موسوعة التفسير

سورةُ الإسراءِ
الآيات (82-84)

ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ

غريب الكلمات:


وَنَأَى: أي: تباعَد، وأصلُ النأيِ: البعدُ، وهو ضدُّ القربِ [1079] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 260)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 465)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/378)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 207)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 268).   .
بِجَانِبِهِ: أي: بنفسِه أو بناحيتِه وقربِه، وأصلُ (جنب): ناحيةٌ [1080] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/64)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 465)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/483)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 268)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 916).   .
شَاكِلَتِهِ: أي: ناحِيَتِه وطريقَتِه، وقيل: خَليقَتِه وطبيعتِه. والشَّاكِلةُ مِن الأُمورِ: ما وافَقَ فاعِلَه، وأصلُ (شكل): يدُلُّ على المُماثَلةِ [1081] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 260)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 288)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/204)، ((البسيط)) للواحدي (13/459)، ((الغريبين)) للهروي (3/1026)، ((المفردات)) للراغب (ص: 462).   .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى: ونُنَزِّلُ مِن آياتِ القُرآنِ العَظيمِ ما يَشفِي قُلوبَ المؤمنين مِن الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ، وما يَشفي الأبدانَ مِن الأمراضِ، ورَحمةً لهم في الدُّنيا والآخرةِ، ولا يزيدُ هذا القُرآنُ الكُفَّارَ عند سَماعِه إلَّا تكذيبًا وكُفرًا وضَلالًا.
ثمَّ بيَّن الله تعالى أحوالَ الإنسانِ في حالتي اليسرِ والعسرِ، والرخاءِ والشِّدَّةِ، فقال: وإذا أنعَمْنا على الإنسانِ بنِعمةٍ مِا، أعرَضَ عن شُكرِ ربِّه، وتولَّى عن طاعتِه، وإذا أصابَتْه شِدَّةٌ مِن فَقرٍ أو مَرَضٍ، كان قَنُوطًا يائِسًا مِن رَحمةِ رَبِّه. قُلْ -يا مُحمَّدُ- للنَّاسِ: كُلُّ إنسانٍ منكم يعمَلُ على ما يَليقُ به ويُناسِبُ أخلاقَه ومَذهَبَه؛ فرَبُّكم أعلَمُ بمَن هو أهدى طريقًا إلى الحَقِّ.

تفسير الآيات:


وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا بَيَّنَ اللهُ تعالى الإلهيَّاتِ والنبُوَّاتِ، والحَشرَ والنَّشرَ والبَعثَ، وإثباتَ القَضاءِ والقَدَر، ثمَّ أتبَعَه بالأمرِ بالصَّلاةِ، ونبَّه على ما فيها من الأسرارِ، وكان القُرآنُ هو الجامِعَ لجَميعِ ذلك- أتبَعَه ببيانِ كَونِه شِفاءً ورَحمةً [1082] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/331).   .
وأيضًا فإنَّ الآيةَ عَطفٌ على جُملةِ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ [الإسراء: 81] على ما في تلك الجُملةِ والجُمَلِ التي سبقَتْها من معنى التأييدِ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومن الإغاظةِ للمُشرِكين، ابتداءً مِن قَولِه: وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الإسراء: 73]. فإنَّه بعد أن امتنَّ عليه بأن أيَّده بالعِصمةِ مِن الركونِ إليهم وتبشيرِه بالنُّصرةِ عليهم وبالخَلاصِ مِن كيدِهم، وبعد أن هدَّدهم بأنَّهم صائرون قريبًا إلى هلاكٍ، وأنَّ دينَهم صائرٌ إلى الاضمِحلالِ- أعلن له ولهم في هذه الآيةِ: أنَّ ما منه غيظُهم وحنَقُهم، وهو القرآنُ الذي طَمِعوا أن يسألوا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُبدِّلَه بقرآنٍ ليس فيه ذِكرُ أصنامِهم بسُوءٍ؛ أنَّه لا يزالُ متجَدِّدًا مستمِرًّا، فيه شفاءٌ للرَّسولِ وأتباعِه، وخَسارةٌ لأعدائِه الظالِمين، ولأنَّ القرآنَ مصدرُ الحَقِّ ومَدحَضُ الباطِلِ، أعقَبَ قَولَه: جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ بقَولِه [1083] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/188-189).   :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
أي: ونُنَزِّلُ مِن [1084] مِنْ هنا للجِنسِ، وليست للتَّبعيضِ، فالقرآنُ كُلُّه شِفاءٌ ورَحمةٌ. وممَّن ذهب إلى هذا: الواحدي، وابنُ القيِّم، وابنُ عاشور. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (13/452-453)، ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 8)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/189).   القُرآنِ ما هو شِفاءٌ لِما في قُلوبِ المُؤمِنينَ مِن الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، وشِفاءٌ لِما في أبدانِهم مِن الأمراضِ، ورحمةٌ للمؤمنينَ العاملينَ بما فيه، يكونُ سببَ نجاتِهم مِن العذابِ، ودخولِهم الجنةَ، ونيلِ السعادةِ الأبديةِ [1085] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/62، 63)، ((تفسير ابن عطية)) (3/480)، ((زاد المعاد)) لابن القيم (4/322، 323)، ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/44-46)، ((تفسير ابن كثير)) (5/112)، ((تفسير الشوكاني)) (3/300)، ((تفسير السعدي)) (ص: 465)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/189، 190)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/181).   .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: 57].
وقال سُبحانَه: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت: 44].
وقال تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام: 155].
وقال سُبحانَه: قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: 203-204].
وعن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ اللهُ عنه: ((أنَّ ناسًا مِن أصحابِ رَسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كانوا في سَفَرٍ، فمرُّوا بحَيٍّ من أحياءِ العَرَبِ، فاستَضافوهم فلمْ يُضَيِّفوهم، فقالوا لهم: هل فيكم راقٍ؛ فإنَّ سَيِّدَ الحَيِّ لَديغٌ أو مُصابٌ؟ فقال رَجُلٌ منهم: نَعَم، فأتاه فَرَقاه بفاتحةِ الكِتابِ، فبَرَأ الرَّجُلُ، فأُعطِيَ قَطيعًا مِن غَنَمٍ، فأبى أن يَقبَلَها، وقال: حتَّى أذكُرَ ذلك للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فذكَرَ ذلك له، فقال: يا رَسولَ اللهِ، واللهِ ما رَقَيْتُ إلَّا بفاتحةِ الكِتابِ، فتَبَسَّمَ وقال: وما أدراك أنَّها رُقْيةٌ؟! ثمَّ قال: خُذُوا منهم، واضرِبوا لي بسَهمٍ معك م)) [1086] رواه البخاري (5007)، ومسلم (2201) واللفظ له.   .
وعن عائشةَ رَضِيَ الله عنها: ((أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان إذا اشتَكى يقرأُ على نَفسِه بالمُعَوِّذاتِ، ويَنفُثُ، فلمَّا اشتَدَّ وَجعُه كنت أقرأُ عليه، وأمسَحُ عنه بيَدِه؛ رجاءَ بَرَكتِه ا)) [1087] رواه البخاري (4439)، ومسلم (2192) واللفظ له.   .
وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: ((كان رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا مَرِضَ أحَدٌ مِن أهْلِه نَفَث عليه بالمُعَوِّذاتِ )) [1088] رواه مسلم (2192).   .
وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا.
أي: ولا يَزيدُ القُرآنُ الظَّالِمينَ أنفُسَهم بالكُفرِ إلَّا هَلاكًا؛ فلا يَزيدُهم سَماعُ القُرآنِ إلَّا بُعدًا عن الحَقِّ، وتكذيبًا وكُفرًا؛ وذلك بسَبَبِ تَكذيبِهم بالقُرآنِ، وتَرْكِهم العَمَلَ به؛ فلا يَنتَفِعونَ به؛ لإعراضِهم عنه [1089] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/63)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (6/4276)، ((تفسير البغوي)) (3/158)، ((تفسير ابن عطية)) (3/480)، ((تفسير ابن كثير)) (5/112)، ((تفسير السعدي)) (ص: 465).   .
كما قال تعالى: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 124- 125].
وقال سُبحانَه: وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت: 44].
وقال عزَّ وجلَّ: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة: 26].
وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى تَنويعَ ما أنزَلَ مِن القُرآنِ شِفاءً ورَحمةً للمُؤمنِ، وبزيادةِ خَسارٍ للظَّالِمِ؛ عرَّضَ بما أنعَمَ به وما حَواه مِن لَطائِفِ الشَّرائِعِ على الإنسانِ، ومع ذلك أعرَضَ عنه، وبَعُدَ بجانِبِه؛ اشمِئزازًا له وتكَبُّرًا عن قُربِ سَماعِه، وتبديلًا مكانَ شُكرِ الإنعامِ كُفْرَه [1090] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/105).   .
وأيضًا لَمَّا كان القُرآنُ نِعمةً عَظيمةً للنَّاسِ، وكان إعراضُ المُشرِكينَ عنه حِرمانًا عَظيمًا لهم مِن خَيراتٍ كَثيرةٍ، ولم يكُنْ مِن شَأنِ أهلِ العُقولِ السَّليمةِ أن يَرضَوا بالحِرمانِ مِن الخَيرِ؛ كان الإخبارُ عن زِيادتِه الظَّالِمينَ خَسارًا- مُستَغربًا، مِن شَأنِه أن يُثيرَ في نُفوسِ السَّامِعينَ التَّساؤُلَ عن سَبَبِ ذلك؛ فأعقَبَ ذلك ببيانِ السَّبَبِ النَّفسانيِّ الذي يُوقِعُ العُقَلاءَ في مَهواةِ هذا الحِرمانِ، وذلك بعد الاشتِغالِ بما هو فيه مِن نِعمةٍ هَوِيَها وأُولِعَ بها، وهي نِعمةٌ تتَقاصَرُ عن أوْجِ تلك النِّعَمِ التي حُرِمَ منها لولا الهَوى الذي عَلِقَ بها والغُرورُ الذي أراه إيَّاها قُصارى المَطلوبِ، وما هي إلَّا إلى زوالٍ قَريبٍ [1091] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/191).   .
وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ.
أي: وإذا أنعَمْنا على الإنسانِ [1092] ممَّن ذهَبَ إلى أنَّ الآيةَ تُخبِرُ عن جنسِ الإنسانِ، وسجيتِه، إلَّا مَن عَصَم الله تعالى: ابنُ جُزي، وابنُ كثير، والشوكاني، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (1/453)، ((تفسير ابن كثير)) (5/113)، ((تفسير الشوكاني)) (3/301)، ((تفسير السعدي)) (ص: 465). وقيل: المَعنيُّ بها الكافِرُ دونَ غَيرِه. وممَّن ذهب إلى هذا: السمرقندي، وابنُ أبي زمنين، وابنُ عطية، والرسعني. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (2/326)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (3/37)، ((تفسير ابن عطية)) (3/480)، ((تفسير الرسعني)) (4/222). قال ابنُ عطية: (الإنسانُ في هذه الآية لا يرادُ به العمومُ، وإنما يُرادُ به بعضُه وهم الكَفَرةُ، وهذا كما تقولُ عند غضَبٍ: لا خيرَ في الأصدقاء ولا أمانةَ في النَّاسِ، فأنت تعمُّ مبالغةً، ومرادُك البعضُ، وهذا بحسَبِ ذِكرِ الظالمين، و «الخَسار» في الآيةِ قبلُ، فاتصل ذِكرُ الكَفَرة. ويحتمل أن يكونَ الإنسانُ في هذه الآية عامًّا للجنسِ، على معنى أنَّ هذا الخُلُق الذميم في سجيَّتِه، فالكافِرُ يبالِغُ في الإعراضِ، والعاصي يأخُذُ بحظِّه منه). ((تفسير ابن عطية)) (3/480). قال البقاعي: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا أي: بما لنا من العظمةِ عَلَى الْإِنْسَانِ أي: هذا النَّوعِ؛ هؤلاء وغيرهم بأيِّ نعمةٍ كانت، من إنزالِ القرآنِ وغيرِه). ((نظم الدرر)) (11/498). بنِعمةٍ -كرِزقٍ أو نَصرٍ، أو صِحَّةٍ أو فَرَجٍ- أعرَضَ عن عبادةِ اللهِ وشُكرِه، وذِكرِه وتَدَبُّرِ آياتِه، وابتعَدَ عن طاعةِ رَبِّه، فلم يمتَثِلْ أمْرَه، ولم يجتَنِبْ نَهْيَه [1093] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/63)، ((تفسير القرطبي)) (10/321)، ((تفسير ابن كثير)) (5/113)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/498-499)، ((تفسير السعدي)) (ص: 465)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/182).   !
كما قال تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [يونس: 12].
وقال سُبحانَه: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء: 67].
وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا.
أي: وإذا أصاب الإنسانَ الضُّرُّ -كفَقرٍ أو مرضٍ أو بُؤسٍ- كان قانِطًا مِن الفَرَجِ بعدَ الشِّدَّةِ، يائِسًا مِن رَحمةِ رَبِّه سُبحانَه [1094] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/65)، ((تفسير القرطبي)) (10/321)، ((تفسير ابن كثير)) (5/113)، ((تفسير السعدي)) (ص: 465)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/182).   .
كما قال تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ [هود: 9].
وقال سُبحانَه: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: 36].
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (84).
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ.
أي: قُلْ -يا مُحَمَّدُ- مُخبِرًا للنَّاسِ: كُلُّ إنسانٍ يعمَلُ على وَفقِ نِيَّتِه، وبحَسَب طريقَتِه التي تَليقُ به، وتُناسِبُ أخلاقَه وطَبيعَتَه، ومَذهَبَه وعادَتَه التي ألِفَها؛ فالكافِرُ يعمَلُ بما يُشبِهُ طَريقَتَه مِن مُقابَلةِ النِّعَمِ بالمعاصي، والإعراضِ عن المُنعِمِ، والمؤمِنُ يعمَلُ بما يُشاكِلُه مِن شُكرِ النِّعَمِ، ومَحبَّةِ المُنعِمِ بها، والثَّناءِ عليه، والتوَدُّدِ إليه، والحياءِ منه، والمُراقبةِ له، وتَعظيمِه وإجلالِه عزَّ وجلَّ [1095] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/65)، ((البسيط)) للواحدي (13/459)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/50)، ((تفسير ابن عطية)) (3/481)، ((تفسير القرطبي)) (10/322)، ((الفوائد)) لابن القيم (ص: 178)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (2/351)، ((تفسير ابن كثير)) (5/113)، ((تفسير السعدي)) (ص: 465)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/194). قال ابنُ القيم: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ أى: على ما يشاكلُه ويناسبُه ويليقُ به، كما يقولُ الناسُ: «كلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ»). ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) (ص: 103). وقال أيضًا: (فالفاجِرُ يعمَلُ على ما يليقُ به، وكذلك الكافِرُ والمنافِقُ، ومريدُ الدنيا وجيفتِها عامِلٌ على ما يناسِبُه ولا يليقُ به سواه، ومحِبُّ الصُّوَر عامِلٌ على ما يناسِبُه ويليقُ به؛ فكلُّ امرئٍ يهفو إلى ما يحِبُّه، وكلُّ امرئٍ يصبو إلى ما يناسِبُه، فالمريدُ الصادِقُ المحِبُّ لله يعمَلُ ما هو اللائِقُ به والمناسِبُ له، فهو يعمَلُ على شاكلةِ إرادتِه، وما هو الأليقُ به والأنسَبُ لها). ((مدارج السالكين)) (2/351). وقال النحاس: (والمعنَى: وليس يَنبغي أن يكونَ كذلك، إنَّما يَنبغي أن يتَّبعَ الحقَّ حيثُ كان). ((معاني القرآن)) (4/188). وقال ابن كثير: (وهذه الآيةُ -واللهُ أعلَمُ- تهديدٌ للمُشرِكينَ ووَعيدٌ لهم). ((تفسير ابن كثير)) (5/113). .
كما قال تعالى: وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [هود: 121- 122].
وقال عزَّ وجلَّ: قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: 135].
وقال سُبحانَه: قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ [الزمر: 39 -40].
فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا.
أي: فرَبُّكم -أيُّها النَّاسُ- أعلَمُ بالمُؤمِنِ والكافِرِ منكم، ومَن هو أهدى طريقًا إلى الحَقِّ مِن غَيرِه، وسيُجازي كلَّ عامِلٍ بعَمَلِه [1096] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/65)، ((تفسير القرطبي)) (10/322)، ((تفسير ابن كثير)) (5/113)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/500).   .
كما قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل: 125].

الفوائد التربوية:


- قَولُ الله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا فيه أنَّ القُرآنَ مُشتَمِلٌ على الشِّفاءِ والرَّحمةِ، وليس ذلك لكُلِّ أحَدٍ، وإنَّما ذلك للمُؤمِنينَ به، المُصَدِّقينَ بآياتِه، العامِلينَ به، وأمَّا الظَّالِمونَ بعَدَمِ التَّصديقِ به، أو عَدَمِ العَمَلِ به، فلا تَزيدُهم آياتُه إلَّا خَسارًا؛ إذ به تقومُ عليهم الحُجَّةُ. فالشِّفاءُ الذي تضَمَّنَه القُرآنُ عامٌّ لِشِفاءِ القُلوبِ؛ مِنَ الشُّبَه، والجَهالة، والآراءِ الفاسدةِ، والانحرافِ السَّيِّئ، والقُصُودِ السَّيِّئةِ؛ فإنَّه مُشتَمِلٌ على العِلمِ اليَقينيِّ الذي تَزولُ به كُلُّ شُبهةٍ وجَهالةٍ، والوَعظِ والتَّذكيرِ الذي يزولُ به كُلُّ شَهوةٍ تُخالِفُ أمْرَ اللهِ، ولشِفاءِ الأبدانِ مِن آلامِها وأسقامِها. وأمَّا الرَّحمةُ، فإنَّ ما فيه من الأسبابِ والوَسائِلِ التي يُحَثُّ عليها، متى فعَلَها العبدُ فاز بالرَّحمةِ والسَّعادةِ الأبَديَّةِ، والثَّوابِ العاجِلِ والآجِلِ [1097] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 465).   .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُه تعالى: مَا هُوَ شِفَاءٌ يَعُمُّ الشِّفاءَ القَلبيَّ والبدنيَّ، أي: يَعُمُّ الشِّفاءَ مِن الأمراضِ القَلبيَّةِ -كالشَّكِّ والشِّركِ، والعَداوةِ للمُؤمِنينَ والبَغضاءِ لهم، وما أشبَهَ ذلك- وكذلك مِن الأمراضِ الجَسَديَّةِ -كالصُّداعِ والألمِ وما أشبَهَ ذلك، فالقُرآنُ كلُّه خَيرٌ، كلُّه شِفاءٌ [1100] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (1/102).   .
2- قال الله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ هاهنا أمرٌ يَنبغي التفَطُّنُ له، وهو أنَّ الأذكارَ والآياتِ والأدعيةَ التي يُستَشفى بها ويُرقَى بها، هي في نَفسِها نافِعةٌ شافِيةٌ، ولكِنْ تَستَدعي قَبولَ المحَلِّ، وقُوَّةَ هِمَّةِ الفاعِلِ وتأثيرِه، فمتى تخَلَّفَ الشِّفاءُ كان لِضَعفِ تأثيرِ الفاعِلِ، أو لعَدَمِ قَبولِ المُنفَعِل، أو لِمانعٍ قَويٍّ فيه يمنَعُ أن يَنجَعَ فيه الدَّواءُ، كما يكونُ ذلك في الأدويةِ والأدواءِ الحِسِّيَّةِ؛ فإنَّ عَدَمَ تأثيرِها قد يكون لعَدَمِ قَبولِ الطَّبيعةِ لذلك الدَّواءِ، وقد يكونُ لمانعٍ قَويٍّ يمنَعُ مِن اقتِضائِه أثَرَه، فإنَّ الطبيعةَ إذا أخَذَت الدَّواءَ بقَبولٍ تامٍّ كان انتفاعُ البَدَنِ به بحَسَبِ ذلك القَبولِ، فكذلك القَلبُ إذا أخذَ الرُّقَى والتعاويذَ بقَبولٍ تامٍّ، وكان للرَّاقي نَفسٌ فعَّالةٌ، وهِمَّةٌ مُؤَثِّرةٌ في إزالةِ الدَّاءِ [1101] يُنظر: ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 9).   .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا
- قولُه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ فيه اختيارُ المُضارعِ المُشتقِّ من فعلِ المُضاعفِ (نُنزِّل) للإخبارِ عن التَّنزيلِ؛ للدَّلالةِ على التَّجديدِ والتَّكريرِ والتَّكثيرِ [1102] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/189).   .
- قولُه: مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فيه تقديمُ مِنَ الْقُرْآنِ؛ لتحصيلِ غرَضِ الاهتمامِ بذكْرِ القُرآنِ مع غرَضِ الثَّناءِ عليه بطريقِ الموصوليَّةِ بقولِه: مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ...؛ للدَّلالةِ على تمكُّنِ ذلك الوصفِ منه بحيثُ يُعْرَفُ به [1103] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/189).   .
2- قوله تعالى: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا
- قولُه: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ التَّعريفُ في الْإِنْسَانِ تعريفُ الجنسِ، وهو يفيدُ الاستغراقَ، وهو استغراقٌ عُرفيٌّ، أي: أكثرِ أفرادِ الإنسانِ؛ لأنَّ أكثرَ النَّاسِ يومئذٍ كُفَّارٌ، وأكثرَ العربِ مُشرِكون [1104] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/191).   .
- قولُه: أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ فيه حذْفُ مُتعلَّقِ أَعْرَضَ ونَأَى؛ لدَلالةِ المقامِ عليه من قولِه: أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ، أي: أعرَضَ عنَّا وأجفَلَ [1105] أجفَلَ: أي: هرَبَ مُسرِعًا. يُنظر: ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 59).   منَّا، أي: من عِبادتِنا وأمْرِنا ونَهيِنا [1106] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/192).   .
- قولُه: وَنَأَى بِجَانِبِهِ تأكيدٌ للإعراضِ؛ لأنَّ الإعراضَ عن الشَّيءِ أنْ يُولِّيَه عُرْضَ وجْهِه. والنَّأيُ بالجانبِ: أنْ يَلْويَ عنه عِطْفَه، ويُولِّيَه ظهْرَه، وأراد الاستكبارَ؛ لأنَّ ذلك من عادةِ المُستكبِرينَ [1107] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/690)، ((تفسير البيضاوي)) (3/265)، ((تفسير أبي حيان)) (7/105)، ((تفسير أبي السعود)) (5/191).   .
- وجُملةُ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا احتراسٌ من أنْ يتوهَّمَ السَّامعُ من التَّقييدِ بقولِه: وَإِذَا أَنْعَمْنَا، أنَّه إذا زالت عنه النِّعمةُ صلَحَ حالُه، فبيَّنَ أنَّ حالَه مُلازِمٌ لنُكرانِ الجميلِ في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، فإذا زالتِ النِّعمةُ عنه لم يُقْلِعْ عن الشِّركِ والكُفرِ، ويتُبْ إلى اللهِ، ولكنَّه ييئَسُ من الخيرِ، ويَبْقى حَنِقًا ضيِّقَ الصَّدرِ، لا يعرِفُ كيف يتدارَكُ أمْرَه. ودَلَّ قولُه: كَانَ يَئُوسًا على قُوَّةِ يأْسِه؛ إذ صِيغَ له مثالُ المُبالَغةِ، وذُكِر معه فعْلُ (كان) الدَّالُّ على رُسوخِ الفعْلِ؛ تَعجيبًا من حالِه في وقْتِ مَسِّ الضَّرِّ إيَّاه؛ لأنَّ حالةَ الضَّرِّ أدعى إلى الفكرةِ في وسائلِ دفْعِه، بخلافِ حالةِ الإعراضِ في وقْتِ النِّعمةِ، فإنَّها حالةٌ لا يُستغرَبُ فيها الازدهاءُ؛ لِمَا هو فيه من النِّعمةِ [1108] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/193).   .
وأتَى هنا بـ إِذَا المشعِرةِ بتحقيقِ الوقوعِ المستلزِمِ لليأسِ؛ فإنَّ اليأسَ إنَّما حصل عند تحقُّقِ مسِّ الشَّرِّ له، فكان الإتيانُ بـ إِذَا هاهنا أدَلَّ على المعنى المقصودِ مِن (إنْ)، بخلاف قَولِه: وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ فإنَّه بقلَّةِ صَبرِه وضَعفِ احتِمالِه متى توقَّع الشَّرَّ أعرض وأطال في الدُّعاءِ، فإذا تحقَّق وقوعَه كان يؤوسًا [1109] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (1/47-48).   .
3- قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا
- جُملةُ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ تذييلٌ؛ لِمَا في كلمةِ (كل) من العُمومِ، وهذا التَّذييلُ تَنهيةٌ للغرَضِ الَّذي ابتُدِئَ من قولِه: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ الرَّاجعِ إلى التَّذكيرِ بنِعَمِ اللهِ تعالى على النَّاسِ، وإلى التَّحذيرِ من عواقبِ كُفرانِ النِّعمِ، وهي تَجْري مَجْرى المثَلِ، وفرَّعَ عليها قولَه: فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا، وهو كلامٌ جامعٌ لتعليمِ النَّاسِ بعُمومِ علْمِ اللهِ، والتَّرغيبِ للمُؤمنين، والإنذارِ للمُشركين مع تَشكيكِهم في حقِّيَّةِ دِينِهم لعلَّهم يَنظُرون، كقولِه: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى الآيةَ [1110] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/193 - 194).   [سبأ: 24].