موسوعة التفسير

سورةُ النَّحلِ
الآيات (10-18)

ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ

غريب الكلمات :


تُسِيمُونَ: أي: تَرعَونَ أنعامَكم، وأصلُ (سوم): يدُلُّ على طلَبِ الشَّيءِ [130] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 242)، ((تفسير ابن جرير)) (5/266)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 163)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/118)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 192)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 260). .
وَسَخَّرَ: أي: ذلَّل، والتَّسْخِيرُ: سياقةٌ إلى الغَرَضِ المختصِّ قَهرًا، وأصل (سخر): يدلُّ على استذلالٍ [131] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/144)، ((تفسير السمعاني)) (3/163)، ((المفردات)) للراغب (ص: 402). .
ذَرَأَ: أَي: خلَق؛ يُقالُ: ذرأ اللهُ الخَلقَ: أي: أظهَرَهم بالإيجادِ بعد العدَمِ، وأصلُ (ذرأ): يدُلُّ على الإظهارِ [132] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/569)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 175)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 229)، ((الفروق اللغوية)) للعسكري (ص: 241)، ((المفردات)) للراغب (ص: 327). .
مَوَاخِرَ: أي جواريَ تَشُقُّ الماءَ مع صَوتٍ، وأصلُ (مخر): يدُلُّ على شَقٍّ وفَتحٍ [133] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 242)، ((تفسير ابن جرير)) (19/347)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 423)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/303)، ((أساس البلاغة)) للزمخشري (2/198). .
رَوَاسِيَ: أي: جبالًا ثوابِتَ، وأصلُ (رسو): يدلُّ على ثباتٍ [134] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 242)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 239)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/394)، ((المفردات)) للراغب (ص: 354)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 193)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 250). .
تَمِيدَ: أي: تَضطَرِب، وتتحَرَّك يَمنةً ويَسرةً، وأصلُ (ميد): يدُلُّ على حَركةٍ في شَيءٍ [135] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/190)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 145)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/288)، ((الفروق اللغوية)) للعسكري (ص: 215)، ((المفردات)) للراغب (ص: 782)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 294)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 319). .
وَسُبُلًا: أي: طُرُقًا، وسُمِّي الطَّريقُ بذلك؛ لامتِدادِه، وأصلُ (سبل): يدُلُّ على امتِدادِ شيءٍ [136] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/129)، ((الغريبين)) للهروي (3/861)، ((البسيط)) للواحدي (13/35). .
وَعَلَامَاتٍ: أي: مَعالمَ للطُّرُقِ نَهارًا، وأصلُ (علم): يدلُّ على أثَرٍ بالشَّيءِ يتميَّزُ به عن غَيرِه [137] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/193)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/109)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 193)، ((تفسير القرطبي)) (10/91)، ((تفسير ابن كثير)) (4/564). .

المعنى الإجمالي:


يقول تعالى: اللهُ الذي أنزلَ لكم مِن السَّحابِ مطَرًا، فجعلَ لكم منه ماءً تَشرَبونَه، وأخرجَ لكم به شجَرًا تَرعَونَ فيه أنعامَكم، يُخرِجُ لكم بهذا الماءِ الزُّروعَ والزَّيتونَ والنَّخيلَ والأعنابَ، ومِن كلِّ أنواعِ الثِّمارِ والفَواكِه. إنَّ في ذلك الإنباتِ لدَلالةً واضِحةً لِقَومٍ يتأمَّلونَ فيَعتَبِرونَ. وسخَّر لكم اللَّيْلَ لراحتِكم، والنَّهارَ لِمَعاشِكم، وسخَّرَ لكم الشَّمسَ والقمَرَ؛ لِمَعرفةِ السِّنينَ والحِسابِ، وغيرِ ذلك من المنافِعِ، والنُّجومُ في السَّماءِ مُذَلَّلاتٌ لكم بأمْرِ اللهِ؛ لتَهتَدوا بها في ظلُماتِ البرِّ والبحرِ. إنَّ في ذلك التَّسخيرِ لَدلائلَ واضِحةً لقومٍ يَعقِلونَ. وسخَّر ما بثَّه لكم في الأرضِ مِن الدوابِّ والثِّمارِ وغيرِ ذلك ممَّا تختلِفُ ألوانُه ومَنافِعُه، إنَّ في ذلك لَعِبرةً لقَومٍ يتَّعِظونَ.
وهو الذي سخَّر لكم البَحرَ لتأكُلوا منه سَمكًا طَريًّا، وتَستخرِجوا منه زينةً- من اللآلئِ وغيرِها- تَلبَسونَها. وترى السُّفُنَ تشُقُّ الماءَ حالَ جَرَيانِها، فيُسمَعُ لذلك صوتٌ، ولتَطلُبوا رِزقَ اللهِ، ولعلَّكم تَشكُرونَ اللهَ تعالى على نِعَمِه العظيمةِ، فلا تعبُدونَ غيرَه. وجعَلَ في الأرضِ جِبالًا تُثَبِّتُها حتى لا تَضْطَربَ بكم، وجعلَ فيها أنهارًا لتشربُوا منها، وتسقيَ أنعامَكم وحرثَكم، وجعل فيها طُرُقًا لتهتَدوا بها في الوُصولِ إلى الأماكنِ التي تُرِيدونها، وجعل في الأرضِ معالِمَ تَستدِلُّونَ بها على الطُّرُقِ نَهارًا، كما جعل النُّجومَ للاهتداءِ بها ليلًا. أفمن يخلُقُ مِثلَ تلك المخلوقاتِ، كمَن لا يخلُقُ شيئًا؟! أفلا تتذكَّرونَ نِعمةَ اللهِ عليكم، فتُفرِدوه بالعبادةِ؟! وإن تعدُّوا نِعَمَ اللهِ عليكم، لا تَستطيعوا حَصرَها؛ لكَثرتِها وتنَوُّعِها، إنَّ اللهَ لَغفورٌ لكم رَحيمٌ بكم.

تفسير الآيات:


هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لمَّا قَرَّر اللهُ تعالى الاستدلالَ على وجودِ الصَّانعِ الحكيمِ بعجائبِ أحوالِ الحيواناتِ؛ أتبَعَه في هذه الآيةِ بذِكرِ الاستدلالِ على وجودِ الصَّانِعِ الحكيمِ بعجائبِ أحوالِ النَّباتِ [138] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/179). .
وأيضًا فإنَّ الله تعالى لَمَّا امتَنَّ بإيجادِهم بعدَ العدَمِ، وإيجادِ ما ينتَفِعونَ به من الأنعامِ وغَيرِها مِن الرُّكوبِ؛ ذكَرَ ما امتَنَّ به عليهم مِن إنزالِ الماءِ الذي هو قِوامُ حياتِهم، وحياةِ الحيوان، وما يتولَّدُ عنه من أقواتِهم وأقواتِها من الزَّرعِ [139] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/511). .
وأيضًا لَمَّا كان ما مضَى كفيلًا ببيانِ أنَّه- تعالى- الواحِدُ المُختارُ؛ شرَعَ يوضِّحُ ذلك بتفصيلِ الآياتِ إيضاحًا يدَعُه في أتمِّ انكشافٍ في سياق مُعَدِّدٍ للنِّعَم، مُذَكِّرٍ بها، داعٍ إلى شُكرِها، فقال بعدما دَلَّ به من الإنسانِ، وما يليه في الشَّرفِ مِن الحيوانِ، مُبتدِئًا بما يليهما في الشَّرَف من النباتِ [140] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/116). :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً.
أي: اللهُ الذي أنعَمَ بكُلِّ تلك النِّعَمِ، هو الذي أنزلَ مِن السَّحابِ مطَرًا [141] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/181)، ((تفسير الخازن)) (3/69)، ((تفسير ابن كثير)) (4/561)، ((تفسير الشوكاني)) (3/182). .
لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ.
أي: لكم مِن المطَرِ ماءٌ عَذْبٌ تَشرَبونَه، وأخرج اللهُ لكم به شجرًا تَرعَونَ فيه أنعامَكم [142] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/181)، ((الوسيط)) للواحدي (3/58)، ((تفسير ابن كثير)) (4/561). قال الشنقيطي: (وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، أَيْ: ترعَوْنَ مواشِيَكم السَّائمةَ في ذلك الشَّجرِ الَّذي هو المرعَى. والعربُ تُطلِقُ اسمَ الشَّجرِ على كلِّ ما تُنبِتُه الأرضُ مِنَ المرعَى). ((أضواء البيان)) (2/340). وقال الرسعني: (وَمِنْهُ شَجَرٌ على حذفِ المضافِ، أي: ومنه شربُ شجرٍ، أو يكونُ المعنى: ومنه ينشأُ الشجرُ ويتكوَّنُ. فعلى المعنى الأوَّلِ: «من» للتبعيضِ، وعلى الثاني: لابتداءِ الغايةِ. والمرادُ به: الشجرُ الذي ترعاه المواشي، لقولِه: فِيهِ تُسِيمُونَ، أي: ترعَوْن). ((تفسير الرسعني)) (4/12). .
يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا ذكر- تعالى- الحيواناتِ تفصيلًا وإجمالًا، ذكرَ الثِّمارَ تفصيلًا وإجمالًا [143] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/220). .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا كان الشَّجَرُ عامًّا، شرع سبحانَه يفَصِّلُه تنويعًا للنِّعَم، وتذكيرًا بالتَّفاوُت؛ إشارةً إلى أنَّ الفعلَ بالاختيارِ، فقال مُبتَدِئًا بالأنفَعِ في القُوتيَّةِ والائتدامِ والتَّفَكُّهِ [144] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/118). :
يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ.
أي: يُخرِجُ اللهُ لكم بماءِ المطَرِ أنواعَ الزُّروعِ، والزَّيتونَ، والنَّخيلَ، والأعنابَ [145] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/183)، ((تفسير ابن كثير)) (4/561)، ((تفسير الشوكاني)) (3/182). قال ابن كثير: (يُخرِجُها من الأرضِ بهذا الماء الواحدِ، على اختلافِ صنوفِها، وطُعومِها، وألوانِها، وروائحِها، وأشكالِها). ((تفسير ابن كثير)) (4/561). .
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ.
أي: ويخرِجُ لكم به مِن كُلِّ أنواعِ الفَواكِهِ أنواعًا أخرى غيرَ ذلك [146] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/183)، ((تفسير القاسمي)) (6/356)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/115). .
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
أي: إنَّ في إنباتِ اللهِ أنواعَ الزُّروعِ والثِّمارِ بالمطَرِ لدَلالةً واضِحةً لِمَن شأنُهم وعادتُهم أن يتفكَّروا في مَخلوقاتِ الله، وما أقامه من الحُجَجِ، فيَستَدِلُّوا بها على وحدانيَّتِه، وكَمالِ قُدرتِه على البَعثِ وغَيرِه، وعلى رَحمتِه، وأنَّه المُبدِعُ الحَكيمُ الذي أنبت أصنافًا مختلفةً مِن ماءٍ واحدٍ [147] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/183)، ((تفسير ابن كثير)) (4/561)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/118-119)، ((تفسير السعدي)) (ص: 436)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/115).  .
كما قال تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [النمل: 60].
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا احتَجَّ على إثباتِ وحدانيتِه في المَرتبةِ الأولى بأجرامِ السَّمواتِ، وفي المرتبةِ الثَّانيةِ ببَدَنِ الإنسانِ ونَفسِه، وفي المرتبةِ الثَّالثةِ بعجائِبِ خِلقةِ الحيواناتِ، وفي المرتبةِ الرابعةِ بعجائبِ أحوالِ النَّبات؛ ذكَرَ في المرتبة الخامسةِ الاستدلالَ بعجائبِ أحوالِ العناصرِ، فبدأ منها بالاستدلالِ بعُنصرِ الماءِ [148] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/187). .
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ.
أي: وذلَّل اللهُ لكم- أيُّها النَّاسُ- اللَّيلَ والنَّهارَ يتعاقبانِ عليكم؛ فالليلُ لسُكونِكم وراحتِكم، والنهارُ لانتِشارِكم في مَعايشِكم ومنافعِكم، وذلَّلَ لكم الشَّمسَ والقمَرَ يَجريانِ باستمرارٍ؛ لتحقيقِ مَنافِعِكم ومصالِحكم؛ كمعرفةِ الأوقاتِ، ونُضجِ الثِّمارِ، وغيرِ ذلك [149] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/184)، ((تفسير القرطبي)) (10/83)، ((تفسير ابن كثير)) (4/561)، ((تفسير السعدي)) (ص: 437). .
كما قال تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى [فاطر: 13].
وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ.
أي: والنُّجومُ مُذَلَّلاتٌ لكم في السَّماءِ، تجري في فَلَكِها بإذنِ اللهِ؛ لتَهتَدوا بها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحرِ [150] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/184)، ((تفسير البغوي)) (3/73، 74)، ((تفسير ابن كثير)) (4/561). .
كما قال تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: 54].
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
أي: إنَّ في تَسخيرِ اللهِ الليلَ والنهارَ، والشمسَ والقمرَ والنجومَ، لدَلالاتٍ واضحاتٍ لِمَن شأنُهم وعادتُهم أن يفهَموا عن اللهِ ما أخبَرَ به من الحُجَجِ والدَّلالاتِ على قُدرتِه العظيمةِ وغَيرِها [151] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/184)، ((تفسير القرطبي)) (10/84)، ((تفسير ابن كثير)) (4/561). .
كما قال تعالى: إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية: 3-6].
وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لما نبَّه سبحانَه على معالمِ السمواتِ؛ نبَّه على ما خَلَق في الأرضِ مِن الأمورِ العجيبةِ والأشياءِ المختلفةِ، مِن الحيواناتِ والمعادنِ والنَّباتاتِ والجماداتِ [152]  يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/562). فقال:
وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ.
أي: وسخَّر اللهُ لكم ما بثَّ ونشَرَ في الأرضِ، كالدَّوابِّ والثِّمارِ والنَّباتِ، والمعادنِ والجماداتِ، مُختلِفًا ألوانُها، مُتعَدِّدًا أصنافُها وأشكالُها ومَنافِعُها [153] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/184)، ((تفسير ابن عطية)) (3/383)، ((تفسير القرطبي)) (10/84، 85)، ((تفسير ابن كثير)) (4/561، 562)، ((تفسير السعدي)) (ص: 437). .
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ.
أي: إنَّ فيما ذرأ اللهُ في الأرضِ مُختَلِفًا ألوانُه لَدَلالةً وعِبرةً لِمَن شأنُهم وعادتُهم أن يتَّعِظوا فيستدلُّوا بذلك على وحدانيَّةِ اللهِ، وكمالِ قُدرتِه، وسَعةِ رَحمتِه، ويَشكُروه على نِعَمِه [154] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/85)، ((تفسير ابن كثير)) (4/562)، ((تفسير السعدي)) (ص: 437). .
قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ [الزمر: 21].
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا ذكر اللهُ تعالى الاستدلالَ بما ذرأ في الأرضِ، ذكر ما امتَنَّ به من تسخيرِ البَحرِ [155] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/513). ، فقال تعالى:
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا.
أي: والذي أنعمَ عليكم بتلك النِّعَمِ، هو اللهُ- وَحدَه- الذي ذلَّلَ لكم البَحرَ- مِلْحًا كان أو عَذبًا- كي تأكُلوا منه سَمكًا طَرِيًّا [156] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/185)، ((تفسير ابن كثير)) (4/562)، ((تفسير السعدي)) (ص: 437). قال ابن عطية: (تسخيرُ البحر هو تمكينُ البشَرِ مِن التصرُّفِ فيه، وتذليلُه للرُّكوبِ والإرفاقِ وغَيرِه، والبحرُ: الماءُ الكثيرُ، مِلحًا كان أو عذبًا، كلُّه يسمَّى بحرًا، والبحرُ هنا: اسمُ جِنس). ((تفسير ابن عطية)) (3/383). .
كما قال تعالى: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا [فاطر: 12].
وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا.
أي: ولِتَستخرِجوا منه اللآلئَ وغيرَها، فتتزَيَّنوا بلُبسِها [157] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/185)، ((تفسير ابن كثير)) (4/562)، ((تفسير السعدي)) (ص: 437). .
كما قال تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن: 22].
وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ.
أي: وترَى [158] خطابُ المفردِ هنا وَتَرَى المرادُ به كلُّ مَن يصلحُ للخطابِ. يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (7/356). السُّفُنَ جاريةً في البحرِ، وهي تشقُّ المياهَ والرِّياحَ بصَدرِها، فيُسمَعُ لِجَريِها صوتٌ، فتَستَدِلُّونَ بعدَمِ رُسوبِها وغَرَقِها في الماءِ- مع ثِقَلِها ومُيوعةِ الماءِ ورِقَّتِه وشِدَّةِ لطافتِه- على وحدانيَّةِ الإلهِ وقُدرتِه سُبحانَه [159] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/188)، ((تفسير الخازن)) (3/70)، ((تفسير ابن كثير)) (4/562)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/125)، ((تفسير السعدي)) (ص: 437). .
كما قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 32-34].
وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ.
أي: وسخَّر اللهُ لكم البحرَ لحملِ السُّفنِ؛ لتركبوها في طلبِ معايشِكم، وتنقلوا عليها البضائعَ مِن بلدٍ إلى بلدٍ؛ طلبًا للرزقِ مِن فضلِ الله [160] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/188)، ((تفسير ابن كثير)) (4/562)، ((تفسير السعدي)) (ص: 437). .
  وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
أي: وسخَّر الله لكم هذه المَخلوقاتِ؛ لعلَّكم تَشكُرونَ نِعَم اللهِ بالثَّناءِ عليه، وطاعتِه، وتوحيدِه [161] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/189)، ((تفسير ابن كثير)) (4/562)، ((تفسير أبي السعود)) (5/103)، ((تفسير السعدي)) (ص: 437). .
وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15).
وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ.
أي: ومِن نِعَمِ اللهِ عليكم- أيُّها النَّاسُ- أنْ جعلَ في الأرضِ جِبالًا تُثَبِّتُ الأرضَ؛ لئلَّا تضطَرِبَ بكم، وتتحَرَّكَ يمينًا وشِمالًا [162] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/189)، ((تفسير القرطبي)) (10/90)، ((تفسير ابن كثير)) (4/563)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/126)، ((تفسير السعدي)) (ص: 437). .
كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ [الأنبياء: 31].
وَأَنْهَارًا.
أي: وجعل اللهُ في الأرضِ أنهارًا تجري بالماءِ مِن مَوضعٍ إلى آخَرَ؛ لِسَقيِ النَّاسِ، والأنعامِ، والحَرثِ [163] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/191)، ((تفسير القرطبي)) (10/91)، ((تفسير ابن كثير)) (4/563)، ((تفسير السعدي)) (ص: 437). قال السعدي: (ومِن رحمتِه تعالى أنْ جعَلَ فيها أنهارًا على وجهِ الأرضِ، وأنهارًا في بطنِها يستخرجونَها بحَفرِها، حتى يصِلوا إليها فيَستخرجوها بما سخَّر اللهُ لهم من الدَّوالي والآلاتِ ونحوِها). ((تفسير السعدي)) (ص: 437). .
وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ .
أي: وطُرُقًا مُيسَّرةً وممتَدَّةً، تَسلُكونَها بيُسرٍ وسُهولةٍ في قضاءِ حوائِجِكم، وطلَبِ مَعايشِكم وغيرِها؛ رحمةً بكم؛ لِتهتَدوا بهذه الطُّرُقِ إلى كلِّ موضعٍ تُريدونَ الوصولَ إليه، فلا تَضِلُّوا، ولا تتحَيَّروا [164] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/191)، ((تفسير القرطبي)) (10/91)، ((تفسير ابن كثير)) (4/564)، ((تفسير السعدي)) (ص: 437). .
كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [الأنبياء: 31].
وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ الله تعالى لَمَّا ذكَر أنَّه أظهَر في الأرضِ سُبُلًا مُعَيَّنةً؛ ذكَر أنَّه أظهَر فيها علاماتٍ مخصوصةً؛ حيث يتمَكَّنُ المكَلَّفُ مِن الاستدلالِ بها، فيَصِلُ بواسطتِها إلى مَقصودِه، فقال [165] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/191). :
وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16).
أي: وجعلَ لكم- أيُّها النَّاسُ- معالِمَ، كالجِبالِ وغَيرِها، تَستدِلُّونَ بها نهارًا، ونجومًا تستدِلُّونَ بها ليلًا على طُرُقِكم في أسفارِكم [166] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/194)، ((الوسيط)) للواحدي (3/59)، ((تفسير الرازي)) (20/191)، ((النبوات)) لابن تيمية (2/739، 758)، ((تفسير ابن كثير)) (4/564).  قال ابن جرير: (كلُّ علامةٍ استدلَّ بها الناسُ على طرُقِهم وفِجاجِ سُبُلِهم فداخِلٌ في قولِه: وَعَلَامَاتٍ). ((تفسير ابن جرير)) (14/194). .
أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا ذكَرَ الدلائِلَ الدالَّةَ على وجودِ القادِرِ الحكيمِ على التَّرتيبِ الأحسَنِ، والنَّظمِ الأكمَلِ، وكانت تلك الدلائِلُ كما أنَّها كانت دلائِلَ، فكذلك أيضًا كانت شَرحًا وتفصيلًا لأنواعِ نِعَمِ الله تعالى، وأقسامِ إحسانِه؛ أتبَعَه بذِكرِ إبطالِ عِبادةِ غَيرِ الله تعالى، والمقصودُ أنَّه لَمَّا دلَّت هذه الدَّلائلُ الباهرةُ، والبيِّناتُ الزَّاهِرةُ القاهرةُ على وجودِ إلهٍ قادرٍ حكيمٍ، وثبَت أنَّه هو المُولي لجميعِ هذه النِّعَم، والمُعطي لكُلِّ هذه الخَيراتِ، فكيف يَحسُنُ في العُقولِ الاشتغالُ بعبادةِ موجودٍ سواه؟! لا سيَّما إذا كان ذلك الموجودُ جَمادًا لا يَفهمُ ولا يَقدِرُ؛ فلهذا الوجهِ قال بعدَ تلك الآياتِ [167] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/192). :
أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ.
أي: أفمن يخلُقُ مِثلَ تلك المخلوقاتِ العَجيبةِ التي أنعَمَ عليكم بها- وهو الله- كمَن لا يَخلقُ شَيئًا لا قليلًا ولا كثيرًا، ولا يُنعِمُ عليكم بشيءٍ، فتُشرِكونَ معه في العبادةِ غيرَه [168] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/194)، ((تفسير القرطبي)) (10/93)، ((تفسير ابن كثير)) (4/564). ؟!
أَفَلَا تَذَكَّرُونَ.
أفلا تتذكَّرونَ- أيُّها المُشرِكونَ- نِعَمَ اللهِ عليكم، وعظيمَ سُلطانِه وقُدرتِه، وعجْزَ مَعبوداتِكم، وأنَّها لا تجلِبُ نفعًا، ولا تَدفَعُ ضُرًّا، فتَعرِفوا بذلك خطأَ ما أنتم عليه مِن الشِّركِ باللهِ، وتَعرِفوا أنَّ المُنفَرِدَ بالخَلقِ أحَقُّ بالعبادةِ كُلِّها، فتُخلِصوا العبادةَ له [169] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/195)، ((الوسيط)) للواحدي (3/59)، ((تفسير السعدي)) (ص: 437). ؟!
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)   .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا بيَّن بالآيةِ المتقَدِّمةِ أنَّ الاشتغالَ بعِبادةِ غيرِ الله باطِلٌ وخَطأٌ؛ بيَّنَ بهذه الآيةِ أنَّ العبدَ لا يُمكِنُه الإتيانُ بعبادةِ الله تعالى، وشُكرِ نِعَمِه، والقيامِ بحُقوقِ كَرَمِه، على سبيلِ الكَمالِ والتَّمامِ، بل العبدُ وإن أتعَبَ نفسَه في القيامِ بالطَّاعاتِ والعباداتِ، وبالغ في شُكرِ نِعمةِ الله تعالى؛ فإنَّه يكونُ مُقَصِّرًا [170] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/194). .
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا.
أي: وإن تعُدُّوا- أيُّها النَّاسُ- نِعَمَ اللهِ عليكم، لا تُطيقوا إحصاءَ عَدَدِها، فضلًا عن شُكرِها [171] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/195)، ((تفسير ابن عطية)) (3/385)، ((تفسير السعدي)) (ص: 437). .
كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً [لقمان: 20].
إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا كانوا مُستحِقِّينَ لسَلبِ النِّعَمِ بالإعراضِ عن التَّذكيرِ، والعمَى عن التبَصُّر؛ أشار إلى سبَبِ إدرارِها، فقال تعالى [172] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/130). :
إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
أي: إنَّ اللهَ يتجاوزُ عن عبادِه تقصيرَهم في شُكرِ نِعَمِه، رحيمٌ بهم، لا يقطَعُ عنهم إحسانَه، ولا يُعذِّبُهم بسبَبِ تَقصيرِهم، يرضى من عبادِه الشُّكرَ القَليلَ، ويُجازيهم عليه الثَّوابَ الكثيرَ [173] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/195)، ((تفسير الرازي)) (20/195)، ((تفسير ابن كثير)) (4/564)، ((تفسير السعدي)) (ص: 437). قال ابن كثير: (ولو طالبَكم بشُكرِ جميعِ نِعَمِه لعَجَزتُم عن القيام بذلك، ولو أمرَكم به لضَعُفتُم وتركتُم، ولو عذَّبكم لعذَّبكم وهو غيرُ ظالمٍ لكم، ولكنَّه غفورٌ رحيمٌ). ((تفسير ابن كثير)) (4/564). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي: لا تَضبِطوا عدَدَها، ولا تبلُغُه طاقتُكم، فضلًا أنْ تُطِيقوا القِيامَ بحَقِّها من أداءِ الشُّكرِ، وقد أتبَعَ بذلك ما عدَّدَ مِن نِعَمِه؛ تنبيهًا على أنَّ وراءها ما لا ينحصِرُ ولا يَنعَدُّ [175] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/600). . وفيه إيماءٌ إلى الاستكثارِ مِن الشُّكرِ على مُجمَلِ النِّعَمِ، وتعريضٌ بفظاعةِ كُفرِ مَن كَفَروا بهذا المُنعِم، وتغليظُ التَّهديدِ لهم [176] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/124). .
2- تأمَّلْ خلْقَ الأرضِ على ما هي عليه حينَ خَلَقها واقِفةً ساكِنةً؛ لتكونَ مِهادًا ومُستقَرًّا للحيوانِ والنباتِ والأمتعةِ، ويتمكَّنَ الحيوانُ والنَّاسُ من السَّعيِ عليها في مآرِبِهم، والجلوسِ لراحاتِهم، والنَّومِ لِهدوئِهم، والتمكُّنِ مِن أعمالِهم، ولو كانت رجراجةً مُتكفِّئةً لم يستطيعوا على ظهرِها قرارًا، ولا ثَبَت لهم عليها بناءٌ، ولا أمكَنَهم عليها صناعةٌ ولا تجارةٌ ولا حِراثةٌ ولا مصلحةٌ، وكيف كانوا يتهنَّون بالعيشِ، والأرضُ ترتَجُّ من تحتِهم؟! واعتَبِرْ ذلك بما يصيبُهم من الزلازلِ على قِلَّةِ مُكثِها، كيف تصَيِّرهم إلى تَركِ منازِلِهم، والهَرَبِ عنها؟! وقد نبَّه اللهُ تعالى على ذلك بقَولِه: وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ، وقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا [177] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/217). [غافر: 64].

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ الله تعالى: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ أتَى بلَفظِ (مِن) التي للتَّبعيضِ؛ لأنَّ كُلَّ الثَّمَراتِ لا تكونُ إلَّا في الجنَّةِ، وإنَّما أُنبِتَ في الأرضِ بعضٌ مِن كُلِّها للتَّذكِرةِ [178] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/512). . وفيه وجهٌ آخر: أنَّه قُصِدَ منها تنويعُ الامتنانِ على كلِّ قَومٍ بما نالَهم مِن نِعَمِ الثَّمَراتِ، وإنما لم تدخُلْ على الزَّرعِ، وما عُطِفَ عليه؛ لأنَّها من الثَّمَراتِ التي تَنبُتُ في كُلِّ مَكانٍ [179] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/115). .
2- قال الله تعالى: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أفرد (الآيةَ)؛ لِوَحدةِ المحَدَّثِ عنه، وهو الماءُ [180] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/119). ، فتوحيدُ (الآيةِ) لأنَّ موضِعَ الدَّلالةِ واحِدٌ، وهو الماءُ الذي أنزله من السَّماءِ، فأخرج به كُلَّ ما ذكَرَه من الأرضِ، وهو على اختِلافِ أنواعِه لِقاحُه واحِدٌ، وأمُّه واحدةٌ، فهذا نوعٌ واحدٌ مِن آياتِه [181] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/213). !
3- في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ دليلٌ على أنَّ الكَلَأَ مُبَاحٌ كماءِ السماء، لأنَّ الشجرَ- على أحدِ الأقوالِ- هو الكلأ؛ وقَرَنَه في الآيةِ بالماء؛ وأَخبرَ أنَّا نُسِيمُ فيه، أي: نَرعى [182] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/47). .
4- قَولُ الله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ فيه سؤالٌ: التَّسخيرُ عِبارةٌ عن القَهرِ والقَسرِ، ولا يليقُ ذلك إلَّا بمن هو قادِرٌ يجوزُ أن يُقهَرَ، فكيف يصِحُّ ذلك في اللَّيلِ والنَّهارِ، وفي الجماداتِ والشَّمسِ والقَمَرِ؟
الجوابُ: أنَّ الله تعالى لَمَّا دبَّر هذه الأشياءَ على طريقةٍ واحدةٍ مُطابِقةٍ لمصالحِ العبادِ، صارت شبيهةً بالعبدِ المنقادِ المِطواعِ؛ فلهذا المعنى أُطلِقَ على هذا النَّوعِ مِن التدبيرِ لَفظُ التسخيرِ. وقيل: إنَّ اللهَ تعالى يحَرِّكُ هذه الكواكِبَ، وهذه الحركةُ قَسريةٌ؛ فلهذا السَّبَبِ ورد فيها لَفظُ التَّسخيرِ [183] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/187). .
5- قَولُ الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا في ذِكرِ الطَّريِّ مَزيدُ فائدةٍ؛ وذلك لأنَّه لو كان السَّمَكُ كُلُّه مالِحًا، لَما عُرِفَ به مِن قُدرةِ الله تعالى ما يُعرَفُ بالطَّريِّ؛ فإنَّه لَمَّا خرَج من البَحرِ المِلحِ الزُّعاقِ الحَيوانُ الذي لَحمُه في غايةِ العُذوبةِ- عُلِمَ أنَّه إنَّما حدث لا بحسَبِ الطَّبيعةِ، بل بقُدرةِ اللهِ وحِكمتِه؛ حيث أظهَرَ الضِّدَّ مِن الضِّدِّ [184] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/188).
6- يجوز أكلُ القديدِ ممَّا في البحرِ بإجماعِ العلماءِ، وقَولُه تعالى: لَحْمًا طَرِيًّا ليس له مفهومُ مخالفةٍ؛ لأنَّه ذكَر اللحمَ الطريَّ في معرضِ الامتنانِ، فلا مفهومَ مخالفةٍ له، فلا يُقال: يُفهَمُ مِن التقييد بكونه طريًّا أنَّ اليابس- كالقديدِ- ممَّا في البحرِ لا يجوزُ أكلُه [185] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/355)، (2/344). .
7- قال اللهُ تعالى: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا التعبيرُ عنه باللَّحمِ مع كونِه حَيوانًا؛ للإشارةِ إلى قِلَّةِ عِظامِه، وضَعفِها في أغلَبِ ما يُصطادُ للأكلِ بالنِّسبةِ إلى الأنعامِ المُمتَنِّ بالأكلِ منها فيما سبق. وقيل: للتَّلويحِ بانحصارِ الانتفاعِ به في الأكلِ [186] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (7/354). .
8- في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ دلالةٌ على أنَّ رُكُوبَ البحرِ للتجارة مُباحٌ، إِذْ مُحالٌ أنْ يجعلَه في جُمْلَةِ النِّعَمِ؛ ويَضمَّ ذِكْرَه في المباحاتِ؛ ويَذْكُرَ ابتغاءَ فضْلِه جملةً فيه؛ ثم يَحْظُرَ رُكُوبَه في حالٍ دونَ حالٍ [187] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/50)، ((تفسير أبي حيان)) (6/514). !
9- قولُ الله تعالى: وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا فيه دليلٌ على إباحةِ لبسِ النساءِ والرجالِ حليةَ البحرِ مِن الجواهرِ ونحوِها [188] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/49)، ((الإكليل)) للسيوطي (ص:162). ؛ لأنَّ الله تعالى امتنَّ على الرجالِ والنِّساءِ امتنانًا عامًّا بما يخرجُ مِن البحرِ، فلا يَحرمُ عليهم شيءٌ منه، وإنما حرَّم الله تعالى على الرِّجال الذهبَ والحريرَ [189]  يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/127)، ((تفسير القرطبي)) (10/87). ويُنظر أيضًا: ((فقه اللباس والزينة)) إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية (ص : 184). قال الشوكاني: (ولا حاجةَ لما تَكَلَّفَه جماعَةٌ مِنَ المفسِّرِينَ في تأويلِ قولِه: تَلْبَسُونَهَا بِقولِه: تلبسُه نساؤُهم، لأنَّهنَّ من جملتِهم، أو لكونِهنَّ يلبَسْنَها لأجلِهم، وليس في الشَّريعةِ المطهَّرةِ ما يقتضي منعَ الرِّجالِ مِن التَّحلِّي باللُّؤلُؤِ والمَرجانِ، ما لم يستعمِلْه على صفةٍ لا يستعمِلُه عليها إِلَّا النِّساءُ خاصَّةً، فإنَّ ذلك ممنوعٌ مِنْ جهةِ كونِه تشبُّهًا بهنَّ، وقد وَرَد الشَّرعُ بمنعِه لا مِنْ جهةِ كونِه حليةَ لؤلُؤٍ أو مَرجانٍ). ((تفسير الشوكاني)) (3/184). .
10- في قوله تعالى: وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا دلالةٌ على أنَّ الغوصَ في استخراجِ حِلْيَةِ البحرِ مُباحٌ، ولا يكون تعرُّضًا للهلكة ومخاطرةً بالرُّوح! ولكنَّ ذلك لِمَن يُحْسِنُ العَوْمَ [190] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/49). .
11- قَولُ الله تعالى: وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا استدلَّ به من قال: يحنَثُ الحالِفُ لا يلبَسُ حُلِيًّا بلُبسِ اللُّؤلؤِ؛ لأنَّه تعالى سمَّاه حُلِيًّا [191] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:162). وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ وقولُ أبي يوسفَ ومحمدِ بنِ الحسنِ مِن الحنفيةِ، خلافًا لأبي حنيفةَ، فيرَى أنَّ الأيمانَ على العُرفِ لا على استعمالِ القرآنِ. يُنظر ((تفسير الرسعني)) (4/15)، ((التجريد)) للقدوري (12/6464). .
12- قَولُ الله تعالى: وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَلْقَى أخَصُّ مِن (خلقَ) و(جعَلَ)؛ وذلك أنَّ أَلْقَى تقتضي أنَّ الله أحدثَ الجِبالَ ليس من الأرضِ، لكِنْ مِن قُدرتِه واختِراعِه [192] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/384). . وقيل: لمَّا كانت هذه المخلوقاتُ مَجعولةً كالتَّكملةِ للأرضِ، وموضوعةً على ظاهرِ سَطحِها، عبَّرَ عن خلقِها ووضْعِها بالإلقاءِ الَّذي هو رَمْيُ شَيءٍ على الأرضِ، ولعلَّ خَلْقَها كان مُتأخِّرًا عن خَلقِ الأرضِ، وأمَّا السُّبُلُ والعلاماتُ فتأخُّرُ وُجودِها ظاهرٌ، فصار خَلْقُ هذه الأربعةِ شبيهًا بإلقاءِ شَيءٍ في شَيءٍ بعدَ تمامِه [193] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/120). .
13- قولُ الله تعالى: وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا لما كان أكثَرُ الأنهارِ إنَّما تتفجَّرُ مَنابِعُها في الجبالِ؛ فلهذا السَّبَبِ لَمَّا ذكَرَ الله تعالى الجِبالَ أتبَعَ ذِكرَها بتَفجيرِ العُيونِ والأنهارِ [194] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/191). .
14- جُملةُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ مُعترِضةٌ، وهو كلامٌ مُوجَّهٌ يصلُحُ للاهتداءِ إلى المقاصِدِ في الأسفارِ؛ مِن رَسمِ الطُّرقِ، وإقامةِ المَراسي على الأنهارِ، واعتبارِ المسافاتِ، وكلُّ ذلك مِن جَعْلِ اللهِ تعالَى؛ لأنَّ ذلك حاصلٌ بإلهامِه، ويصلُحُ للاهتداءِ إلى الدِّينِ الحقِّ، وهو دِينُ التَّوحيدِ؛ لأنَّ في تلك الأشياءِ دَلالةً على الخالقِ المُنْفردِ بالخَلقِ [195] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/122). .
15- قَولُ الله تعالى: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أصلٌ لِمُراعاةِ النُّجومِ لِمَعرفةِ الأوقاتِ والقِبلةِ والطُّرُقِ [196] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:162). .
16- في قوله تعالى: وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ دلالةٌ على اعتبارِ النجومِ دليلًا على القبلةِ في السفرِ؛ فإنَّ اللهَ سبحانه وتعالى أطلقَ الاهتداءَ بالنجمِ، فالنجمُ يُهتدَى به على الجهاتِ لكلِّ غرضٍ [197] يُنظر: ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (2/278). ، وكذلك مِن الفُقَهاءِ مَن يجعَلُ هذه الآية دليلًا على الاستدلالِ بالعَلاماتِ التي في الأرضِ، وهي الجِبالُ والرِّياحُ؛ لأنَّه كما يمكِنُ الاهتداءُ بهذه العلاماتِ في معرفةِ الطُّرُقِ والمَسالِكِ، فكذلك يُمكِنُ الاستدلالُ بها في مَعرفةِ طلَبِ القِبلةِ [198] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/191). .
17- الامتِنانُ بما في الأعيانِ مِن المَنافِعِ، وما يتعلَّقُ بها مِن الأفعالِ، هو أحدُ الأمورِ التي يُستفادُ منها الإباحةُ، وذلك نحو قَولِه تعالى: وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا [النحل: 80]، ونحو: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [199] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (4/6). .
18- في قَولِه تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ دَلالةٌ على أنَّ المُشرِكينَ كانوا يُقِرُّونَ بنوعٍ مِن التوحيدِ الذي هو نفيُ خالِقِينَ سوى اللهِ تعالى، ولم يكونوا يُنازِعونَ في ذلك [200] يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (3/330). .
19- بيَّنَ اللهُ سُبحانَه أنَّه أحقُّ بالكمالِ مِن غَيرِه، وأنَّ غَيرَه لا يُساويه في الكَمالِ في مِثلِ قَولِه تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ وقد بيَّنَ أنَّ الخَلقَ صِفةُ كَمالٍ، وأنَّ الذي يخلُقُ أفضَلُ مِن الذي لا يخلُقُ، وأنَّ مَن عدَلَ هذا بهذا فقد ظلَمَ [201] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/79). .
20- في قَولِه تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ دَلالةٌ على أنَّه سُبحانَه هو المُستحِقُّ للعبادةِ دونَ ما يُعبَدُ مِن دونِه، وأنَّه لا مِثلَ له [202] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/121). ، فالتمثيل الذي هو اعتقادُ المُثْبِتِ أنَّ ما أَثْبَتَه مِن صفاتِ اللهِ تعالى مماثلٌ لصفاتِ المخلوقين! هو اعتقاد باطل بدلالة السمع؛ قال الله تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، وقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [203] يُنظر: ((القواعد المثلى)) لابن عثيمين (ص: 26). [الشورى: 11].
21- قَولُ الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا هذا كلامٌ جامِعٌ للتَّنبيهِ على وَفرةِ نِعَمِ اللهِ تعالى على النَّاسِ، بحيثُ لا يمكِنُ إحصاؤُها، وإذا كانت كذلك فقد حصَلَ التَّنبيهُ إلى كَثرتِها بمعرفةِ أصولِها وما يَحويها مِن العَوالِمِ [204] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/123). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ استئنافٌ لذِكْرِ دليلٍ آخرَ مِن مظاهرِ بَديعِ خَلقِ اللهِ تَعالى، أُدْمِجَ فيه امتنانٌ بما يأتي به ذلك الماءُ العجيبُ مِن المنافعِ [205] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/113). .
- وصِيغَةُ تَعريفِ المسنَدِ إليه والمسنَدِ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ أفادتِ الحصرَ، أي: هو لا غيرُه، وهذا قَصرٌ على خِلافِ مُقْتضى الظَّاهرِ؛ لأنَّ المُخاطَبينَ لا يُنكِرون ذلك، ولا يَدَّعون له شريكًا في ذلك، ولكنَّهم لمَّا عَبَدوا أصنامًا لم تُنْعِمْ عليهم بذلك، كان حالُهم كحالِ مَن يدَّعي أنَّ الأصنامَ أنعَمَت عليهم بهذه النِّعمِ، فنُزِّلوا مَنزلةَ مَن يدَّعي الشَّركةَ للهِ في الخَلقِ؛ فكان القصرُ قَصرَ إفرادٍ؛ تَخريجًا للكلامِ على خِلافِ مُقْتضَى الظَّاهرِ [206] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/113). .
- قولُه: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فيه تأخُّرُ المفعولِ مَاءً عن المجرورِ؛ لأنَّ المقصودَ هو الإخبارُ بأنَّه أنزَلَ مِن السَّماءِ شيئًا هو الماءُ، لا أنَّه أنزَلَه مِن السَّماءِ، والسِّرُّ فيه: أنَّه عندَ تأخيرِ ما حَقُّه التَّقديمُ يَبْقَى الذِّهنُ مُترقِّبًا له، مُشتاقًا إليه؛ فيتمكَّنُ لديه عندَ وُرودِه عليه فضْلَ تمكُّنٍ [207] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/100). .
- وقولُه: لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ فيه تقديمُ (مِنْ) التَّبعيضيَّةِ، الَّذي يُوهِمُ حصرَ المشروبِ فيه، ولا بأْسَ به؛ لأنَّ مِياهَ العُيونِ والآبارِ منه؛ لقولِه: فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ [الزمر: 21]، وقولِه: فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ [المؤمنون: 18] [208] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/221). . وقيل: لَكُمْ مُتعلِّقٌ بـ شَرَابٌ؛ قُدِّمَ عليه للاهتمامِ [209] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/113). .
- قولُه: وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ فيه إعادةُ حَرفِ الجرِّ (مِن) بعد واوِ العطفِ؛ لأنَّ حرفَ (مِن) هنا للابتداءِ، أو للسَّببيَّةِ؛ فلا يحسُنُ عطفُ شَجَرٌ على شَرَابٌ [210] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/114). .
- وفي قولِه: وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ تَقديمُ ما يُسامُ فيه على ما يُؤكَلُ منه، وهو ما ذكَرَه في قولِه بعدُ: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ؛ لأنَّ ما يُسامُ فيه سيصيرُ غِذاءً حَيوانيًّا، هو أشرَفُ الأغذيةِ [211] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/221). .
- ومِن الدَّقائقِ البلاغيَّةِ في قولِه: وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ: الإتيانُ بحرفِ (في) الظَّرفيَّةِ؛ فالإسامةُ في الشجرِ تكونُ بالأكلِ منه، والأكلِ ممَّا تحتَه مِن العُشبِ [212] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/114). .
2- قوله تعالى: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
- قولُه: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ... فيه إيثارُ صِيغَةِ الاستقبالِ يُنْبِتُ؛ للدَّلالةِ على التَّجدُّدِ والاستمرارِ، وأنَّها سُنَّتُه الجاريةُ على مَرِّ الدُّهورِ، أو لاستحضارِ صُورةِ الإنباتِ [213] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/101). .
- وقوله: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ... لم يُعطَفْ على جُملةِ لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ؛ لأنَّه ليس ممَّا يَحصُلُ بنزولِ الماءِ وَحدَه، بل لا بُدَّ معه مِن زَرعٍ وغَرسٍ، وهذا الإنباتُ مِن دلائلِ عظيمِ القدرةِ الربانيَّةِ، فالغرضُ منه الاستدلالُ ممزوجًا بالتذكيرِ بالنعمةِ [214]  يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/114). .
- وقولُه: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فيه تَقديمُ الظَّرفَينِ لَكُمْ بِهِ على المفعولِ الصَّريحِ الزَّرْعَ؛ لأنَّه عند تأخيرِ ما حقُّه التَّقديمُ يَبقى الذِّهنُ مُترقِّبًا له، مُشتاقًا إليه؛ فيتمكَّنُ لديه عند وُرودِه عليه فضْلَ تمكُّنٍ، مع ما في تَقديمِ أوَّلِهما من الاهتمامِ به؛ لإدخالِ المَسرَّةِ ابتداءً. وتقديمُ الزَّرْعَ على ما عداه؛ لأنَّه أصلُ الأغذيةِ وعَمودُ المعاشِ، وهو قُوتُ أكثَرِ العالَمِ. وتقديمُ الزَّيْتُونَ؛ لِمَا فيه من الشَّرفِ، من حيث إنَّه إدامٌ من وَجهٍ، وفاكهةٌ من وَجهٍ، بالإضافة إلى الاطِّلاءِ بدُهنِه إلى غيرِ ذلك من فوائدِه. وتقديمُ النَّخِيلَ على الأعنابِ؛ لظُهورِ أصالتِها وبَقائِها، ولأنَّ ثَمرتَه مِن أطيَبِ الفواكِهِ وقُوتٌ في بعضِ البلادِ. وجمْعُ الْأَعْنَابَ؛ للإشارةِ إلى ما فيها مِن الاشتمالِ على الأصنافِ المُختلفةِ. وتَخصيصُ الأنواعِ المعدودةِ بالذِّكرِ مع اندراجِها تحت قولِه تعالى: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ؛ للإشعارِ بفَضلِها، لأنَّها أشرَفُ ما يَنبُتُ، وأجمَعُه للمنافِعِ.وتقديمُ الشَّجرِ عليها مع كونِه غِذاءً للأنعامِ؛ لحُصولِه بغيرِ صُنعٍ من البشَرِ، أو للإرشادِ إلى مكارمِ الأخلاقِ؛ فإنَّ مُقتضاها أنْ يكونَ اهتمامُ الإنسانِ بأمْرِ ما تحتَ يَدِه أكمَلَ مِن اهتمامِه بأمْرِ نفسِه، أو لأنَّ أكثرَ المُخاطَبينَ مِن أصحابِ المواشي ليس لهم زَرعٌ ولا ثمَرٌ. وقيل: المُرادُ تَقديمُ ما يُسامُ لا تَقديمُ غِذائِه؛ فإنَّه غِذاءٌ حَيوانيٌّ للإنسانِ وهو أشرفُ الأغذيةِ [215] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/101)، ((تفسير أبي حيان)) (6/512)، ((تفسير الشوكاني)) (3/182). .
- وجُملةُ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ تَذييلٌ، ونِيطَتْ دَلالةُ هذه بوَصفِ التَّفكيرِ؛ لأنَّها دَلالةٌ خَفيَّةٌ؛ لحُصولِها بالتَّدريجِ، وهو تعريضٌ بالمُشركينَ الَّذين لم يهتَدُوا بما في ذلك مِن دَلالةٍ على تفرُّدِ اللهِ بالإلهيَّةِ، بأنَّهم قومٌ لا يتفكَّرونَ [216] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/115). .
3- قولُه تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ هذا انتقالٌ للاستدلالِ بإتقانِ الصُّنعِ على وَحدانيَّةِ الصَّانعِ وعلْمِه، وإدماجٌ بين الاستِدلالِ والامتنانِ. ونِيطَتْ هذه الدَّلالاتُ بوَصْفِ العقلِ؛ لأنَّ أصلَ العَقلِ كافٍ في الاستِدلالِ بها على الوَحدانيَّةِ والقُدرةِ؛ إذ هي دَلائلُ بيِّنةٌ واضحةٌ حاصلةٌ بالمُشاهَدةِ كلَّ يومٍ وليلةٍ [217] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/116). .
- قولُه: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ فيه إيثارُ صِيغَةِ الماضي سَخَّرَ؛ للدَّلالةِ على أنَّ ذلك أمرٌ واحدٌ مُستمِرٌّ، وإنْ تجدَّدت آثارُه [218] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/101). .
4- قولُه تعالى: وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
- قوله: وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ وصَفَ اختلافَ ألوانِه؛ زيادةً للتَّعجِيبِ. ولكونِ محَلِّ الاستدلالِ هو اختلافَ الألوانِ، مع اتِّحادِ أصلِ الذَّرءِ؛ أُفْرِدَت الآيةُ في قولِه تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً. ونِيطَ الاستدلالُ باختِلافِ الألوانِ بوَصفِ التَّذكُّرِ؛ لأنَّه استدلالٌ يحصُلُ بمُجرَّدِ تذكُّرِ الألوانِ المُختلفةِ؛ إذ هي مَشهورةٌ [219] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/118). .
- وفي قولِه: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [النحل: 11-13] مُناسَبةٌ حسَنةٌ، حيثُ وحَّدَ (الآيةَ) أوَّلًا وآخرًا، وجمَعَها في المُتوسِّطِ، وفي كلِّ ذلك آياتٌ كثيرةٌ؛ ووجهُ ذلك:
أنَّه وحَّد الآيةَ في قولِه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ؛ لأنَّ موضعَ الدَّلالةِ واحدٌ، وهو الماءُ الَّذِي أنزَله مِن السَّماءِ فأخرَج به كلَّ ما ذكَره مِن الأرضِ، وهو على اختلافِ أنواعِه لقاحُه واحدٌ وأُمُّه واحدةٌ، فهذا نوعٌ واحدٌ مِن آياتِه.
وجمعَ الآياتِ في قوله: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ؛ لأنَّها تضَمَّنَت اللَّيلَ والنَّهارَ والشَّمسَ والقمَرَ والنُّجومَ، وهي آياتٌ متعَدِّدةٌ مُختلِفةٌ في أنفُسِها وخَلقِها وكيفيَّاتِها؛ فإنَّ إظلامَ الجَوِّ لغُروبِ الشَّمسِ ومَجيءِ اللَّيلِ الذي يلبِسُ العالَمَ كالثَّوبِ، ويَسكُنونَ تحتَه؛ آيةٌ باهرةٌ، ثمَّ ورود جَيشِ الضِّياءِ يَقدُمُه بَشَيرُ الصَّباحِ، فيَنهَزِمُ عسكرُ الظَّلامِ وينتَشِرُ الحيوانُ وينكَشِطُ ذلك اللِّباسُ بجُملتِه؛ آيةٌ أخرى، ثمَّ في الشَّمسِ- التي هي آيةُ النَّهارِ- آيةٌ أخرى، وفي القمَرِ- الذي هو آيةُ اللَّيلِ- آيةٌ أخرى، وفي النُّجومِ آياتٌ أُخَرُ، هذا مع ما يَتبَعُها من الآياتِ المُقارِنةِ لها من الرِّياحِ واختلافِها، وسائِرِ ما يُحدِثُه اللهُ بسَبَبِها، آياتٌ أُخَرُ، فالموضِعُ مَوضِعُ جَمعٍ.
ووحَّد الآيةَ في قولِه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ؛ لأنَّ ما ذَرَأ في الأرضِ على اختلافِه مِن الجواهرِ والنباتِ والمعادنِ والحيوانِ كلِّه في محلٍّ واحدٍ، فهو نوعٌ مِن أنواعِ آياتِه، وإنْ تعدَّدتْ أصنافُه وأنواعُه [220] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/212). . وقيل غير ذلك [221] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 821)، ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/294)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/116). .
- ومِن المناسَبةِ الحَسَنة أيضًا: أنَّه تَعالى قال في الأُولى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 11]، وقال في الثَّانيةِ: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل: 12]، وفي الثَّالثةِ: لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [النحل: 13]؛ ووجه ذلك: أنَّ التَّفكُّرَ إعمالُ النَّظرِ لتطلُّبِ فائدةٍ، وهذه المخلوقاتُ الَّتي تنجُمُ من الأرضِ إذا فكَّرَ فيها علِمَ أنَّ مُعظمَها ليس إلَّا للأكلِ، وأنَّ الأكْلَ به قِوامُ ذي رُوحٍ، وأنَّ المُنعَمَ عليه يحتاجُ أنْ يعرِفَ المُنعِمَ به؛ ليقصِدَ شُكرَ إحسانِه، فهذا مَوضِعُ تفكُّرٍ، بُعِث النَّاسُ عليه؛ ليُفْضِيَ بهم إلى المطلوبِ منهم. ولأنَّ إنباتَ الزَّرعِ والزَّيتونِ والنَّخيلِ والأعنابِ ومُختلَفِ الثَّمراتِ بالماءِ المُنزَّلِ من السَّماءِ، مع كونِه واحدًا والمُنْبَتُ مُختلفَ الأنواعِ والطُّعومِ والمنافعِ: أمْرٌ يُوصَلُ إلى تعرُّفِه وارتباطِه باستِعمالِ الفِكْرِ في ذلك وإنْ لم يطُلْ، بشَرطِ السَّلامةِ من الغَفلةِ؛ فيحصُلُ بمُجرَّدِ الفِكْرِ على عظيمِ المُعتبَرِ؛ فختَمَ الآيةَ بالتَّفكيرِ.
وأمَّا تَعقيبُ ذِكْرِ اللَّيلِ والنَّهارِ وما سخَّرَ في الهواءِ مِن الأنوارِ بقولِه: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ؛ فلأنَّ مُتدبِّرَ ذلك أعلى رُتبةً مِن مُتدبِّرِ ما تَقدَّمَ؛ إذ كانتِ المنافعُ المَجعولةُ فيها أخفى وأغمَضَ؛ فمَن استدرَكَ الآياتِ فيها استحَقَّ الوصفَ بما هو أعْلَى مِن رُتبةِ المُتفكِّرِ المُتدبِّرِ؛ لأنَّه المَنزلةُ الثَّانيةُ الَّتي تُؤَدِّي إليها الفِكرةُ، وهو أنْ يعقِلَ مَطلوبَه منها، ويُدْرِكَ فائدتَه منها؛ ففي تَسخيرِ الليلِ والنَّهارِ إلى ما ذُكِرَ معهما لا يُكتفَى في معرفة ذلك، والحصولِ على الاعتبارِ به بمُجرَّدِ الفِكر؛ فإنَّ العِلمَ بتسخيرِ هذه ممَّا يَغمُض ويَخفَى إلَّا على ذَوي البصائرِ والفِطنِ السَّليمةِ والعقولِ الراجحةِ، فوُصِفَ المعتبِرُ بها بما هو فَوقَ الفِكرِ؛ فقيل: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
وأمَّا الثَّالثةُ، وهي قولُه: لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ؛ فلأنَّه لَمَّا نبَّهَ في الأُوليَينِ على إثباتِ الصَّانعِ، نبَّهَ في الثَّالثةِ على أنَّه لا شِبْهَ له ممَّا صنَعَ؛ لأنَّ مَن رأى المخلوقاتِ أصنافًا مُزْدَوجةً مُؤتلِفةً أو مُختلِفةً نَفى عنه صِفاتِها، وعلِمَ أنَّ خالقَها يُخالِفُها، لا يُشبِهُها ولا تُشبِهُه؛ فيَعْلَمَ بعدَ العِلمِ بما تقدَّمَ أنَّه لا صاحِبةَ له ولا ولَدَ، ولا مُشْبِهَ له فيما أنشَأَ وبرَأَ، إذا تذكَّرَ حالَه فيها اتَّفقَ منه واختلَفَ؛ فقَصدُ التذكير هنا كافٍ في حُصولِ الاعتبارِ بذلك؛ فورَدَ كلُّ خِتامِ آيةٍ على أَجَلِّ مُناسَبةٍ، وكلُّ آيةٍ مِن هذِه الثَّلاثِ لا يُناسِبُها إلَّا ما أُعقِبَ به [222] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 825-827)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 157-158)، ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/295). .
- وقيل: وَجهُ اختلافِ الأوصافِ في قولِه: لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وقولِه: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وقولِه: لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ: أنَّ ذلك لمُراعاةِ اختلافِ شِدَّةِ الحاجةِ إلى قُوَّةِ التَّأمُّلِ، فدَلالةُ المخلوقاتِ النَّاجمةِ عن الأرضِ يحتاج إلى التَّفكُّرِ؛ وهو إعمالُ النَّظرِ المُؤَدِّي إلى العلمِ. ودلالةُ ما ذرَأَه في الأرضِ مِن الحيوانِ مُحتاجةٌ إلى مَزيدِ تأمُّلٍ في التَّفكيرِ للاستِدلالِ على اختلافِ أحوالِها وتناسُلِها وفوائدِها، فكانت بحاجةٍ إلى التَّذكُّرِ؛ وهو التَّفكُّرُ مع تذكُّرِ أجناسِها واختلافِ خَصائصِها. وأمَّا دَلالةُ تَسخيرِ اللَّيلِ والنَّهارِ والعوالِمِ العُلويَّةِ؛ فلأنَّها أدَقُّ وأحوجُ إلى التَّعمُّقِ. وعُبِّرَ عنِ المُستدِلِّين عليها بأنَّهم يَعْقِلون، والتَّعقُّلُ هو أعلى أحوالِ الاستدلالِ [223] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/118)، ويُنظر أيضًا: ((درة التنزيل)) للإسكافي (1/825). . وقيل: ذُكِرَ العقلُ في قولِه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ؛ لأنَّ الآثارَ العُلويَّةَ أظهَرُ دَلالةً على القُدرةِ الباهرةِ، وأبيَنُ شَهادةً للكِبرياءِ والعظَمةِ [224] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/597). ؛ فخصَّصَ الاعتبارَ بأهلِ العَقلِ؛ لأنَّ هذه الآياتِ أعظَمُ ممَّا قبلَها وأدَلُّ وأكبَرُ، والأُولى هي كالبابِ لهذه، فمَنِ استدَلَّ بهذه الآياتِ وأعطاها حقَّها مِن الدَّلالةِ، استحقَّ مِن الوَصفِ ما يستَحِقُّه صاحِبُ الفِكرِ- وهو العَقلُ- وأيضًا لأنَّ مَنزلةَ العَقلِ بعد مَنزلةِ الفِكْرِ؛ فلمَّا دَلَّهم بالآيةِ الأولى على الفِكرِ، نَقَلَهم بالآيةِ الثَّانيةِ- التي هي أعظَمُ منها- إلى العَقلِ الذي هو فوقَ الفِكرِ [225] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/213). .
وقد يقال: ذُكِرَ التفكُّرُ أولًا؛ لأنَّ إعمالَ الفِكرِ في ذلك يَقودُه إلى ما بَعدَه، وهو أنْ يَعقِلَ ما دَلَّتْ عليه تِلكَ الآياتُ مِن وَحدانيَّةِ اللهِ، وبُطلانِ عِبادَةِ مَن سواه، وهذا العقلُ يُوصلُه إلى التَّذكُّرِ؛ فلا يكونُ غافلًا، وذلك يَرفَعُهُ إلى مَرتبةِ الشُّكرِ ومَنزلتِه لِمَن أَوْلَى هذِه النِّعمَ وأسْدَاها.
5- قولُه تعالى: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
- قَولُ الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا بدأ أوَّلًا مِن منافِعِه بما هو الأهَمُّ، وهو الأكلُ [226] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/513). .
- وجُملةُ: وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ مُعترِضةٌ بين الجُملِ المُتعاطفةِ مع إمكانِ العطفِ؛ لقَصدِ مُخالفةِ الأسلوبِ، للتَّعجُّبِ مِن تَسخيرِ السَّيرِ في البحرِ باستحضارِ الحالةِ العجيبةِ بواسطةِ فعْلِ الرُّؤيةِ؛ فهذا النَّظمُ للكلامِ لإفادةِ هذا المعنى، ولولاها لكان الكلامُ هكذا: (وتَسْتخرِجوا منه حِليةً تلبَسُونها وتَبْتغوا مِن فضلِه في فُلكٍ مُواخِرَ) [227] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/119). .
- قولُه: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فيه تَخصيصُه بتَعقيبِ الشُّكرِ؛ ولعلَّ ذلك لأنَّه أقوى في بابِ الإنعامِ، مِن حيث إنَّه جعَلَ المهالِكَ سببًا للانتفاعِ وتَحصيلِ المعاشِ [228] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/222). ؛ فإن فيها قطعًا لمسافةٍ طويلةٍ معَ أحمالٍ ثقيلةٍ، في مدَّةٍ قليلةٍ مِن غيرِ مزاولةِ أسبابِ السفرِ، بل مِن غيرِ حركةٍ أصلًا، معَ أنَّها في تضاعيفِ المهالِكِ [229]يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/103). .
- وعُطِفُ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ على بقيَّةِ العِلَلِ؛ لأنَّه مِن الحِكَمِ الَّتي سخَّرَ اللهُ بها البحرَ للنَّاسِ؛ حملًا لهم على الاعترافِ للهِ بالعُبوديَّةِ، ونَبذِهم إشراكَ غيرِ ربِّه فيها، وهو تعريضٌ بالَّذين أشْرَكوا [230] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/120). .
6- قولُه تعالى: وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
- وقولُه: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ تَعليلٌ لإلقاءِ الرَّواسي في الأرضِ، ولمَّا كان المقامُ مقامَ امتنانٍ، عُلِمَ أنَّ المُعلَّلَ به هو انتفاءُ المَيْدِ، لا وقوعُه؛ فالكلامُ جارٍ على حَذفٍ تَقْتضيه القرينةُ [231] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/121). .
7- قولُه تعالى: وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
- قولُه: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ فيه الْتفاتٌ، حيث أُخْرِجَ الكلامُ عن سَننِ الخطابِ؛ فقدِ الْتفَتَ مِن الخطابِ إلى الغَيبةِ، والفائدةُ منه: أنَّه لمَّا كانتِ الدَّلالةُ مِن النَّجمِ أنفَعَ الدَّلالاتِ وأوضَحَها في البَرِّ والبحرِ، نبَّهَ على عِظَمِها بالالتفاتِ إلى مقامِ الغَيبةِ؛ لإفهامِ العُمومِ، ولئلا يُظَنَّ أنَّ المُخاطَبَ مَخصوصٌ بذلك [232] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/599)، ((تفسير البيضاوي)) (3/222)، ((الجدول في إعراب القرآن الكريم)) لمحمود صافي (14/294-295)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/280). . وقيل: إنه عدَل عن الخطابِ إلى الغَيبةِ الْتفاتًا يُومِئُ إلى فريقٍ خاصٍّ، وهم السَّيَّارةُ والملَّاحونَ؛ فإنَّ هِدايتَهم بهذه النُّجومِ لا غيرُ [233] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/122). .وقيل: إن قريشًا كانت تُكثِرُ أسفارَها لطلبِ المال، ومَن كثُرتْ أسفارُه كان علمُه بالمنافعِ الحاصلةِ مِن الاهتداءِ بالنجومِ أكثرَ وأتمَّ، فقولُه: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ إشارةٌ إلى قريشٍ لهذا السببِ [234] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/191). .
- وتَقديمُ الجارِّ والضَّميرِ وَبِالنَّجْمِ هُمْ؛ للتَّخصيصِ، كأنَّه قيل: وبالنَّجمِ خُصوصًا هؤلاء خُصوصًا يَهْتدونَ؛ فالاعتِبارُ بذلك والشُّكرُ عليه بالتَّوحيدِ ألْزَمُ لهم، وأوجَبُ عليهم [235] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/599)، ((تفسير البيضاوي)) (3/222)، ((الجدول في إعراب القرآن الكريم)) لمحمود صافي (14/294-295)، ((إعراب القرآن وبيانه))لدرويش (5/280). . أو قُدِّمَ المُتعلِّقُ في قولِه: وَبِالنَّجْمِ تقديمًا يُفيدُ الاهتمامَ، وكذلك بالمُسنَدِ الفِعليِّ في قولِه تعالى: هُمْ يَهْتَدُونَ، وتقديمُ المُسنَدِ إليه على الخبرِ الفِعليِّ في قولِه تعالى: هُمْ يَهْتَدُونَ لمُجرَّدِ تَقَوِّي الحُكمِ؛ إذ لا يَسمَحُ المقامُ بقَصدِ القصرِ [236] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/122- 123). .
8- قوله تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
- قولُه: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ إنكارٌ بعدَ إقامةِ الدَّلائلِ المُتكاثرةِ على كَمالِ قُدرتِه، وتَناهي حِكمتِه، والتَّفرُّدِ بخَلقِ ما عدَّدَ مِن مُبدعاتِه: لِأَنْ يُساويَه ويستحِقَّ مُشاركتَه ما لا يقدِرُ على خَلقِ شَيءٍ من ذلك، بل على إيجادِ شَيءٍ ما، وهذا مِن عكسِ التَّشبيهِ؛ إذ مُقْتضى الظَّاهرِ العكسُ، فكان حَقُّ الكلامِ: (أفمَن لا يَخلُقُ كمَن يَخلُقُ؟!)؛ لأنَّ الخِطابَ لعُبَّادِ الأوثانِ حيث سَمَّوها آلهةً؛ تشبيهًا به تعالى، فجعَلوا غيرَ الخالقِ كالخالقِ؛ فخُولِفَ في خِطابِهم؛ لأنَّهم بالَغوا في عِبادتِها، حتَّى صارت عندهم أصلًا في العِبادةِ، والخالقُ فرعًا، وعكَسَ تنبيهًا على أنَّهم بالإشراكِ باللهِ سُبحانَه وتعالى جَعَلوه من جِنسِ المخلوقاتِ العَجَزةِ شبيهًا بها؛ فجاء الإنكارُ على وَفقِ ذلك؛ ليَفْهموا المُرادَ على مُعتقدِهم [237] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/223)، ((تفسير أبي حيان)) (6/516)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (1/302). ، وأيضًا فالمرادُ منه أنَّ مَن يخلُقُ هذه الأشياءَ العظيمةَ، ويُعطي هذه المنافِعَ الجليلةَ: كيف يُسَوَّى بينَه وبينَ هذه الجماداتِ الخسيسةِ في التَّسميةِ باسمِ الإلهِ، وفي الاشتِغالِ بعبادتِها والإقدامِ على غايةِ تَعظيمِها؟! فوقعَ التعبيرُ عن هذا المعنى بقولِه: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ [238] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/193). .
- قولُه: أَفَمَنْ فيه تَعقيبُ الهمزةِ بالفاءِ؛ لتَوجيهِ الإنكارِ إلى تَوهُّمِ المُشابهةِ المذكورةِ على ما فُصِّلَ من الأُمورِ العظيمةِ الظَّاهرةِ الاختصاصُ به تَعالى، المعلومةِ كذلك فيما بينَهم [239] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/104). .
- وعبَّر عن الأصنامِ بقولِه: كَمَنْ، والأصنامُ جماداتٌ، ولفظةُ (مَن) تكونُ لمن يُوصَفُ بالعلمِ؛ وذلك لأنَّ الكُفَّارَ لَمَّا سَمَّوها آلهةً وعَبدُوها، لا جرَمَ أُجرِيَت مجرَى مَن يُوصَفُ بالعلمِ، أو أنَّ السَّببَ فيه المُشاكَلةُ [240] المشاكلة: لغةً: هي المماثلةُ، واصطلاحًا: هي ذكرُ الشيءِ بغيرِ لفظِه؛ لوقوعِه في صحبتِه، كقولِه تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: 40]، فالجزاءُ عن السيئةِ في الحقيقةِ غيرُ سيئةٍ، والأصلُ: وجزاءُ سيئةٍ عقوبةٌ مثلُها. يُنظر: ((خزانة الأدب)) للحموي (2/252)، ((جواهر البلاغة)) للهاشمي (ص: 309). بينَه وبينَ (مَن يَخلُقُ) [241] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/192-193). .
- وفُرِّعَ على إنكارِ التَّسويةِ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ استفهامٌ عن عدَمِ التَّذكُّرِ في انتفائِها؛ فالاستفهامُ في قولِه: أَفَلَا تَذَكَّرُونَ مُستعمَلٌ في الإنكارِ على انتفاءِ التَّذكُّرِ، وذلك يختلِفُ باختلافِ المُخاطَبينَ؛ فهو إنكارٌ على إعراضِ المُشركينَ عن التَّذكُّرِ في ذلك [242] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/123). .
9- قولُه تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
- جُملةُ: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا عَطفٌ على جُملةِ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ وهي كالتَّكمِلةِ لها؛ لأنَّها نتيجةٌ لِمَا تضَمَّنَته تلك الأدِلَّةُ مِن الامتنانِ كما تقَدَّم، وهي بمنزلةِ التَّذييلِ للامتنانِ؛ لأنَّ فيها عمومًا يشمَلُ النِّعَمَ المذكورةَ وغيرَها [243] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/123). .
- وجُملةُ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ استئنافٌ عقَّبَ به تَغليظَ الكُفرِ والتَّهديدَ عليه؛ تنبيهًا على تَمكُّنِهم من تَدارُكِ أمرِهم بأنْ يُقْلِعوا عن الشِّركِ، ويتأهَّبوا للشُّكرِ بما يُطيقونَ، على عادةِ القُرآنِ من تَعقيبِ الزَّواجرِ بالرَّغائبِ؛ كَيْلَا يقنَطَ المُسرِفون [244] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/124). .
- وفي قولِه: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ تَقديمُ وَصفِ المغفرةِ على نَعتِ الرَّحمةِ؛ لتقدُّمِ التَّخليةِ على التَّحليةِ [245] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/105). .
- وأيضًا في قولِه: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ مُناسبةٌ حَسنةٌ، حيث خُولِفَ بين خِتامِ هذه الآيةِ وخِتامِ آيةِ سُورةِ إبراهيمَ؛ إذ وقَعَ هنالك: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: 34]؛ لأنَّ تلك جاءت في سِياقِ وعيدٍ وتَهديدٍ عَقِبَ قولِه تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا [إبراهيم: 28]، فكان المُناسِبُ لها تَسجيلَ ظُلمِهم وكُفرِهم بنِعمةِ اللهِ، وأمَّا هذه الآيةُ فقد جاءت خِطابًا للفريقَينِ كما كانت النِّعمُ المعدودةُ عليهم مُنتفِعًا بها كِلاهما، ثمَّ كان من اللَّطائفِ: أنْ قُوبِلَ الوصفانِ اللَّذانِ في آيةِ سُورةِ إبراهيمَ: لَظَلُومٌ كَفَّارٌ بوَصفينِ هنا: لَغَفُورٌ رَحِيمٌ؛ إشارةً إلى أنَّ تلك النِّعمَ كانت سببًا لظُلمِ الإنسانِ وكُفرِه، وهي سبَبٌ لغُفرانِ اللهِ ورحمتِه، والأمرُ في ذلك مَنوطٌ بعمَلِ الإنسانِ [246] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/124). .