موسوعة التفسير

سورةُ غافِرٍ
الآيات (60-65)

ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ

غريب الكلمات:

دَاخِرِينَ: أي: صاغِرينَ أذِلَّاءَ، وأصلُ (دخر): يدُلُّ على الذُّلِّ [904] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 387)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/333)، ((المفردات)) للراغب (ص: 309)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 278)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 325)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 453). .
تُؤْفَكُونَ: أي: تُصرَفونَ عن الحَقِّ، وتَعدِلونَ عنه، وأصلُ (أفك): يدُلُّ على قَلبِ الشَّيءِ وصَرفِه عن جِهَتِه [905] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 145)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/118)، ((المفردات)) للراغب (ص: 79)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 85)، ((تفسير القرطبي)) (15/328). .
قَرَارًا: أي: مُستقَرًّا، وسَكَنًا، يُقال: قرَّ في مكانِه: إذا ثَبَت ثُبوتًا جامِدًا، وأصلُه يدُلُّ على تمَكُّنٍ [906] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/356)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/7)، ((المفردات)) للراغب (ص: 662). .
فَتَبَارَكَ: أي: تعاظَم، وتعالَى، وتقَدَّس، وكثُر خَيرُه، وعمَّ إحسانُه، مِن البَرَكةِ: وهي الزِّيادةُ والنَّماءُ، والكثرةُ والاتِّساعُ، وأصلُ (برك): ثباتُ الشَّيءِ [907] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 310)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/227)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 112)، ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: 308)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 25). .

المعنى الإجمالي:

يقولُ تعالى: وقال رَبُّكم: ادعُوني -أيُّها النَّاسُ- دعاءَ مَسألةٍ ودعاءَ عِبادةٍ؛ أُجِبْ دُعاءَكم، وأتقبَّلْ عبادتَكم، وأُثِبْكم عليها.
ثمَّ يُبيِّنُ تعالى سوءَ عاقبةِ المتكبِّرينَ، فيقولُ: إنَّ الَّذين يَتكَبَّرونَ عن دُعاءِ اللهِ تعالى وعِبادتِه سيَدخُلونَ جَهنَّمَ أذِلَّاءَ صاغِرينَ.
ثمَّ يذكرُ اللهُ تعالى بعضَ نِعَمِه الَّتي أنعَم بها على عِبادِه، فيقولُ: اللهُ هو الَّذي خَلَق لكم اللَّيلَ؛ لِتَسكُنوا وتَستريحوا فيه مِن عَناءِ أشغالِكم في النَّهارِ، وجَعَل اللهُ لكم النَّهارَ مُضيئًا؛ لِتَقضُوا فيه حَوائِجَكم، إنَّ اللهَ لَذُو فَضلٍ على النَّاسِ، ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَشكُرونَ!
ذلِكم اللهُ رَبُّكم الَّذي خَلَق كُلَّ شَيءٍ، لا مَعبودَ حَقٌّ إلَّا هو سُبحانَه، فكيف تُصرَفونَ عن الإيمانِ به؟! مِثلَ ذلك الصَّرفِ يُصَرفُ أيضًا الَّذين يَجحَدونَ بآياتِ اللهِ كِبْرًا.
اللهُ الَّذي جَعَل لكم الأرضَ مُهَيَّأةً للاستِقرارِ عليها، وجَعَل السَّماءَ بِناءً مَرفوعًا عن الأرضِ، وصَوَّركم فجعَلَكم في أشكالٍ حَسَنةٍ، ورزَقَكم اللهُ مِنَ الطَّيِّباتِ، ذلِكم اللهُ رَبُّكم، فتَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمينَ، هو سُبحانَه الحَيُّ أزَلًا وأبَدًا، لا مَعبودَ حَقٌّ إلَّا هو وَحْدَه؛ فادعُوه مُخلِصينَ له الدِّينَ. الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ.

تفسير الآيات:

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا بيَّنَ أنَّ القَولَ بالقيامةِ حَقٌّ وصِدقٌ، وكان مِن المعلومِ بالضَّرورةِ أنَّ الإنسانَ لا ينتفِعُ في يومِ القيامةِ إلَّا بطاعةِ اللهِ تعالى؛ لا جَرَمَ كان الاشتِغالُ بالطَّاعةِ مِن أهَمِّ المهِمَّاتِ، ولَمَّا كان أشرَفُ أنواعِ الطَّاعاتِ الدُّعاءَ والتَّضَرُّعَ؛ لا جَرَمَ أمَرَ اللهُ تعالى به في هذه الآيةِ [908] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/527). .
وأيضًا لَمَّا كانت المُجادَلةُ في آياتِ اللهِ تَشملُ مُجادلتَهم في وَحدانيَّةِ الإلهيَّةِ، وتَشملُ المُجادَلةَ في وُقوعِ البعثِ؛ أعقَبَ ذِكرَ المجادَلةِ أوَّلًا بقولِه: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر: 57] ، وذلك استِدلالٌ على إمكانِ البعثِ، ثمَّ عطَفَ عليه قولَه: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ الآيةَ؛ تَحذيرًا مِن الإشراكِ به [909] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/180، 181). .
وأيضًا لَمَّا ذُكِرَ أمْرُ اللهِ رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بدُعاءِ اللهِ وحْدَه أمْرًا مُفرَّعًا على تَوبيخِ المشركينَ بقولِه: ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ [غافر: 12] ، وعلى قولِه عَقِبَ ذلك: وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ [غافر: 13] ، وانتقَلَ الكلامُ إثْرَ ذلك إلى الأهمِّ، وهو الأمرُ بإنذارِ المشركينَ بقولِه: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ [غافر: 18] إلخ، وتَتابَعَت الأغراضُ حتَّى استوفَتْ مُقْتضاها؛ عاد الكلامُ الآنَ إلى ما يَشملُ عِبادةَ المؤمنينَ الخالِصةَ للهِ تعالى، وهو أيضًا مُتَّصِلٌ بقولِه: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [غافر: 50] ؛ فلمَّا تقدَّمَ ذِكرُ الدُّعاءِ بمَعْنيَيه: معنى العِبادةِ، ومعنى سُؤالِ المطلوبِ، أُردِفَ بهذا الأمْرِ الجامعِ لِكِلا المعنيَينِ [910] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/180، 181). .
وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
أي: وقال ربُّكم -أيُّها النَّاسُ-: ادعُوني دعاءَ مَسألةٍ ودعاءَ عِبادةٍ؛ أُعْطِكم سُؤْلَكم، وأتَقبَّلْ مِنكم عبادتَكم، وأُثِبْكم [911] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/153)، ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (2/402)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/182)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 414). ممَّن اختار أنَّ قولَه: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ المرادُ به العِبادةُ: ابنُ جرير، ومكِّي، والواحدي، والبغوي، والزمخشري، والقرطبي ونسَبَه لأكثرِ المفسِّرينَ، والبيضاوي، وجلال الدين المحلي، والعُلَيمي، وأبو السعود، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/351)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (10/6451)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 948)، ((تفسير البغوي)) (4/120)، ((تفسير الزمخشري)) (4/175)، ((تفسير القرطبي)) (15/326)، ((تفسير البيضاوي)) (5/61)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 626)، ((تفسير العليمي)) (6/ 129)، ((تفسير أبي السعود)) (7/282)، ((تفسير القاسمي)) (8/316). ومعنى قولِه: أَسْتَجِبْ لَكُمْ على ذلك القولِ: أي: أُجِبْكم، وأُثِبْكم، وأتقبَّلْ عِبادتَكم، وأغفِرْ لكم، وأعْفُ عنكم وأرحمْكم. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/351، 352)، ((تفسير البغوي)) (4/120)، ((تفسير القرطبي)) (15/326). ويجوزُ أن يكونَ الدُّعاءُ والاستِجابةُ هنا على ظاهِرِهما. وممَّن اختاره: ابنُ جُزَي، فقال: (الدُّعاءُ هنا هو الطَّلبُ والرَّغبةُ، وهذا وعْدٌ مُقيَّدٌ بالمشيئةِ، وهي موافَقةُ القَدَرِ لِمَن أراد أن يَستجيبَ له). ((تفسير ابن جزي)) (2/234). وهو ظاهرُ اختيارِ ابنِ كثيرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/153). وممَّن جمَع بيْن المعنيَينِ، فقال: المرادُ دعاءُ العِبادةِ ودعاءُ المسألةِ: السعديُّ، وابنُ عاشور، والشنقيطيُّ، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 740)، ((تفسير ابن عاشور)) = = (24/181)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/393)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 414). وبِناءً على هذا القولِ تكونُ الاستِجابةُ أُريدَ بها قَبولُ الدعاءِ وإعطاؤُهم سُؤْلَهم، وأيضًا حصولُ أثرِ العِبادةِ وقَبولُها منهم. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/181، 182)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 414). وقال ابن القيِّم: (الدُّعاءُ يَتضمَّنُ النَّوعَينِ [أي: دعاءَ العبادةِ، ودعاءَ المسألةِ]، وهو في دعاءِ العِبادةِ أظهَرُ؛ ولهذا عقَّبَه بقولِه: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ، فُسِّر الدُّعاءُ في الآيةِ بهذا وهذا). ((بدائع الفوائد)) (3/3). وقال ابن تيميَّة: (وكلُّ سائلٍ راغبٍ راهبٍ فهو عابدٌ للمَسؤولِ، وكلُّ عابدٍ له فهو أيضًا راغبٌ وراهبٌ، يَرجو رحمتَه، ويَخافُ عذابَه؛ فكلُّ عابدٍ سائلٌ، وكلُّ سائلٍ عابدٌ، فأحَدُ الاسمَينِ يَتناوَلُ الآخَرَ عندَ تَجرُّدِه عنه، ولكنْ إذا جُمِع بيْنَهما فإنَّه يُرادُ بالسَّائلِ الَّذي يَطلُبُ جَلْبَ المَنفَعةِ ودَفْعَ المَضَرَّةِ بصِيَغِ السُّؤالِ والطَّلَبِ، ويُرادُ بالعابدِ مَن يَطلُبُ ذلك بامتِثالِ الأمرِ وإن لم يكُنْ في ذلك صِيَغُ سؤالٍ). ((الفتاوى الكبرى)) (5/220). .
عن النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في قَولِه تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، قال: ((الدُّعاءُ هو العِبادةُ، وقرأ: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)) [912] أخرجه أبو داود (1479)، والترمذي (3247)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11464)، وابن ماجه (3828)، وأحمد (18352). قال الترمذي: (حسَنٌ صَحيحٌ)، وصَحَّحه ابن حِبَّان في ((الصحيح)) (890)، وابنُ باز في ((مجموع الفتاوى)) (2/112)، والألبانيُّ في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (3828)، وصَحَّح إسنادَه النَّوويُّ في ((الأذكار)) (478)، وشعيبٌ الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (18352)، وجَوَّده ابنُ حجر في ((فتح الباري)) (1/64). .
وعن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ما مِن مُسلِمٍ يدعو بدَعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قَطيعةُ رَحِمٍ إلَّا أعطاه اللهُ بها إحدى ثلاثٍ: إمَّا أن تُعجَّلَ له دَعوتُه، وإمَّا أن يَدَّخِرَها له في الآخِرةِ، وإمَّا أن يَصرِفَ عنه مِنَ السُّوءِ مِثْلَها. قالوا: إذًا نُكثِرُ، قال: اللهُ أكْثَرُ !)) [913] أخرجه مِن طُرُقٍ: أحمدُ (11133) واللَّفظُ له، والحاكم (1816)، والبيهقي في ((شُعَب الإيمان)) (1130). صحَّح إسنادَه الحاكمُ، وحَسَّن الحديثَ ابنُ عساكر في ((معجم الشيوخ)) (1/174)، وذكَرَ ثبوتَه الشَّوكانيُّ في ((فتح القدير)) (1/274)، وابنُ باز في ((مجموع الفتاوى)) (26/122)، وقال الألباني في ((صحيح الترغيب)) (1633): (حسَنٌ صحيحٌ)، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (10/151): (رجالُه رجالُ الصَّحيحِ غيرَ عليِّ بن عليٍّ الرِّفاعيِّ، وهو ثقةٌ). وجوَّد إسنادَه شعيبٌ الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (17/214). .
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ.
أي: إنَّ الَّذين يَتكَبَّرونَ ويَتعاظَمونَ عن عِبادتي ودُعائي سيَدخُلونَ جَهنَّمَ وهم أذِلَّاءُ صاغِرونَ [914] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/354)، ((تفسير ابن كثير)) (7/155)، ((تفسير السعدي)) (ص: 740). .
عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ الله عنهما، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((يُحشَرُ المُتكَبِّرونَ يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ [915] أمثالَ الذَّرِّ: أي: مِثلَ الذَّرَّةِ -وهي النَّملةُ الصَّغيرةُ- في الصِّغَرِ والحَقارةِ. يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمُظْهِري (5/256)، ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3192). في صُوَرِ الرِّجالِ، يَغْشاهم الذُّلُّ مِن كُلِّ مَكانٍ، فيُساقُونَ إلى سِجنٍ في جَهنَّمَ يُسمَّى بُولَسَ، تَعلوهم نارُ الأنْيارِ [916] نارُ الأنْيارِ: أي: نارُ النِّيرانِ، وإضافةُ النَّارِ إليها للمُبالغةِ، كأنَّ هذه النَّارَ لِفَرطِ إحراقِها وشِدَّةِ حَرِّها تَفعَلُ بسائِرِ النِّيرانِ ما تَفعَلُ النَّارُ بغَيرِها، أو لأنَّها أصلُ نِيرانِ العالَمِ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3193). ، يُسقَونَ مِن عُصارةِ أهلِ النَّارِ؛ طِينةِ الخَبالِ [917] طِينةِ الخَبالِ: تفسيرٌ لِما قَبْلَه، وهو اسمُ عُصارةِ أهلِ النَّارِ: وهو ما يَسيلُ منهم مِنَ الصَّديدِ والقَيحِ والدَّمِ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3193). ) [918] أخرجه الترمذي (2492) واللفظ له، وأحمد (6677). قال الترمذي: (حسَنٌ صحيحٌ)، وحَسَّن الحديثَ الألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (2492)، وصَحَّح إسنادَه أحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (10/157)، وحسَّنه شعيبٌ الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (11/260). .
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
كأنَّ اللهَ تعالى قال: إنِّي أنعمْتُ عليك قبْلَ طَلَبِك لهذه النِّعَمِ الجَليلةِ العَظيمةِ، ومَن أنعَم قبْلَ السُّؤالِ بهذه النِّعَمِ العاليةِ، فكيف لا يُنعِمُ بالأشياءِ القَليلةِ بعدَ السُّؤالِ [919] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/528). ؟!
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ.
أي: اللهُ المُستَحِقُّ للعِبادةِ وَحْدَه هو الَّذي خَلَق لكم اللَّيلَ -أيُّها النَّاسُ-؛ لأجْلِ أن تَستَريحوا فيه مِن حَركةِ وعَناءِ أشغالِكم في النَّهارِ [920] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/355)، ((تفسير القرطبي)) (15/328)، ((تفسير ابن كثير)) (7/155)، ((تفسير السعدي)) (ص: 741). قال البقاعي: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ راحةٌ ظاهِريَّةٌ بالنَّومِ الَّذي هو الموتُ الأصغَرُ، وراحةٌ حقيقيَّةٌ بالعبادةِ الَّتي هي الحياةُ الدَّائِمةُ). ((نظم الدرر)) (17/101). .
وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا.
أي: وجَعَلَ اللهُ لكم النَّهارَ مُضيئًا تُبصِرونَ فيه؛ لِتَطلُبوا فيه حوائِجَكم وتَقضُوها [921] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/355)، ((تفسير القرطبي)) (15/328)، ((تفسير ابن كثير)) (7/155)، ((تفسير السعدي)) (ص: 741). .
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ.
أي: إنَّ اللهَ لَمُتفَضِّلٌ على النَّاسِ كافَّةً، وفضْلُه عليهم كثيرٌ جِدًّا، ومِن فَضلِه أنْ جَعَل اللَّيلَ سَكَنًا، والنَّهارَ مُبصِرًا [922] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/355)، ((تفسير الرازي)) (27/529)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/101)، ((تفسير السعدي)) (ص: 741)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 422، 423). .
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ.
أي: ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَشكُرونَ اللهَ على نِعَمِه؛ بالاعتِرافِ بها، أو طاعةِ المُنْعِمِ بها، وإخلاصِ العبادةِ له [923] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/355)، ((تفسير ابن كثير)) (7/155)، ((تفسير السعدي)) (ص: 741). .
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62).
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.
أي: ذَلِكم المتفَرِّدُ بإجابةِ دُعائِكم، الَّذي جَعَل لكم اللَّيلَ سَكَنًا والنَّهارَ مُبصِرًا: هو وَحْدَه اللهُ المُرَبِّي لكم، والمُحسِنُ إليكم، الذي خَلَق كُلَّ شَيءٍ [924] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/355)، ((تفسير الزمخشري)) (4/176)، ((تفسير ابن كثير)) (7/155)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/102)، ((تفسير السعدي)) (ص: 741). .
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
أي: لا مَعبودَ بحقٍّ إلَّا اللهُ، ولا تَنبغي العِبادةُ إلَّا له سُبحانَه دونَ ما سِواه [925] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/355)، ((تفسير ابن كثير)) (7/155)، ((تفسير السعدي)) (ص: 741). .
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ.
أي: فكيف تُصرَفونَ عن الإيمانِ باللهِ وعِبادتِه وَحْدَه إلى عبادةِ غَيرِه، مع قيامِ الأدِلَّةِ على تَوحيدِه [926] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/355)، ((تفسير القرطبي)) (15/328)، ((تفسير ابن كثير)) (7/155)، ((تفسير السعدي)) (ص: 741). ؟!
كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63).
أي: مِثلَ هذا الصَّرفِ العَجيبِ عن التَّوحيدِ والإخلاصِ يُصرَفُ أيضًا كُلُّ مَنِ استَمَرَّ على جُحودِ آياتِ اللهِ عِنادًا ومُكابَرةً، دونَ تأمُّلٍ وتدَبُّرٍ في معانيها ودلائِلِها [927] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (15/328)، ((تفسير ابن كثير)) (7/156)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/104)، ((تفسير السعدي)) (ص: 741)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/188)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 428، 429). قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ: كَذَهابِكم عنه أيُّها القَومُ، وانصِرافِكم عن الحقِّ إلى الباطلِ، والرشدِ إلى الضَّلالِ، ذهَب عنه الَّذين كانوا مِن قَبْلِكم مِن الأمَمِ. بِآَيَاتِ اللَّهِ يعني: بحُجَجِ الله وأدِلَّتِه يُكَذِّبون فلا يؤمِنونَ؛ يقول: فسَلَكْتُم أنتم -مَعْشَرَ قُرَيشٍ- مَسْلَكَهم، وركِبْتُم مَحَجَّتَهم في الضَّلالِ). ((تفسير ابن جرير)) (20/356). !
كما قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: 110].
وقال سُبحانَه: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ [التوبة: 127] .
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى ما امتَنَّ به مِنَ اللَّيلِ والنَّهارِ؛ ذكَرَ أيضًا ما امتَنَّ به مِن جَعلِ الأرضِ مُستَقَرًّا، والسَّماءِ بِناءً [928] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/269). .
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا.
أي: اللهُ الَّذي جَعَل لكم الأرضَ مَوضِعًا مُهَيَّأً للاستِقرارِ عليه دونَ اضطِرابٍ، فتَتمَكَّنونَ مِن الإقامةِ والسُّكنى فيها، والمشْيِ عليها، وحَرْثِها وغَرْسِها والبناءِ عليها [929] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/356)، ((تفسير ابن كثير)) (7/156)، ((تفسير السعدي)) (ص: 741)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 434). قال ابن عاشور: (ويحتملُ أنَّ المعنى: جعَل الأرضَ ذاتَ قرارٍ، أي: قرارٍ لكم، أي: جعَلها مُستقَرًّا لكم، كقولِه تعالى: وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [المؤمنون: 50] ، أي: خلَقها على كيفيَّةٍ تلائمُ الاستِقرارَ عليها بأنْ جعَلها يابسةً غيرَ سائلةٍ، ولو شاء لجعَل سطحَ الأرضِ سيَّالًا كالزِّئبَقِ، فلا يَزالُ الإنسانُ سائخًا فيها يَطفو تارةً ويَسيخُ أخرى، فلا يَكادُ يبقَى على تلك الحالةِ). ((تفسير ابن عاشور)) (24/190) بتصرف. .
وَالسَّمَاءَ بِنَاءً.
أي: وجَعَل اللهُ لكم السَّماءَ بِناءً مَرفوعًا وسَقفًا للأرضِ [930] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/356)، ((تفسير ابن كثير)) (7/156)، ((تفسير السعدي)) (ص: 741)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 435). .
كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا [الأنبياء: 32] .
وقال سُبحانَه: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا [النبأ: 12] .
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لا جَرَمَ أنَّ حِكمةَ اللهِ تعالى الَّتي تَعلَّقَت بإيجادِ ما يَحُفُّ بالإنسانِ مِن العوالَمِ على كيفيَّاتٍ مُلائمةٍ لِحياةِ الإنسانِ وراحَتِه قد تَعلَّقَت بإيجادِ الإنسانِ في ذاتِه على كَيفيَّةٍ مُلائمةٍ له مُدَّةَ بَقاءِ نَوعِه على الأرضِ، وتحْتَ أديمِ السَّماءِ؛ ولذلك أعقَبَ التَّذكيرَ بما مهَّدَ له مِن خلْقِ الأرضِ والسَّماءِ، بالتَّذكيرِ بأنَّه خلَقَه خلْقًا مُستوفيًا مَصلحتَه وراحتَه [931] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/190). ، فقال تعالى:
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ.
أي: خَلَقَكم اللهُ فجعَلَكم في أشكالٍ حَسَنةٍ [932] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/356)، ((تفسير القرطبي)) (15/328)، ((تفسير ابن كثير)) (7/156)، ((تفسير السعدي)) (ص: 741). .
كما قال تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: 4] .
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان الرِّزقُ شَهوةً في ظاهِرِه، وكان مُشتمِلًا على حِكمةِ إمدادِ الجسْمِ بوَسائلِ تَجديدِ قُواهُ الحيويَّةِ، وكان في قولِه: وَرَزَقَكُمْ إيماءٌ إلى نِعمةِ طُولِ الوُجودِ، فلمْ يكُنِ الإنسانُ مِن الموجوداتِ الَّتي تَظهَرُ على الأرضِ، ثمَّ تَضْمحِلُّ في زمَنٍ قريبٍ؛ جمَعَ له بيْنَ حُسنِ الإيجادِ وبيْنَ حُسنِ الإمدادِ، فجعَلَ ما به مَدَدُ الحياةَ -وهو الرِّزقُ- مِن أحسَنِ الطَّيِّباتِ، على خِلافِ رِزقِ بقيَّةِ أنواعِ الحيوانِ [933] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/191). .
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ.
أي: ورزَقَكم اللهُ مِنَ الأرزاقِ الشَّهيَّةِ اللَّذيذةِ النَّافِعةِ [934] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/356)، ((تفسير السمعاني)) (5/29)، ((تفسير ابن كثير)) (7/156)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/105)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 435، 436). قال السعدي: (هذا شامِلٌ لكُلِّ طَيِّبٍ؛ من مأكَلٍ ومَشرَبٍ ومَنكَحٍ، ومَلبَسٍ ومَنظَرٍ ومَسمَعٍ... وغيرِ ذلك من الطَّيِّباتِ الَّتي يسَّرَها اللهُ لعِبادِه، ويسَّرَ لهم أسبابَها، ومنَعَهم مِن الخبائِثِ الَّتي تُضادُّها، وتَضُرُّ أبدانَهم وقُلوبَهم وأديانَهم). ((تفسير السعدي)) (ص: 741). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/567). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء: 70] .
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ.
أي: ذَلِكم الَّذي فعَل هذه الأفعالَ وأنعَمَ عليكم بهذه النِّعَمِ هو اللهُ المُستَحِقُّ للعبادةِ وَحْدَه دونَ غَيرِه، وهو وَحْدَه رَبُّكم الخالِقُ الرَّازِقُ، المالِكُ المدَبِّرُ لجَميعِ شُؤونِكم [935] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/719)، ((تفسير ابن جرير)) (20/356)، ((تفسير السعدي)) (ص: 741). .
قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 21، 22].
فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
أي: فتَعالَى وتَقَدَّس، وكَثُر خَيرُه وإحسانُه: اللهُ خالقُ ومالكُ ورازقُ ومُدَبِّرُ جميعِ الخَلقِ، الَّذي يُربِّيهم بنِعَمِه وإحسانِه [936] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/356، 357)، ((تفسير ابن كثير)) (7/156)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/106، 107)، ((تفسير السعدي)) (ص: 741)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 436). قال ابن عثيمين: (قولُه: الْعَالَمِينَ قال العلماءُ: العالَمُ كلُّ مَن سِوى الله). ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 452). وقال ابن عاشور: (رَبُّ الْعَالَمِينَ خالِقُ أجناسِ العقلاءِ مِن النَّاسِ والملائكةِ والجِنِّ... وهم أشرفُ أجناسِ الموجوداتِ). ((تفسير ابن عاشور)) (24/192). وذكر الشنقيطي أنَّ قولَه تعالى: الْعَالَمِينَ بيَّنه اللهُ سبحانَه في موضعٍ آخَرَ بقولِه: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [الشعراء: 23، 24]. يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/5). .
هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65).
هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
أي: اللهُ هو الَّذي له الحَياةُ الكامِلةُ المُستَلزِمةُ للصِّفاتِ الكامِلةِ؛ فلم يَسبِقْ حياتَه سُبحانَه عَدَمٌ، ولا يَلحَقُها زَوالٌ؛ فهو أزَلًا وأبَدًا حَيٌّ لا يموتُ، لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا هو وَحْدَه سُبحانَه، فلا مِثْلَ له، ولا نَظيرَ له [937] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/357)، ((تفسير ابن كثير)) (7/156)، ((تفسير السعدي)) (ص: 742). .
فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
أي: فادعُوا اللهَ وَحْدَه مُخلِصينَ له بلا رِياءٍ، غيرَ مُشرِكينَ به شَيئًا مِن خَلْقِه [938] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/357)، ((تفسير ابن كثير)) (7/156)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/107)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/193، 194)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 449-451). .
كما قال تعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر: 2].
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
أي: الحمدُ للهِ [939] الحَمدُ هو وصفُ المحمودِ بالكمالِ على وجهِ المحبةِ والتعظيمِ. واللامُ في قولِه: لِلَّهِ للاختِصاصِ -لأنَّ الحمدَ المطلقَ لا يصِحُّ إلَّا لله وحدَه- والاستحقاقِ؛ لأنَّ المستحِقَّ للحَمدِ حقيقةً هو الله عزَّ وجلَّ. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 451). ، خالقِ جميعِ الخَلْقِ ومالكِهم ومُدَبِّرِهم [940] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/357)، ((تفسير السمرقندي)) (3/212)، ((تفسير الزمخشري)) (4/176)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/107)، ((تفسير القاسمي)) (8/318)، ((تفسير السعدي)) (ص: 742)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 449-451). قال ابن عاشور: (يجوزُ أن تكونَ إنشاءً للثَّناءِ على الله... أي: قائِلينَ: الحَمدُ لله رَبِّ العالَمينَ، أو قولوا: الحَمدُ لله رَبِّ العالَمينَ... ويجوزُ أن تكونَ كلامًا مُستأنفًا أريدَ به إنشاءُ الثَّناءِ على اللهِ مِن نَفسِه؛ تَعليمًا للنَّاسِ كيف يَحمَدونَه... وعندي: أنَّه يجوزُ أن يكونَ الْحَمْدُ مَصدرًا جيءَ به بدلًا مِن فِعلِه على معنى الأمرِ، أي: احمَدوا اللهَ رَبَّ العالَمينَ، وعَدَل به عن النَّصبِ إلى الرَّفعِ؛ لِقَصدِ الدَّلالةِ على الدَّوامِ والثَّباتِ). ((تفسير ابن عاشور)) (24/194). .

الفوائد التربوية:

1- قَولُ الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ فيه دَليلٌ على طَلَبِ اللهِ مِن عِبادِه أن يَدعُوه في حاجاتِهم [941] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/183). ، وهذا مِن لُطفِه بعِبادِه، ونِعمتِه العَظيمةِ؛ حيثُ دعاهم إلى ما فيه صَلاحُ دِينِهم ودُنياهم، وأمَرَهم بدُعائِه دُعاءَ العِبادةِ، ودُعاءَ المسألةِ، ووعَدَهم أن يَستجيبَ لهم، وتوعَّدَ مَن استكبَرَ عنها [942] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 740). . قال طاووسٌ لِعَطاءٍ: (إيَّاك أن تَطلُبَ حوائجَك إلى مَن غلَّق دونَك أبوابَه، وجعَل دُونَها حُجَّابَه، وعليك بمَن أمَرَك أن تَسألَه، ووعَدَك الإجابةَ) [943] يُنظر: ((حلية الأولياء)) لأبي نُعَيم (8/141). .
2- قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ هذا تَنبيهٌ مِن اللهِ تعالى على آياتٍ وعِبَرٍ متى تأمَّلَها العاقِلُ أدَّتْه إلى توحيدِ اللهِ، وعبادتِه وحْدَه [944] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/566). .
3- قَولُ الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ تَدبَّرْ هذه الآياتِ الكريماتِ الدَّالَّةَ على سَعةِ رحمةِ اللهِ تعالى، وجَزيلِ فَضلِه، ووُجوبِ شُكرِه، وكَمالِ قُدرتِه، وعظيمِ سُلطانِه، وسَعةِ مُلكِه، وعُمومِ خَلْقِه لجَميعِ الأشياءِ، وكَمالِ حياتِه، واتِّصافِه بالحَمدِ على كُلِّ ما اتَّصَف به مِن الصِّفاتِ الكامِلةِ، وما فعَلَه مِن الأفعالِ الحَسَنةِ، وتمامِ رُبوبيَّتِه، وانفرادِه فيها، وأنَّ جميعَ التَّدبيرِ في العالَمِ العُلويِّ والسُّفليِّ في ماضي الأوقاتِ وحاضِرِها ومُستَقبَلِها: بيَدِ اللهِ تعالى، ليس لأحَدٍ مِن الأمرِ شَيءٌ، ولا مِن القُدرةِ شَيءٌ؛ فيَنتُجَ من ذلك أنَّه تعالى المألوهُ المعبودُ وَحْدَه، الَّذي لا يَستَحِقُّ أحَدٌ سِواه مِن العُبوديَّةِ شَيئًا، كما لم يَستَحِقَّ مِن الرُّبوبيَّةِ شَيئًا، ويَنتُجَ مِن ذلك امتِلاءُ القُلوبِ بمعرفةِ اللهِ تعالى ومحبَّتِه، وخَوفِه ورَجائِه، وهذان الأمْرانِ -وهما مَعرفتُه وعِبادتُه- هما اللَّذانِ خَلَق اللهُ الخَلْقَ لأجْلِهما، وهما الغايةُ المقصودةُ منه تعالى لعبادِه، وهما المُوصِلانِ إلى كُلِّ خَيرٍ وفَلاحٍ وصَلاحٍ، وسَعادةٍ دُنيويَّةٍ وأُخرويَّةٍ، وهما أشرَفُ عطايا الكريمِ لعِبادِه، وهما أشرَفُ اللَّذَّاتِ على الإطلاقِ، وهما اللَّذانِ إنْ فاتا فات كُلُّ خَيرٍ، وحَضَر كُلُّ شَرٍّ [945] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 741). .
4- في قَولِه تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ التَّحذيرُ مِن قياسِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ بأعمالِ العِبادِ، بمعنى أنَّه إذا قيل لشَخصٍ: هذا حرامٌ، فلا يَنْبغي له أن يقولَ: إنَّ كلَّ النَّاسِ يَفعلُه! ولا أن يَجعَلَ المعيارَ أعمالَ النَّاسِ، فهذا خطأٌ؛ فأعمالُ النَّاسِ ليست بحُجَّةٍ؛ قال تعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام: 116] ، فالحُجَّةُ فيما قاله اللهُ ورسولُه فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: 59] ، إذَنْ لا يجوزُ أنْ نَجعَلَ أعمالَ النَّاسِ مِعيارًا للأحكامِ الشَّرعيَّةِ [946] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 426). .
5- قَولُ الله تعالى: كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ فيه أنَّ كُلَّ مَن جَحَد بآياتِ اللهِ ولم يَتأمَّلْها، ولم يكُنْ فيه هِمَّةٌ لِطَلبِ الحَقِّ وخَوفِ العاقِبةِ؛ أُفِكَ كما أُفِكوا [947] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/529). .
6- في قَولِه تعالى: كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ أنَّ الذُّنوبَ تَحولُ بيْنَ الإنسانِ وبينَ رؤيةِ الحقِّ؛ لأنَّ هؤلاء لَمَّا جَحَدوا بآياتِ اللهِ صُرِفوا عنه [948] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 432). .
7- قَولُ الله تعالى: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي: اقصِدوا بكُلِّ عِبادةٍ ودُعاءٍ وعَمَلٍ وَجْهَ اللهِ تعالى؛ فإنَّ الإخلاصَ هو المأمورُ به، كما قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة: 5] [949] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 741). ، فدلَّ قولُه: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ على وُجوبِ الإخلاصِ للهِ عزَّ وجلَّ في العبادةِ والدُّعاءِ [950] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 453). .
8- قولُه تعالى: رَبِّ الْعَالَمِينَ فيه عُمومُ رُبوبيَّةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ويَتَفَرَّعُ على ذلك أنَّه يجبُ أنْ يَقوَى اعتِمادُ الإنسانِ على اللهِ في جَلْبِ المنافعِ، ودَفْعِ المَضارِّ؛ لأنَّه إذا كان اللهُ عزَّ وجلَّ هو ربَّ العالَمينَ فهو مُسيطرٌ على كلِّ العالَمينَ، وله السُّلطانُ على كلِّ العالَمينَ، ويَتَفَرَّعُ على ذلك أيضًا مسألةٌ أخرَى: وهي اللُّجوءُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ عندَ حصولِ المُضايقاتِ مِن بني آدَمَ أو غيرِ بني آدَمَ؛ لأنَّه سبحانَه ربُّ العالَمينَ؛ بيدِه الأمرُ [951] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 446). .

الفوائد العلمية واللطائف:

1- مِن بُشرَى الإنسانِ أنْ يُوفَّقَ للعبادةِ، فمَنْ وُفِّق للعبادةِ على ما يُرضي اللهَ تعالى فهي بُشرَى بالقبولِ، كما أنَّ مَن وُفِّقَ للدُّعاءِ فهو بُشرَى بالإجابةِ؛ قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [952] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/165). .
2- قَولُه تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ظاهِرٌ في تَرجيحِ الدُّعاءِ على التَّفويضِ والاستِسلامِ للقضاءِ، فالدُّعاءُ مِن أعظَمِ العبادةِ، وقد توارَدَت الآثارُ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالتَّرغيبِ فيه، والحثِّ عليه [953] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (11/94). .
3- الدُّعاءُ سببٌ مُقْتضٍ للإجابةِ معَ استِكمالِ شرائطِه، وانتِفاءِ مَوانِعِه، وقد تَتخلَّفُ إجابتُه؛ لانتِفاءِ بعضِ شروطِه، أو وُجودِ بعضِ موانعِه [954] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (2/402). ، أو لِمَصلحةِ الدَّاعي، فأمَّا إذا تمَّتِ الشُّروطُ وانتَفتِ الموانعُ ولم تَقتَضِ المَصلحةُ خِلافَ ما دعا به الدَّاعي؛ فإنَّ اللهَ تعالى يَستجيبُ الدُّعاءَ قطعًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [955] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/239). قال ابنُ تيميَّة: (الدُّعاءُ في اقتِضائِه الإجابةَ كسائرِ الأعمالِ الصَّالحةِ في اقتِضائِها الإثابةَ، وكسائرِ الأسبابِ في اقتِضائِها المُسبَّباتِ). ((مجموع الفتاوى)) (8/192). . وذلك على قولٍ في التَّفسيرِ.
4- في قَولِه تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ دَليلٌ على أنَّ الدُّعاءَ عِبادةٌ يُثابُ عليه الدَّاعي؛ فقد سمَّاه عِبادةً [956] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصَّاب (3/514). . وذلك على قولٍ في التَّفسيرِ.
5- مِن الشَّركِ أنْ يدعوَ العبدُ غيرَ اللهِ؛ وذلك لأنَّ الدُّعاءَ مِن العبادةِ، قال اللهُ تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ، وعِبَادَتِي أي: دعائي؛ فسمَّى اللهُ الدُّعاءَ عِبادةً، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: ((الدُّعاءُ هو العِبادةُ)) [957] يُنظر: ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (1/260). والحديث تقدَّم تخريجُه (ص: 310). . وذلك على قولٍ في التَّفسيرِ.
6- في قَولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ أنَّ الكِبْرَ المُبايِنَ للإيمانِ لا يَدخُلُ صاحِبُه الجنَّةَ، ومِن هذا كِبرُ إبليسَ وكِبرُ فِرعَونَ وغيرِهما مِمَّن كان كِبرُه مُنافيًا للإيمانِ، وكذلك كِبرُ اليَهودِ، وأيضًا الَّذين أخبَرَ اللهُ عنهم بقَولِه تعالى: أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [البقرة: 87] ، والكِبرُ كلُّه مُبايِنٌ للإيمانِ الواجِبِ؛ فمَنْ في قلبِه مِثقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبرٍ لا يَفعَلُ ما أوجَبَ اللهُ عليه، ولا يَترُكُ ما حَرَّمَ عليه، بل كِبرُه يُوجِبُ له جَحْدَ الحقِّ، واحتِقارَ الخَلقِ، وهذا هو الكِبرُ الذَّي فَسَّره النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ حيث قال: ((الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ )) [958] أخرجه مسلم (91) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. ، وبَطَرُ الحَقِّ: جَحْدُه ودَفْعُه. وغَمْطُ النَّاسِ: ازدِراؤُهم واحتِقارُهم، فمَنْ في قَلبِه مِثقالُ ذرَّةٍ مِن هذا يُوجِبُ له أنْ يَجحَدَ الحقَّ الَّذي يَجِبُ عليه أن يُقِرَّ به، وأن يَحتَقِرَ النَّاسَ فيَكونَ ظالِمًا لهم مُعتَديًا عليهم؛ فمَن كان مُضَيِّعًا للحَقِّ الواجبِ ظالِمًا للخَلقِ: لم يكُنْ مِن أهلِ الجنَّةِ ولا مُستَحِقًّا لها، بل يكونُ مِن أهلِ الوعيدِ [959] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/677). .
7- في قَولِه تعالى: سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ أنَّ الجزاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ، يعني: أنَّ العُقوبةَ تُقابِلُ الجُرمَ؛ لأنَّهم لَمَّا استكبَروا في الدُّنيا أُدخِلوا النَّارَ صاغِرينَ في الآخِرةِ [960] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 421). .
8- تَعليلُ أحكامِ اللهِ القَدَريَّةِ -كما هو ثابِتٌ في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ- يعني: أنَّ أحكامَ اللهِ الكَونيَّةَ لا يُمكِنُ أنْ تكونَ إلَّا لحِكمةٍ؛ تُؤخَذُ مِن: لِتَسْكُنُوا، واللَّامُ للتَّعليلِ، إذَنْ جَعَلَ اللهُ ذلك لِنَسكُنَ [961] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 425). .
9- في قَولِه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ وُجوبُ شُكْرِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ والإشارةُ إلى أنْ يكونَ هذا الشُّكرُ مِن جنسِ الفضلِ، فشُكْرُ صاحبِ المالِ لربِّه هو أنْ يُنْفِقَه في سبيلِ اللهِ، وشُكْرُ العِلمِ بَذْلُه، وشُكْرُ مَن أعطاه اللهُ شجاعةً وقوَّةً بَدَنيَّةً -والجهادُ قائمٌ- أنْ يُجاهِدَ في سبيلِ اللهِ، إذًا الشكرُ مِن جنسِ النِّعَمِ [962] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 426). .
10- قَولُه: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ بعدَ: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فيه بناءُ توحيدِ الألوهيَّةِ على توحيدِ الرُّبوبيَّةِ؛ فقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أي: لا مَعبودَ بحقٍّ إلَّا هو، أي: لا تَعبُدوا إلَّا إيَّاه [963] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 432). .
11- قال الله تعالى: كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ، فدَلَّ هذا على أنَّ كُلَّ مَن تكَبَّرَ عن حَقٍّ فأنكَرَه مع عِلْمِه به، عُوقِبَ بمَسخِ القَلبِ وعَكْسِ الفَهمِ؛ فصار له الصَّرفُ عن وُجوهِ الدَّلائِلِ إلى أقفائِها دَيْدَنًا، بحيث يموتُ كافِرًا إنْ لم يَتدارَكْه اللهُ برَحمةٍ منه [964] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/104). .
12- قال الله تعالى: كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ هذا أصلٌ عَظيمٌ في الأخلاقِ العِلميَّةِ؛ فإنَّ العُقولَ الَّتي تَتخَلَّقُ بالإنكارِ والمُكابَرةِ قبْلَ التَّأمُّلِ في المعلوماتِ: تُصرَفُ عن انكِشافِ الحقائِقِ العِلميَّةِ، فتَختَلِطُ عليها المعلوماتُ، ولا تُميِّزُ بيْنَ الصَّحيحِ والفاسِدِ [965] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/188، 189). .
13- في قَولِه تعالى: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ تحريمُ التَّصويرِ؛ فإنَّ مَن صَوَّرَ فقد نازَعَ اللهَ تعالى فيما هو مِن اختِصاصِه وهو الخَلْقُ، ولهذا جاء في الحديثِ: ((إنَّ أصحابَ هذه الصُّوَرِ يُعذَّبونَ يومَ القيامةِ، ويُقالُ لهم: أَحيوا ما خَلَقْتُم )) [966] أخرجه البخاري (7557)، ومسلم (2107) من حديث عائشةَ رضي الله عنها. ، وهذا هو الصَّحيحُ أنَّ التَّصويرَ حرامٌ؛ بل هو مِن كبائرِ الذُّنوبِ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لَعَنَ فاعِلَه، فأمَّا الصُّورةُ التِّمثاليَّةُ فهذه لا شكَّ في تحريمِها، وكذلك التَّصويرُ باليدِ الصَّحيحُ أنَّه حرامٌ، أمَّا التَّصويرُ بالالتِقاطِ (التَّصوير الفوتوغرافي) فمُختلَفٌ فيه بيْنَ المتأخِّرينَ اختلافًا كبيرًا [967] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 440). ويُنظر أيضًا: ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/6، 446-447). قال ابن عثيمين عن التصويرِ الفوتوغرافي: (والَّذي يَتبيَّنُ لي أنَّه لا يدخُلُ في التَّصويرِ؛ لأنَّ هذا لم يخلقْ بيدِه كما خلَق اللهُ عزَّ وجلَّ... فإن كان لغرَضٍ مُباحٍ فهو مُباحٌ، وإن كان لغرَضٍ مُحرَّمٍ فهو مُحرَّمٌ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 441، 442). .
14- قال الله تعالى: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ إذا أردْتَ أن تَعرِفَ حُسنَ الآدَميِّ وكَمالَ حِكمةِ اللهِ تعالى فيه، فانظُرْ إليه عُضوًا عُضوًا: هل تجِدُ عُضوًا مِن أعضائِه يَليقُ به ويَصلُحُ أن يكونَ في غيرِ مَحلِّه؟! وانظُرْ أيضًا إلى المَيلِ الَّذي في القُلوبِ بَعضِهم لِبَعضٍ: هل تجِدُ ذلك في غيرِ الآدَميِّينَ؟! وانظُرْ إلى ما خَصَّه اللهُ به مِنَ العَقلِ والإيمانِ، والمحبَّةِ والمَعرِفةِ؛ الَّتي هي أحسَنُ الأخلاقِ المُناسِبةِ لأجمَلِ الصُّوَرِ [968] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 741). .
15- قال الله تعالى: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ، فإن وُجِد بعضُ النَّاسِ قبيحَ المنظرِ، فلا يُخرِجُه ذلك عن حُسنِ الصُّورةِ الإنسانيَّةِ، وإنَّما هو قبيحٌ بالنَّظرِ إلى مَن هو أحسَنُ منه مِن النَّاسِ [969] يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/380). .
16- في قَولِه تعالى: الْعَالَمِينَ أنَّ كلَّ المخلوقاتِ آيةٌ على اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فالعالَمونَ كلُّ مَن سِوى اللهِ تعالى، وهم سُمُّوا بذلك لأنَّهم عَلَمٌ على خالِقِهم جلَّ وعلا [970] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة غافر)) (ص: 447). .
17- في قَولِه تعالى: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أنَّ الإجابةَ مُشترَطةٌ بالإخلاصِ [971] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (11/95). .

بلاغة الآيات:

1- قولُه تعالَى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ
- قولُه: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ كلامٌ مُستأنَفٌ مَسوقٌ لِبَيانِ فضْلِ الدُّعاءِ [972] يُنظر: ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/504، 505). .
- والاستِجابةُ تُطلَقُ على إعطاءِ المَسؤولِ لِمَن سأَلَه، وهو أشهَرُ إطلاقِها، وتُطلَقُ على أثَرِ قَبولِ العِبادةِ بمَغفرةِ الشِّركِ السَّابقِ، وبحُصولِ الثَّوابِ على أعمالِ الإيمانِ؛ فإفادةُ الآيةِ على معنى طَلَبِ الحاجةِ مِن اللهِ يُناسِبُ تَرتُّبَ الاستِجابةِ على ذلك الطَّلبِ مُعلَّقًا على مَشيئةِ اللهِ، أو على استيفاءِ شُروطِ قَبولِ الطَّلبِ، وإعطاءِ خَيرٍ منه في الدُّنيا، أو إعطاءِ عِوَضٍ منه في الآخرةِ. وإفادتُها على معنَى إفرادِ اللهِ بالعبادةِ، أي: بأنْ يَتوبوا عن الشِّركِ؛ فتَرتُّبُ الاستِجابةِ هو قَبولُ ذلك؛ فإنَّ قَبولَ التَّوبةِ مِن الشِّركِ مَقطوعٌ به. فلمَّا جَمَعَت هذِه الآيةُ بيْن الفِعلَينِ على تَفاوُتٍ بيْن شُيوعِ الإطلاقِ في كِلَيهما، عَلِمْنا أنَّ في المعنى المرادِ ما يُشْبِهُ الاحتباكَ [973] الاحتِباكُ: هو الحذفُ مِن الأوائلِ لدَلالةِ الأواخِرِ، والحذفُ مِن الأواخرِ لدَلالةِ الأوائلِ، إذا اجتمَع الحَذفانِ معًا، وله في القرآنِ نظائرُ، وهو مِن إبداعاتِ القرآنِ وعناصرِ إعجازِه، وهو مِن ألطَفِ الأنواعِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/204)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (1/347). ؛ بأنْ صُرِّحَ بالمعنى المشهورِ في كِلا الفِعلَينِ، ثمَّ أُعقِبَ بقولِه: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي، فعَلِمْنا أنَّ المرادَ الدُّعاءُ والعِبادةُ، وأنَّ الاستِجابةَ أُرِيدَ بها قَبولُ الدُّعاءِ، وحُصولُ أثَرِ العبادةِ؛ ففِعلُ ادْعُونِي مُستعمَلٌ في مَعْنَييْه بطَريقةِ عُمومِ المشترَكِ [974] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/182). .
وعلى القولِ بأنَّ الدُّعاءَ المرادُ به: العبادةُ ففي قولِه: أَسْتَجِبْ لَكُمْ مُشاكَلةٌ؛ لأنَّ الإثابةَ مُترتِّبةٌ عليها [975] يُنظر: ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/504، 505). .
- وتَعريفُ اللهِ بوَصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَميرِ المخاطَبينَ رَبُّكُمُ؛ لِما في هذا الوصْفِ وإضافتِه مِن الإيماءِ إلى وُجوبِ امتِثالِ أمْرِه؛ لأنَّ مِن حقِّ الرُّبوبيَّةِ امتثالَ ما يَأمُرُ به مَوصوفُها؛ لأنَّ المَربوبَ مَحقوقٌ بالطَّاعةِ لِربِّه؛ ولهذا لم يُعرَّجْ مع هذا الوصفِ على تَذكيرٍ بنِعمتِه، ولا إشارةٍ إلى كَمالاتِ ذاتِه [976] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/182). .
- وجُملةُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ تَعليلٌ للأمرِ بالدُّعاءِ تَعليلًا يُفِيدُ التَّحذيرَ مِن إبايةِ دُعاءِ اللهِ حِينَ الإقبالِ على دُعاءِ الأصنامِ، وكان المشْرِكونَ لا يَضَّرَّعون إلى اللهِ إلَّا إذا لم يَتوسَّموا استِجابةَ شُركائِهم، كما قال تعالى: فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ [الإسراء: 67] ، ومعنى التَّعليلِ للأمْرِ بالدُّعاءِ بهذا التَّحذيرِ: أنَّ اللهَ لا يُحِبُّ لِعِبادِه ما يُفْضي بهم إلى العَذابِ؛ ففي الآيةِ دَليلٌ على طَلَبِ اللهِ مِن عِبادِه أنْ يَدعُوه في حاجاتِهم، وفي الإتيانِ بالموصولِ إيماءٌ إلى التَّعليلِ [977] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/534)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/182، 183). .
2- قولُه تعالَى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ
- قولُه: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ يَجوزُ أنْ يكونَ اسمُ الجلالةِ بدَلًا مِن رَبُّكُمُ في وَقَالَ رَبُّكُمُ [غافر: 60] ؛ أُتبِعَ رَبُّكُمُ بالاسمِ العَلَمِ لِيُقْضى بذلك حَقَّانِ: حقُّ استِحقاقِه أنْ يُطاعَ بمُقْتضى الرُّبوبيَّةِ والعُبوديَّةِ، وحقُّ استِحقاقِه الطَّاعةَ لِصِفاتِ كَمالِه الَّتي يَجمَعُها اسمُ الذَّاتِ؛ ولذلك لم يُؤْتَ معَ وَصْفِ الرَّبِّ المتقدِّمِ بشَيءٍ مِن ذِكرِ نِعَمِه ولا كَمالاتِه؛ اجتزاءً بمُقْتَضَى حقِّ الرُّبوبيَّةِ، وذُكِرَ مع الاسمِ العَلَمِ بعضُ إنعامِه وإفضالِه، ثمَّ وُصِفَ الاسمُ بالمَوصولِ وصِلَتِه؛ إشارةً إلى بَعضِ صِفاتِه، وإيماءً إلى وَجْهِ الأمْرِ بعِبادتِه، وتكونَ الجُملةُ استنئافًا بَيانيًّا ناشئًا عن تَقْويةِ الأمْرِ بدُعائِه.
ويجوزُ أنْ يكونَ اسمُ الجلالةِ مُبتدَأً، والموصولُ صِفةً له، ويكونَ الخبَرُ قولَه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ [غافر: 64] ، ويكونَ جُملةُ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ مُعترِضةً، أو أنْ يكونَ اسمُ الجلالةِ مُبتدَأً، والموصولُ خبَرًا، واعتبارُ الجُملةِ مُستأنَفةً، وهو أحسَنُ مِن اعتبارِ اسمِ الجلالةِ بَدَلًا؛ لأنَّه أنسَبُ بالتَّوقيفِ على سُوءِ شُكْرِهم، وبمَقامِ تَعدادِ الدَّلائلِ، وأسعَدُ بقولِه: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا [غافر: 64] ، فتَكونَ الجُملةُ واقِعةً مَوقِعَ التَّعليلِ لِجُملةِ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: 60] ، أي: تَسبَّبوا لأنفُسِهم بذلك العِقابِ؛ لأنَّهم كَفَروا نِعمةَ اللهِ؛ إذ جَعَل لهم اللَّيلَ والنَّهارَ. وعلى هذه الاعتِباراتِ كلِّها فقد سجَّلَت هذه الآيةُ على النَّاسِ تَقسيمَهم إلى شاكرِ نِعمةٍ، وكَفُورِها، كما سجَّلَت عليهم الآيةُ السَّابِقةُ تَقسيمَهم إلى مُؤمنٍ بوَحدانيَّةِ اللهِ، وكافرٍ بها [978] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/183، 184). .
- وهذه الآيةُ للتَّذكيرِ بنِعمةِ اللهِ تعالى على الخلْقِ، كما اقتَضاهُ لامُ التَّعليلِ في قولِه: لَكُمْ، واقتضاهُ التَّذييلُ بقولِه: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ، وأُدمِجَ في التَّذكيرِ بالنِّعمةِ استِدلالٌ على انفِرادِه تعالى بالتَّصرُّفِ بالخلْقِ والتَّدبيرِ الَّذي هو مُلازِمٌ حَقيقةَ الإلهيَّةِ [979] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/184). .
- وفي قولِه: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ابتُدِئَ الاستِدلالُ بدَلائلِ الأكوانِ العُلْويَّةِ وآثارِها الواصِلةِ إلى الأكوانِ السُّفليَّةِ، وهي مَظهَرُ النِّعمةِ باللَّيلِ والنَّهارِ؛ فهما تَكوينانِ عَظيمانِ دالَّانِ على عَظيمِ قُدْرةِ مُكوِّنِهما ومُنظِّمِهما، وجاعِلِهما مُتعاقِبَينِ، فنِيطَتْ بهما أكثرُ مَصالحِ هذا العالَمِ ومَصالحِ أهْلِه [980] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/184). .
- وفي قولِه: وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا أُسنِدَ الإبصارُ إلى النَّهارِ؛ للتَّنويهِ بشَأْنِ إبصارِ النَّاسِ في الضِّياءِ، وكَثرةِ الفوائدِ الحاصِلةِ لهم مِن ذلك؛ لِقُوَّةِ الملابَسةِ بيْنَ الأفعالِ وزَمانِها، فأُسنِدَ إبصارُ النَّاسِ إلى نفْسِ النَّهارِ؛ لأنَّه سبَبُ بَعضِه، وسَببُ كَمالِ بعضٍ آخَرَ. فأمَّا نِعمةُ السُّكونِ في اللَّيلِ فهي نِعمةٌ واحدةٌ؛ هي رُجوعُ النَّشاطِ. وفي ذِكرِ اللَّيلِ والنَّهارِ تَذكيرٌ بآيةٍ عَظيمةٍ مِن المخلوقاتِ، وهي الشَّمسُ الَّتي يَنشَأُ اللَّيلُ مِن احتِجابِ أشِعَّتِها عن نِصفِ الكُرةِ الأرضيَّةِ، ويَنشَأُ النَّهارُ مِن انتِشارِ شُعاعِها على النِّصفِ المقابِلِ مِن الكُرةِ الأرضيَّةِ، ولكنْ لَمَّا كان المَقصدُ الأوَّلُ مِن هذه الآيةِ الامتنانَ، ذُكِرَ اللَّيلُ والنَّهارُ دونَ الشَّمسِ، وقد ذُكِرَت الشَّمسُ في آياتٍ أُخرى كان الغرَضُ الأهمُّ منها الدَّلالةَ على عَظيمِ القُدرةِ والوَحدانيَّةِ، كقولِه: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [الأنعام: 96] . ودلَّت مُقابَلةُ تَعليلِ إيجادِ اللَّيلِ بعِلَّةِ سُكونِ النَّاسِ فيه بإسنادِ الإبصارِ إلى ذاتِ النَّهارِ -وإنَّما المُبصِرونَ النَّاسُ في النَّهارِ- على احتباكٍ [981] الاحتِباكُ: هو الحذفُ مِن الأوائلِ لدَلالةِ الأواخِرِ، والحذفُ مِن الأواخرِ لدَلالةِ الأوائلِ، إذا اجتمَع الحَذفانِ معًا، وله في القرآنِ نظائرُ، وهو مِن إبداعاتِ القرآنِ وعناصرِ إعجازِه، وهو مِن ألطَفِ الأنواعِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/204)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (1/347). ؛ إذ يُفهَمُ مِن كِلَيهما أنَّ اللَّيلَ ساكنٌ أيضًا، وأنَّ النَّهارَ خُلِقَ لِيُبصِرَ النَّاسُ فيه؛ إذ المِنَّةُ بهما سواءٌ، فهذا مِن بَديعِ الإيجازِ، ولم يُعكَسْ فيُقَلْ: (جعَلَ لكمُ اللَّيلَ ساكنًا والنَّهارَ لِتُبْصِروا فيه)؛ لئلَّا تَفوتَ صَراحةُ المرادِ مِن السُّكونِ؛ كيْلَا يُتوهَّمَ أنَّ سُكونَ اللَّيلِ هو شِدَّةُ الظَّلامِ فيه كما يُقالُ: لَيلٌ ساجٍ؛ لِقِلَّةِ الأصواتِ فيه [982] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/175، 176)، ((تفسير البيضاوي)) (5/62)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/536)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/185)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/506). .
- وقيل: قدَّم ذِكْرَ اللَّيلِ على ذِكْرِ النَّهارِ معَ أنَّ النَّهارَ أشرَفُ مِن اللَّيلِ؛ لأنَّ الظُّلمةَ طبيعةٌ عَدَمِيَّةٌ، والنُّورَ طبيعةٌ وُجودِيَّةٌ، والعدَمُ في المُحْدَثاتِ مُقَدَّمٌ على الوُجودِ [983] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/529). .
- وقولُه: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ اعتِراضٌ، وهو كالتَّذييلِ لِجُملةِ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا؛ لأنَّ الفضْلَ يَشملُ جعْلَ اللَّيلِ والنَّهارِ وغيرِ ذلك مِن النِّعَمِ، ولأنَّ (النَّاسَ) يَعُمُّ المخاطَبينَ بقولِه: جَعَلَ لَكُمُ وغيرَهم مِن النَّاسِ [984] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/62)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/186). .
- وتَنكيرُ فَضْلٍ للتَّعظيمِ؛ لأنَّ نِعَمَ اللهِ تعالى عظيمةٌ جَليلةٌ، وأنْ يُجعَلَ فضْلًا لا يُوازيهِ فضْلٌ؛ ولذلك قال: لَذُو فَضْلٍ، ولم يقُلْ: لَمُتفضِّلٌ، ولا: لَمُفضِلٌ، فعُدِلَ إلى إضافةِ (ذو) إلى (فضْل)؛ لِتأتِّي التَّنكيرِ المُشعِرِ بالتَّعظيمِ، وعُدِلَ عن نَحْوِ: له فضْلٌ، إلى لَذُو فَضْلٍ؛ لِما يَدلُّ عليه (ذو) مِن شَرَفِ ما يُضاف هو إليه [985] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/176)، ((تفسير البيضاوي)) (5/62)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/186). .
- والاستِدراكُ بـ (لكنَّ) في قولِه: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ناشئٌ عن لازِمِ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ؛ لأنَّ الشَّأنَ أنْ يَشكُرَ النَّاسُ ربَّهم على فضْلِه، فكان أكثَرُهم كافرًا بنِعَمِه، وأيُّ كُفرٍ للنِّعمةِ أعظَمُ مِن أنْ يَترُكوا عِبادةَ خالِقِهم المتفضِّلِ عليهم ويَعْبُدوا ما لا يَملِكُ لهم نفْعًا ولا ضَرًّا؟! وخرَجَ بقولِه: أَكْثَرَ النَّاسِ الأقلُّ، وهم المؤمِنون؛ فإنَّهم أقلُّ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [986] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/62)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/186). [المائدة: 100] .
- وأيضًا في قولِه: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ وضْعُ الظاهرِ مَوضِعَ المُضمَرِ؛ فقد كان السِّياقُ يَقْتضي أنْ يُقالَ: (ولكنَّ أكثَرَهم لا يَشكُرون)، فلا يَتكرَّرُ ذِكرُ النَّاسِ، ولكنْ في هذا التَّكريرِ تَخصيصٌ لِكُفرانِ النِّعمةِ بهم، وأنَّهم هم الَّذين يَكفُرونَ فضْلَ اللهِ ولا يَشكُرونَه، وأنَّهم هم المُتميِّزونَ بهذه الصِّفةِ المنبوَّةِ على الطِّباعِ؛ تَتوالى عليهم النِّعَمُ، وتَترادَفُ الآلاءُ، ويَتهيَّأُ لهم كلُّ ما يَصْبُون إليه مِن مَناعمِ العَيشِ، وهم مُصِرُّون على الجُحودِ والنُّكرانِ! ألَيْسَتْ هذه سِمَةَ النَّاسِ في مُختلِفِ الظُّروفِ والأحوالِ [987] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/176)، ((تفسير البيضاوي)) (5/62)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/537)، ((تفسير أبي السعود)) (7/282)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/186)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/507). ؟!
- وفي قولِه تعالَى: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ [غافر: 57، 58]، وبعْدَه: إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ * وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ * اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا [غافر: 59 - 61]، ثمَّ بعْدَه: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [غافر: 61] : مُناسَبةٌ حسَنةٌ، حيثُ اختلَفَت المواضعُ الثَّلاثةُ الَّتي جاء فيها لَا يَعْلَمُونَ، ثمَّ لَا يُؤْمِنُونَ، ثمَّ لَا يَشْكُرُونَ؛ وذلك أنَّ مَن أقرَّ بخلْقِ السَّمواتِ والأرضِ، وأنكَرَ الإعادةَ والبعثَ نُبِّهَ على أنْ يَعلَمَ أنَّ مَن قدَرَ على الأكبَرِ قادرٌ على الأصغَر، وهذا مَوضعٌ يَفتقِرُ إلى العِلمِ الَّذي نَفاهُ عمَّن لمْ يُقِرَّ به، فقال: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [غافر: 57] ، فاختُصَّ هذا الموضعُ بنَفْيِ العِلمِ، والعِلمُ هو المحتاجُ إليه، والمبعوثُ عليه. وأمَّا قولُه: إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ [غافر: 59] فإنَّ مَن أنكَرَ البعثَ فهو مُحتاجٌ إلى الإيمانِ به بعْدَ عِلْمِه أنَّ القادرَ على خلْقِ السَّمواتِ والأرضِ قادرٌ على أنْ يَخلُقَ مِثلَهم. وأمَّا قولُه: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [غافر: 61] فمَن كان للهِ فضْلٌ عليه، فهو مُحتاجٌ إلى أنْ يُؤدِّيَ حقَّه بالشُّكرِ، فقال تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ، أي: لا يُقابِلون نِعمةَ اللهِ عليهم بما يَسْتديمُها لهم مِن الشُّكرِ الَّذي يَربِطُها لَدَيهم، بهذا بان أنَّ كلَّ ما خُتِمَت به آيةٌ هو في مَكانِه اللَّائقِ به [988] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 1132-1134)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 220)، ((ملاك التأويل)) للغرناطي (2/432، 433)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/537)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/411)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 502، 503). .
- ومِن المناسَبةِ أيضًا قولُه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ، وقال في سُورةِ (يُونسَ): إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ [يونس: 60] ، فأظهَرَ (النَّاسَ) في مَوضعِ الإضمارِ في سُورةِ (غافرٍ)، وأضمَرَ في مَوضعِ الإظهارِ في سُورةِ (يُونسَ)؛ وذلك لِمُناسَبةٍ حَسَنةٍ: وهي أنَّ كلَّ مَوضعٍ يَحتمِلُ الإضمارَ لِقُرْبِ الذِّكرِ، ويَحتمِلُ الإظهارَ لِتَعظيمِ الأمْرِ، وذِكرُ أخصِّ الأسماءِ المقصودِ بالتَّقريعِ والتَّفنيدِ؛ فإنَّه يُحمَلُ على ما يلائِمُ الآياتِ المتقدِّمةَ له؛ فأمَّا في سورةِ (غافرٍ) فإنَّ هذا الموضعَ محمولٌ على الآياتِ الَّتي قبْلَه، وهي قولُه: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [غافر: 57] ، وقال بعدَه: إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ [غافر: 59] ، ثمَّ جاء: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ، فأظهَرَ ذِكرَ النَّاسِ كما أظهر في الآيتَينِ قبْلَها للمُشاكَلةِ والمُلاءَمةِ، وليس كذلك الأمرُ في سورةِ يونسَ عليه السَّلامُ؛ لأنَّ الكلامَ هناك بُنيَ على الإضمارِ في الآيِ المُتقدِّمةِ، فقد قال تعالى مُخبِرًا عمَّن يَدخُلُ مِن الظَّالِمينَ النَّارَ: ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [يونس: 52] ، فانقَضى هذا الكلامُ، واستُؤنِفَ خَبَرٌ عن القَومِ الَّذين بعَثَ اللهُ رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهم، فقال: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [يونس: 53] ، فأضمَرَ ذِكرَه في قولِه: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ، ثمَّ قال بعدَه: أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [يونس: 55] ، فأضمَرَ ما أضاف إليه أكثَرَ، ثمَّ انْتَهى إلى قولِه تعالى بعْدَه: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ [يونس: 60] ، فاقْتَضى ما بُنِيَ عليه الكلامُ في هذه الآياتِ أنْ يكونَ ما بعْدَ الشَّرطِ بلَفظِ الإضمارِ كما كان ما تَقدَّمه، فاختِلافُ المَوضعَينِ في الإظهارِ والإضمارِ لِما ذُكِرَ [989] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 1129-1131)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 220)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/411). .
3- قولُه تعالَى: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
- قولُه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ الإشارةُ بـ ذَلِكُمُ إلى اسمِ الجلالةِ في قولِه: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [غافر: 61] ، وعُدِلَ عن الضَّميرِ إلى اسمِ الإشارةِ؛ لإفادةِ أنَّه تعالى مَعلومٌ مُتميِّزٌ بأفعالِه المنفرِدِ بها، بحيث إذا ذُكِرَت أفعالُه تميَّزَ عمَّا سِواهُ، فصار كالمشاهَدِ المشارِ إليه، فكيف تَلتبِسُ إلهيَّتُه بإلهيَّةٍ مَزعومةٍ للأصنامِ؟! فليستْ للَّذين أشْرَكوا به شُبهةٌ تُلبِّسُ عليهمْ ما لا يَفعَلُ مِثلَ فِعلِه، أي: ذلِكم ربُّكم لا غيرُه، وفي اسمِ الإشارةِ هذا تَعريضٌ بغَباوةِ المُخاطَبينَ الَّذين الْتبَسَت عليهم حَقيقةُ إلهيَّتِه [990] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/187). .
- وفي قولِه: اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أخبارٌ أربعةٌ عن اسمِ الإشارةِ مُترادِفةٌ تُخصِّصُ اللَّاحِقةُ منها السَّابقةَ وتُقرِّرُها، وابتُدِئَ فيها بالاسمِ الجامعِ لِصِفاتِ الإلهيَّةِ إجمالًا اللَّهُ، وأُردِفَ بقولِه: رَبُّكُمْ، أي: الَّذي دبَّرَ خلْقَ النَّاسِ، وهيَّأَ لهمْ ما به قِوامُ حَياتِهم. ولَمَّا كان في معنى الرُّبوبيَّةِ مِن معنى الخلْقِ ما هو خلْقٌ خاصٌّ بالبشَرِ أرْدَفَ بأنَّه خالقُ الأشياءِ كلِّها كما خلَقَهم فقال: خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وأردَفَ بنَفْيِ الإلهيَّةِ عن غَيرِه، فجاءتْ مَضامينُ هذه الأخبارِ الأربعةِ مُترتِّبةً بطَريقةِ التَّرقِّي، وكان رابعُها نَتيجةً لها. ثمَّ فُرِّعَ عليها استِفهامٌ تَعجُّبيٌّ -فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ- مِنِ انصِرافِهم عن عِبادتِه إلى جانبِ عِبادةِ غَيرِه، مع وُضوحِ فَسادِ إعراضِهم عن عِبادتِه [991] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/62)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/187). !
- وجِيءَ قولُه: تُؤْفَكُونَ بالبناءِ لِما لمْ يُسَمَّ فاعلُه؛ لإجمالٍ بسَببِ إعراضِهم؛ إذ سيُبيَّنُ بحاصلِ الجُملةِ بعْدَه [992] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/187). .
4- قولُه تعالَى: كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ هذه الجُملةُ مُعترِضةٌ بمَنزلةِ التَّعليلِ لِمَضمونِ الجُملةِ الَّتي قبْلَها، وهو التَّعجُّبُ مِن انصِرافِهم عن عِبادةِ ربِّهم؛ خالِقِهم وخالقِ كلِّ شَيءٍ؛ فإنَّ في تَعليلِ ذلك ما يُبيِّنُ سَببَ التَّعجُّبِ، فجِيءَ في جانبِ المأْفوكِينَ بالمَوصولِ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ؛ لأنَّ الصِّلةَ تُومِئُ إلى وَجهِ بِناءِ الخبَرِ وعِلَّتِه، أي: أنَّ استِمرارَهم على الجحْدِ بآياتِ اللهِ دونَ تأمُّلٍ ولا تَدبُّرٍ في مَعانيها ودَلائلِها، يَطبَعُ نُفوسَهم على الانصِرافِ عن العِلمِ بوُجوبِ الوَحدانيَّةِ له تعالى؛ فالإشارةُ بـ (ذلك) إلى الإفْكِ المأخوذِ مِن فِعلِ تُؤْفَكُونَ [غافر: 62] ، أي: مِثلَ إفْكِكُم ذلك يُؤفَكُ الَّذين كانوا بآياتِ اللهِ يَجْحَدون [993] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/188). .
- ويجوزُ أنْ يكونَ المرادُ بـ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ المخاطَبينَ بقولِه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ [غافر: 62] ، ويكونَ الموصولُ وصِلَتُه إظهارًا في مَقامِ الإضمارِ، والمعنى: كذلك تُؤفَكونَ، أي: مِثلَ إفْكِكُم تُؤفَكونَ، ويكونَ التَّشبيهُ مُبالَغةً في أنَّ إفْكَهم بلَغَ في كُنْهِ الإفكِ النِّهايةَ، بحيثُ لو أرادَ المُقرِّبُ أنْ يُقرِّبَه للسَّامعينَ بشَبيهٍ له، لم يَجِدْ شَبيهًا له أوضَحَ منه وأجْلى في ماهيَّتِه، فلا يَسَعُه إلَّا أنْ يُشبِّهَه بنفْسِه على الطَّريقةِ المألوفةِ المبيَّنةِ في قولِه تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة: 143] ، وبذلك تكونُ صِلةُ المَوصولِ مِن قولِه: الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ إيماءً إلى عِلَّةِ إفْكِهم تَعليلًا صَريحًا.
 ويجوزُ أنْ يكونَ المرادُ بـ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ كلَّ مَن جحَدَ بآياتِ اللهِ مِن مُشْركي العرَبِ، ومِن غَيرِهم مِن المشركينَ والمكذِّبينَ، فيَصيرَ التَّعليلُ المُومأُ إليه بالصِّلةِ تَعليلًا تَعريضيًّا؛ لأنَّه إذا كان الإفكُ شأْنَ الَّذين يَجحَدون بآياتِ اللهِ كلِّهم، فقد شمِلَ ذلك هؤلاء بحُكْمِ المُماثَلةِ [994] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/188). .
- قولُه: كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ صِيغةُ المضارِعِ لاستِحضارِ الحالةِ، وذِكرُ فِعلِ الكَونِ؛ للدَّلالةِ على أنَّ الجحْدَ بآياتِ اللهِ شأْنُهم وهِجِّيراهم [995] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/188). .
5- قولُه تعالَى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ استِئنافٌ ثانٍ بِناءً على أنَّ اسمَ الجلالةِ مُبتدَأٌ، والموصولَ صِفةٌ له، ويكونُ الخبرُ قولَه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، أوْ يكونُ اسمُ الجلالةِ مُبتدَأً والموصولُ خَبَرًا، ولم تُعطَفْ هذه الجملةُ على الَّتي قبْلَها؛ لأنَّ المقامَ مَقامُ تَعدادِ دَلائلِ انفرادِه تعالى بالتَّصرُّفِ وبالإنعامِ عليهم؛ حتَّى يَفتضِحَ حُمقُهم وفسادُ رأيِهم في الإشراكِ به وكُفرانِ نِعَمِه، فذكَّرَهم في الآيةِ السَّابقةِ بآثارِ قُدْرتِه في إيجادِ الأعراضِ القائمةِ بجَواهرِ هذا العالَمِ، وهما عَرَضا الظُّلمةِ والنُّورِ، وفي كِلَيهما نِعَمٌ عَظيمةٌ على النَّاسِ، وذكَّرَهم في هذه الآيةِ بآثارِ خلْقِ الجواهرِ في هذا العالَمِ على كَيفيَّاتٍ هي نِعمةٌ لهم، وفي خلْقِ أنفُسِهم على صُوَرٍ صالحةٍ بهم. فأمَّا إنْ جُعِلَ اسمُ الجلالةِ في قولِه: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا بدَلًا مِن رَبُّكُمُ في وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي [غافر: 60] ؛ فإنَّ جُملةَ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا تكونُ مُستأْنَفةً استئنافًا ابتدائيًّا، والموصولُ وصِلَتُه يَجوزُ أنْ يكونَ صِفةً لاسمِ الجَلالةِ، فيكونَ الخبَرُ قولَه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، وهو أَولى؛ لأنَّ المقصودَ إثباتُ إلهيَّتِه وحْدَه، بدَليلِ ما هو مُشاهَدٌ مِن إتقانِ صُنْعِه الممْزوجِ بنِعمتِه، ويجوزُ أنْ يكونَ الموصولُ خبَرًا، فيكونَ الخبَرُ مُستعمَلًا في الامتنانِ والاعتبارِ [996] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/189). .
- وقيل: إنَّ قولَه: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ... استئنافٌ لِبَيانِ تَفضُّلِه تعالى المتعلِّقِ بالمكانِ، بعْدَ بَيانِ تَفضُّلِه المتعلِّقِ بالزَّمانِ [997] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/282)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/513). .
- ولَمَّا كان المقصودُ الأوَّلُ مِن هذه الآيةِ الامتنانَ -كما دلَّ عليه قولُه: لَكُمُ- قُدِّمَت الأرضُ على السَّماءِ؛ لأنَّ الانتفاعَ بها مَحسوسٌ، وذُكِرَت السَّماءُ بعْدَها كما يُستحضَرُ الشَّيءُ بضِدِّه، مع قصْدِ إيداعِ دَلائلِ عِلمِ الهيئةِ لِمَن فيهم استِعدادٌ للنَّظرِ فيها، وتَتبُّعِ أحوالِها على تَفاوُتِ المَدارِكِ، وتعاقُبِ الأجيالِ، واتِّساعِ العلومِ [998] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/189). .
- ووَصْفُ السَّماءِ بالبناءِ في قولِه: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ... جارٍ على طَريقةِ التَّشبيهِ البليغِ؛ فقد جُعِلَت فوقَ هذا العالَمِ، فهي كالبِناءِ له، ونفْعُها كنَفْعِ البِناءِ [999] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/331) و (24/190). .
- قولُه: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ خلَقَ اللهُ تعالى الإنسانَ خلْقًا مُستوفيًا مَصلحتَه وراحتَه، وعبَّرَ عن هذا الخلْقِ بفِعلِ صُوَرَكُمْ؛ لأنَّ التَّصويرَ خلْقٌ على صُورةٍ مُرادةٍ تُشعِرُ بالعِنايةِ، كما قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: 11] ، فاقْتَضى حُسْنَ الصُّوَرِ؛ فلذلك عُدِلَ في جانبِ خلْقِ الإنسانِ عن فِعلِ الجَعلِ إلى فِعلِ التَّصويرِ بقولِه: وَصَوَّرَكُمْ، ثمَّ صرَّحَ بما اقتَضاهُ فِعلُ التَّصويرِ مِن الإتقانِ والتَّحسينِ بقولِه: فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ، والفاءُ في قولِه: فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ عاطفةٌ جُملةً على جُملةٍ، ودالَّةٌ على التَّعقيبِ، أي: أوجَدَ صُورةَ الإنسانِ فجاءت حَسَنةً. وعُطِف على هذه العِبرةِ والمِنَّةِ مِنَّةٌ أُخرى فيها عِبرةٌ، أي: خلَقَكم في أحسَنِ صُورةٍ، ثمَّ أمَدَّكُم بأحسَنِ رِزقٍ، فجمَعَ لكم بيْن الإيجادِ والإمدادِ [1000] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/190، 191). .
- ومَوقعُ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ كمَوقعِ نَظيرِه المتقدِّمِ آنِفًا -وهو قولُه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [غافر: 62] - وإعادةُ هذا تَكريرٌ للتَّوقيفِ على فسادِ رأْيِهم في عِبادةِ غَيرِه على طَريقةِ التَّعريضِ؛ بقَرينةِ ما تقدَّمَ في نَظيرِه مِن قولِه: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [غافر: 62] ، وقَرينةِ قولِه هنا: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [1001] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/191). [غافر: 65] .
- وفُرِّع على ما ذُكِر مِن بَدائعِ صُنْعِه وجَزيلِ مَنِّه أنْ أُنشِئَ الثَّناءُ على اللهِ بما يُفِيدُ اتِّصافَه بعَظيمِ صِفاتِ الكَمالِ، فقال: فَتَبَارَكَ اللَّهُ. وإظهارُ اسمِ الجلالةِ معَ فِعلِ (تبارك) دونَ الإتيانِ بضَميرٍ مع تَقدُّمِ اسْمِه؛ لِتَكونَ الجُملةُ كلمةَ ثَناءٍ مُستقلَّةً [1002] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/191، 192). .
- قولُه: رَبُّ الْعَالَمِينَ، هذا الوصْفُ مِن تَمامِ الإنشاءِ؛ لأنَّ في ذِكرِ رُبوبيَّتِه للعالَمينَ استِحضارًا لِما أفاضَهُ عليهم مِن خَيراتِ الإيجادِ والإمدادِ [1003] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/192). .
6- قولُه تعالَى: هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
- قولُه: هُوَ الْحَيُّ استئنافٌ ثالثٌ؛ للارتِقاءِ في إثباتِ إلهيَّتِه الحقِّ بإثباتِ ما يُناسِبُها، وهو الحياةُ الكاملةُ؛ فهذه الجُملةُ مُقدِّمةٌ لِجُملةِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ بإثباتِ الحياةِ الواجبةِ لِذَاتِه؛ فإنَّ الَّذي هو ربُّ العالَمينَ، وأوجَدَهم على أكمَلِ الأحوالِ، وأمَدَّهم بما به قِوامُهم على ممَرِّ الأزمانِ؛ لا جَرَمَ أنَّه مَوصوفٌ بالحياةِ الحقِّ؛ لأنَّ مُدَبِّرَ المخلوقاتِ على طُولِ العصورِ يجِبُ أنْ يكونَ مَوصوفًا بالحياةِ، وهي الحياةُ الحقيقيَّةُ؛ لأنَّها غيرُ مُعرَّضةٍ للنَّقصِ ولا للزَّوالِ، فلذلك كان الحيُّ حَقيقةً هو اللهَ تعالى، كما أنبَأَتْ عنه صِيغةُ الحصْرِ في قولِه: هُوَ الْحَيُّ، وهو قصْرٌ ادِّعائيٌّ [1004] القصرُ الادِّعائي: ما كان القصرُ الحَقيقيُّ فيه مبنيًّا على الادِّعاء والمبالَغةِ، بتنزيلِ غَيرِ المذكورِ مَنزلةَ العدَمِ، وقصْرُ الشيء على المذكورِ وحْدَه. يُنظر: ((الإيضاح في علوم البلاغة)) للقزويني (3/6)، ((عروس الأفراح)) للسبكي (1/394)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (1/524، 545). ؛ لِعَدمِ الاعتِدادِ بحياةِ ما سِواهُ مِن الأحياءِ؛ لأنَّها عارِضةٌ ومُعرَّضةٌ للفَناءِ والزَّوالِ؛ فمَوقِعُ قولِه: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَوقِعُ النَّتيجةِ مِن الدَّليلِ؛ لأنَّ كلَّ مَن سِواهُ لا حياةَ له واجبةٌ؛ فهو مُعرَّضٌ للزَّوالِ، فكيف يكونُ إلهًا مُدبِّرًا للعالَمِ [1005] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/192، 193). ؟!
- قولُه: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بعْدَ اتِّضاحِ الدَّلالةِ على انفِرادِه تعالى بالإلهيَّةِ، فُرِّعَ عليه الأمْرُ بعِبادتِه وحْدَه غيرَ مُشركين غيرَه في العِبادةِ؛ لِنُهوضِ انفِرادِه باستِحقاقِ أنْ يُعبَدَ [1006] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/193). .
- وتَقديمُ لَهُ المتعلِّقِ بكَلمةِ مُخْلِصِينَ على مَفعولِ مُخْلِصِينَ؛ لأنَّه الأهمُّ في هذا المقامِ به؛ لأنَّه أشدُّ تَعلُّقًا بمُتعلَّقِه مِن تَعلُّقِ المفعولِ بعامِلِه [1007] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/194). .
- وجُملةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَجوزُ أنْ تكونَ إنشاءً للثَّناءِ على اللهِ؛ فيَجوزُ أنْ تكونَ مُتَّصِلةً بفِعلِ فَادْعُوهُ على تَقديرِ قَولٍ مَحذوفٍ، أي: قائلينَ: الحمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ، وقرينةُ المحذوفِ هو أنَّ مِثلَ هذه الجُملةِ ممَّا يَجْري على ألْسِنةِ النَّاسِ كثيرًا، فصارتْ كالمَثَلِ في إنشاءِ الثَّناءِ على الله. ويجوزُ أنْ تكونَ كلامًا مُستأنَفًا أُرِيدَ به إنشاءُ الثَّناءِ على اللهِ مِن نفْسِه؛ تَعليمًا للنَّاسِ كيف يَحْمَدونه، أو جاريًا على لِسانِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
 ويجوزُ أنْ يكونَ الحمْدُ مَصدرًا جِيءَ به بَدَلًا مِن فِعلِه على معنى الأمْرِ، أي: احْمَدوا اللهَ ربَّ العالَمينَ، وعُدِلَ به عن النَّصبِ إلى الرَّفعِ؛ لِقَصْدِ الدَّلالةِ على الدَّوامِ والثَّباتِ [1008] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/194). .
- وفي قولِه تعالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مدَحَ نفْسَه سُبحانَه، وختَمَ ثلاثَ آياتٍ على التَّوالي بقولِه: (رَبّ الْعَالَمِينَ) [64، 65، 66]، وليس له في القُرآنِ نَظيرٌ [1009] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 220)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/411). .