موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيات (124-127)

ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّه إذا ما أنزَلَ سُورةً مِن القُرآنِ على نبيِّه مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فمِنَ المُنافِقينَ مَن يَقول لِغَيرِه؛ احتقارًا لِمَا أنزَلَ اللهُ: أيُّكم زادَتْه هذه السُّورةُ إيمانًا، ويبَيِّنُ تعالى أنَّ المُؤمِنينَ زادَتْهم السُّورةُ إيمانًا إلى إيمانِهم، وهم يَستَبشِرونَ، وأمَّا الذين في قُلوبِهم شَكٌّ ونِفاقٌ، فزادَتْهم كُفرًا وشَكًّا إلى كُفرِهم وشَكِّهم، وماتوا وهم كافِرونَ.
أَوَلا يرى المُنافِقونَ أنَّهم يُختَبَرونَ في كلِّ عامٍ مرَّةً أو مرَّتينِ، ثم لا يتوبونَ، ولا هم يتَّعِظونَ؟!
ويُخبِرُ تعالى أنَّه إذا أَنزَلَ سورةً من القُرآنِ، فيها فَضْحُ أسرارِ المُنافِقينَ، نظر بعضُهم إلى بعضٍ، وقالوا: هل يَراكم أحَدٌ ينقُلُ كَلامَكم إلى محمَّدٍ، فيَطَّلِع على أسرارِنا؟! ثم انصَرَفوا عن الإيمانِ والعمَلِ بما سَمِعوا في السُّورةِ، ولم يَهتَدُوا مع إخبارِ القُرآنِ بأسرارِهم، صرَفَ اللهُ قُلوبَهم؛ بسببِ أنَّهم قومٌ لا يَفهَمونَ.

تفسير الآيات:


وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124).
وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا.
أي: وإذا أنزَلَ اللهُ سُورةً مِن القُرآنِ على نبيِّه مُحَمَّدٍ، فمِنَ المُنافِقينَ مَن يقولُ لِغَيرِه [2162] قال ابن عطية: (أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا: يَحتَمِل أن يكونَ لِمُنافِقينَ مِثلِهم، ويَحتَمِل أن يكونَ لِقَومٍ مِن قراباتِهم من المُؤمِنينَ، يَستنيمونَ إليهم، ويَثِقونَ بِسَترِهم عليهم، ويَطمَعونَ في رَدِّهم إلى النِّفاقِ، ومعنى أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا الاستخفافُ والتَّحقيرُ لِشَأنِ السُّورةِ، كما تقولُ: أيُّ غَريبٍ في هذا، أو أيُّ دَليلٍ؟!). ((تفسير ابن عطية)) (3/98). وقال الرازي: (اعلَمْ أنَّه تعالى لَمَّا ذكَرَ مخازيَ المُنافِقينَ وذكَرَ أعمالَهم القبيحةَ، فقال: وإذا ما أُنزِلَت سورةٌ، فمِن المُنافِقينَ مَن يقول: أيُّكم زادَتْه هذه إيمانًا؟ واختلفوا فقال بعضهم: يقولُ بعضُ المُنافِقينَ لبعضٍ، ومقصودُهم تَثبيتُهم قومَهم على النِّفاقِ. وقال آخرون: بل يقولونَه لأقوامٍ مِن المُسلِمينَ، وغَرَضُهم صَرْفُهم عن الإيمانِ. وقال آخرون: بل ذَكَروه على وجهِ الهُزءِ. والكلُّ مُحتَمَلٌ، ولا يُمكِنُ حَملُه على الكُلِّ؛ لأنَّ حِكايةَ الحالِ لا تُفيدُ العُمومَ). ((تفسير الرازي)) (16/174). ؛ احتقارًا لِمَا أنزَلَ اللهُ: أيُّكم زادَتْه هذه السُّورةُ إيمانًا باللهِ وبآياتِه [2163] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/88)، ((البسيط)) للواحدي (11/98)، ((تفسير ابن عطية)) (3/98)، ((تفسير الرازي)) (16/174)، ((تفسير السعدي)) (ص: 356). قال الواحدي: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يعني: من المُنافِقين. قاله جميعُ أهلِ التَّفسيرِ). ((البسيط)) (11/98). ؟!
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ.
أي: فأمَّا المُؤمِنونَ فزادَتْهم السُّورةُ- التي أنزَلَها اللهُ- إيمانًا إلى إيمانِهم [2164] قال ابن تيمية: (هذه «الزِّيادةُ» ليست مجرَّدَ التَّصديقِ بأنَّ الله أنزَلَها، بل زادَتْهم إيمانًا بحسَبِ مقتضاها؛ فإنْ كانت أمرًا بالجهادِ أو غيرِه، ازدادوا رغبةً، وإن كانت نَهيًا عن شيءٍ، انتَهَوا عنه، فكَرِهوه؛ ولهذا قال: وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ والاستبشارُ غَيرُ مُجَرَّدِ التَّصديقِ). ((مجموع الفتاوى)) (7/228). وقال السعدي: (قال تعالى مُبَيِّنًا الحالَ الواقعةَ: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا بالعِلمِ بها وفَهْمِها، واعتقادِها والعمَلِ بها، والرَّغبةِ في فِعلِ الخَيرِ، والانكفافِ عن فِعلِ الشَّرِّ). ((تفسير السعدي)) (ص: 356). وهم فَرِحونَ بفَضْلِ اللهِ، وما أنزَلَ عليهم في القُرآنِ مِن الهُدى والرَّحمةِ، والوَعدِ بالخَيرِ في الدُّنيا والآخرةِ [2165] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/88، 89)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/228) و(10/648)، ((تفسير الخازن)) (2/423)، ((تفسير الشوكاني)) (2/475)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/67)، ((تفسير السعدي)) (ص: 356). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: 57-58].
وقال سُبحانه: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: 89].
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ (125).
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ.
أي: وأمَّا الذينَ في قُلوبِهم شكٌّ ونِفاقٌ، فزادَتْهم السُّورةُ- التي أنزَلَها اللهُ- كُفرًا إلى كُفرِهم، وشَكًّا إلى شَكِّهم [2166] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/90)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/476)، ((البسيط)) للواحدي (11/99)، ((تفسير ابن عطية)) (3/98، 99)، ((تفسير القرطبي)) (8/299)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 88)، ((تفسير السعدي)) (ص: 356). قال الواحدي: (قولُه تعالى: فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ، قال الحسَنُ والأكثرون: زادَتْهم كُفرًا إلى كُفرِهم). ((البسيط)) (11/99). قال ابن القيِّم: (السُّورةُ لَمَّا أُنزِلَت اقتضَى نزولُها الإيمانَ بها، والتَّصديقَ والإذعانَ لأوامِرِها ونواهيها، والعَمَلَ بما فيها، فوطَّنَ المؤمِنونَ أنفُسَهم على ذلك، فازدادوا إيمانًا بسَبَبِها، فنُسِبَت زيادةُ الإيمانِ إليها؛ إذ هي السَّبَبُ في زيادتِه، وكذَّبَ بها الكافِرونَ وجَحَدوها، وكذَّبوا من جاء بها، ووطَّنوا أنفُسَهم على مخالفةِ ما تضَمَّنَتْه وإنكارِه، فازدادوا بذلك رِجسًا، فنُسِبَ إليها؛ إذ كان نُزولُها ووصولُها إليهم هو السَّبَبَ في تلك الزِّيادةِ). ((شفاء العليل)) (ص: 88- 89). .
كما قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء: 82].
وقال سُبحانه: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت: 44].
وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ.
أي: ومات المُنافِقون وهم مُصِرُّونَ على كُفرِهم، لم يتوبوا إلى اللهِ [2167] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/90)، ((تفسير النسفي)) (1/718)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/67)، ((تفسير السعدي)) (ص: 356). .
أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى أنَّ الذينَ في قُلوبِهم مَرَضٌ يموتونَ وهم كافِرونَ، وذلك يدُلُّ على عذابِ الآخرةِ؛ بيَّنَ أنَّهم لا يتخَلَّصونَ في كلِّ عامٍ مَرَّةً أو مرَّتَينِ من عذابِ الدُّنيا [2168] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/175). .
أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
قراءةُ أَوَلَا تَرَوْنَ بالتَّاءِ، ويكونُ الخِطابُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه، بمعنى: أوَلَا تَرَونَ- أيُّها المُؤمِنونَ- أنَّ المُنافِقين يُفتَنونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أو مَرَّتَينِ [2169] قرأ بها حمزةُ ويعقوبُ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/281). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((تفسير ابن جرير)) (12/90)، ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 178)، ((معاني القراءات)) للأزهري (1/467)، ((الكشف عن وجوه القراءات السبع)) لمكي (1/502-503). ؟!
قراءةُ أَوَلَا يَرَوْنَ بالياءِ، ويكونُ الضَّميرُ عائدًا على المُنافِقينَ، بمعنى: أوَلا يَرى المُنافِقونَ أنَّهم يُفتَنونَ في كلِّ عامٍ مَرَّةً أو مَرَّتَينِ [2170] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/281). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((تفسير ابن جرير)) (12/90)، ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 178)، ((معاني القراءات)) للأزهري (1/467). ؟!
أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ.
أي: أوَلا يرى المُنافِقونَ أنَّ اللهَ يَختَبِرُهم في بعضِ الأعوامِ مرَّةً، وفي بعض الأعوامِ مرَّتينِ [2171] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/91)، ((تفسير البغوي)) (2/407)، ((تفسير ابن كثير)) (4/240). اختَلف أهلُ التأويلِ في معنَى الفتنةِ التي ذكَر الله أنَّ هؤلاءِ المنافقينَ يُفتنونَ بها، فقيل: هي اختبارُ الله إيَّاهم بالقحطِ والشِّدَّةِ. وقيل: هي اختبارُهم بالغزوِ والجهادِ. وقيل: هي اختبارُهم بما يُشيع المشركون مِن الأكاذيبِ على رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابِه. وقيل غير ذلك. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/91)، ((تفسير الرازي)) (16/176). قال ابنُ جريرٍ بعدَ أن ذكَر هذه الأقوالَ: (وأَولَى الأقوالِ في ذلك بالصحَّةِ أن يُقالَ: إنَّ اللهَ عجَّبَ عِبادَه المؤمِنينَ مِن هؤلاءِ المُنافِقينَ، ووبَّخَ المُنافِقين في أنفُسِهم بقِلَّةِ تذَكُّرِهم، وسُوءِ تنبُّهِهم لِمَواعِظِ اللهِ التي يَعِظُهم بها، وجائِزٌ أن تكونَ تلك المواعِظُ الشَّدائِدَ التي يُنزِلُها بهم من الجُوعِ والقَحطِ، وجائزٌ أن تكونَ ما يُريهم مِن نُصرةِ رَسولِه على أهلِ الكُفرِ به، ويَرزُقُه من إظهارِ كَلِمتِه على كَلِمتِهم، وجائزٌ أن تكونَ ما يظهَرُ للمُسلِمينَ مِن نِفاقِهم، وخُبثِ سَرائِرِهم؛ بركونِهم إلى ما يَسمعونَ مِن أراجيفِ المُشرِكينَ بِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه، ولا خبَرَ يُوجِبُ صِحَّةَ بعضِ ذلك دونَ بَعضٍ، مِن الوَجهِ الذي يجِبُ التَّسليمُ له، ولا قولَ في ذلك أولَى بالصَّوابِ مِن التَّسليمِ لِظاهِرِ قَولِ اللهِ). ((تفسير ابن جرير)) (12/93). ويُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/312). وقال ابن عاشور: (الفتنةُ: اختلالُ نِظامِ الحالةِ المُعتادة للنَّاسِ واضطرابُ أمرِهم، مثل الأمراضِ المُنتَشرةِ، والتَّقاتُل، واستمرار الخَوفِ... فمعنى أنَّهم يُفتَنونَ أنَّ اللهَ يُسَلِّطُ عليهم المصائِبَ والمضارَّ، تنالُ جَماعتَهم ممَّا لا يُعتادُ تَكَرُّرُ أمثالِه في حياة الأممِ، بحيث يدُلُّ تكرُّرُ ذلك على أنَّه مرادٌ منه إيقاظُ اللهِ النَّاسَ إلى سوءِ سِيرَتِهم في جانبِ الله تعالى؛ بعَدَمِ اهتدائِهم إلى الإقلاعِ عمَّا هم فيه مِن العِنادِ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فإنَّهم لو رُزِقوا التَّوفيقَ لأفاقوا مِن غَفلَتِهم، فعَلِموا أنَّ ما يحُلُّ بهم كلَّ عامٍ، ما طرأ عليهم إلَّا مِن وَقتِ تلبُّسِهم بالنِّفاقِ، ولا شَكَّ أنَّ الفِتنةَ التي أشارت إليها الآيةُ كانت خاصَّةً بأهلِ النِّفاقِ مِن أمراضٍ تحُلُّ بهم، أو متالِفَ تُصيبُ أموالَهم، أو جوائِحَ تصيبُ ثِمارَهم، أو نقصٍ مِن أنفُسِهم ومواليدِهم، فإذا حصَلَ شَيئانِ مِن ذلك في السَّنةِ كانت الفِتنةُ مَرَّتينِ). ((تفسير ابن عاشور)) (11/67). ؟!
ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ.
أي: ثمَّ لا يتوبونَ عن ذُنوبِهم رغمَ البلاءِ الذي يُصيبُهم اللهُ به في كلِّ عامٍ، ولا هم يتَّعِظونَ فيَرجِعونَ إلى الله [2172] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/91)، ((تفسير ابن كثير)) (4/240)، ((تفسير السعدي)) (ص: 356)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/67). !!
كما قال تعالى: فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: 43].
وقال سُبحانَه: وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ [المؤمنون: 76].
وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون (127).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ هذا نوعٌ آخَرُ مِن مخازي المُنافِقينَ، وهو أنَّه كُلَّما نزَلَت سورةٌ مُشتَمِلةٌ على ذِكرِ المُنافِقينَ، وشَرْحِ فَضائِحِهم، وسَمِعوها- تأَذَّوا مِن سَماعِها، ونظَرَ بَعضُهم إلى بعضٍ نظَرًا مَخصوصًا دالًّا على الطَّعنِ في تلك السُّورةِ، والاستهزاءِ بها، وتحقيرِ شَأنِها [2173] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/176). .
وأيضا فإنَّ الله تعالى لَمَّا ذكَرَ ما يَحدُثُ مِن المُنافِقينَ مِن القَولِ استهزاءً؛ أتبَعَه- تأكيدًا لزيادةِ كُفرِهم، وتوضيحًا لِتَصويرِه- ما يحدُثُ مِن فِعلِهم استهزاءً مِن الإيمانِ، والتَّغامُزِ بالعُيونِ [2174] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/54). .
وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ.
أي: وإذا أنزَلَ اللهُ سُورةً مِن القُرآنِ فيها فضحُ أسرارِ المُنافِقينَ، نظَرَ بَعضُهم إلى بعضٍ وقالوا خُفيةً أو بالإشارةِ المُفِهمةِ [2175] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/582)، ((تفسير ابن كثير)) (3/158)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240). قال الواحدي: (نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ فيه إضمار أي: نظر بعضُهم إلى بعضٍ وقال: هل يَراكم مِن أحَدٍ. وقال الأخفَشُ: معنى نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قال بعضُهم لِبَعضٍ؛ لأنَّ نظَرَهم في هذا المَكانِ كان قولًا، فعلى هذا لا يَحتاجُ إلى إضمارٍ؛ لأنَّ نظَرَهم قام مقامَ قَولِهم: هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ في المفهومِ، وذلك أنَّه لَمَّا جَرَت عادتُهم بأنَّهم إذا نظَرَ بَعضُهم إلى بعضٍ أرادوا هذا المعنى، صار كأنَّهم تلفَّظوا به. وقولُه تعالى: هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ إنْ أضَمَرْنا القولَ في الآيةِ كان هذا ملفوظًا به، وإن جعَلْنا النَّظَرَ بمعنى القَولِ، لم يكُنْ ملفوظًا به، وعُرِفَ ذلك بدَلالةِ الحالِ). ((البسيط)) (11/103). : هل يراكم أحَدٌ إذا خلوتُم، ودبَّرتُم أُمورَكم، فينقُلُ كَلامَكم إلى محمَّدٍ، ويُطلِعُه على أسرارِنا [2176] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/94)، ((تفسير ابن عطية)) (3/99)، ((تفسير القرطبي)) (8/299)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/69). ؟!
ثُمَّ انصَرَفُواْ.
أي: ثمَّ انصرَفَ المُنافِقونَ عن الاهتداء بما سَمِعوا في السُّورةِ التي أنزَلَها اللهُ على رسولِه، ولم يَهتَدوا مع إخبارِ القُرآنِ بأسرارِهم [2177] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/99)، ((تفسير القرطبي)) (8/299، 300). وممَّن اختار هذا القولَ: ابنُ عطيةَ، والقرطبي. يُنظر: المصدريْن السابقيْن. .
وقيل: المعنى: ثم انصرَف المنافقونَ مِن عندِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم [2178] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/94)، ((تفسير السعدي)) (ص: 356). وممَّن اختار هذا المعنى: ابنُ جريرٍ، والسعدي. يُنظر: المصدران السابقان. قال الزجاج: (أي يفْعَلون ذلك وينصرفونَ، فجائزٌ أن يكونَ ينصرفونَ عن المكانِ الذي استحقوا فيه، وجائزٌ أن يكونَ ينصرفون عن العملِ بشيءٍ مما يستمعونَ) ((معاني القرآن وإعرابه)) (2/477). وقال النحاس: (يجوزُ أن يكونَ المعنى: ثمَّ انصرفوا مِن موضعِهم، ويجوزُ أن يكونَ المعنى: ثم انصرفوا عن الإيمانِ) ((معاني القرآن)) (3/269). .
صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون.
أي: صرَفَ اللهُ قُلوبَ المُنافِقين عن الانتفاعِ بتلك السُّورةِ، وصَرَفَهم عن الإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ، وخَذَلَهم وأضلَّهم؛ بسبَبِ أنَّهم قومٌ لا يَفهَمونَ كِتابَ اللهِ، ويتكبَّرونَ عن سَماعِ آياتِه والعمَلِ بها [2179] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/94)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/477)، ((البسيط)) للواحدي (11/105)، ((تفسير ابن عطية)) (3/100)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 97)، ((تفسير ابن كثير)) (4/241)، ((تفسير القاسمي)) (5/532)، ((تفسير السعدي)) (ص: 356)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/69). .
كما قال تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: 22-23].
وقال سبحانه: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: 5].
وقال عزَّ وجَلَّ: وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ [المُنافِقون: 7].

الفوائد التربوية:


ينبغي للمُؤمِنِ أن يتفقَّدَ إيمانَه ويتعاهَدَه، فيُجَدِّدَه وينَمِّيَه؛ ليكونَ دائمًا في صعودٍ؛ فالإيمانُ يَزيدُ ويَنقُصُ، قال اللهُ تعالى: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [2180] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:356). .
قَولُ الله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يدلُّ على أنَّ الرُّوحَ لها مَرَضٌ، فمَرَضُها الكُفرُ والأخلاقُ الذَّميمةُ، وصِحَّتُها الإيمانُ والعِلمُ والأخلاقُ الفاضِلةُ [2181] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/175). .
قَولُ اللهِ تعالى: أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ الآيةُ ذامَّةٌ لهم على عدَمِ التَّوبةِ بإصابةِ المصائِبِ؛ لعَدَمِ تذَكُّرِ أنَّه سبحانه ما أصابَهم بها إلَّا بذُنوبِهم [2182] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/53). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قَولُ اللهِ تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ هذه الآيةُ مِن أكبَرِ الدَّلائِلِ على أنَّ الإيمانَ يَزيدُ ويَنقُصُ، كما هو مذهَبُ أكثَرِ السَّلَفِ والخَلَفِ مِن أئمَّةِ العُلَماءِ، بل قد حكى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ [2183] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/239). ، فالآيةُ حجةٌ على المرجئةِ فيما ينكرونَه مِن زيادةِ الإيمان ونقصِه، وهذا نَصُّ القرآنِ ينطقُ بزيادتِه [2184] يُنظر: ((النُّكت الدالة على البيان)) للقصَّاب (1/583). .
الفرَحُ باللهِ وبِرَسولِه، وبالإيمانِ وبالسنَّةِ، وبالعِلم وبالقُرآنِ: من أعلى مَقاماتِ العارِفينَ؛ قال اللهُ تعالى: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وقال: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الرعد: 36] فالفرَحُ بالعِلمِ والإيمانِ والسنَّةِ، دليلٌ على تعظيمِه عند صاحِبِه، ومحَبَّتِه له، وإيثارِه له على غَيرِه، فإنَّ فرَحَ العَبدِ بالشَّيءِ عند حصولِه له: على قَدْرِ مَحَبَّتِه له، ورَغبَتِه فيه. فمَن ليس له رغبةٌ في الشَّيءِ لا يُفرِحُه حُصولُه له، ولا يَحزُنُه فَواتُه؛ فالفَرَحُ تابِعٌ للمحبَّةِ والرَّغبةِ [2185] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/150). .
دلَّ قولُه تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ على أنَّ الهُدى تخلَّفَ عنهم؛ لأنَّ المحَلَّ الذي سيتأثَّرُ به غيرُ قابلٍ له- وهو القَلبُ- فمَرَضُ قُلوبِهم كان هو المانِعَ مِن الهُدى [2186] يُنظر: ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (2/171). .

بلاغة الآيات:


قولُه تعالى: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
قولُه: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ... هذه الآيةُ زِيدَت فيها (مَا) عَقِبَ (إِذَا)؛ للتَّأكيدِ، أي: لِتَأكيدِ مَعْنى (إذا) وهو الشَّرطُ؛ لأنَّ هذا الخبَرَ لِغَرابتِه كان خَليقًا بالتَّأكيدِ، ولأنَّ المنافِقين يُنكِرون صُدورَه مِنهم [2187] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/64). .
قولُه: أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا الاستفهامُ في قولِهم: أَيُّكُمْ قالوه إنكارًا واستهزاءً بالمؤمنِينِ، واعتقادِهم زيادةَ الإيمانِ بزِيادةِ العِلمِ الحاصِلِ بالوحيِ والعَملِ به؛ فتتَضَّمنُ مَعنى إنكارِ أن يَكونَ نُزولُ سُوَرِ القرآنِ يَزيدُ سامِعيها إيمانًا؛ توَهُّمًا مِنهم بأنَّ ما لا يَزيدُهم إيمانًا لا يَزيدُ غيرَهم إيمانًا يَقيسون على أحوالِ قُلوبِهم [2188] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/324) ، ((تفسير ابن عاشور)) (11/65).
والفاءُ في قولِه: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا...؛ للتَّفريعِ على حِكايةِ استِفْهامِهم بِحَملِه على ظاهرِ حالِه، وصَرفِه عن مَقصِدِهم مِنه. وتلك طريقةُ الأسلوبِ الحكيمِ، وهو: تلَقِّي المخاطَبِ بغَيرِ ما يتَرقَّبُ؛ بحَمْلِ كلامِه على خِلافِ مُرادِه لِنُكتةٍ، وهي هنا إبطالُ ما قصَدوه مِن نَفيِ أن تَكونَ السُّورةُ تَزيدُ أحَدًا إيمانًا قياسًا على أحوالِ قُلوبِهم؛ فأُجيبَ استِفْهامُهم بهَذا التَّفصيلِ المتفرِّعِ عليه، فأثبَت أنَّ للسُّورةِ زيادةً في إيمانِ بعضِ النَّاسِ، وأكثرَ مِن الزِّيادةِ، وهو حُصولُ البِشْرِ لهم، وارتُقِيَ في الجوابِ عن مَقصدِهم مِن الإنكارِ بأنَّ السُّورةَ ليسَت منفيًّا عنها زيادةٌ في إيمانِ بعضِ النَّاسِ فقط، بل الأمرُ أشدُّ؛ إذ هي زائدةٌ في كُفرِهم، فالقِسمُ الأوَّلُ المؤمِنون: زادَتْهم إيمانًا، وأكسَبَتْهم بُشْرى، فحَصَل مِن السُّورةِ لهم نَفْعانِ عَظيمانِ، والقِسْمُ الثَّاني الَّذين في قُلوبِهم مرَضٌ: زادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهم، وماتوا وهم كافِرون [2189] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/65). .
قولُه تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ
قولُه: وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ في جانبِ المنافِقين، قُوبِلَ به قولُه: وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ في جانبِ المؤمِنين؛ تَحسينًا بالازدِواجِ، بحيثُ كانَت للسُّورةِ فائِدَتانِ للمُؤمِنين، ومُصيبَتان على المنافِقين؛ فجعَل موتَهم على الكُفرِ- المتسبَّبَ على زيادةِ السُّورةِ في كُفرِهم- بمَنزلةِ مصيبةٍ أخرى غيرِ الأولى، وإن كانَت في الحقيقةِ زيادةً في المصيبَةِ الأولى [2190] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/66). .
قولُه تعالى: أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ
قولُه: أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ... فيه تَقديمُ همزةِ الاستِفْهامِ على حرْفِ العطفِ؛ على طريقةِ تَصْديرِ أدَواتِ الاستِفْهامِ، والتَّصديرُ للتَّنبيهِ على أنَّ الجملةَ في غرَضِ الاستِفْهامِ، والاستفهامُ هنا إنكارٌ وتعجُّبٌ؛ لعدَمِ رُؤيتِهم فِتنَتَهم، فلا تَعقُبُها توبتُهم، ولا تُذكِّرُهم أمرَ ربِّهم، والغرَضُ مِن هذا الإنكارِ هو الاستدلالُ على ازدِياد كُفرِ المنافِقين، وتَمكُّنِه كلَّما نزَلَت سُورةٌ مِن القرآنِ بإيرادِ دليلٍ واضحٍ يَنزِلُ مَنزِلةَ المحسوسِ المرئيِّ؛ حتَّى يتوجَّهَ الإنكارُ على مَن لا يَراه [2191] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/67). .
قولُه تعالى: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ
قولُه: هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ بيانٌ لجملةِ: نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؛ لأنَّ النَّظرَ تَفاهَموا به فيما هو سرٌّ بينَهم؛ فلمَّا كان النَّظرُ نظرَ تَفاهُمٍ صحَّ بيانُ جُملتِه بما يدُلُّ على الاستِفْهامِ التَّعجُّبيِّ، ففي هذا النَّظْمِ إيجازُ حذفٍ بديعٌ دلَّت عليه القرينةُ، والتَّقديرُ: وإذا ما أُنزِلَت سورةٌ فيها فَضيحةُ أمْرِهم، نظَر بعضُهم إلى بعضٍ بخائِنَةِ الأعيُنِ، مُستَفهِمين مُتعجِّبين مِن اطِّلاعِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم على أسرارِهم، أي: هل يَراكم مِن أحدٍ إذا خلَوتُم، ودبَّرتُم أمورَكم؛ لأنَّهم بكُفرِهم لا يَعتَقِدون أنَّ اللهَ أَطْلَعَ نبيَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على دَخيلةِ أمرِهم [2192] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/69). .
قولُه: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ مُستأنَفٌ استِئنافًا بيانيًّا [2193] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/69). ، وصيغتُه خبرٌ، غرَضُه الدُّعاءُ عليهم بِصَرفِ قُلوبِهم عمَّا في قلوبِ أهلِ الإيمانِ [2194] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/325)، ((تفسير أبي حيان)) (5/531). .
وأيضًا في قولِه: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ حُسْنُ ترتيبٍ، حيث ذكَر أوَّلًا ما يَحدُثُ عنهم مِن القولِ على سَبيلِ الاستِهْزاءِ، ثمَّ ذكَر ثانيًا ما يَصدُرُ مِنهم مِن الفعلِ على سَبيلِ الاستِهزاءِ وهو الإيماءُ والتَّغامُزُ بالعُيونِ إنكارًا للوحيِ [2195] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/531). .