقد أخبركم بأنَّه ليس له شريكٌ، أفتخبرونَه بأمرٍ خفِي عليه، وعلِمْتوه [239] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/142، 143)، ((معاني القرآن)) للنحاس (3/283)، ((تفسير ابن عطية)) (3/111)، ((تفسير القرطبي)) (8/322)، ((تفسير الخازن)) (2/434)، ((تفسير الشوكاني)) (2/492)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/267)، ((تفسير السعدي)) (ص: 360). ؟
ثمَّ نزَّه نفسه عمَّا افتروه، فقال [240] يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص : 492). :
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
أي: تقدَّس اللهُ وتنزَّهَ عن أن يكونَ له شريكٌ [241] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/143)، ((تفسير الرازي)) (17/228)، ((تفسير القرطبي)) (8/322)، ((تفسير السعدي)) (ص: 360). .
وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
أنَّ اللَّهَ تعالى لَمَّا أقام الدَّلالةَ القاهرةَ على فسادِ القَولِ بعبادةِ الأصنامِ؛ بَيَّنَ السَّببَ في كيفيَّةِ حُدوثِ هذا المذهَبِ الفاسِدِ، والمقالةِ الباطلةِ [242] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/228). .
وأيضا لَمَّا بَيَّنَ تعالى شَرَّهم بعبادةِ غَيرِه، وختَمَ بتَنزيهِه وكَمالِه؛ بَيَّنَ أنَّ هذا الدِّينَ الباطِلَ حادِثٌ، وبيَّنَ نزاهَتَه وكمالَه ببيانِ أنَّ النَّاسَ كانوا أوَّلًا مُجتَمِعينَ على طاعَتِه، ثمَّ خالَفوا أمْرَه فلم يَقطَعْ إحسانَه إليهم، بل استمَرَّ في إمهالِهم مع تمادِيهم في سوءِ أعمالِهم، على ما سبَقَ في عِلمِه، ومضى به قَضاؤُه [243] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/92). قال محمد رشيد رضا: (تقدَّمَ في هذا السِّياقِ من أوَّلِ السُّورةِ إلى هنا أنَّ أهلَ مكَّةَ لم يكن دأْبُهم في تكذيبِهم للوحيِ المُحمَّديِّ إلَّا كدأبِ مَن قَبلَهم من الأقوامِ الذين كذَّبوا رُسُلَهم، ولم يكونوا في استعجالِ نَبيِّهم العذابَ إلَّا كالذين استعجَلوا رسُلَهم العذابَ أيضًا، وتقَدَّمَ فيه بيانُ بعضِ طِباعِ البَشَرِ- ولا سيَّما الكفَّارُ- في الرُّعونةِ والعَجلةِ، وفي الضَّراعةِ إلى الله، والإخلاصِ له عند الشِّدَّةِ، ونسيانِه عند الرخاءِ، وفي الإشراكِ باللهِ بدعوى أنَّ لهم شُفَعاءَ عند الله يَدفَعونَ عنهم الضُّرَّ، ويَجلِبونَ لهم النَّفعَ بوجاهتِهم عنده، ثم جاءت هذه الآيةُ في بيانِ ما كان عليه النَّاسُ مِن الوَحدةِ، وما صاروا عليه مِن الاختلافِ والفُرقةِ، فالتَّناسُبُ بينها وبين ما قبلها في غايةِ القُوَّةِ). ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/268). .
وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ.
أي: وما كان النَّاسُ إلَّا مُجتَمِعينَ على توحيدِ اللهِ، فاختَلَفوا في دينِهم، وأشرَكوا بالله [244] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/143)، ((معاني القرآن)) للنحاس (3/284)، ((البسيط)) للواحدي (11/150)، ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (5/257)، ((تفسير ابن كثير)) (4/257)، ((تفسير السعدي)) (ص: 360). .
وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
أي: ولولا أنَّه سبَقَ مِن اللهِ أنَّه يُمهِلُ المُشرِكينَ والعُصاةَ، ويؤخِّرُ جزاءَهم إلى يومِ القيامةِ؛ لحَكَم في الدُّنيا بين المُختَلِفينَ، فيُنَجِّي أهلَ التَّوحيدِ، ويعجِّلُ عُقوبَتَه على المُشرِكينَ، وينزلُ بهم عذابَه [245] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/143)، ((البسيط)) للواحدي (11/152، 153)، ((تفسير ابن عطية)) (3/111)، ((تفسير القرطبي)) (8/322، 323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 360)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/129). .
كما قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: 118- 119].
وقال سبحانه: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [طه: 129- 130].
وقال عزَّ وجلَّ: وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ [الشورى: 14].
وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (20).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
أنَّ هذه الآيةَ عَطفٌ على جُملةِ: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ [يونس: 18]، فبعد أنْ ذكَرَ افتراءَهم في جانِبِ الإلهيَّةِ، نفى بُهتانَهم في جانِبِ النبوَّةِ [246] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/129).
وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ.
أي: ويقولُ مُشرِكو قُرَيشٍ: هلَّا أَنزلَ اللهُ على محمَّدٍ مُعجِزةً مِمَّا نقتَرِحُ عليه؛ حتَّى نعلَمَ أنَّه رسولٌ مِن عندِ الله حقًّا [247] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/144)، ((البسيط)) للواحدي (11/153)، ((تفسير القرطبي)) (8/323)، ((تفسير ابن كثير)) (4/257)، ((تفسير السعدي)) (ص: 361)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/129، 130). ؟
كما قال تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء: 89 - 93].
وقال سبحانه: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [الفرقان: 7-8].
فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ.
أي: فقُل- يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ المُشرِكينَ: إنزالُ الآياتِ مِن الغَيبِ الذي لا يَعلَمُه إلَّا اللهُ، ولا يَقدِرُ أن يُنزِلَ آيةً إلَّا اللهُ، فإن شاء أنزَلَها، وإن شاء لم يُنزِلْها [248] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/144)، ((البسيط)) للواحدي (11/154)، ((تفسير ابن عطية)) (3/112)، ((تفسير القرطبي)) (8/323)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/131). قال الواحدي: (قوله تعالى: فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ قال المفسرون: يعني: قُل لهم: إنَّ قَولَكم: هلَّا أُنزِلَ عليه آيةٌ؛ غَيبٌ، وإنَّما الغَيبُ لله، لا يعلَمُ أحَدٌ لمَ لمْ يفعَلْ ذلك، وهل يفعَلُه أم لا، وإنْ فعَلَه متى يفعَلُ؟ وهذا على التسليمِ أنَّه مما لا يَعلَمُه العبادُ، فيجبُ أن يوكَلَ إلى علَّامِ الغُيوبِ). ((البسيط)) (11/154). .
كما قال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: 109].
وقال سُبحانه: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت: 50- 51].
فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ.
أي: قُلْ لهم- يا مُحَمَّدُ: فانتَظِروا حُكمَ اللهِ فينا، بعقوبةِ المُبطِلِ مِنَّا، ونَصرِ المُحِقِّ، إنِّي معكم ممَّن ينتَظِرُ ذلك [249] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/144)، ((تفسير ابن عطية)) (3/112)، ((تفسير القرطبي)) (8/323)، ((تفسير ابن كثير)) (4/257)، ((تفسير السعدي)) (ص: 361). وممَّن اختار أنَّ المرادَ: انتَظِروا قضاءَ الله بيننا: ابنُ جريرٍ، وابنُ عطيةَ، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/144)، ((تفسير ابن عطية)) (3/112)، ((تفسير السعدي)) (ص: 361). وقيل المراد: انتَظِروا نزولَ آيةٍ ممَّا اقتَرَحتُموه. وممَّن اختار ذلك: الواحديُّ، والزمخشريُّ. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (11/154)، ((تفسير الزمخشري)) (2/337). قال ابنُ عاشورٍ: (وجملة: فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ تفريعٌ على جملة: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ أي: ليس دأبي ودأبُكم إلَّا انتظارَ ما يأتي به اللهُ إن شاء، كقولِ نوحٍ لِقَومِه: إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [هود: 33]، وهذا تعريضٌ بالتَّهديدِ لهم أنَّ ما يأتي به اللهُ لا يترَقَّبونَ منه إلَّا شَرًّا لهم، كقولِه تعالى: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ[الأنعام: 8]). ((تفسير ابن عاشور)) (11/131). .
كما قال تعالى: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس: 102-103].
وقال سبحانه: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى [طه: 135].
وقال عزَّ وجَلَّ: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ [السجدة: 28-30].

الفوائد التربوية:


1- أساسُ عَقيدةِ الشِّركِ أنَّ جَميعَ ما يَطلُبونَه مِن اللهِ لا بُدَّ أن يكونَ بوَساطةِ المقَرَّبينَ عنده؛ لأنَّهم لا يُمكِنُهم القُربُ مِن اللهِ والحُظوةُ عنده بأنفُسِهم؛ لأنَّها مُدَنَّسةٌ بالمعاصي، بخلافِ دِينِ التَّوحيدِ، فإنَّه يُوجِبُ على العاصي أن يتوَجَّهَ إلى اللهِ وَحْدَه، تائبًا إليه، طالبًا مَغفِرتَه ورَحمتَه؛ يُبيِّنُ ذلك قَولُ الله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [250] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/267). .
2- قَولُ الله تعالى: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يتضَمَّنُ الوعيدَ على اختلافِ النَّاسِ المُفضي إلى الشِّقاقِ والعُدوانِ، ولا سيَّما الاختلافُ في كتابِ اللهِ الذي أنزَلَه لإزالةِ الشِّقاقِ بحُكمِه، وإدالةِ الوَحدةِ والوِفاقِ منه [251] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/269). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال اللهُ تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ هذه غايةُ الجَهالةِ منهم؛ حيث يَنتَظِرونَ الشَّفاعةَ في المآلِ، ممَّن لا يُوجَدُ منه نَفعٌ ولا ضَرٌّ في الحالِ [252] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/322). .
2- كان المُشرِكونَ مُعتَرفينَ بأنَّ آلهتَهم لم تُشارِك اللهَ في خلْقِ السَّمواتِ والأرضِ، ولا خلْقِ شيءٍ؛ وإنَّما كانوا يتَّخِذونَهم شُفَعاءَ ووسائِطَ، كما قال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [253] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/77). .
3- قَولُ الله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ لَمَّا كان السِّياقُ للتَّهديدِ والتَّخويفِ، قدَّمَ (الضَّرَّ) فقال: مَا لَا يَضُرُّهُمْ، وتنبيهًا لهم على أنَّهم مَغمورونَ في نِعَمِه التي لا قُدرةَ لِغَيرِه على مَنعِ شَيءٍ منها، فعليهم أن يُقَيِّدوها بالشُّكرِ [254] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/91). .
4- قَولُ الله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ فيه أنَّ مِن الشِّركِ اتِّخاذَ الوُسَطاءِ عند الله، وأنَّه عَينُ الشِّركِ [255] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/267). .
5- المُشرِكُ يقصِدُ فيما يُشرِكُ به أنْ يشفعَ له، أو يتقَرَّبَ بعِبادَتِه له إلى اللهِ، أو هو يُحبُّه كما يحبُّ اللهَ، والمُشرِكونَ بأصحابِ القُبورِ تُوجَدُ فيهم الأنواعُ الثَّلاثةُ، كما قال اللهُ تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ، وقال تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: 3]، وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [256] يُنظر: ((الإخنائية)) لابن تيمية (ص: 166). [البقرة: 165].
6- في قَولِه تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ دلالةٌ على أنَّ كلَّ مَن يملكُ الضَّرَّ والنَّفعَ؛ فإنَّه هو المعبودُ حقًّا؛ فالمعبودُ لا بدَّ أنْ يكونَ مالِكًا للنَّفعِ والضَّرَرِ؛ ولهذا أنكَرَ اللهُ تعالى على مَن عَبَدَ مِن دُونِه ما لا يَملِكُ ضَرًّا ولا نفعًا، وذلك كثيرٌ في القُرآنِ [257] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/2). .
7- في قَولِ اللهِ تعالى هنا أيضًا: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ نفى عن الأصنام الضُّرَّ والنَّفعَ، وأثبَتَهما لها في قَولِه تعالى في سورةِ الحَجِّ: يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ [الحج: 13]؛ فنَفيُهما عنها باعتبارِ الذَّاتِ، وإثباتُهما لها باعتبارِ السَّبَبِ [258] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 244-245). .
8- في قَولِه تعالى: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ أنَّ اللهَ يَعلمُ الأشياءَ على ما هي عليه؛ وما لم يكُنْ مَوجودًا لا يَعلَمُه مَوجودًا، ولا يكون نفيُ هذا العِلمِ نقصًا، بل هو مِن تمامِ كَمالِه تعالى؛ لأنَّه يقتضي أنْ يعلمَ الأشياءَ على ما هي عليه [259] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (7/11). .
9- قَولُ الله تعالى: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا يَستَدِلُّ به من قال: إنَّ الأصلَ في النَّاسِ الإيمانُ حتى كفَروا [260] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:147). .
10- قَولُ الله تعالى: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إخبارٌ بأنَّ الحَقَّ واحِدٌ، وأنَّ ذلك الاختلافَ مَذمومٌ [261] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/129). .
11- قَولُ الله تعالى: فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فيه أنَّ مِن أصولِ الدِّينِ أنَّ شُؤونَ الرَّبِّ، وسائِرَ ما في عالَمِ الغَيبِ، تَوقيفيٌّ لا يُعلَمُ إلَّا بخَبَرِ الوَحيِ [262] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/267). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
- قولُه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ هذا إخبارٌ على سَبيلِ التَّجهيلِ والتَّحقيرِ للكُفَّارِ ولِمَعبوداتِهم، وللتَّنبيهِ على أنَّهم عبَدوا مَن لا يَستحِقُّ العبادةَ [263] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/26- 27). .
- واختيارُ صيغةِ المضارِعِ في قولِه: وَيَعْبُدُونَ ووَيَقُولُونَ؛ لاستِحْضارِ الحالةِ العَجيبةِ مِن استمرارِهم على عِبادتها- أي: عبَدوا الأصنامَ ويَعبُدونها-، فجاء بالمضارِعِ الدَّالِّ على أنَّهم على الشِّركِ في المستقبَلِ، كما كانوا عليه في الماضي؛ تَعجُّبًا مِن تَصميمِهم على ضَلالِهم [264] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/28)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/125). .
- وفيه مناسَبةٌ حسَنةٌ، حيث قال هنا: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ، بينما قال في سورة الفرقان: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ [الفرقان: 55] فقدَّم: يَضُرُّهُمْ على يَنْفَعُهُمْ في آيةِ يونُسَ، وقدَّم يَنْفَعُهُمْ على يَضُرُّهُمْ في آيةِ الفرقانِ؛ قيل: ووجهُ ذلك أنَّه إنَّما قدَّم: مَا لَا يَضُرُّهُمْ على لَا يَنْفَعُهُمْ في الآيةِ الأولى في سورةِ يونُسَ؛ لأنَّ العبادةَ تُقامُ للمَعبودِ خوفًا مِن العقابِ أوَّلًا، ثمَّ رجاءً للثَّوابِ ثانيًا، وقد تقدَّم في هذا المكانِ ما أوجَبَ تقديمَ مَا لَا يَضُرُّهُمْ على وَلَا يَنْفَعُهُمْ في الآيةِ الأولى، وهو قولُه: إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [يونس: 15]، فكأنَّه قال: ويَعبُدون مِن دونِ اللهِ ما لا يَخافون ضَررًا في مَعصيتِه، ولا يَرجون نفعًا في طاعتِه، فتقدَّم مَا لَا يَضُرُّهُمْ على وَلَا يَنْفَعُهُمْ في هذا المكانِ لهذا المعنى، ولهذا اللَّفظِ المتقدِّمِ.
وأمَّا سورةُ الفرقانِ فقد تقدَّمَت فيها آياتٌ قُدِّم فيها الأفضلُ على الأدْوَنِ، كقولِه عزَّ وجلَّ: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ [الفرقان: 53]، وكقولِه بعدَه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان: 54]، وصِلَةُ النَّسَبِ أفضَلُ مِن صِلَةِ المصاهَرةِ، كما أنَّ العذْبَ مِن الماءِ أفضلُ مِن المِلحِ، ثمَّ قال بعدَه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ [الفرقان: 55]؛ فقدَّم الأفضلَ على الأدْوَنِ لهذا المعنى، وللبناءِ على ما تقدَّم مِن الآياتِ، فجاء في كلِّ موضعٍ ما يُناسِبُ السِّياقَ، وصحَّ المعنى الذي اعتَمَد عليه [265] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (2/733-735). . وقيل: وجهُ ذلك أنَّ الموجِبَ لتأخيرِ وَلَا يَنْفَعُهُمْ في سورةِ يونُسَ ما وصَل به مِن قولِهم: وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس: 18]، فكأنَّه قيل: ويَعبُدون مِن دونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهم ولا ينفَعُهم، ويَزعُمون أنَّ ذلك يَنفَعُهم؛ فلم يَكُنْ لِيُناسِبَ لو قيل: (ويَعبُدون مِن دونِ اللهِ ما لا يَنفَعُهم ولا يضُرُّهم، ويقولون: هؤلاء شُفعاؤُنا عندَ اللهِ)- تَناسُبَ الوارِدِ مِن متَّصِلِ قولِه: وَلَا يَنْفَعُهُمْ بقولِه: وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ؛ فلمَّا كان الاتِّصالُ فيما ذُكِر أنسَبَ، وردَت الآيةُ بحسَبِ ذلك. أمَّا آيةُ الفرقانِ فإنَّ قبْلَها ذِكْرَ دَلائِلَ وشَواهِدَ مِن مَصنوعاتِه تعالى، يَهْتدي المعتبِرُ بالنَّظرِ فيها، تُخلِّصُه مِن ورَطاتِ الشُّكوكِ، ويَستقيمُ له دينُه، وذلك أعظمُ النَّفعِ وأجَلُّه، وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [الفرقان: 45]، إلى قولِه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان: 54]، فلمَّا تقدَّم التَّنبيهُ بهذه الآياتِ الواضحاتِ الموقِظاتِ مِن سِنَاتِ الغَفلاتِ، والمحصِّلاتِ أعظَمَ النَّفعِ في امتِثالِ الواجباتِ، والنَّجاةِ مِن الضَّلالاتِ؛ ناسبَها تقديمُ ما قُدِّم في الآيةِ مِن قولِه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ [الفرقان: 55]، وصار الكلامُ بقوَّتِه مجاوبًا لقولِه: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ [النحل: 17]؛ فورَد كلٌّ على ما يُناسِبُه [266] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (1/240). .
- قولُه: أَتُنَبِّئُونَ استفهامٌ على سبيلِ التَّهكُّمِ والتَّوبيخِ بما ادَّعَوه مِن المُحالِ، الَّذي هو شَفاعةُ الأصنامِ، وإعلامٌ بأنَّ الَّذي أنبَؤوا به باطلٌ، غيرُ مُنطَوٍ تحتَ الصِّحَّةِ [267] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/336)، ((تفسير أبي حيان)) (6/27)، ((تفسير أبي السعود)) (4/132). .
- وأيضًا في قولِه: عَمَّا يُشْرِكُونَ أتَى بالمضارِعِ، ولم يَقُلْ: (عمَّا أشرَكوا)؛ للدَّلالةِ على استِمْرارِ حالِهم [268] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/28). .
2- قوله تعالى: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
- قولُه: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً جاء بصيغةِ القَصرِ: (ما... إلَّا)؛ للمُبالَغةِ في تأكيدِ الخبَرِ؛ لأنَّه خبرٌ مهِمٌّ عجيبٌ؛ إذِ القصرُ تأكيدٌ على تأكيدٍ؛ باعتِبارِ اشتِمالِه على صيغَتَيْ إثباتٍ للمُثبَتِ، ونفيٍ عمَّا عَداه، فهو أقوى مِن تأكيدِ ردِّ الإنكارِ؛ ولذلك يُؤْذِنُ برَدِّ إنكارٍ شديدٍ [269] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/127). .
- وحسَّنَ القَصْرَ هنا وُقوعُه عَقِبَ الجدالِ معَ الَّذين غيَّروا الدِّينَ الحقَّ، وروَّجوا نِحْلتَهم بالمَعاذيرِ الباطلةِ؛ كقولِهم: هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس: 18]، بخِلافِ آيةِ سورةِ البقرَةِ: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً [البقرة: 213]؛ فإنَّها وقَعَت في سياقِ المجادلةِ مع أهلِ الكتابِ؛ لقولِه: سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ [البقرة: 211]، وأهلُ الكتابِ لا يُنكِرون أنَّ النَّاسَ كانوا أمَّةً واحدةً؛ فآيةُ سورةِ يونُسَ تُشيرُ إلى الوَحْدةِ الاعتِقاديَّةِ؛ ولذلك عبَّر عَنِ التَّفرُّقِ الطَّارئِ عليها باعتِبارِ الاختِلافِ المُشعِرِ بالمَذمَّةِ، والمعقَّبِ بالتَّخويفِ في قولِه: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ...، وآيةُ سورةِ البقَرةِ تُشيرُ إلى الوَحْدةِ الشَّرعيَّةِ الَّتي تَجمَعُها الحنيفيَّةُ الفِطريَّةُ؛ ولذلك عبَّر عن التَّفرُّقِ الَّذي طرَأ عليها بقولِه: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، ثمَّ جاء ذِكْرُ الاختِلافِ عرَضًا عَقِب ذلك بقولِه: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: 213]، وأريدَ به الاختِلافُ بينَ أتباعِ الشَّرائعِ؛ لقولِه: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ [270] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/127). [البقرة: 213].
- قولُه: فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فيه تقديمُ المجرورِ؛ للرِّعايةِ على الفاصِلةِ [271] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/129). .
3- قولُه تعالى: وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ
- قولُه: وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فيه التَّعبيرُ بصيغةِ المُضارِعِ (يَقُولُونَ)؛ لاستِحْضارِ صورةِ مَقالَتِهم الشَّنعاءِ، والدَّلالةِ على الاستِمْرارِ [272] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/133). .
- قولُه: فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فيه الإتيانُ بصيغةِ القَصْرِ؛ للرَّدِّ عليهم في اعتِقادِهم أنَّ في إمكانِ الرَّسولِ الحقِّ أن يَأتِيَ بما يَسأَلُه قومُه مِن الخوارقِ، فجَعَلوا عدَمَ وُقوعِ مُقتَرَحِهم عَلامةً على أنَّه ليس برَسولٍ مِن اللهِ؛ فلذلك رَدَّ عليهم بصِيغَةِ القَصرِ الدَّالَّةِ على أنَّ الرَّسولَ ليس له تَصرُّفٌ في إيقاعِ ما سأَلوه؛ لِيَعلَموا أنَّهم يَرمُون بسُؤالِهم إلى الجَراءةِ على اللهِ تعالى بالإفحامِ [273] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/131). .
- وجملةُ: فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينِ تفريعٌ على جملةِ: إِنَّما الْغَيْبُ لِلَّهِ، أي: ليس دَأْبي ودَأْبَكم إلَّا انتِظارُ ما يَأتي بِه اللهُ إن شاءَ، وهذا تعريضٌ بالتَّهديدِ لهم أنَّ ما يأتي به اللهُ لا يتَرقَّبون مِنه إلَّا شرًّا لهم [274] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/131). ، فقولُه: فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينِ وعيدٌ، وقد صدَّقه اللهُ تعالى بنُصرتِه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم [275] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/29). .