موسوعة التفسير

سورةُ الإسراءِ
الآيات (66-69)

ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ

غريب الكلمات:


يُزْجِي: أي: يَسوقُ ويُسَيِّرُ، وأصلُ (زجي): يدُلُّ على تَسييرِ الشَّيءِ مِن غَيرِ حَبسٍ [881] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 306)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 534)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/48)، ((المفردات)) للراغب (ص: 378)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 258)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 988).   .
حَاصِبًا: أي: حِجارةً، أو ريحًا عاصِفًا تَرمي بالحَصْباءِ، وهي الحَصَى الصِّغارُ، وأصلُ (حصب): يدُلُّ على الرَّميِ [882] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 338)، ((البسيط)) للواحدي (13/398)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 206)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 267)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 412).   .
قَاصِفًا: ريحًا شَديدةً، تَكسِرُ كُلَّ شَيءٍ، وتُحَطِّمُه، وأصلُ (قصف): يدُلُّ على كَسرٍ لِشَيءٍ [883] يُنظر: ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (1/385)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 259)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/92)، ((البسيط)) للواحدي (13/400).   .
تَبِيعًا: تابعًا مُطالِبًا بالثَّأرِ لكم، وأصلُ (تبع): يدلُّ على التُّلُوِّ والقَفْوِ [884] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 259)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 147)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/362)، ((الغريبين)) للهروي (1/247).   .

المعنى الإجمالي:


بعدَ أن بيَّن الله تعالى لبنى آدمَ عداوةَ إبليسَ لهم، أتبَع ذلك ببيانِ جانبٍ مِن نِعَمِه تعالى عليهم، فقال: رَبُّكم -أيُّها النَّاسُ- هو الذي يُسَيِّرُ لكم السُّفُنَ في البَحرِ؛ لِتَطلُبوا رِزقَ اللهِ بالتِّجارةِ؛ إنَّه رَحيمٌ بعِبادِه، وإذا أصابَتْكم شِدَّةٌ في البَحرِ فخَشيتُم الغَرقَ والهَلاكَ، غاب عن عُقولِكم ما تَعبُدونَه مِن الآلهةِ، سوى اللهِ -عزَّ وجَلَّ- ودعوتُموه وَحدَه ليكشِفَ عنكم ما نزلَ بكم من سوءٍ، فلمَّا نجَّاكم إلى البَرِّ أعرَضْتُم عن شُكرِه والإخلاصِ له والتَّوحيدِ، وكان الإنسانُ جَحودًا نِعَمَ ربِّه عزَّ وجَلَّ.
ثمَّ بيَّن سبحانَه أنَّ قدرتَه لا يُعجِزُها شيءٌ، لا في البحرِ ولا في البرِّ ولا في غيرِ ذلك، فقال: أفأَمِنتُم أن تَنهارَ بكم الأرضُ في جانبِ البرِّ، أو يُرسِلَ اللهُ عليكم حِجارةً مِن السَّماءِ فتُهلِكَكم، ثمَّ لا تَجِدوا ناصرًا يُنقِذُكم مِن عَذابِه؟ أم أمِنتُم أن يُعيدَكم في البَحرِ مَرَّةً أخرى، فيُرسِلَ عليكم ريحًا شَديدةً، فيُغرِقَكم بسبَبِ كُفرِكم، ثمَّ لا تَجِدوا لكم علينا مَن يَتبَعُنا بثأرِكم؛ بسبَبِ إهلاكِنا لكم؟

تفسير الآيات:


رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (66).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى وَصْفَ المُشرِكينَ في اعتِقادِهم في آلهَتِهم، وأنَّها تضُرُّ وتنفَعُ، وأتبَعَ ذلك بقِصَّةِ إبليسَ مع آدَمَ، وتَمكينِه مِن وَسْوسةِ ذُرِّيَّتِه، وتَسويلِه؛ ذكَر سبحانَه ما يدُلُّ مِن أفعالِه على وحدانيَّتِه، وأنَّه هو النَّافِعُ الضَّارُّ المتصَرِّفُ في خَلقِه بما يشاءُ، فذكَرَ إحسانَه إليهم بحرًا وبَرًّا، وأنَّه تعالى مُتمَكِّنٌ بقُدرتِه مِمَّا يُريدُه [885] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/81).   .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى أنَّه الوكيلُ الذي لا كافيَ غَيرُه في حِفظِه؛ لاختِصاصِه بشُمولِ عِلمِه وتَمامِ قُدرتِه؛ أتبَعَه بعضَ أفعالِه الدَّالَّةِ على ذلك، فقال تعالى عَوْدًا إلى دلائِلِ التَّوحيدِ الذي هو المقصودُ الأعظَمُ بأحوالِ البَحرِ الذي يُخلِصونَ فيه، في أُسلوبِ الخِطابِ؛ استِعطافًا لهم إلى المتابِ [886] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/471).   :
رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ.
أي: ربُّكم هو وَحْدَه الذي يَسوقُ لكم السُّفُنَ في البَحرِ؛ لِتَطلُبوا برُكوبِها الرِّزقَ مِن اللهِ بالتِّجارةِ، وطَلَبِ المَعاشِ [887] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/667)، ((تفسير القرطبي)) (10/291)، ((تفسير ابن كثير)) (5/95)، ((تفسير السعدي)) (ص: 462)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/158).   .
كما قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الجاثية: 12].
  إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا.
أي: سهَّل اللهُ لكم سَيرَ السُّفُنِ في البِحارِ لِنَفْعِكم؛ لأنَّه رَحيمٌ بكم [888] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/667)، ((تفسير ابن كثير)) (5/95)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/471-472)، ((تفسير السعدي)) (ص: 462).   .
وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه بعد أن ألزَمَ اللهُ الكافِرينَ الحُجَّةَ على حَقِّ إلهيَّةِ اللهِ تعالى بما هو مِن خَصائِصِ صُنعِه باعتِرافِهم؛ أعقَبَه بدَليلٍ آخَرَ مِن أحوالِهم المتضَمِّنةِ إقرارَهم بانفِرادِه بالتصَرُّفِ، ثمَّ بالتَّعجيبِ مِن مُناقَضةِ أنفُسِهم عند زَوالِ اضطِرارِهم [889] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/159).   .
وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ.
أي: وإذا أصابَتْكم الشِّدَّةُ في البَحرِ -كما لو أمسَكَت السَّفينةُ عن الجَريِ، أو اشتَدَّت عليكم الرِّيحُ، وهاجَت بكم الأمواجُ واضطَرَبت، وخَشِيتُم الغَرَقَ- غاب عن قُلوبِكم كلُّ مَن تَدعونَهم مِن دُونِ اللهِ، ولم تَستغيثوا إلَّا باللهِ وَحدَه؛ لعِلْمِكم بأنَّه لا يُنَجِّيكم أحدٌ سِواه [890] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/96)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/472)، ((تفسير السعدي)) (ص: 462)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/171، 172). قال ابنُ كثيرٍ: (كما اتَّفَق لعِكرمةَ بنِ أبي جهلٍ لَمَّا ذَهبَ فارًّا مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين فَتَحَ مكَّة، فذهب هاربًا، فركب في البَحرِ لِيَدخُلَ الحَبشةَ، فجاءتْهم ريحٌ عاصِفٌ، فقال القومُ بعضُهم لبعضٍ: إنَّه لا يُغني عنكم إلَّا أن تدعو اللهَ وحده. فقال عِكرَمةُ في نفسِه: واللهِ لَئِن كان لا ينفَعُ في البحرِ غَيرُه، فإنَّه لا ينفَعُ في البَرِّ غيرُه، اللهُمَّ لك عليَّ عَهدٌ: لَئِنْ أخرَجْتَني منه لأذهَبَنَّ فأضَعَنَّ يدي في يدَيه، فلأَجِدَنَّه رَؤوفًا رَحيمًا، فخَرَجوا من البَحرِ، فرجع إلى رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأسلَمَ وحَسُنَ إسلامُه- رَضِيَ اللهُ عنه وأرضاه). ((تفسير ابن كثير)) (5/96).   .
فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ.
أي: فلمَّا نجَّاكم اللهُ مِن الغَرَقِ، وأوصَلَكم إلى البَرِّ؛ أعرَضْتُم عن شُكرِه وتَوحيدِه، والإخلاصِ له سُبحانَه [891] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/668)، ((تفسير ابن كثير)) (5/96)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/172).   !
كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [يونس: 22- 23].
وقال سُبحانَه: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: 65].
وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا.
أي: وكان الإنسانُ مَطبوعًا على الجُحودِ لنِعَمِ اللهِ عليه؛ فهذه سَجِيَّتُه إلَّا مَن عَصَمَه اللهُ تعالى [892] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/668)، ((عدة الصابرين)) لابن القيم (ص: 192)، ((تفسير ابن كثير)) (5/96).   .
كما قال تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ [هود: 9، 10].
وقال سبحانه: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [العاديات: 6].
أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68).
أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ.
أي: أفأمِنْتُم أن يجعَلَ اللهُ الأرضَ تَنهارُ بكم في جانِبِ البَرِّ [893] قيل: المرادُ بجانِبِ البَرِّ: ناحيةُ الأرضِ، وسَمَّاه جانبًا؛ لأنَّه يصيرُ بعد الخَسفِ جانِبًا. قاله القرطبي. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/292). وقيل: هو الشَّاطئُ الذي يَرسُونَ عليه؛ إشارةً إلى إمكانِ حُصولِ الخَوفِ لهم بمُجَرَّدِ حُلولِهم بالبَرِّ، بحيث يُخسَفُ بهم ذلك الشَّاطئُ. قاله ابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/162). قال البقاعي: (دَلَّ على شِدَّةِ إسراعِهم بالكُفرِ عند وُصولِهم إلى أوَّلِ السَّاحِلِ بقَولِه تعالى: جَانِبَ الْبَرِّ). ((نظم الدرر)) (11/473). قال الماوَردي: (قَولُه عزَّ وجلَّ: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ يحتمِلُ وجهين: أحدُهما: يريدُ بعضَ البَرِّ، وهو موضِعُ حلولهم منه، فسمَّاه جانبَه؛ لأنَّه يصير بعد الخسفِ جانبًا. الثاني: أنهم كانوا على ساحلِ البحر، وساحِلُه جانبُ البَرِّ، وكانوا فيه آمنين من أهوالِ البحرِ فحذَّرهم ما أمِنوه من البَرِّ، كما حذَّرهم ما خافوه من البحرِ). ((تفسير الماوردي)) (3/257). إنْ خَرَجتُم مِن البَحرِ سالِمينَ؟ فهو قادِرٌ على إهلاكِكم سواءٌ في البَحرِ أو في البَرِّ [894] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/668)، ((تفسير القرطبي)) (10/292)، ((تفسير السعدي)) (ص: 463)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/162).   .
كما قال تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ [الملك: 16].
أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا.
أي: أوْ أمِنْتُم أن يُرسِلَ اللهُ عليكم حِجارةً مِن السَّماءِ فيُمطِرَكم بها، فيُهلِكَكم [895] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/668-670)، ((تفسير ابن كثير)) (5/96)، ((تفسير السعدي)) (ص: 463)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/172). وممَّن ذهب إلى أنَّ المرادَ بقَولِه تعالى: أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا: يُمطِركم بحجارةٍ مِن السَّماءِ: ابنُ جرير، وابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/668)، ((تفسير ابن كثير)) (5/96). وممن قال بهذا القول من السلف: ابنُ جريج، وقتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/669)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/38). وقيل: المراد: مطَرٌ فيه بَردٌ يُشبِهُ الحِجارةَ. وممَّن ذهب إلى هذا: ابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/162). وقيل: المرادُ: ريحٌ فيها حاصِبٌ، وهو الحصى الصِّغارُ. وممَّن قال بذلك: ابنُ قتيبةَ، والقرطبي. يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 259)، ((تفسير القرطبي)) (10/292). قال الشِّنقيطيُّ: (هو المطَرُ أو الرِّيحُ اللذان فيهما الحِجارةُ). ((أضواء البيان)) (3/172). ؟
كما قال تعالى: أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك: 17].
ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا.
أي: ثمَّ لا تَجِدوا لكم ناصِرًا يَدفَعُ عنكم العَذابَ، ويُنقِذُكم منه [896] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/668)، ((تفسير ابن كثير)) (5/96). قال ابن عاشور: (أي: لا تجِدوا لأنفُسِكم من يجادِلُنا عنكم، أو يطالِبُنا بما ألحَقْناه بكم من الخَسفِ أو الإهلاكِ بالحاصِبِ، أي: لا تجِدوا من قومِكم وأوليائِكم من يثأرُ لكم كشأنِ مَن يلحَقُه ضُرٌّ في قومِه أن يدافِعَ عنه ويطالِبَ بدَمِه أولياؤُه وعصباتُه. وهذا المعنى مناسِبٌ لِما يقع في البَرِّ مِن الحدثان). ((تفسير ابن عاشور)) (15/162، 163).   .
أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69)  .
أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى.
أي: أم أمِنْتُم -يا مَن أعرَضْتُم عن توحيدِ اللهِ، وإخلاصِ الدِّينِ له، بَعدَما اعترَفْتُم بذلك في البَحرِ فأنقَذَكم- أن يَرجِعَكم اللهُ في البَحرِ مرَّةً أخرى [897] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/670)، ((تفسير ابن كثير)) (5/96)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/163).   ؟
فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ.
أي: فيُرسِلَ اللهُ عليكم في البَحرِ رِيحًا شَديدةً تَكسِرُ سُفُنَكم، فيُغرِقَكم بسبَبِ كُفرِكم باللهِ، وإعراضِكم عنه [898] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/671)، ((تفسير ابن كثير)) (5/97)، ((تفسير السعدي)) (ص: 463)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/163)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/172).   ؟
ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا.
أي: ثمَّ لا تَجِدوا لكم تابِعًا يثأرُ لكم، ويُطالِبُنا بما فعَلْنا بكم [899] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/671)، ((تفسير القرطبي)) (10/293)، ((تفسير ابن كثير)) (5/97)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/163).   .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا * أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ فيه إشارةٌ إلى إمكانِ حُصولِ الخَوفِ لهم بمُجَرَّدِ حُلولِهم بالبَرِّ، بحيثُ يُخسَفُ بهم ذلك الشَّاطِئُ، أي: أنَّ البَرَّ والبَحرَ في قُدرةِ الله تعالى سِيَّان؛ فعلى العاقِلِ أن يَستَويَ خَوفُه مِن اللهِ في البَرِّ والبَحرِ [900] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/162).   .
2- في قَولِه تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا إلى قَولِه: ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا دَليلٌ على أنَّ الفَزَعَ إلى اللهِ في الشِّدَّةِ -دونَ الرَّخاءِ- خُلُقٌ مِن أخلاقِ الكافِرينَ، وأنَّ المؤمِنَ مَندوبٌ إلى مُراعاةِ حقِّ اللهِ عليه، والتَّعَرُّفِ إليه في الرَّخاءِ؛ لِيُجَابَ عندَ الشِّدَّةِ، فإذا أُجيبَ ازدادَ ذِكْرًا وخَشيةً واقتِرابًا وتَفويضًا؛ ليكونَ عَبدًا مُؤتمِرًا، لا وَجِلًا خائِفًا، مُتبَرِّئًا مِن الحَولِ والقُوَّةِ، مُستَمِدًّا المَعونةَ مِن ربِّه في كلا حالَيه مِن الرَّخاءِ والشِّدَّةِ [901] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/178).   .
3- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ لم يَقُلْ: (أمَسَّكم) بالإسنادِ إلى نَفسِه تعالى؛ تأديبًا لنا في مُخاطَبتِه بنِسبةِ الخَيرِ دُونَ الشَّرِّ إليه، مع اعتِقادِ أنَّ الكُلَّ فِعْلُه، وتنبيهًا على أنَّ الشَّرَّ مِمَّا ينبغي التبَرُّؤُ منه، والبُعدُ عنه [902] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/472).   .
4- قَولُ اللهِ تعالى: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ فيه تنبيهٌ على أنَّ السَّلامةَ في البَرِّ نِعمةٌ عَظيمةٌ تَنسَونَها، فلو حدَث لكم خَسفٌ لهَلَكتُم هَلاكًا لا نجاةَ لكم منه، بخِلافِ هَولِ البَحرِ، ولكِنْ لَمَّا كانت السَّلامةُ في البَرِّ غيرَ مُدرَكٍ قَدْرُها، قَلَّ أنْ تَشعُرَ النُّفوسُ بنِعمَتِها وتَشعُرَ بخَطَرِ هَولِ البَحرِ؛ فينبغي التدَرُّبُ على تَذكُّرِ نِعمةِ السَّلامةِ مِن الضُّرِّ، ثمَّ إنَّ محَلَّ السَّلامةِ مُعرَّضٌ إلى الأخطارِ [903] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/162).   .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ صَريحٌ في إباحةِ رُكوبِ البَحرِ للتِّجارةِ [905] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 168).   .
2- مَن دعا اللهَ سُبحانَه مُوقِنًا أنَّه يُجيبُ دَعوةَ الدَّاعي إذا دعاه، أجابَه، وقد يكونُ مُشرِكًا وفاسقًا؛ فإنَّه سُبحانَه هو القائِلُ: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ [يونس: 12]، وهو القائِلُ سُبحانَه: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا، وهو القائِلُ سُبحانَه: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [الأنعام: 40 - 41]، ولكِنَّ هؤلاء الذين يُستجابُ لهم لإقرارِهم برُبوبيَّتِه، وأنَّه يُجيبُ دُعاءَ المُضطَرِّ، إذا لم يَكونوا مُخلِصينَ له الدِّينَ في عِبادتِه، ولا مُطيعينَ له ولِرَسولِه؛ كان ما يُعطيهم بدُعائهم مَتاعًا في الحياةِ الدُّنيا، وما لهم في الآخِرةِ مِن خَلاقٍ [906] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (2/314).   .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا
- قولُه: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فيه افتتاحُ الجُملةِ بالمُسنَدِ إليه مُعرَّفًا بالإضافةِ ومُستحضرًا بصِفَةِ الرُّبوبيَّةِ رَبُّكُمُ؛ لاستدعاءِ إقبالِ السَّامعينَ على الخبرِ المُؤذِنِ بأهميَّتِه؛ حيث افتُتِحَ بما يُتَرَقَّبُ منه خبرٌ عظيمٌ؛ لكونِه من شُؤونِ الإلهِ الحقِّ، وخالقِ الخلْقِ، ومُدبِّرِ شُؤونِهم، تَدبيرَ اللَّطيفِ الرَّحيمِ، فيُوجِبُ إقبالَ السَّامعِ بشَراشِرِه [907] بشَراشِرِه: أي: بكُلِّيَّتِه وجميعِ نَفسِه. يُنظر: ((تاج العروس)) للزبيدي (12/160).   ؛ إنْ مُؤمنًا مُتذكِّرًا، أو مُشركًا ناظِرًا مُتدبِّرًا. وجِيءَ بالجُملةِ الاسميَّةِ؛ لدَلالتِها على الدَّوامِ والثَّباتِ. وبتَعريفِ طرفيْها رَبُّكُمُ الَّذِي؛ للدَّلالةِ على الانحصارِ، أي: ربُّكم هو الَّذي يُزْجي لكم الفُلكَ لا غيرُه ممَّن تَعْبدونه باطلًا، وهو الَّذي لا يَزال يفعَلُ ذلك لكم. وجِيءَ بالصِّلةِ فعلًا مُضارعًا يُزْجِي؛ للدَّلالةِ على تَكرُّرِ ذلك وتجدُّدِه [908] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/158).   .
- وفي قولِه: يُزْجِي شَبَّهَ تَسخيرَ الفُلْكِ للسَّيرِ في الماءِ بإزجاءِ الدَّابَّةِ المُثقلَةِ بالحِمْلِ [909] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/158).   .
- قولُه: إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا تَعليلٌ وتَنبيهٌ لموقعِ الامتنانِ؛ ليَرْفُضوا عِبادةَ غيرِه ممَّا لا أثرَ له في هذه المِنَّةِ [910] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/159).   ، وهو تَذييلٌ فيه تعليلٌ لِما سبَقَ من الإزجاءِ لابتغاءِ الفضْلِ، وصِيغَةُ (الرَّحيمِ) للدَّلالةِ على أنَّ المُرادَ بالرَّحمةِ الرَّحمةُ الدُّنيويَّةُ، والنِّعمةُ العاجلةُ المُنقسِمةُ إلى الجليلةِ والحقيرةِ [911] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/185).   .
2- قَولُه تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا
- جُملةُ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ خبرٌ مُستعمَلٌ في التَّقريرِ وإلزامِ الحُجَّةِ. وجُملةُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ خبرٌ مُستعمَلٌ في التَّعجيبِ والتَّوبيخِ. والعُدولُ إلى الموصوليَّةِ -مَنْ تَدْعُونَ- لِما تُؤذِنُ به الصِّلةُ مِن عمَلِ اللِّسانِ؛ ليتأتَّى الإيجازُ، أي: مَن يتكرَّرُ دُعاؤكم إيَّاهم، كما يدُلُّ عليه المُضارعُ، فالمعنى: غاب وانصرَفَ ذِكْرُ الَّذين عادتُكم دُعاؤهم عن ألسنتِكم فلا تَدْعونهم، وذلك بقَرينةِ ذكْرِ الدُّعاءِ هنا الَّذي مُتعلِّقُه اللِّسانُ؛ فتعيَّنَ أنَّ ضلالَهم هو ضَلالُ ذكْرِ أسمائِهم، وهذا إيجازٌ بَديعٌ [912] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/159).   .
- قولُه: وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا تعليلٌ لِما سبَقَ من الإعراضِ [913] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/185).   ، وجاءت صِفَةُ كَفُورًا دَلالةً على المُبالغةِ، ثمَّ لم يُخاطِبْهم بذلك، بل أسنَدَ ذلك إلى الإنسانِ؛ لُطفًا بهم، وإحالةً على الجنسِ؛ إذ كلُّ أحدٍ لا يكادُ يُؤدِّي شُكرَ نِعَمِ اللهِ [914] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/82).   ، وأيضًا هذه الجُملةُ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا اعتراضٌ وتَذييلٌ؛ لزيادةِ التَّعجُّبِ منهم ومن أمثالِهم. والتَّعريفُ في الإنسانِ تعريفُ الجنسِ، وهو مُفيدٌ للاستغراقِ؛ فهذا الاستغراقُ يجوزُ أنْ يكونَ استغراقًا عُرفيًّا بحمْلِه على غالبِ نوعِ الإنسانِ، وهم أهلُ الإشراكِ، وهم أكثرُ النَّاسِ يومئذٍ، فتكونُ صِيغَةُ المُبالَغةِ من قولِه: كَفُورًا راجعةً إلى قُوَّةِ صِفَةِ الكُفرانِ أو عدَمِ الشُّكرِ؛ فإنَّ أعلاه إشراكُ غيرِ المُنعِمِ مع المُنعِمِ في نِعمةٍ لا حظَّ له فيها. ويجوزُ أنْ يكونَ الاستغراقُ حقيقيًّا، أي: كان نوعُ الإنسانِ كَفورًا، أي: غيرَ خالٍ من الكُفرانِ، فتكونُ صِيغَةُ المُبالَغةِ راجعةً إلى كثرةِ أحوالِ الكُفرانِ مع تَفاوُتِها [915] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/160-161).   .
- وذِكْرُ فعْلِ (كان) إشارةٌ إلى أنَّ الكُفرانَ مُستقِرٌّ في جِبلَّةِ هذا الإنسانِ؛ لأنَّ الإنسانَ قلَّما يشعُرُ بما وراء عالمِ الحسِّ؛ فإنَّ الحواسَّ تَشغَلُه بمُدركاتِها عنِ التَّفكُّرِ فيما عدا ذلك من المعاني المُستقرَّةِ في الحافظةِ، والمُستنبَطةِ بالفكرِ [916] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/160-161).   .
3- قَولُه تعالى: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا
- قولُه: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ... الاستفهامُ أَفَأَمِنْتُمْ إنكاريٌّ وتَوبيخٌ [917] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/162).   ، وأَفَأَمِنْتُمْ تَفريعٌ على جُملةِ أَعْرَضْتُمْ، وما بينهما اعتِراضٌ، وفُرِّعَ الاستفهامُ التَّوبيخيُّ على إعراضِهم عنِ الشُّكرِ، وعَوْدِهم إلى الكُفرِ [918] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور))  (15/161).   .
4- قَولُه تعالى: أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا
- قولُه: أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ فيه إيثارُ كلمةِ (في) على كلمةِ (إلى) المُنبئةِ عن مُجرَّدِ الانتهاءِ؛ للدَّلالةِ على استقرارِهم فيه [919] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/185).   .
- قولُه: أَنْ يُعِيدَكُمْ فيه إسنادُ الإعادةِ إليه تعالى، مع أنَّ العودَ إليه باختيارِهم باعتبارِ خلْقِ الدَّواعي المُلجئةِ لهم إلى ذلك، وفيه إيماءٌ إلى كَمالِ شِدَّةِ هولِ ما لاقَوه في التارةِ الأُولى، بحيث لولا الإعادةُ لَمَا عادوا [920] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/185).   .
- قولُه: ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (ثمَّ) للتَّرتيبِ الرُّتبيِّ كشأنِها في عطْفِها الجُمَلَ، وهو ارتقاءٌ في التَّهديدِ بعدَمِ وُجودِ مُنقذٍ لهم، بعدَ تهديدِهم بالغرقِ؛ لأنَّ الغريقَ قد يجِدُ مُنقِذًا [921] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/163).   .
- ووصْفُ (تَبِيع) يُناسِبُ حالَ الضُّرِّ الَّذي يلحَقُهم في البحرِ؛ لأنَّ البحرَ لا يصِلُ إليه رجالُ قَبيلةِ القومِ وأولياؤهم، فلو راموا الثَّأرَ لهم لرَكِبوا البحرَ ليُتابِعوا آثارَ مَن ألحَقَ بهم ضرًّا؛ فلذلك قيل هنا: تَبِيعًا، وقيل في الَّتي قبلَها: وَكِيلًا [922] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/164).   .
- وعلى قِراءةِ نَخْسِفَ ونُرْسِلَ ونُعِيدَكُمْ وفَنُرْسِلَ وفَنُغْرِقَكُمْ خمْسَتُها بنونِ العظمةِ [923] وهي قراءةُ ابنِ كثيرٍ وأبي عمرٍو. يُنظر: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/96، 97)، ((النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري (2/308).   ؛ فيكونُ فيها التِفاتٌ من ضميرِ الغَيبةِ الَّذي في قولِه: فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ إلى ضميرِ التَّكلُّمِ [924] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/163).   .