موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (40 - 45)

ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ

غريب الكلمات :


بِالْبَأْسَاءِ: البأساءُ: اسمٌ للبُؤسِ، وهو المكروهُ والضَّرَرُ والشِّدَّةُ وسُوءُ الحالِ، وقيل: البأساءُ الفَقْرُ والفاقةُ، وهو مِن البُؤسِ، وأصل (بأس): الشِّدَّةُ وما ضاهاها. وقيل: البأساءُ ضرَّاءُ مَعها خوفٌ، وأصلُها مِن البأسِ، وهو الخَوفُ؛ يُقال: لا بَأسَ عليكَ، أي: لا خوفَ عليك [654] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 70، 81)، ((تفسير ابن جرير)) (3/89)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/328)، ((الفروق اللغوية)) للعسكري (ص: 198)، ((المفردات)) للراغب (ص: 153)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 102). .
وَالضَّرَّاءِ: أي: المرضِ والزَّمانةِ، وسوءِ الحالِ، والفَقْرِ والقَحْطِ، وهي مقابِلُ السَّرَّاءِ، والضُّرُّ: خلاف النَّفْعِ [655] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/360)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 70). ((المفردات)) للراغب (ص: 503، 504)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 102، 129). .
يَتَضَرَّعُونَ: أي: يَتذلَّلونَ، وأصل (ضرع): يدلُّ على لِينٍ في الشَّيءِ [656] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/395)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 993). .
بَأْسُنَا: أي: عذابُنا [657] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/328)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 108)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 252). .
مُبْلِسُونَ: أي: آيِسونَ من رحمة الله تعالى، ومُلْقُونَ بأيديهم، والإِبلاسُ: الحُزْنُ المعترِض من شِدَّةِ البأس، وأصلُه: اليَأْس، قيل: ومنه اشْتُقَّ إبْلِيسُ؛ كأَنَّه يَئِسَ مِن رَحمةِ اللَّهِ [658] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 153)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 438)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/300)، ((المفردات)) للراغب (ص: 143)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 347)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 875). .
فَقُطِعَ دَابِرُ القومِ: أي: اجتُثَّ أصلُهم، وقَطْعُ دابرِ الإنسانِ: هو إفناءُ نَوْعِه، ودابِرُ القومِ: آخرُهم، وأصلُ (قطع): الفَصْل، وأصل (دبر): آخِرُ الشَّيء وخَلْفُه، خلاف قُبُله [659] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 154)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/324)، ((المفردات)) للراغب (ص: 677، 678). .

مشكل الإعراب :


1- قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
أَرَأَيْتَكُمْ: بمعنى: أَخْبِروني، والهمزةُ للاستفهامِ التقريريِّ، والتاءُ ضَميرُ الفاعِل، مبنيٌّ على الفتْحِ أبدًا في محلِّ رفْعٍ، وهذه التاءُ إذا اتَّصَلَتْ بها الكَافُ الَّتي للخِطابِ فإنَّها تلزمُ الإفرادَ والتَّذكير؛ فتقول: أرأيتَكُما، أَرأيتَكُم، أرأيتَكُنَّ. والكافُ هنا حَرْفُ خِطابٍ مَبنيٌّ، لا محلَّ له مِن الإعراب، والفِعل (رأى) مُتعدٍّ لمفعولَينِ؛ فالمفعول الأوَّلُ هنا محذوف، والمسألةُ مِن بابِ التنازُع؛ تَنازَعَ أَرَأَيْتَكُمْ وفِعلُ الشَّرْطِ أَتَاكُمْ على عَذَابُ اللهِ، فأُعْمِلَ الثاني، وهو أَتَاكُمْ، فارتفعَ عَذَابُ به على الفاعليَّةِ، ولو أُعمِلَ الأوَّلُ لكان التركيبُ: (عذابَ) بالنَّصْبِ على المفعوليَّة، وأمَّا المفعولُ الثاني فهو الجملةُ مِن الاستفهامِ: أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ، والرابطُ لهذه الجملةِ محذوفٌ؛ تقديرُه: أغيرَ اللهِ تَدْعُون لكَشْفِه، والمعنى: قل أَرَأَيتَكم عَذابَ اللهِ إنْ أتاكم- أو السَّاعةَ إنْ أَتَتْكُم- أغيرَ اللهِ تَدْعُون لكَشْفِه، أو لكشْفِ نوازِلِها، وجوابُ الشَّرطِ محذوفٌ، تقديرُه: إنْ أتاكم عذابُ اللهِ فمَنْ تَدْعونَ؟ وقيل: المفعولُ الأوَّلُ، والجملةُ الاستفهاميَّةُ التي سَدَّت مَسَدَّ الثاني محذوفانِ؛ لفَهْم المعنى، والتقدير: أرأيتَكم عِبادتَكم الأصنامَ هل تنفعُكم، أو اتِّخاذَكم غيرَ الله إلهًا هل يَكْشِفُ ضُرَّكم؟ فـ(عِبادَتَكُمْ) أو (اتِّخاذَكم): مفعول أوَّل، والجملةُ الاستفهاميَّة سادَّةٌ مَسَدَّ الثاني. وجملةُ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ... اعتراضيَّة لا محلَّ لها من الإعراب. وقيل غير ذلك [660] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/495- 496)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/623-624). .
2- قوله تعالى: حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً
بَغْتَةً: مَصدرٌ في مَوضِعِ الحالِ من الفاعِلِ (نا العظَمَةِ) في أَخَذْنَاهُمْ، أي: مُباغِتينَ، أو مِن المفعولِ بِه (هُم) في أَخَذْنَاهُمْ؛ أي: مَبغوتينَ، ويجوزُ أنْ يكونَ مصدرًا على المعنى؛ لأنَّ أَخَذْنَاهُمْ بمعنى بَغَتْناهم، فيَكون مفعولًا مُطلقًا، نائبًا عن المصدرِ؛ فهو نوعُه، أي: أخَذْناهم أخْذَ البَغْتِ [661] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/497)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (7/123). .

المعنى الإجمالي :


يأمُرُ اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يقولَ للكُفَّارِ: أخْبِروني إنْ أتاكم عذابُ الله، أو أتاكم يَومُ القيامةِ؛ هل ستَدْعونَ في ذلك الوقتِ أحدًا غيرَ الله؛ ليُنْجِيَكم ممَّا حَلَّ بكم إنْ كنتم صادِقينَ في اتِّخاذِكُم آلهةً من دونه؟ بل لنْ تدْعُوا غيرَه تعالى، فيُفَرِّجُ عنكم سبحانه ما حلَّ بكم مِن كَرْب، وتَنْسَونَ وقتَ الشَّدائدِ وعند الكَرْب ما تُشركونَه مع اللهِ تعالى.
ثمَّ يُخبرُ الله تعالى أنَّه أرسل رُسلًا إلى أُممٍ مِن قَبلِ النبيِّ محمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فكذَّبوا رُسُلَ ربِّهم، فأذاقَهُم اللهُ شِدَّةَ الفقرِ، وضَنْك العَيْش، كما ابتلاهم بالأسقامِ والأمراض؛ لعلَّهم يتضرَّعونَ إليه- جلَّ وعلا- ويُخْلِصون له العبادةَ.
فهلَّا حين ابتلاهم اللهُ بهذا البلاءِ لجَؤُوا إليه، وتَضرَّعوا، حتى يَصْرِفَ عنهم العذابَ، ولكنَّهم قسَتْ قلوبُهم، وزيَّن لهم الشَّيطانُ ما هم فيه من الأعمالِ التي يَكرهُها الله؛ مِن الكُفرِ والشِّرْك والمعاصي.
فلَمَّا ترَكوا- مُتعمِّدينَ- العملَ بما أمَرَهم الله وتناسَوْه؛ بدَّلهم الله- استدراجًا- مكانَ الفَقْرِ الغِنى، ومكانَ المرضِ الصِّحَّةَ، حتى إذا فَرِحوا بما أُعْطُوا فَرَحَ بَطَرٍ وأَشَرٍ، أتاهم عذابُ الله بقوَّةٍ، مُباغِتًا لهم، فإذا هم هالِكون قد قَنَطوا مِن رَحمةِ اللهِ، فاستُؤْصِلوا جميعًا، ولم يَبْقَ منهم أحدٌ، والحمْدُ لله ربِّ العالمينَ.

تفسير الآيات :


قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (40).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ تعالى غايةَ جَهْلِ أولئك الكفَّار، بَيَّنَ مِن حالِهم أيضًا أنَّهم إذا نَزَلَت بهم بَلِيَّةٌ أو محنةٌ فإنَّهم يَفزعونَ إلى الله تعالى، ويَلجؤونَ إليه، ولا يَتمرَّدونَ عن طاعته، فقال سبحانه [662] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/532). :
قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ.
أي: قل- يا محمَّدُ-: أَخْبِرُونِي أيُّها الكفَّارُ الذين تَعدِلُونَ بِاللَّهِ سواه، وتَصرِفونَ حقوقَه لغيرِه؛ أَخْبِرُونِي إنْ جَاءَتْكُمْ بَلِيَّةٌ مِنَ البلايا والكروبِ، كما لو هَاجَ عليكم البحرُ، والتطمَتْ أمواجُه فرأيتم الموتَ عِيَانًا، أو إنْ جاءَتْكم السَّاعةُ التي تُنْشَرون فيها من قُبورِكم، وتُبعثَون لموقفِ القيامةِ [663] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/240-241)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/477-478)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/237-238)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 213-214). .
أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.
أي: هل ستَدْعونَ في ذلك الوقتِ والكَرْبِ أحدًا أو شيئًا غيرَ الله؛ لإنجائكم مِمَّا نزَل بكم من شدَّةٍ وبلاء، إنْ كنتم مُحِقِّينَ في اتِّخاذكم آلهةً معه، وأنَّها تُنجيكم ممَّا حلَّ بكم [664] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/241)، ((تفسير ابن كثير)) (3/256)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/238)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 213-214). ؟
كما قال سبحانه: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [يونس: 22] .
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا كان استفهامُ الإنكارِ في قوله: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ من الآيةِ السَّابقة، بمعنى النَّفْيِ، كأنَّه قيل: لا تَدْعون غيرَهُ، عَطَفَ عليه قوله: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [665] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/113). .
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ.
أي: ما أنتم- أيُّها المشرِكونَ باللهِ- بمُستغيثينَ بشيءٍ غير الله في حالِ الشَّدائدِ، والأهوالِ النَّازلة بكم؛ فتَدْعونَ ربَّكم الذي خلَقَكم، وإليه تَفْزَعون؛ لأنَّكم تعلمونَ أنَّه هو الذي بِيَده وحدَه إزالتُها، وأنَّ غَيرَه لا يَقدِرُ على رفْعِ الكُرُبات عنكم [666] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/241)، ((تفسير ابن كثير)) (3/256)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/238). .
فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ.
أي: فيُفَرِّجُ عنكم ربُّكم عندَ استغاثتِكم به، وتضرُّعِكم إليه، ويُذهِب الكَرْبَ النازلَ بكم، إنْ شاء أنْ يَفعلَ ذلك؛ لأنَّه القادِرُ على كلِّ شيءٍ، ومالِكُ كلِّ شيءٍ؛ فإن شاءَ كشَفَ الضُرَّ عنكم، وإنْ شاءَ لم يَكْشِفْهُ، وذلك بحَسَب ما تقتضيه حِكْمَتُه سبحانه وتعالى [667] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/241)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/239). .
وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ.
أي: وتَنْسَون [668] قال الشنقيطي: (وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ فيه للعلماءِ وَجْهَانِ: أن معنَى وَتَنْسَوْنَ تَتْرُكونه عَمْدًا، تنسونَ الشركاءَ، أي: تَتْرُكون دُعاءَها وقتَ الشدةِ عمدًا؛ لعِلْمِكم بأن الكرباتِ والشدائدَ لا يكشفُها إلا اللَّهُ جل وعلا، فتتركونها عمدًا. والنسيانُ يُطْلَقُ على تركِ الشيءِ عمدًا، كما قال: فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا [الأعراف: آية 51] معناه: نَتْرُكُهم عَمْدًا كما تَرَكوا العملَ لِلِقاءِ يومِ القيامةِ عمدًا. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ؛ أنها تُطْلِقُ النسيانَ على تركِ الفعلِ عمدًا، وتطلقُه على تَرْكِه نِسْيانًا. الوجهُ الثاني: أنَّه من شدةِ الهولِ نَسُوا غيرَ اللَّهِ جلَّ وعلا، ولم يَخْطُرْ في أذهانِهم إلا اللَّهُ؛ لأنهم عارفونَ أنَّه لا يكشفُ الكرباتِ إلا هو؛ ولذا قال: وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ). ((العذب النمير)) (1/239-240). في وقتِ الضَّرورةِ حِينَ تأتيكم الشَّدائدُ، وتَحُلُّ بكم الكُرُبات ما تُشركونه مع الله تعالى؛ لِعِلْمكم أنْ لا شيءَ يَملِكُ كَشفَ الضرِّ عنكم سوى اللهِ تعالى وحْدَه [669] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/241)، ((تفسير ابن كثير)) (3/256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 256)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/238)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 213-214). .
كما قال تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: 67].
وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا أقامَ لهم بالآية السابقةِ الدَّليلَ على توحيدِه؛ حتى استنارتِ السُّبُلُ في تذكيرهم أنَّ التضرُّعَ قد يُكشَف به البلاءُ- أخبَرَهم أنَّ ترْكَه يُوجِبُ الشَّقاءَ؛ ترغيبًا في إدامَتِه، وترهيبًا مِن مجانَبَتِه [670] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/114). .
وأيضًا لَمَّا أَنذَرهم اللهُ تعالى بتوقُّع العذابِ- أعقَبَه بالاستشهادِ على وقوعِ العذابِ بأُمَمٍ من قَبلُ؛ ليعلَمَ هؤلاءِ أنَّ تلك سنَّةُ اللهِ في الَّذين ظَلَموا بالشِّرْك [671] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/226). ، فقال تعالى:  
وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42).
أي: ولقد أرسَلْنا- يا محمَّدُ- رُسُلًا إلى جماعاتٍ مِن قبلك، فأمرناهم ونهيناهم، فكذَّبوا رُسُلَنا، وخالفوا أمْرَنَا ونَهْيَنا، فامتحنَّاهم بشِدَّة الفقر، والضِّيقِ في المعيشةِ، وابتليناهم بالأسْقام والأمراض، فَعَلْنا ذلك بهم؛ ليتضرَّعوا إليَّ، ويُخْلِصوا ليَ العبادةَ؛ بالتذلُّلِ والخضوعِ والخُشُوع لي [672] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/242)، ((تفسير ابن كثير)) (3/256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 256)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/241، 246)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 217-218). قال الشِّنقيطي: (وأكثرُ العلماءِ على أنَّ البأساءَ: هي ما كان من جِهةِ الفقرِ، والفاقةِ والجوعِ وضياعِ الأموالِ. وأنَّ الضراءَ: هي ما كان من قَبيلِ أمراضِ الجسومِ وآلامِها وما يقعُ فيها). ((العذب النمير)) (1/245). .
فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (43) .
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا لم يقعْ منهم التَّضرعُ الذي كان يُرجَى بعدَ أخذِهم بالبأساءِ والضراءِ- تسبَّبَ عن ذلك الإنكارُ عليهم، فقال الله تعالى معبِّرًا بأداة التَّحضيضِ (لَوْلَا)؛ ليُفيدَ مع النَّفيِ أنَّهم ما كان لهم عُذْرٌ في تَرْكِ التضرُّع [673] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/114). :
فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ.
أي: فهلَّا حِين ابتلَيْناهم تضرَّعوا إلينا، وتَمَسْكَنوا إلينا، فيُصرف عنهم العذابُ [674] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/243)، ((تفسير ابن كثير)) (3/256). قال ابنُ جريرٍ: (ثمَّ قال: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا، ولم يخبِرْ عمَّا كان منهم مِن الفِعل عندَ أخذِه إيَّاهم بالبأساءِ والضَّرَّاء. ومعنَى الكلامِ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فلم يتضرَّعوا، فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا). ((تفسير ابن جرير)) (9/243). .
وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ.
أي: إنَّ قُلوبَهم ما رقَّتَ ولا خشَعَتْ، بل استحجَرَتْ وصَلُبَت، فلم تَلِنْ للحَقِّ، وأقاموا على ما هم عليه من تكذيبِ الرُّسُل، وأصرُّوا على ذلك، واستَكبَروا عن أمْرِ ربِّهم [675] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/244)، ((تفسير ابن كثير)) (3/256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 256). .
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.
أي: وحسَّن لهم الشيطانُ [676] قال الشِّنقيطي: (المرادُ بالشَّيطانِ هنا: جنسُ الشَّيطانِ، وهو إبليس وذريَّتُه، والعياذُ بالله مِن تَضليلِهم). ((العذب النمير)) (1/254). ما كانوا يَعملونَ من الأعمالِ التي يكرهُها الله ويَسْخَطها منهم؛ من الكُفْرِ والشِّرْك والمعاصي، فظنُّوا أنَّ ما هم عليه حَسَنٌ وحقٌّ [677] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/244)، ((تفسير ابن كثير)) (3/256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 256)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/254). .
فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
هذا مِن تمام القِصَّةِ الأولى؛ بيَّنَ تعالى أنَّه أخذَهم بالبأساءِ والضرَّاءِ لعلَّهم يتضَرَّعونَ، ثمَّ بيَّنَ في هذه الآية أنَّهم لَمَّا نَسُوا ما ذُكِّروا به من البأساءِ والضرَّاء فتَحْنَا عليهم أبوابَ كُلِّ شيءٍ، ونقلناهم من البأساءِ والضرَّاء إلى الرَّاحةِ والرَّخاء، وأنواع الآلاءِ والنَّعْماءِ، والمقصودُ: أنَّه تعالى عامَلَهم بتسليطِ المكارِه والشَّدائدِ تارةً، فلم يَنتفعوا به، فنَقَلَهم من تلك الحالةِ إلى ضِدِّها، وهو فتْحُ أبواب الخيراتِ عليهم، وتَسهيلُ مُوجِبات المسَرَّاتِ والسَّعادات لديهم، فلم ينتفعوا به أيضًا، وهذا كما يفعلُه الأبُ المُشْفِق بولده؛ يُخاشِنُه تارةً، ويُلاطِفُه أخرى؛ طلبًا لصلاحِه، حتى إذا فَرِحوا بما أُوتوا من الخَيْر والنِّعَم، لم يَزيدوا على الفَرَح والبَطَر من غيرِ انتدابٍ لِشُكرٍ، ولا إقدامٍ على اعتذارٍ وتوبةٍ؛ فلا جَرَم أخذناهم بغتةً [678] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/534، 535)، ((تفسير ابن عادل)) (8/149). .
فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ.
القراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التفسيرِ:
في قوله تعالى: فَتَحْنَا قِراءتانِ:
1- فَتَّحْنَا بمعنى تَكثيرِ الأبوابِ، وتَكرُّر فِعْل ذلك مرَّةً بعد مرَّةٍ [679] قرأ بها ابن عامر. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/258). ويُنظر لمعنى هذه القِراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (1/355)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 250-251). .
2- فَتَحْنَا أي: فَعَل ذلك مرةً واحدةً [680] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/258). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (1/355)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 250-251). .
فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ.
أي: فلَمَّا ترَكوا عمْدًا العملَ بما أمَرْناهم به على ألْسِنَة رُسُلِنا، وتناسَوْه، وجعلوه وراءَ ظُهُورِهم، فأَعْرَضُوا عمَّا ذُكِّرُوا به من البأساءِ والضَّراءِ- فتَحْنا أبوابَ كلِّ شيءٍ كنَّا أغلَقْنا بابَه عليهم، فبدَّلْنا مكانَ البأساءِ الرَّخاءَ، والسَّعَةَ في العَيْش، ومكانَ الضَّرَّاء الصِّحةَ، والسَّلامةَ في الأبدان؛ استدراجًا، وإملاءً مِنَّا لهم [681] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/244)، ((تفسير ابن كثير)) (3/256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 256)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/256)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 219). .
وذلك كما قال تعالى في موضعٍ آخرَ مِن كِتابِه: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [الأعراف: 94-95]
وعن عُقبةَ بنِ عامرٍ رضيَ الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((إذا رأيتَ اللَّهَ يُعطي العبدَ منَ الدُّنيا- علَى مَعاصيهِ- ما يُحبُّ، فإنَّما هوَ استدراجٌ، ثمَّ تلا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: 44] )) [682] أخرجه أحمد (17311)، والروياني في ((المسند)) (261)، والطبراني في الأوسط (9272)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (4220). حسَّن إسناده العراقي في ((تخريج الإحياء))(4/162)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح الجامع)) (561)، وحسَّنه الأرنؤوط في تحقيق ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) (17311). .
حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ.
أي: ولم يَزَلْ ذلك الفتْحُ ممتدًّا لهؤلاءِ المكذِّبينَ بِرُسُلِهم، إلى أنْ فَرِحوا بما أُعْطُوا من السَّعةِ في المعيشة والأموالِ والأولادِ والأرزاقِ، والصِّحةِ في الأجسامِ؛ فَرِحوا بذلك فَرَحَ أَشَرٍ وبَطَرٍ، فلَمَّا صَدَر ذلك منهم؛ أتيناهُم بالعذابِ بقوَّةٍ وشِدَّة، مباغِتًا، لم يطرَأْ لهم على بالٍ، فإذا هم هالِكونَ، قد قَنَطوا وأَيِسوا من رحمةِ الله تعالى، وانقطَعَتْ حُجَجُهم [683] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/246-249)، ((تفسير ابن كثير)) (3/256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 256)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/258-259)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 219). .
فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا كان مِن عادةِ مَن يَغْلِبُ مِن أهلِ الدُّنيا أنْ يَفوتَه آخِرُ الجُيوشِ، والمتفرِّقون عنهم؛ لِمَلَل أصحابِه من الطَّلَب، وضَجَرِهم من النَّصَب والتَّعَب، وقُصورِهم عن الإحاطةِ بجميعِ الأَرَب؛ أخْبَر تعالى أنَّ أخْذَه على غير ذلك، وأنَّ نَيْلَه للآخِر كَنَيْلِه للأوَّلِ على حدٍّ سواءٍ، فقال- مسبِّبًا عن الأخذ الموصوف مشيرًا بالبناءِ للمفعولِ إلى تمام القُدرةِ، وبالدَّابِر إلى الاستئصالِ [684] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/116). :
فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ.
أي: فاستُؤصِلَ هؤلاء المشركونَ الذين خالفوا أمْرَ الله، وكذَّبوا رُسُلَه، فهلكوا عن آخِرِهم، ولم يَبْقَ منهم أحدٌ [685] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/250)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/260-261)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 227-228). .
وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
مناسَبَتُها لما قَبْلَها:
لَمَّا أُرسِلَ الرُّسُلُ إلى هؤلاء الأُمَمِ كذَّبوهم وآذَوْهم، فابتلاهم اللهُ تارةً بالبلاءِ، وتارةً بالرَّخاءِ، فلم يؤمنوا؛ فأهلَكَهم واستراحَ الرُّسُل من شَرِّهِم وتكذيبِهم، وصار ذلك نعمةً في حَقِّ الرُّسُل؛ إذْ أنجَزَ الله وَعْدَه على لسانهم بهلاكِ المكَذِّبين، فناسب هذا الفِعْلَ كُلَّه الخَتْمُ بالحمدلةِ [686] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/515). .
وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
أي: والحمدُ لله تعالى على ما قضاه وقَدَّرَه؛ من هلاكِ المُكذِّبينَ، فبذلك تتبيَّنُ آياتُه وحُجَجُه، ويظهر صِدْق رُسُلِه، ويحصُلُ إكرامُه لأوليائه، وإهانَتُه لأعدائه، ويكون ذلك الإهلاكُ نَكالًا لغيرِهم [687] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/250-251)، ((تفسير السعدي)) (ص: 256)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 228). .

الفوائد التربوية :

1- قوله: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ يُبَيِّنُ أنَّ الفَزَع إليه سبحانه عِندَ شِدَّة الضِّيقِ واليأسِ من الأسبابِ مركوزٌ في فِطْرَةِ البَشَر، تنبعثُ إليه بذاتِها، كما تنبعثُ إلى طَلَب الغِذَاء عند الجوعِ مثلًا؛ فلا يَذهبُ به ما يُتلقَّى بالتعليمِ الباطِلِ مِن مَسائل الدِّين غالبًا إلَّا مَن تَمَّ فسادُ فِطرتِه، وانتهتْ سفالةُ طِينتِه، حتى كان كالأعجمِ، لا يَفهَمُ ولا يُفهِم، وإنَّما مَثَل تعاليم الشِّركِ مع هذه الغريزة الفِطريَّة كمَثَل ما كان عند المشرِكينَ مِن أحكامِ الطعامِ الباطلةِ مع غريزةِ التغذِّي؛ فإنَّهم كانوا يُحرِّمون بعضَ الطيبات كالبحائرِ والسوائبِ، ويبيحون بعضَ الخبائث كالميتةِ والدَّمِ المسفوح، فيَجنُون على غريزةِ التغذِّي بأكْل هذا والحرمانِ مِن ذاك، ثم يأكلون كلَّ شيءٍ عند الاضطرارِ، كذلك يجنون على غريزةِ التوجه إلى خالقِهم وخالقِ العالمِ كلِّه بما يتَّخذون من الأندادِ والأولياءِ والشُّفعاءِ، الذين يَتوجَّهون إليهم كما يَتوجَّهون إلى اللهِ؛ فإنَّهم عندَ الشِّدَّةِ يَنسَوْنها ويَدْعُون اللهَ وحْدَه [689] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/342). .
2- يُستَفاد من قوله تعالى: فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ أنَّه لا يصرفُ السُّوءَ إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ، ويتفرَّعُ على هذه الفائدة أنَّه إذا أصابك السُّوءُ فلا تلجأْ إلَّا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ [690] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 216). .
3- في قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ الدَّلالةُ على أنَّ البأساءَ والضرَّاءَ، وما يُقابِلُهما من السَّرَّاء والنَّعماءِ، مِمَّا يتربَّى ويتهذَّب به الموَفَّقون من الناس، وإلَّا كانت النِّعَمُ أشَدَّ وَبالًا عليهم من النِّقَم، وهذا ثابتٌ بالاختبارِ، فلا خلاف في أنَّ الشدائِدَ مُصْلِحةٌ للفَسَادِ، وأجدَرُ النَّاسِ بالاستفادةِ مِنَ الحوادثِ المؤمِنُ؛ كما ثبت في حديثِ صُهَيبٍ مرفوعًا في صحيحِ مسلمٍ ((عَجَبًا لِأَمْرِ المؤمنِ؛ إنَّ أمرَهُ كلَّه له خيرٌ، وليس ذلك لأحَدٍ إلَّا للمؤمنِ؛ إنْ أصابَتْه سرَّاءُ شَكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكان خيرًا له )) [691] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/347). والحديث أخرجه مسلم (2999). .
4- إذا ابتلى اللهُ عَبدَه بشَيءٍ مِن أَنواعِ البلايا والمِحَن، فإنْ رَدَّه ذلك الابتلاءُ والمِحَنُ إلى ربِّه، وجَمَعَه عليه وطَرَحَه ببابِه؛ فهو علامةُ سَعادَتِه، وإرادةِ الخَيرِ به، وإِن لم يَرُدَّه ذلك البلاءُ إليه، بل أنساه ذِكرَ رَبِّه والضَّراعةَ إليه، والتذَلُّلَ بين يَدَيه، والتَّوبةَ والرُّجوعَ إليه؛ فهو علامةُ شَقاوَتِه، وإرادةِ الشَّرِّ به؛ قال الله تعالى: فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [692] ينظر: ((طريق الهجرتين)) لابن القيم (ص: 163، 164). .
5- يُستَفاد من قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ وجوبُ التضرُّع إلى الله عزَّ وجلَّ، باللجوءِ والإنابة إليه، والقيامِ بما يجب له من عقيدةٍ أو قولٍ أو عملٍ [693] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 222). .
6- إثباتُ قسوةِ القَلْب بعد لِينِه؛ لقوله تعالى: وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وكما في آية البقرةِ: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [البقرة: 74] ، والواجِبُ على الإنسان أن يلاحِظَ قلبَه دائمًا، فكلُّ أحدٍ يمكنُه الإتيانُ بالأعمالِ الظاهرة على أحْسَنِ وجهٍ، فالمنافِقُ يُمكِنُه أن يأتيَ بالصَّلاةِ على أحسنِ وجهٍ، ويُمكِنُ أن يتصَدَّق، لكنَّ أعمالَ القلوبِ صعبةٌ؛ فينبغي للإنسانِ أن يُحَرِّرَ قَلْبَه من رِقِّ المعاصي، وأن يَحرِصَ على فِعلِ أسبابِ إزالةِ هذه القسوةِ؛ ومنها: كثرةُ قراءةِ القرآنِ بتدبُّرٍ، واستشعارُ أنَّ هذا كلامُ الله عزَّ وجلَّ، ومنها: كثرةُ ذِكْر الله عزَّ وجلَّ، ومصاحبةُ الأخيارِ، ورحمةُ الصِّغارِ، ولا سيمَّا اليتامى منهم [694] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 223، 224). .
7- يُؤخَذُ من قوله تعالى: فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ أن يَحْذَرَ الإنسانُ عقوبةَ الله عزَّ وجلَّ إذا منَّ الله عليه بتيسيرِ أمورِ الدُّنيا؛ من مأكلٍ ومَشْربٍ ونِكاحٍ ومَرْكَبٍ ومَسْكَنٍ؛ فلا يغترَّ بهذا؛ لأنه قد يكونُ استدراجًا [696] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 226). ، قال أبو حازِمٍ الأعرجُ: (إذا رأيتَ اللهَ يتُابِعُ نِعَمَه عليك وأنت تَعصيِه؛ فإنَّما هو استدراجٌ، فاحذَرْه)، وقد قال تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ، وقال تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [697] يُنظر: ((الآداب الشرعية)) لابن مفلح (3/232). [الأعراف: 182] .
8- أنَّ الذي بِيَدِه الرَّخاءُ والشِّدةُ هو الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله: فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [698] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 226). .
9- أنَّه يَجِبُ الحَذَرُ من الفَرَح الذي هو فَرَحُ البَطَر بِنِعَم الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله: فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا، أي: فَرَحَ بطرٍ، أمَّا إذا فَرِح الإنسانُ بما يَسُرُّه من أمورِ الدنيا، أو من أمورِ الآخرةِ فَرَحَ سرورٍ وانبساطٍ بنعمة الله، فإنَّ هذا لا بأس به؛ قال الله عزَّ وجلَّ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [699] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 227). [يونس: 58] .
10- أنَّ الإنسانَ قد يأتيه العذابُ بغتةً، فبَيْنا هو في نعيمِه وسرورِه في الدنيا، منغمسًا في معاصي الله إذا بالعذابِ يأتيه بغتةً، وسواءٌ كان هذا العذابُ عامًّا شاملًا، أو كان خاصًّا؛ فقد يُبْتَلى بمرضٍ، أو بحوادِثَ تَكْسِره وتَحْطِمُه، أو بموتٍ عاجل؛ ولهذا قال: أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً [700] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 227). .
11- قوله تعالى: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ فيه تنبيهٌ على أنَّه يَحِقُّ الحمدُ للهِ عند هلاكِ الظَّلَمة، الذين ليس فيهم خيرٌ، وليس فيهم إلَّا الشرُّ للبلادِ والعبادِ؛ لأنَّ هلاكَهم صلاحٌ للنَّاسِ، والصَّلاحُ أعظَمُ النِّعَمِ، وشُكْرُ النِّعمة واجبٌ، وهذا الحمدُ شُكْرٌ؛ لأنَّه مقابِلُ نعمةٍ [701] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/232). ؛ فهلاكُ الكافرينَ من حيثُ إنَّه تَخليصٌ لأهلِ الأرضِ من شُؤمِ عَقائدِهم وأعمالِهم نعمةٌ جليلةٌ، يحقُّ أن يُحمَدَ عليها [702] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/420)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/232). .
12- قوله: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فيه: تعليمٌ للمؤمنينَ بأن يَحْمَدوا اللَّهَ جلَّ وعلا على إهلاكِه الظَّلَمةَ وكفايته شَرَّهم [703] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/152)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/232). .

الفوائد العلمية واللطائف :


1- تقريرُ الإنسانِ بما لا يُمْكِنُه دفعُه؛ وذلك بأن يُقَرَّرَ بشيءٍ يُقِرُّ به، ولا يُمكِنُه دَفْعُه، وذلك في قوله: أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ؛ لأنَّهم في هذه الحال لا يدْعونَ إلَّا اللهَ، فإذا كان كذلك فلماذا يُخْلِصون في الشِّدَّةِ، ويُشْرِكون في الرخاءِ [704] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 215). ؟!
2- قوله تعالى: فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ فيه أنَّ الله تعالى يُجيبُ دعوةَ المضطرِّ ولو كان كافرًا، بل ويَعْلَم عزَّ وجلَّ أنَّه سيكفُر إذا نجا؛ لأنَّ الله يُنَجِّيهم من الكَرْب، وهو يعلمُ أنَّهم إذا نَجَوْا فسوف يُشْركون، ومثلُ ذلك المظلومُ؛ فإنَّ اللهَ يُجيبُ دَعْوتَه ولو كان كافرًا [706] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 215، 216). .
3- قُيِّدَت هذه الآيةُ بالمشيئة فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ، وأمَّا قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: آية 186] فقد أُطْلِقَت فيه إجابةُ الدَّعوة دون تقييدٍ بالمشيئةِ؛ قيل: لأنَّ الآيةَ التي قُيِّدت جاءت في دُعاءِ الكُفَّارِ، وجاءتِ الآيةُ الأخرى في دعاءِ المؤمنينَ فلم تُقيَّدْ بالمشيئةِ؛ لأنَّ دعاءَ المؤمِنِ لا يُرَدُّ إلَّا إذا كان بإثمٍ أو قطيعةٍ، وما جرى مجرى ذلك، وعلى كُلِّ حالٍ لا شيءَ إلَّا بمشيئةِ اللَّهِ، إلَّا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ صادقٌ، وقد وعدَ المؤمنينَ بالإجابةِ، ولم يُقَيِّدْهُ بشيءٍ، وإنَّما جاء بقيدِ المشيئةِ في دعاءِ الكفَّارِ [707] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/239). .
وقيل: تُحملُ الآيةُ المطلقةُ على الآيةِ المقيَّدةِ، وقيل: المرادُ بالدعاءِ العبادةُ، وبالإجابةِ الثوابُ، وعليه فلا إشكالَ [708] ((تفسير الرازي)) (5/265)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/74). .
4- قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فيه رحمةُ الله تبارك وتعالى بالخَلْق؛ حيث أرسل إليهم الرُّسُل لإقامة الحجَّة، ولبيان المحجَّة؛ يعني: الطريق، فلولا الرُّسُل ما عرفْنا الطريقَ إلى الله عزَّ وجلَّ، فلولا أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آلِه وسلَّم بيَّنَ لنا كيف نتوضأ، ما عَرَفنا كيف نصلِّي، وما عرفنا كيف نزكِّي، وكيف نصوم، وكيف نحجُّ، وكيف نتعامل، فإرسالُ الرُّسُل من رحمة الله عزَّ وجلَّ [709] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 220). .
5- في قوله عزَّ وجلَّ: وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ إقامةُ الحجَّة على الخلق بإرسالِ الرُّسُل، وهذه كقوله تعالى في سورة النِّساء: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ [النساء: 163] إلى قوله: رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل [النساء: 165] ، ومن تمام الحُجَّة في إرسالِ الرُّسُل أنَّهم أُرْسِلوا بلسانِ قَوْمِهم، أي: بِلُغةِ قَوْمِهم الذين أُرْسِلوا إليهم، وذلك من أجل أن يفهموا الحُجَّةَ، ويتفرَّعُ على هذا أنَّه لا تقوم الحُجَّةُ بمجرَّدِ البلاغ حتى يفهمَها المرْسَل إليهم، وإلَّا فلا فائدةَ، إلَّا أنَّه يجب على من بَلَغَه ولم يفهمْ أن يبحَثَ، لكن أحيانًا يتعذَّر البحث لكونهم لا يجدون من يثقونَ به فيبقَوْنَ جاهلينَ [710] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 219). .
6- قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ لَمَّا كان أخذُهم بالبأساء والضراء مقارِنًا لزَمَن وجودِ رُسُلِهم بين ظَهْرانَيْهِم؛ عَطَف قوله: (أَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ) بالفاء؛ للإشارةِ إلى أنَّ ذلك كان بمرأَى رُسُلِهم، وقبلَ انقراضِهم؛ ليكونَ إشارةً إلى أنَّ الله أيَّدَ رُسُلَه ونَصَرَهم في حياتهم؛ لأنَّ أخْذَ الأُمَمِ بالعقاب فيه حكمتان: إحداهما: زَجْرُهم عن التكذيب، والثانية: إكرامُ الرُّسُل بالتأييدِ بمرأًى من المكذِّبين، وفيه تكرمةٌ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بإيذانِه بأنَّ الله ناصِرُه على مكذِّبيه [711] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/227). .
7- إثباتُ الحكمةِ في أفعالِ الله تعالى؛ لقوله: لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، وثبوتُ الحِكمةِ لله عزَّ وجلَّ في أفعالِه وفي شَرْعِه أمرٌ معلومٌ لكُلِّ ذي عقلٍ؛ لأنَّ كونَ الأفعالِ والأحكامِ تَصْدُر عن حكمةٍ يدلُّ على كمالِ الفاعِل والمُشَرِّع، فالله تعالى يبتلي بالبأساءِ والضرَّاءِ لكنْ لحكمةٍ، لا لمجرَّدِ إلحاقِ الضَّرَرِ بالخَلْق، والحكمةُ بَيَّنها سبحانه وتعالى في قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، وإلَّا فإنَّ اللهَ لا يمكن أنْ يريدَ مُجَرَّد الإضرارِ، بل كلُّ ما ضرَّ النَّاسَ من تقديراتِ اللهِ فالمرادُ به مصلحةُ الخَلْقِ [712] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 220، 221). .
8- في قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ نصَّ سبحانه وتعالى هنا على الحِكمةِ، وليس كُلُّ فعلٍ أو حُكمٍ جاءَ مِن عندِ اللهِ يكونُ معلومًا لنا حِكمتُه؛ لأنَّ عُقولَنا أقصرُ مِن أن تُحيطَ بحِكمةِ الله عزَّ وجلَّ، لكن نعلمُ عِلمَ اليقين أنَّ ذلك لحِكمةٍ؛ فيجبُ على كلِّ مؤمنٍ أنْ يُؤمِنَ بأنَّ جميعَ أفعالِ اللهِ، وجميعَ شرائعِ اللهِ كلِّها لحِكمةٍ، لكن قد تُعلم وقد لا تُعلم [713] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 221). .
9- إنْ قيلَ: أليسَ قَوْلُه: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ يَدُلُّ على أنَّهم تضرَّعوا؟ وهاهنا يقولُ: قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ولم يتضرَّعوا. والجواب على ذلك: أنَّ أولئكَ أقوامٌ، وهؤلاءِ أقوامٌ آخرونَ. أو يقال: أولئك تضرَّعوا لطَلَبِ إزالة البَلِيَّة، ولم يتضرَّعوا على سبيلِ الإخلاصِ لله تعالى؛ فلهذا الفَرْقِ حَسُنَ النفيُ والإثباتُ [714] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/534). .
10- قوله تعالى: فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ فيه تسليةٌ للرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأنَّ عادةَ الأُمَم مع رسُلِهم التكذيبُ، والمبالغةُ في قسوةِ القلوبِ حتى هم إذا أُخِذوا بالبلايا لا يتذلَّلونَ لله، ولا يسألونَه كَشْفَها، وهؤلاء الأُمَم الذين بَعَث الله تعالى إليهم الرُّسُل أبلغُ انحرافًا، وأشدُّ شكيمةً، وأجلَدُ من الذين بُعِثَ إليهم رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ إذ خاطبهم تعالى بِقَولِه: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ الآية، وأخبر أنَّهم عند الأَزَمات لا يَدْعونَ لكَشْفِها إلَّا اللهَ تعالى [715] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/513). .
11- قوله تعالى: وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ فيه بيانُ شدَّةِ قسوةِ هؤلاء المعَذَّبينَ، وذلك أنَّه لَمَّا جاءهم العذابُ ليتضَرَّعوا صارَ الأمْرُ بالعكس، بل زاد ذلك قسوةً في قلوبِهم، نسألُ اللهَ العافيةَ، وكان ينبغي عليهم أن يتضرَّعوا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، وهذا قد يقع من الإنسانِ؛ ألَّا تزيدَه البأساءُ والضرَّاءُ إلَّا قسوةً في القلب، وسَخَطًا على الله عزَّ وجلَّ، وشعورًا بما لا ينبغي، فإنَّ بعضَ النَّاسِ إذا ابتُلِيَ ببلاءٍ قال: ما هذا؟ لماذا يَظْلمُني؟ لماذا يُصيبُني بما لم يُصِبْ به غيري؟ ثم يقسو قلبُه، والعياذ بالله [716] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 222، 223). .
12- أنَّ الشَّيطانَ يُزَيِّن لبني آدم سوءَ العَمَلِ؛ كما قال عزَّ وجلَّ: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وفي آية أخرى: زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ [717] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 225، 226). [التوبة: 37] .
13- إنَّ اللهَ تعالى يُضيفُ تزيينَ الدُّنيا والمعاصِي، إلى الشَّياطينِ، كما قال تعالى: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَقَالَ: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ [الأنعام: 137] ، ولا يُناقِضُ هذا قَولُه تعالى: كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ [الأنعام: 108] ؛ فإنَّ إضافةَ التَّزيينِ إليه قضاءً وقدَرًا، وإلى الشَّيطانِ تَسبُّبًا، مع أنَّ تزيينَه تعالى عقوبةٌ لهم على رُكونِهم إلى ما زَيَّنَه الشَّيطانُ لهم، فمِن عُقوبةِ السَّيئةِ السَّيئةُ بَعدَها، ومِن ثَوابِ الحَسَنةِ الحَسَنةُ بَعدَها [718] ينظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/201- 202). .
14- قوله تعالى: حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ معنى البغتةِ: الفجأةُ. وذلك أَشَدُّ ما يُؤخَذ به الإنسانُ؛ لأنه إذا عَلِمَ بالعذابِ قبلَ نُزُولِه يكونُ مُتَجَلِّدًا مُستَعِدًّا، أما إذا بَغَتَهُ قبلَ استعدادٍ له فهذا أشدُّ وأنْكَى؛ ولأجلِ هذا بعَينِه أخبرَ اللَّهُ المؤمنينَ بالبلايا التى تَرِدُ عليهم قبلَ أن تقعَ؛ ليكونوا مُستَعِدِّين لها، ولئلَّا تُفاجِئَهم؛ حيثُ قال لهم: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمَوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ [البقرة: 155] أخْبَرَهم بأنَّ الابتلاءَ سيأتيهم؛ لئلا يُباغِتَهم، ويكونوا مستعدِّينَ له قبل نزولِه [719] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/259). .
15- في قوله تعالى: فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً إنَّما أُخِذُوا في حالِ الرَّخاءِ والرَّاحةِ؛ ليكونَ أشدَّ لتحسُّرِهم على ما فاتَهم من حالِ السلامةِ والعافِيَة [720] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/535). .
16- أتى قوله تعالى: قُطِعَ بصيغةِ ما لم يُسَمَّ فاعِلُه؛ لأنَّه معلومٌ، وهو اللهُ عزَّ وجلَّ، ولكنَّ الله تبارك وتعالى في الأمورِ التي تسوءُ يأتي بها بصِيغةِ ما لم يُسَمَّ فاعِلُه، وهو كقولِ الجنِّ: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: 10] ، الجنُّ يؤمنونَ بأنَّ مُريدَ الشَّرِّ هو اللهُ عزَّ وجلَّ، ويعرفونَ أنَّ الخيرَ والشَّرَّ بِيَدِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وهو المُدَبِّر، لكنْ كرهوا أن يضيفوا الشرَّ إلى الله، فقالوا: أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: 10] [721] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 228). .
17- إثباتُ الأسبابِ؛ لقوله: الَّذِينَ ظَلَمُوا؛ لأنَّ هذه العقوبةَ مُرَتَّبةٌ على قومٍ اتَّصفوا بالظُّلْم، فيكونُ الظُّلمُ سببًا للعقوبةِ [722] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 228). .
18- في قوله تعالى: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا بيانُ أنَّ الظُّلْمَ سببٌ للعقوبةِ والهلاكِ؛ لأنَّ الحُكْمَ إذا عُلِّقَ على وصفٍ، صارَ ذلك الوصفُ عِلَّةً له؛ يزدادُ الحُكمُ قوةً بقُوَّتِه وينقُصُ بنَقْصِه [723] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 228). .
19- قولُه تعالى: الَّذِينَ ظَلَمُوا المرادُ بهم المشْرِكونَ، وفيه: أنَّ الشِّرْكَ أعظَمُ الظُّلْمِ؛ لأنَّه اعتِداءٌ على حَقِّ اللهِ تعالى على عبادِه في أن يَعْتَرِفوا له بالربوبيَّةِ وَحْدَه، وأنَّ الشِّرْكَ يَسْتَتْبِعُ مظالِمَ عِدَّةً؛ لأنَّ أصحابَ الشِّرْكِ لا يؤمنونَ بِشَرْعٍ يَزَعُ النَّاسَ عَنِ الظُّلْمِ [724] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/231). .

بلاغة الآيات :


1- قوله تعالى: قُلْ أَرَأيْتَكُمْ إِنْ أتَاكمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ استئنافٌ ابتدائيٌّ يتضمَّنُ تهديدًا بالوعيدِ؛ طردًا للأغراضِ السَّابقة [725] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/221). .
- وقوله: أَرَأَيْتَكُمْ تركيبٌ شهيرُ الاستعمالِ، يُفتتَحُ بمِثلِه الكلامِ الذي يُرادُ تحقيقُه والاهتمامُ به، وهي كلمةُ استفهامٍ وتَعجُّبٌ، وليس لها نظيرٌ؛ فهمزةُ الاستفهامِ فيه للتَّقرير، والاستفهامُ للتَعجيب [726] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/161)،  ((تفسير أبي حيان)) (4/507)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/221). .
- وقد جَمَع في هذِه الآيةِ ونظيرتِها بَعْدُ بَينَ عَلامَتَي خِطابٍ (التَّاءِ) و(الكافِ)؛ لمزيدِ الاهتمامِ للمُرادِ، الذي هو الاستئصالُ بالهلاكِ، والتاءُ اسمٌ، والكافُ حرفٌ جِيءَ به لتأكيدِ الخِطابِ [727] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/132)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 166-167). .
- وفيه: تعريضٌ بالحثِّ على خلْع الشِّرْك؛ إذ ليس لشركائِهم نفعٌ بأيديهم، فذُكِّروا بأحوالِ قد تعرض لهم يلجؤونَ فيها إلى اللهِ [728] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/221). .
- وقوله: إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ... إضافةُ العذابِ إلى اسمِ الجلالةِ في قوله: عَذَابُ اللهِ؛ لتَهويلِه؛ لصُدُورِه مِن أقدَرِ القادرينَ [729] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/224). .
- قولُه: أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أعادَ الفِعْلَ (أتى) مَع كَونِ حَرفِ العَطفِ (أو) مُغنِيًا عَن إِعادةِ العامِلِ؛ بِأن يُقالَ: إِنْ أَتَاكُم عَذابُ اللَّهِ أَوِ السَّاعَةُ، وهو ما يُوَجَّه به الإظهارُ فِي مَقامِ الإضمارِ مِن إِرادةِ الاهتمامِ بِالمُظْهَرِ؛ بِحيث يُعادُ لفْظُه الصَّريحُ؛ لأَنَّه أَقوَى استِقرارًا فِي ذِهنِ السَّامِعِ [730] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/223). .
- وقوله: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ فيه مِن التبكيتِ ما هو ظاهرٌ، وفيه تقديمُ أَغَيْرَ اللَّهِ على عاملِه تَدْعُونَ؛ لتكونَ الجملةُ المستفهَمِ عنها جملةَ قَصْرٍ، وذلك إمَّا للاختصاصِ، بمعنى: أَتَخُصُّون آلهتَكم بالدَّعوة فيما هو عادَتُكم إذا أصابكم ضُرٌّ، أم تَدْعونَ اللهَ دونَها؟ وإمَّا للإنكارِ عليهم في دُعائِهم للأصنام؛ لأنَّ المُنْكَر إنَّما هو دعاءُ الأصنامِ، لا نفسُ الدُّعاءِ، ألا ترى أنَّك إذا قُلْتَ: أزيدًا تَضْربُ؟ إنما تُنْكِرُ كونَ زيدٍ مَحَلًّا للضَّرْب، ولا تُنْكِر نفسَ الضَّرْب [731] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/22)، ((تفسير البيضاوي)) (2/161)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/627)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/224). .
2- قوله: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ
- قوله: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فيه تقديمُ المفعولِ إِيَّاهُ؛ لإفادةِ التَّخصيصِ [732] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/161). ، أو للقَصرِ، وهو قصرُ إفرادٍ؛ للردِّ على المشركين في زعْمهم أنَّهم يَدْعون اللهَ، ويَدْعون أصنامَهم، وهم وإنْ كانوا لم يَزْعُموا ذلك في حالِ ما إذا أتاهم عذابُ الله، أو أتتْهم الساعةُ؛ إلَّا أنهم لَمَّا ادَّعَوْه في غيرِ تلك الحالةِ نُزِّلوا منزلةَ مَن يَستصحبُ هذا الزعمَ في تلك الحالة أيضًا [733] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/224- 225). .
- قَولُه: فَيَكْشِفُ عَطفٌ على تَدْعُونَ وَهذا إِطماعٌ في رحمَةِ اللَّهِ؛ لعلَّهم يَتَذكَّرونَ [734] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/224- 225). .
- قوله: وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ، أي: تتركون ما تُشركونه به تعالى من الأصنامِ تركًا كليًّا، عطفٌ على تَدْعُونَ أيضًا، وتوسيطُ الكَشْفِ بينهما مع تقارنِهما، وتأخُّرِ الكَشْف عنهما؛ لإظهارِ كمالِ العنايةِ بشأنِ الكَشْفِ [735] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/133). .
- وعُدِّيَ فِعْلُ تَدْعُونَ بحرفِ (إِلى) في قوله تَدْعُونَ إِلَيْهِلأنَّ أصْلَ الدُّعاءِ نداءٌ؛ فكأنَّ المدعوَّ مطلوبٌ بالحضورِ إلى مكانِ اليأسِ [736] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/225). .
- ومفعول شَاءَ محذوفٌ على طريقةِ حَذْفِ مَفعولِ فِعلِ المشيئةِ الواقِعِ شرطًا [737] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/225). .
- وفي هذه الآيةِ ما يُعرَفُ عند علماءِ البيانِ ببابِ استدراجِ المخاطَبِ، وهو أن يُلينَ الخطابَ، ويَمْزِجه بنوعٍ من التلطُّفِ، حتى يُوقِعَ المخاطَبَ في أمْرٍ يعترفُ به؛ فتقومَ الحجَّةُ عليه، واللهُ تعالى خاطَب هؤلاءِ الكفَّارَ بِلِينٍ من القَوْلِ، وذكر لهم أمرًا لا يُنازِعونَ فيه، وهو أنَّهم كانوا إذا مسَّهم الضرُّ دعَوُا اللهَ لا غيرَه [738] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/511). .
3- قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ
- قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ كلامٌ مستأنَفٌ مَسوقٌ لبيانِ أنَّ منهم منْ لا يدعو اللهَ تعالى عند إتيانِ العذابِ أيضًا؛ لتماديهم في الغَيِّ والضَّلالِ [739] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/133). .
- وتصديرهُ بالجملة القَسَميَّة وَلَقَدْ؛ لإظهارِ مزيدِ الاهتمامِ بمضمونِ الجملة وتوكيدِه [740] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/133)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/227). .
- ومفعول أَرْسَلْنَا محذوف؛ لأنَّ مُقتضى المقامِ بيانُ حالِ المرسَلِ إليهم لا حالِ المرسَلين [741] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/133). .
- وهذا الخبرُ مستعمَل في إنذارِ السامعين من المشركينَ على طريقةِ التعريضِ [742] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/226). .
- قوله: فَأخَذْنَاهُمْ بِالبَأسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ
- قوله: يَتَضَرَّعُونَ أي: يَتَذَلَّلُونَ؛ لأَنَّ الضَّراعةَ التَّذلُّلُ والتَّخشُّعُ، وهو هُنا كنايةٌ عن الاعترافِ بالذَّنب والتَّوبة منه، وهي الإيمانُ بالرُّسُل [743] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/227). .
- وفيه مناسبةٌ حسنةٌ، حيث عبَّر هنا بقوله: يَتَضَرَّعُونَ بإظهار التَّاء، وقال في سورة الأعراف: يَضَّرَّعُونَ بالإِدغام مع اتحاد المرمى في الآيتينِ؛ وذلِك لأنَّ هاهنا وافَق ما بعدَه، وهو قولُه: جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعوا، ومُستقبلُ (تضرَّعوا): (يَتضرَّعون) لا غيرُ، والعربُ تراعي مجاورةَ الألفاظِ؛ فتَحمِلُ اللفظَ على مجاوِرِه لمجرَّدِ المضارعةِ اللفظيَّة، وإنِ اختلَف المعنى، وماضي الفِعل يَتَضَرَّعُونَ من الضَّراعة لا إدغامَ فيه؛ إنَّما تقول: تضرَّع؛ إذ لا حَرْفُ مُضارَعَةٍ فيه يُسوِّغُ الإدغامَ، فلمَّا ورد الماضي فيما بُني على آيةِ الأنعام مِن قوله: فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ولا إدغامَ فيه، ورَد الأوَّل مفكوكًا غير مُدغَم فقيل: يَتَضَرَّعُونَ؛ رعيًا للمناسبةِ. أمَّا آيةُ الأعرافِ فلم يرِدْ فيها ما يَستدعي هذه المناسبةَ؛ فجاءَ مُدغمًا على الوجهِ الأخفِّ؛ إذ لا داعيَ لخلافِه [744] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 109)، ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي  (1/160- 161)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 167). .
4- قوله: فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا (لولا) هنا حَرْفُ تَوبيخٍ؛ لدُخولِها على جُملةٍ فِعليَّةٍ ماضَوِيَّةٍ واحدةٍ تَضَرَّعُوا، فليستْ (لولا) حَرْفَ امتناعٍ لوجودٍ، بل هي التَّحضيضيَّة، وهي حرفٌ يَدُلُّ على طَلبِ الفعلِ بِحَثٍّ وَحَضٍّ؛ ولذا سُمِّيَتْ حرفَ تحضيضٍ، وعبَّر بها هُنا عن فِعلٍ فاتَ تَدَارُكُه، ولم يَبْقَ مُمْكِنًا أبدًا؛ فانْقَلَبَ في هذا المعنى تَحْضِيضُها إلى التَّوبيخِ والتَّنديمِ؛ فالمُوَبَّخُ بها هنا قد مَاتَ، ولم يَعُدْ موجودًا؛ لأنَّ وقْتَ نُزولِ الآيةِ هؤلاءِ الأممُ قد ماتوا، وانْقَضَوْا في أزمانٍ متناهيةٍ، قد مَضَوْا في الزمانِ الماضي؛ فلا يُمكنُ حُصولُ الفِعلِ منهم، وليسوا موجودِينَ حتَّى يَسمعوا التوبيخَ، ولكنَّ المقصودَ مِن توبيخِ هذا الذي غَابَ وماتَ؛ ليعتبرَ به غيرُه؛ فجاء حرف التحضيض فَلَوْلَا؛ للدَّلالةِ على التَّوبيخِ، وليُفيدَ أنَّه لم يكُنْ لهم عُذْرٌ في تَرْك التضرُّع إلَّا قسوةَ قلوبِهم، وإعجابَهم بأعمالِهم التي زَيَّنَها الشَّيطانُ لهم، والتوبيخُ إنما يليقُ بالحاضرينَ دون المُنْقَرضينَ الذين تحكي عنهم الآيةُ؛ لفواتِ المقصود؛ ففي هذا التنزيلِ إيماءٌ إلى مُساواةِ الحَالَينِ؛ حالِ مَنْ مضى، وحالِ مَن يُشْبِه وَضْعَهم من الحاضرينَ، وتوبيخٌ للحاضرينَ بالمُهِمِّ من العِبرةِ؛ لبقاءِ زَمَن التَّدارُكِ قَطعًا لعُذْرِهم [745] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/23)، ((تفسير ابن عادل)) (8/147)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/228)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/249- 250). .
- وتقديمُ الظرفِ المضافِ مع جُملته إِذْ جاءَهُمْ على عاملِه تَضَرَّعُوا؛ في قوله: إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا؛ للاهتمامِ بمضمونِ جملتِه، وأنَّه زمنٌ يَحِقُّ أنْ يكون باعثًا على الإسراعِ بالتضرُّع ممَّا حصل فيه من البأسِ [746] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/228). .
5- قوله: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
- قوله: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا فيه وَضْعُ الظَّاهِرِ موضِعَ الضَّمير؛ للإشعارِ بعِلَّة الحُكم؛ فإنَّ هلاكَهم بسبب ظُلْمِهم الذي هو وَضْعُ الكُفْر موضعَ الشكر، وإقامةُ المعاصي مَقامَ الطاعاتِ [747] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/134). .
- وقطْعُ الدَّابر كنايةٌ عن ذَهابِ الجميعِ؛ لأنَّ المُسْتَأصِلَ يبدأُ بما يليه، ويذهَبُ يستأصِلُ إلى أن يبلُغَ آخِرَه، وهو دابِرُه، وهذا ممَّا جرى مجرى المَثَلِ [748] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/231). .
- قوله: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يجوز أن تكون هذه الجملةُ معطوفةً على جملة: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ بما اتَّصل بها، عطْفَ غرضٍ على غرضٍ، ويجوز أن تكون اعتراضًا تذييليًّا، فتكون الواو اعتراضيَّة، وأيًّا ما كان موقِعُها ففي المرادِ منها اعتباراتٌ ثلاثة: أحدها: أن تكونَ تلقينًا للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمؤمنينَ أن يحمَدوا اللهَ على نَصْرِه رُسُلَه وأولياءَهم وإهلاكِ الظَّالمينَ؛ فيكون الحمدُ لله مصدرًا بدلًا من فِعله، عدَلَ عن نَصْبِه وتنكيرِه إلى رفْعِه وتعريفِه؛ للدَّلالة على معنى الدَّوامِ والثَّبات. ثانيها: أن يكون الحَمْدُ لله كنايةً عن كَوْنِ ما ذُكِرَ قبله نعمةً مِن نِعَم الله تعالى؛ لأنَّ من لوازمِ الحمدِ أن يكونَ على نعمةٍ. ثالثها: أن يكونَ إنشاءَ حَمْدٍ لله تعالى من قِبَل جَلالِهِ مُستعمَلًا في التعجُّبِ من معاملةِ الله تعالى إيَّاهم، وتدريجِهم في درجاتِ الإمهالِ إلى أنْ حقَّ عليهم العذابُ [749] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/232). .