موسوعة التفسير

سُورةُ يُونُس
الآيتان (57-58)

ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ

غريب الكلمات:


مَوْعِظَةٌ: الوعظُ: تخويفٌ، أو: زجْرٌ مُقترِنٌ بتَخويفٍ، وتذكيرٌ بالخيرِ وما يَرِقُّ له القلبُ [737] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 411)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/126)، ((المفردات)) للراغب (ص: 876)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 80). .

المعنى الإجمالي:


يُوجِّهُ الله سُبحانَه نداءً إلى النَّاسِ كافَّةً، فيقولُ: يا أيُّها النَّاسُ، قد أتاكم من ربِّكم قرآنٌ يأمُرُكم ويزجُرُكم، ويرَقِّقُ قُلوبَكم، وهو دواءٌ للقلوبِ مِن الشَّهواتِ والشُّبُهاتِ، ورُشدٌ لِمن اتَّبَعه مِن الخَلقِ، فيُنجيه مِن الهلاكِ، وهو رحمةٌ يحصُلُ به الخيرُ والإحسانُ والثَّوابُ للمُؤمِنينَ، ثمَّ أمر رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يقولَ: افرَحوا بالإيمانِ والقُرآنِ، لا بمتاعِ الدُّنيا، وأموالِها الزَّائلةِ؛ فذلك خيرٌ ممَّا يجمَعُه النَّاسُ مِن حُطامِها الفاني.

تفسير الآيتين:


يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (57).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا ذكَرَ الأدلَّةَ على الألوهيَّةِ والوحدانيَّةِ والقدرةِ؛ ذكَرَ الدلائِلَ الدالَّةَ على صحَّةِ النبوَّةِ، والطَّريقَ المؤدِّيَ إليها وهو القُرآنُ، والمتَّصِفُ بهذه الأوصافِ الشَّريفةِ هو القُرآنُ [738] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/74). .
وأيضًا لَمَّا بيَّنَ الله تعالى أنَّ الرَّسولَ حَقٌّ وصِدقٌ بظهورِ المُعجِزاتِ على يَدَيه، في قَولِه: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ [يونس: 37]، إلى قَولِه: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس: 38] وصَفَ القرآنَ هنا بصفاتٍ أربعٍ: أوَّلُها: كونُه مَوعِظةً. وثانيها: كونُه شِفاءً لِما في الصُّدورِ. وثالثُها: كونُه هدًى. ورابعُها: كونُه رحمةً للعالَمينَ [739] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (10/356). .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ.
أي: يا أيُّها النَّاسُ، قد أتاكم قرآنٌ يأمُرُكم ويزجُرُكم، ويرقِّقُ قُلوبَكم، وتَصلُحُ به أحوالُكم، مُنزَّلٌ مِن عندِ رَبِّكم [740] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/193)، ((البسيط)) للواحدي (11/228)، ((تفسير ابن عطية)) (3/126)، ((تفسير ابن كثير)) (4/274)، ((تفسير السعدي)) (ص: 366). .
وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ.
أي: ودواءٌ للقُلوبِ مِن الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ، يشفي من الجَهلِ والشَّكِّ، والنِّفاقِ والغَيِّ [741] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/193)، ((البسيط)) للواحدي (11/228)، ((تفسير القرطبي)) (8/353)، ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/15، 44 - 46)، ((زاد المعاد)) لابن القيم (4/322، 323)، ((تفسير ابن كثير)) (4/274)، ((تفسير السعدي)) (ص: 367). .
كما قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء: 82].
وقال سُبحانه: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت: 44].
وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ.
أي: وبيانٌ للحَلالِ مِن الحرامِ، ودليلٌ على الطَّاعةِ والمعصية، ورشدٌ لمن اتَّبَعه، وهو رحمةٌ يحصلُ به الخَيرُ والإحسانُ والثوابُ للمُؤمِنينَ [742] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/193، 194)، ((البسيط)) للواحدي (11/228)، ((تفسير القرطبي)) (8/353)، ((تفسير ابن كثير)) (4/274)، ((تفسير السعدي)) (ص: 367). .
كما قال تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2].
وقال سُبحانه: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9].
قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
أنَّه يتفَرَّعُ على كونِ القُرآنِ هُدًى ورحمةً للمُؤمنِينَ تَنبيهُهم إلى أنَّ ذلك فضلٌ مِن اللهِ عليهم ورحمةٌ بهم، يحِقُّ لهم أن يَفرَحوا بهما، وأن يَقْدُروا قَدْرَ نِعمَتِهما، وأن يعلَموا أنَّها نِعمةٌ تَفوقُ نعمةَ المالِ التي حُرِمَ منها أكثَرُ المؤمنينَ، ومُنِحَها أكثَرُ المُشرِكينَ [743] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/203). .
قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ.
أي: قُلْ- يا مُحمَّدُ [744] قيل: المرادُ: قُلْ للمُشرِكينَ. وممَّن اختار ذلك: ابنُ جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/194، 198). وقيل: المرادُ: قُلْ لجَميعِ النَّاسِ. وممَّن اختار ذلك: ابنُ عطيةَ. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/126). -: بالإسلامِ والقرآنِ فلْيَفرَحوا، لا بمتاعِ الدُّنيا الفانيةِ، وأموالِها الزَّائلةِ [745] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/194، 198)، ((تفسير ابن عطية)) (3/126)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/49)، ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/31). قال الواحدي: (قال ابنُ عباسٍ، ومجاهدٌ، والحسنُ، وقتادةُ: فضلُ الله الإسلامُ، ورحمتُه القرآنُ. وهذا قولُ عامةِ المفسِّرين). ((الوسيط)) (2/551). قال ابنُ القَيِّم: (قال أبو سعيدٍ الخُدريُّ: فضلُ الله: القرآنُ، ورحمتُه: أنْ جَعَلَكم مِن أهلِه، وقال هلالُ بنُ يساف: بالإسلامِ الذي هداكم إليه، وبالقرآنِ الذي علَّمَكم إيَّاه، هو خيرٌ مما تَجمَعون: من الذَّهَبِ والفِضَّة، وكذلك قال ابنُ عبَّاس والحَسَن وقتادة:  فَضْلُه: الإسلامُ، ورحمتُه: القرآنُ، وقالت طائفةٌ من السَّلَفِ: فَضْلُه: القرآنُ، ورَحمتُه: الإسلامُ. والتحقيقُ: أنَّ كُلًّا منهما فيه الوَصفانِ؛ الفَضلُ والرحمةُ، وهما الأمرانِ اللَّذانِ امتَنَّ الله بهما على رسولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فقال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ [الشورى: 52]). ((إغاثة اللهفان)) (1/31). وقال ابن عاشور: (لم يختلف المفسِّرون في أنَّ القرآنَ مرادٌ مِن فَضلِ اللهِ ورَحمتِه). ((تفسير ابن عاشور)) (11/205). .
هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ.
أي: الإسلامُ والقُرآنُ خَيرٌ مما يجمَعُ النَّاسُ في الدُّنيا مِن مَتاعٍ وأموالٍ [746] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/194، 198)، ((تفسير ابن عطية)) (3/127)، ((تفسير ابن كثير)) (4/275)، ((تفسير السعدي)) (ص: 367)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/205). قال ابنُ عاشورٍ: (ضَميرُ يَجْمَعُونَ عائدٌ إلى النَّاسِ في قولِه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ [يونس: 57] بقرينةِ السِّياقِ، وليس عائدًا إلى ما عاد إليه ضميرُ فَلْيَفْرَحُوا؛ فإنَّ القَرائنَ تصرِفُ الضَّمائِرَ المُتشابِهةَ إلى مصارِفِها). ((تفسير ابن عاشور)) (11/205). .
كما قال تعالى: وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف: 32].

الفوائد التربوية:


1- قال اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قَولُه: وِشَفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ أي: دواءٌ للقُلوبِ مِن داءِ الجَهلِ والشبهات والشهوات وغيرها؛ لأنَّ داءَ الجهلِ أضرُّ للقلبِ مِن المَرَض للبَدَن، وأمراضُ القلبِ هي الأخلاقُ الذَّميمةُ، والعقائِدُ الفاسدةُ، والجَهالاتُ المُهلِكةُ، والقرآنُ مُزيلٌ لهذه الأمراضِ كُلِّها؛ لأنَّ فيه المواعِظَ والزَّواجِرَ، والتخويفَ، والتَّرغيبَ والتَّرهيبَ، والتَّحذيرَ والتَّذكيرَ، فهو الشِّفاءُ لهذه الأمراضِ القَلبيَّةِ [747] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/25). .
2- قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا حصل الهُدى، وحَلَّت الرَّحمةُ النَّاشِئةُ عنه، حصلتِ السَّعادةُ والفلاحُ، والرِّبحُ والنَّجاحُ، والفَرَح والسُّرورُ؛ ولذلك أمَرَ تعالى بالفَرَحِ بذلك، فقال: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [748] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:366). .
3- قال الله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ إذا حَصَلَت اللَّذَّاتُ الرُّوحانيَّةُ، فإنَّه يجِبُ على العاقِلِ ألَّا يفرَحَ بها من حيثُ هي هي، بل يجِبُ أن يفرَحَ بها من حيثُ إنَّها مِن اللهِ تعالى، وبفضلِ اللهِ وبِرحمتِه [749] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/270). .
4- قَولُ اللهِ تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ فيه كراهةُ تأسفِ القارئِ والعالمِ على ضيقِ حالِه في الدُّنيا، واستحبابُ تذكرِه أنَّ ما أُوتي أفضلُ مما أُوتي أصحابُ الأموالِ [750] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:148). .
5- نِعمةُ الدِّينِ المتَّصِلةُ بسَعادةِ الدَّارَينِ، لا نسبةَ بينها وبين جميعِ ما في الدُّنيا، ممَّا هو مُضمَحِلٌّ زائِلٌ عن قَريبٍ، قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ مِن مَتاعِ الدُّنيا ولذَّاتِها [751] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:366). .
6- قَولُ الله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا إنَّما أمَرَ اللهُ تعالى بالفَرَح بفَضلِه ورَحمتِه؛ لأنَّ ذلك ممَّا يُوجِبُ انبساطَ النَّفسِ ونَشاطَها، وشُكرَها لله تعالى وقوَّتَها، وشِدَّةَ الرَّغبةِ في العِلمِ والإيمانِ الدَّاعي للازديادِ منهما، وهذا فَرَحٌ مَحمودٌ، بخلافِ الفَرَح بشهواتِ الدُّنيا ولذَّاتِها، أو الفَرَح بالباطلِ؛ فإنَّ هذا مذمومٌ [752] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:366). .
7- الفَرحُ في قَولِه تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو فرحُ القَلبِ، وهو مِن الإيمانِ، ويثابُ عليه العبدُ، فإنَّ فَرَحَه به يدلُّ على رِضاه به، بل هو فَوقَ الرِّضا؛ لأنَّه يكونُ على قَدْرِ محبَّتِه، فإنَّ الفَرحَ إنَّما يكونُ بالظَّفَر بالمحبوبِ، وعلى قَدْرِ محبَّتِه يفرحُ بحُصولِه له، فالفرَحُ باللهِ وأسمائِه وصِفاتِه، ورَسولِه وسُنَّتِه وكلامِه، محضُ الإيمانِ وصَفوتُه ولُبُّه، وله عبوديَّةٌ عجيبةٌ، وأثَرُ القَلبِ لا يعبِّرُ عنه، فابتهاجُ القَلبِ وسُرورُه وفَرَحُه باللهِ وأسمائِه وصِفاتِه، وكلامِه ورَسولِه ولقائِه؛ أفضَلُ ما يُعطاه، بل هو أجَلُّ عطاياه، والفَرَحُ في الآخرةِ باللهِ ولقائِه بحَسَبِ الفَرَحِ به ومحبَّتِه في الدُّنيا، فالفَرَحُ بالوصولِ إلى المحبوبِ يكونُ على حسَبِ قُوَّةِ المحبَّةِ وضَعفِها، فهذا شأنُ فَرَحِ القَلبِ [753] يُنظر: ((الروح)) لابن القيم (ص: 248). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ المرادُ بما جاءَهم وبَلَغَهم هو ما أُنزِلَ من القرآنِ، وقُرِئَ عليهم، وقد عبَّرَ عنه بأربعِ صِفاتٍ هي أصولُ كَمالِه وخَصائِصِه وهي: أنَّه مَوعِظةٌ، وأنَّه شِفاءٌ لِما في الصُّدورِ، وأنَّه هُدًى، وأنَّه رَحمةٌ للمُؤمِنينَ [755] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/201). .
قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فالقُرآنُ شِفاءٌ لِما فى الصُّدورِ مِن مَرَضِ الجهلِ والغَيِّ؛ فإنَّ الجَهلَ مَرَضٌ شفاؤه العِلمُ والهُدى، والغَيَّ مَرَضٌ شِفاؤُه الرُّشدُ [756] يُنظر: ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/15). .
قال اللهُ تعالى: وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ جعَلَه تبارك وتعالى رحمةً للمُؤمِنينَ به دونَ الكافرينَ به؛ لأنَّ مَن كفَرَ به فهو عليه عَمًى، وفي الآخرةِ جزاؤُه على الكُفر ِبه الخلودُ في لظَى [757] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/194). .
قال تعالى: وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الهدُى أجلُّ الوسائِلِ، والرَّحمةُ أكمَلُ المقاصِدِ والرَّغائِبِ [758] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 367). .
قَولُ الله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا دخولُ الباءِ على كلٍّ مِن الفَضلِ والرَّحمةِ هنا يدلُّ على استقلالِ كلٍّ منهما بالفَرَحِ به [759] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/333). .
شَرَعَ اللهُ لهذه الأُمَّةِ الفرحَ والسرورَ بتمامِ نِعمَتِه وكمالِ رَحمَتِه، كما قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [760] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن رجب (1/160). .
قَولُ الله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا لا تَنافي بين الأمرِ بالفَرَحِ هنا، وبين النَّهيِ عنه في قَولِه تعالى: لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص:76] لاختلافِ المتعَلَّقِ، فالمأمورُ به هنا الفَرَحُ بفَضلِ اللهِ وبِرَحمتِه، والمنهيُّ هناك الفَرَحُ بجَمعِ الأموالِ لرئاسةِ الدُّنيا، وإرادةِ العُلُوِّ بها، والفَسادِ والأشَرِ [761] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/76). .

بلاغة الآيتين:


قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
قولُه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ فيه الْتِفاتٌ، ورجوعٌ إلى استِمالَتِهم نحوَ الحقِّ، واستنزالِهم إلى قَبولِه واتِّباعِه، بعدَ تحذيرِهم مِن غَوائلِ الضَّلالِ بما تُليَ عليهم مِن القوارِعِ النَّاعيةِ عليهم سوءَ عاقبتِهم، وإيذانٌ بأنَّ جميعَ ذلك مَسوقٌ لِمَصالِحِهم ومَنافعِهم [762] يُنظر: ((تفسير أبي السعود))  (4/155). .
وافتِتاحُ الكلامِ بـ قَدْ؛ لِتَأكيدِه؛ لأنَّ في المُخاطَبين كثيرًا ممَّن يُنكِرُ هذه الأوصافَ للقرآنِ [763] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/201). .
قولُه: مِنْ رَبِّكُمْ فيه التَّعرُّضُ لعُنوانِ الرُّبوبيَّةِ، وهو حَسنُ الموقِعِ هنا؛ ففيه تنبيهٌ على أنَّها بالغةٌ غايةَ كَمالِ أمثالِها [764] يُنظر: ((تفسير أبي السعود))  (4/155)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/201). ، وتذكيرٌ بما يَزيدُها تعظيمًا، وتبيينٌ لوجوبِ الاتِّعاظِ بها إيمانًا وتسليمًا؛ لأنَّها مِن مالكِ أمرِ النَّاسِ، ومُرَبِّيهم بفَضلِه ورَحمتِه، وعِلمِه وحِكمتِه [765] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/328). .
وقَولُه تعالى: وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ خُصَّ الصَّدرُ بالذِّكرِ؛ لأنَّه مَوضِعُ القَلبِ وغيرِه، وهو أعزُّ مَوضعٍ في الإنسانِ لِمكانِ القَلبِ [766] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/25). .
وفيه تنكيرُ كلٍّ مِن مَوْعِظَةٌ وَشِفَاءٌ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ؛ للتَّفخيمِ [767] يُنظر: ((تفسير أبي السعود))  (4/155). .
قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
قولُه: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ فيه تلوينٌ للخِطابِ، وتوجيهٌ له إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ ليَأمرَ النَّاسَ بأن يَغتنِموا ما في القرآنِ العظيمِ مِن الفضلِ والرَّحمةِ [768] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/156). .
وأيضًا في قولِه: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ فيه حذْفُ أحَدِ الفِعلَين؛ لِدَلالةِ المذكورِ عليه؛ إذ أصلُ الكلامِ: (بِفَضلِ اللهِ وبِرَحمتِه فَلْيَفرَحوا، فبذلك فَليَفرحوا)، والتَّكريرُ للتَّأكيدِ والتَّقريرِ [769] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/353)، ((تفسير أبي حيان)) (6/75). .
وأخَّرَ الأمرَ، وقدَّمَ عليه متعَلَّقَه؛ لإفادةِ الاختصاصِ؛ فإنَّ أصلَ المعنى بدونِهما: (قُل لِيَفرَحوا بفضلِ الله وبِرَحمتِه)، كأنَّه قال: (إنْ كان في الدنيا شيءٌ يستَحِقُّ أن يُفرَحَ به، فهو فضلُ اللهِ ورَحمتُه) [770] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/334). .
والإشارةُ في قولِه: فَبِذَلِكَ للمذكورِ، وهو مجموعُ الفضلِ والرَّحمةِ، واخْتِير للتَّعبيرِ عنه اسمُ الإشارةِ (ذَلِكَ)؛ لِما فيه مِن الدَّلالةِ على التَّنويهِ والتَّعظيمِ، مع زيادةِ التَّمييزِ والاختصارِ [771] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/204). .