موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيتان (128-129)

ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ

غريب الكلمات:


عَزِيزٌ: أي: شديدٌ أو صَعْبٌ، وأصلُ (عز): يدلُّ على شِدَّةٍ وقُوَّةٍ [2196] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 193)، ((تفسير ابن جرير)) (8/722)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 332)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/38)، ((المفردات)) للراغب (ص: 564)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 149). .
ما عَنِتُّمْ: أي: ما شَقَّ عليكم وآذاكم، والعَنَتُ: لِقاءُ الشِّدَّةِ؛ من قولهم: عَنِتَ فُلانٌ: إذا وقَعَ في أمرٍ يُخافُ منه التَّلَفُ، وأصلُ (عنت): يدلُّ على مشقَّةٍ [2197] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/710)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/150)، ((المفردات)) للراغب (ص: 349)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 149). .
تَوَلَّوْا: أي: أعرَضوا؛ فالتولي إذا وُصِلَ بـ (عن) لفظًا، أو تقديرًا- كما هنا- اقتضَى معنَى الإعراضِ، وتَركِ القُربِ [2198] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 886)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 89)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 28). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ اللهُ تعالى مُخاطِبًا العَرَبَ: قد جاءَكم رسولٌ- هو محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- مِنكم، يَشُقُّ عليه ما يشُقُّ عليكم ويُؤذِيكم، حريصٌ على هِدايتِكم، وإيصالِ الخَيرِ لكم، بالمُؤمِنينَ رؤوفٌ رَحيمٌ.
ثمَّ وجَّه الخِطابَ إلى رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قائلًا له: فإنْ أعرَضوا عن الإيمانِ بك وطاعَتِك، فقُلْ: يَكفيني اللهُ ما أهمَّني، لا معبودَ بِحَقٍّ إلَّا هو، عليه وَحْدَه اعتَمَدْتُ، وفوَّضتُ جميعَ أموري، وهو رَبُّ العرشِ العَظيمِ.

تفسير الآيتين:


لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (128) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129).
مُناسَبةُ خَتمِ سُورةِ التَّوبةِ بهاتَينِ الآيتَينِ:
لَمَّا أمَرَ تعالى رسولَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أن يبَلِّغَ في هذه السُّورةِ إلى الخَلقِ تكاليفَ شاقَّةً شديدةً صَعبةً، يَعسُرُ تَحمُّلُها إلَّا لِمَن خَصَّه الله تعالى بوجوهِ التَّوفيقِ والكرامة- ختَمَ السُّورةَ بما يُوجِبُ سُهولةَ تحَمُّلِ تلك التكاليفِ، وهو أنَّ هذا الرَّسولَ منكم؛ فكُلُّ ما يحصُلُ له من العِزِّ والشَّرَفِ في الدُّنيا، فهو عائدٌ إليكم، وأيضًا فإنَّه بحالٍ يَشُقُّ عليه ضَرَرُكم، وتَعظُمُ رَغبتُه في إيصالِ خَيرِ الدُّنيا والآخرةِ إليكم؛ فهو كالطَّبيبِ المُشفِقِ، والأبِ الرَّحيمِ، في حَقِّكم، والطبيبُ المُشفِقُ ربَّما أقدَمَ على عِلاجاتٍ صَعبةٍ يَعسُرُ تَحمُّلُها، والأبُ الرَّحيمُ ربَّما أقدَمَ على تأديباتٍ شاقَّةٍ، إلَّا أنَّه لَمَّا عُرِفَ أنَّ الطَّبيبَ حاذِقٌ، وأنَّ الأبَ مُشفِقٌ؛ صارت تلك المُعالجاتُ المُؤلِمةُ مُتحَمَّلةً، وصارت تلك التَّأديباتُ جاريةً مَجرى الإحسانِ، فكذا هاهنا؛ لَمَّا عَرَفتُم أنَّه رسولٌ حَقٌّ مِن عندِ الله، فاقبَلوا منه هذه التَّكاليفَ الشَّاقَّةَ؛ لتفوزوا بكلِّ خَيرٍ، ثمَّ قال للرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: فإنْ لم يَقبَلوها بل أعرَضوا عنها وتوَلَّوا، فاترُكْهم ولا تلتَفِتْ إليهم، وعَوِّلْ على اللهِ، وارجِعْ في جميعِ أمورِك إلى الله، فجاءت هذه الخاتمة في غايةِ الحُسنِ ونِهايةِ الكَمالِ [2199] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/177). .
وأيضًا ففيهما تذكيرُهم بالمنَّةِ ببَعثةِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والتَّنويهُ بصِفاتِه الجامعةِ للكَمالِ، ومِن أخَصِّها حِرصُه على هداهم، ورَغبتُه في إيمانِهم، ودُخولِهم في جامعةِ الإسلامِ؛ ليكونَ رَؤوفًا رحيمًا بهم، ليعلَموا أنَّ ما لَقِيَه المُعرِضونَ عن الإسلامِ مِن الإغلاظِ عليهم بالقَولِ والفِعلِ، ما هو إلَّا استصلاحٌ لحالِهم، وهذا مِن مَظاهِرِ الرَّحمةِ التي جعَلَها اللهُ تعالى مُقارِنةً لِبَعثةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِقَولِه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ بحيث جاء في هاتينِ الآيتَينِ بما شأنُه أن يُزيلَ الحَرَج من قلوبِ الفِرَق التي نزَلَت فيهم آياتُ الشِّدَّةِ، وعُومِلوا بالغِلظةِ؛ تَعقيبًا للشِّدَّةِ بالرِّفقِ، وللْغِلظةِ بالرَّحمةِ، وكذلك عادةُ القرآن. فقد انفتَحَ بهاتينِ الآيتَينِ بابُ حَظيرةِ الإيمانِ والتَّوبةِ؛ لِيَدخُلَها مَن وفَّقَه اللهُ إليها [2200] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/70). .
فائدة:
عن زيدِ بنِ ثابتٍ رَضِيَ الله عنه، قال: ((أرسلَ إليَّ أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: إنَّك كنتَ تكتُبُ الوحيَ لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فاتَّبِعِ القُرآنَ، فتتَبَّعتُ حتى وجدْتُ آخِرَ سورةِ التَّوبةِ آيتَينِ مع أبي خُزَيمةَ الأنصاريِّ، لم أجِدْهما مع أحَدٍ غَيرِه: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)) [2201] رواه البخاري (4989). قال محمد رشيد رضا: (المرادُ أنَّه لم يَجِدْهما مَكتوبَتَينِ عندما جمَعَ المكتوبَ في الرِّقاعِ والأكتافِ والعُسُبِ في هذه السُّورةِ، إلَّا عند خُزيمةَ، وفي روايةٍ في البخاري وغيره: عند أبي خزيمةَ، وهي أرجَحُ). ((تفسير المنار)) (11/74). ويُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (9/15). .
لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (128).
لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ.
أي: لقد أرسَلَ اللهُ إليكم- أيُّها العرَبُ- مُحمَّدًا رَسولَ اللهِ، عربيًّا منكم، تَعرِفونَ لُغَتَه ونَسَبَه فيكم، وحالَه ونُصحَه لكم [2202] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/96)، ((تفسير ابن عطية)) (3/100)، ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (8/470)، ((الرد على المنطقيين)) لابن تيمية (ص: 540)، ((تفسير ابن كثير)) (4/241)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/71)، ((تفسير السعدي)) (ص: 356). قال ابنُ عطية: (قوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ مُخاطَبةٌ للعَرَبِ، في قولِ الجُمهورِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/100). ويُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/71). .
كما قال تعالى حاكيًا دُعاءَ نَبيِّه إبراهيمَ: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: 129].
وقال عزَّ وجَلَّ: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الجمعة: 2].
وعن واثِلةَ بنِ الأسقَعِ رَضِيَ الله عنه، قال: سَمِعتُ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ اللهَ اصطَفَى كِنانةَ مِن ولَدِ إسماعيلَ، واصطفى قُرَيشًا مِن كِنانةَ، واصطفى مِن قُرَيشٍ بَني هاشِمٍ، واصطفاني مِن بني هاشِمٍ )) [2203] رواه مسلم (2276). .
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ.
أي: يَشُقُّ على رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم دخولُ المشقَّةِ عليكم، ولحوقُ الضررِ والأذَى بكم [2204] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/96)، ((البسيط)) للواحدي (11/106)، ((تفسير الرازي)) (16/178)، ((تفسير القرطبي)) (8/302)، ((تفسير ابن كثير)) (4/241)، ((تفسير السعدي)) (ص: 356). .
عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ الله عنهما، ((أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تلا قَولَ اللهِ عزَّ وجَلَّ في إبراهيمَ: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم: 36]، وقال عيسى عليه السَّلامُ: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: 118]، فرفَعَ يَدَيه وقال: اللهُمَّ أُمَّتي أُمَّتي، وبكى، فقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: يا جِبريلُ اذهَبْ إلى محمَّدٍ- وربُّك أعلَمُ- فسَلْه: ما يُبكيك؟! فأتاه جبريلُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فسأله، فأخبَرَه رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما قال- وهو أعلمُ- فقال الله: يا جِبريلُ، اذهَبْ إلى محمَّدٍ، فقل: إنَّا سنُرضيك في أمَّتِك، ولا نَسوءُك)) [2205] رواه مسلم (202). .
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ الدِّينَ يُسرٌ، ولن يُشادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غلَبَه، فسَدِّدوا وقارِبوا، وأبشِروا، واستَعِينوا بالغُدوةِ والرَّوحةِ [2206] الغُدْوَة: أولُ النَّهارِ، والرَّوْحَة: آخِرُه. يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمُظْهِري (2/280). ، وشَيءٍ مِن الدُّلْجةِ [2207] الدُّلْجَة: أي: السَّيرُ في آخِرِ اللَّيلِ. يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمُظْهِري (2/280) ) [2208] رواه البخاري (39). .
حَرِيصٌ عَلَيْكُم.
أي: حريصٌ على هِدايتِكم، وإيصالِ الخَيرِ لكم في دُنياكم وآخِرَتِكم [2209] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/96)، ((البسيط)) للواحدي (11/106، 107)، ((تفسير ابن عطية)) (3/100)، ((تفسير الرازي)) (16/178)، ((تفسير ابن كثير)) (4/241)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/71، 72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 356). .
عن أبي ذَرٍّ رَضِيَ الله عنه، قال: ((تَرَكَنا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما طائِرٌ يقَلِّبُ جناحَيه في الهواءِ، إلَّا وهو يُذكِّرُنا منه عِلْمًا، قال: فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ما بَقِيَ شيءٌ يُقَرِّبُ منَ الجنَّةِ، ويُباعِدُ مِن النَّارِ، إلَّا وقد بُيِّنَ لكم)) [2210] أخرجه الطبراني (2/155) (1647)، وأخرج ابن حبان (65) أولَه فقط بنحوِه. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (8/266): رجاله رجالُ الصَّحيحِ، غيرَ محمَّدِ بن عبد الله بن يزيد المُقرئ، وهو ثقة، وصحح إسناده ووثق رجالَه الألباني في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (1803).
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّما مَثَلي ومَثَلُ أمَّتي، كمَثَلِ رَجُلٍ استوقَدَ نارًا، فجعَلَتِ الدَّوابُّ والفَراشُ يَقَعْنَ فيه، فأنا آخِذٌ بحُجَزِكم [2211] الحُجَزُ: جمعُ حُجزةٍ، وهي مَعقِدُ الإزارِ والسَّراويل. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (15/50). وأنتم تَقَحَّمونَ [2212] تقَحَّمونَ: أي: تَرمونَ أنفُسَكم في النَّارِ بفِعلِ المعاصي. يُنظر: ((شرح المصابيح)) لابن الملك (1/155). فيه)) [2213] رواه البخاري (6483)، ومسلم (2284) واللفظ له. .
وعن العِرباضِ بنِ سارِيةَ رَضِيَ الله عنه، قال: ((وعَظَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَوعِظةً ذرَفَت منها العُيونُ، ووَجِلَت منها القُلوبُ، فقُلنا: يا رسولَ اللهِ، إنَّ هذه لَمَوعِظةُ مُوَدِّعٍ، فماذا تعهَدُ إلينا؟ قال: قد ترَكْتُكم على البَيضاءِ ليلُها كنهارِها، لا يَزيغُ عنها بعدي إلَّا هالِكٌ)) [2214] أخرجه ابن ماجه (43)، وأحمد (17182). حسَّن إسنادَه المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (1/68)، وقال الشوكاني في ((الفتح الرباني)) (5/2229): ثابتٌ، ورجالُه رجالُ الصحيحِ، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (43). .
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ.
أي: هو شَديدُ الرقَّةِ والرِّفقِ والشَّفَقةِ بالمؤمنينَ، شديدُ الرَّحمةِ بهم [2215] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/96)، ((تفسير ابن عطية)) (3/100)، ((تفسير أبي السعود)) (4/114)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 356)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/73). .
كما قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159].
وقال سُبحانه: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: 215].
وقال عزَّ وجَلَّ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29].
وعن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما، قال: ((كنَّا نُبايعُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على السَّمعِ والطَّاعةِ، يقول لنا: فيما استطعْتَ)) [2216] رواه مسلم (1867). وأخرج البخاري (7204)، ومسلم (56) قريبًا منه من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه. .
وعن عبدِ اللهِ بنِ أبي أوفى رضي الله عنه، قال: ((كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يأنَفُ أو لا يستكبِرُ أن يمشِيَ مع الأرملةِ والمِسكينِ، فيقضِيَ له حاجَتَه)) [2217] أخرجه الترمذي في ((العلل الكبير)) (670) واللفظ له، والنسائي (1414)، والدارمي (74)، وابن حبان (6424). حسَّنه البخاري كما في ((العلل الكبير)) للترمذي (360)، وصحح إسناده العراقي في ((تخريج الإحياء)) (2/243)، وابن باز في ((حاشية بلوغ المرام)) (303)، وصححه الألباني في ((صحيح سنن النسائي)) (1414). .
وعن أنسٍ رَضِيَ الله عنه، ((أنَّ أعرابيًّا بال في المسجِدِ، فقام إليه بعضُ القَومِ، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : دَعُوه ولا تُزرِمُوه قال: فلمَّا فرغَ دعا بدَلوٍ مِن ماءٍ، فصَبَّه عليه)) [2218] رواه البخاري (6025)، ومسلم (284)، واللفظ له. .
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129).
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ.
أي: فإنْ أعرَضَ الكفَّارُ والمُشرِكونَ عن الإيمانِ بك وطاعَتِك- يا مُحمَّدُ- فقل: يكفيني اللهُ جميعَ ما أهمَّني، وهو ناصري على عدُوِّي، لا معبودَ بحقٍّ إلَّا هو، وَحْدَه لا شريكَ له [2219] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/100)، ((معاني القرآن)) للنحاس (3/271)، ((البسيط)) للواحدي (11/107)، ((تفسير ابن عطية)) (3/100)، ((تفسير الرازي)) (16/179)، ((تفسير القرطبي)) (8/302)، ((تفسير ابن كثير)) (4/243)، ((تفسير القاسمي)) (5/534)، ((تفسير السعدي)) (ص: 357)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/73). .
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
أي: على اللهِ وَحْدَه اعتمَدْتُ، وإليه استنَدْتُ، وفوَّضتُ جميعَ أموري، واللهُ هو مالِكُ العَرشِ العظيمِ وخالقُه، ومالكُ وخالقُ جميعِ ما دونَه مِن المخلوقاتِ [2220] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/100)، ((البسيط)) للواحدي (11/108)، ((تفسير القرطبي)) (8/302)، ((تفسير ابن كثير)) (4/243)، ((تفسير السعدي)) (ص: 357)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/73). قال ابنُ جرير: (وإنَّما عَنَى بوصْفِه جلَّ ثناؤُه نفسَه بأنَّه رَبُّ العرشِ العظيمِ، الخبرَ عَن جميعِ ما دُونَه أنَّهم عبيدُه وفي مُلْكِه وسلطانِه؛ لأنَّ العرشَ العظيمَ إِنَّما يكونُ للملوكِ، فوصَفَ نَفْسَه بأنَّه ذو العرشِ دُونَ سائِرِ خَلْقِه، وأنَّه الملكُ العظيمُ دُونَ غيره، وأنَّ مَن دونَه في سلطانِه ومُلْكِه، جارٍ عليه حكمُه وقضاؤُه). ((تفسير ابن جرير)) (12/100). قال السعدي: (وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الذي هو أعظمُ المخلوقاتِ، وإذا كان ربَّ العرشِ العظيمِ، الذي وسِع المخلوقاتِ، كان ربًّا لما دونَه مِن بابِ أولَى وأحرَى). ((تفسير السعدي)) (ص: 357). .
كما قال تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل: 9].
وعن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما، ((أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يقولُ عند الكَربِ: لا إلهَ إلَّا اللهُ العظيمُ الحليمُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ ربُّ العَرشِ العظيمِ، لا إلهَ إلَّا اللهُ ربُّ السَّمواتِ وربُّ الأرضِ، وربُّ العَرشِ الكريمِ )) [2221] أخرجه البخاري (6346)، ومسلم (2730).
وعن أبي الدَّرداءِ رَضِيَ الله عنه، قال:  ((من قال إذا أصبحَ وإذا أمسى حسبيَ اللهُ لا إلهَ إلَّا هو، عليه توكلتُ وهو ربُّ العَرشِ العظيمِ- سبعَ مرَّاتٍ- كفاه اللهُ ما أهمَّه)) [2222] أخرجه أبو داود (5081 )، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (36/150). قال الشوكاني في ((تحفة الذاكرين)) (120): مدركُ بنُ سعدٍ لا بأسَ به، وقال ابن باز في ((مجموع الفتاوى)) (294/9): موقوفٌ إسنادُه جيدٌ، وقال الألباني في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) (11 /450): إسنادُ الموقوفِ رجالُه ثقاتٌ. .

الفوائد التربوية:


قَولُ الله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ يُفيدُ التَّنويهَ بهذه الكَلِمة المُبارَكة؛ لأنَّه أمَرَ بأن يقولَ هذه الكَلِمةَ بعَينِها، ولم يُؤمَر بمجَرَّدِ التوكُّلِ، ولا أُخبِرَ بأنَّ اللهَ حَسْبُه مجَرَّدَ إخبارٍ، كما في قَولِه تعالى: فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ [2224] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/74). [الأنفال: 62].

الفوائد العلمية واللطائف:


قَولُ اللهِ تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فيه إيماءٌ إلى اقترابِ أجَلِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّ التَّذكيرَ بِقَولِه: لَقَدْ جَاءَكُمْ يؤذِنُ بأنَّ هذا المجيءَ- الذي مضى عليه زمَنٌ طَويلٌ- يُوشِكُ أن ينقضِيَ، لأنَّ لكُلِّ واردٍ قُفولًا، ولكلِّ طالعٍ أُفولًا [2225] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/74). .

قَولُ اللهِ تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ كَونُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أنفُسِهم، هي صِفةٌ مُؤَثِّرةٌ في التبليغِ والفَهمِ عنه والتآنُسِ به، والخِطابُ للعَرَبِ، ففي هذه الصِّفةِ التَّنبيهُ على شَرَفِهم، والتَّحريضُ على اتِّباعِه [2226] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/532). . وذلك على أحدِ الوجهينِ في تأويلِ الآيةِ.

قَولُ الله تعالى: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ يُومئُ إلى أنَّ شَرْعَ اللهِ تعالى جاء مناسِبًا لخَلْقِه، فانتفى عنه الحرَج والعُسر [2228] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/72). .

قَولُ اللهِ تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ في هاتين الآيتَينِ إشعارٌ بالإيداعِ والإعذارِ للنَّاسِ، وتنبيهٌ إلى المبادرةِ باغتنامِ وجودِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بين أظهُرِهم؛ ليتشَرَّفوا بالإيمانِ به وهم يشاهِدونَه، ويقتَبِسونَ مِن أنوارِ هَدْيِه؛ لأنَّ الاهتداءَ بمُشاهَدتِه والتلقِّي منه، أرجى لحصولِ كَمالِ الإيمانِ، والانتفاعِ بقَليلٍ من الزَّمانِ؛ لتحصيل وافرِ الخَيرِ الذي لا يحصُلُ مِثلُه في أضعافِ ذلك الزَّمانِ [2229] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/74). .

بلاغة الآيتين:


قولُه تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَحِيمٌ
قولُه: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ... فيه الافِتتاحُ بحَرفَيِ التَّأكيدِ، وهُما اللَّامُ و(قد)، معَ كَوْنِ مَضمونِها ممَّا لا يتَطرَّقُ إليه الإنكارُ؛ لِقَصدِ الاهتِمامِ بهذه الجُملةِ لأهمِّيَّةِ الغرَضِ الَّذي سِيقَتْ لأجلِه، ولأنَّ فيما تضمَّنَته ما يُنكِرُه المنافِقون وهو كونُه رسولًا مِن اللهِ، ولأنَّ في هذا التَّأكيدِ ما يَجعَلُ المخاطَبين به مُنَزَّلِينَ مَنزِلَةَ المنكِرين لِمَجيئِه؛ مِن حيثُ إنَّهم لم يَنفَعوا أنفُسَهم بهذا المَجيءِ، وفيه أيضًا تعريضٌ بتَحريضِهم على اتِّباعِه، وتَرْكِ مُناوَأتِه، وأنَّ الأجدَرَ بهِم الافتخارُ به، والالتفافُ حولَه [2230] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/71). .
وفي العُدولِ عن الإتيانِ بلفظِ (العَنَتِ)- الَّذي هو المصدَرُ الصَّريحُ- إلى الإتيانِ بالفعلِ مع (ما) المصدريَّةِ السَّابِكةِ للمَصدَرِ: مَا عَنِتُّمْ: نُكتةٌ، وهي إفادةُ أنَّه قد عَزَّ عليه عنَتُهم الحاصِلُ في الزَّمنِ الذي مضَى، وذلك بما لَقُوه مِن قتلِ قومِهم، ومِن الأَسْرِ في الغزَواتِ، ومِن قَوارِعِ الوَعيدِ والتَّهديدِ في القرآنِ، فلو أُتِي بالمصدرِ لم يَكُنْ مُشيرًا إلى عنَتٍ معيَّنٍ ولا إلى عنَتٍ وقَع؛ فالمصدَرُ لا زمانَ له، ولكنَّ مَجيءَ المصدَرِ مُنسبِكًا مِن الفعلِ الماضي يَجعَلُه مَصدرًا مُقيَّدًا بالحُصولِ في الماضي؛ لِتَكونَ هذه الآيةُ تنبيهًا على أنَّ ما لَقُوه مِن الشِّدَّةِ إنَّما هو لاستِصْلاحِ حالِهم؛ لعَلَّهم يَخفِضُون بعدَها مِن غُلَوائِهم، ويَرْعَوُون عن غيِّهم، ويَشعُرون بصَلاح أمرِهم [2231] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/72). .
وفي قَوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وصفُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بستَّةِ أوصافٍ، ولَمَّا كانت الرسالةُ أشرَفَها بُدِئَ بذِكْرِها [2232] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/532). .
قَولُ اللهِ تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فيه سؤالٌ: أنَّه لَمَّا قال: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ فهذا النَّسَقُ يُوجِبُ أن يقال: (رؤُوفٌ رحيمٌ بالمُؤمنين)، فلمَ تُرِكَ هذا النَّسَقُ، وقال: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ؟
والجوابُ: أنَّ قَولَه: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ يفيدُ الحَصرَ، بمعنى أنَّه لا رأفةَ ولا رحمةَ له إلَّا بالمُؤمِنينَ، فأمَّا الكافِرونَ فليس له عليهم رأفةٌ ورَحمةٌ، وهذا كالمتَمِّمِ لِقَدْر ما وردَ في هذه السُّورةِ مِن التَّغليظِ، كأنَّه يقولُ: إنِّي وإن بالغتُ في هذه السُّورةِ في التَّغليظِ، إلَّا أنَّ ذلك التَّغليظَ على الكافرينَ والمُنافِقينَ، وأمَّا رحمتي ورأفَتي فمخصوصةٌ بالمُؤمنينَ فقط [2233] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/179). .
وفي قول الله تعالى: رَءُوفٌ رَحيمٌ قدَّمَ الأبلغَ منهما، وهي الرَّأفةُ التي هي عبارةٌ عن شِدَّةِ الرَّحمةِ؛ مُحافظةً على الفواصِلِ [2234] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/114). ، كما أنَّ تقديمَ الرؤوفِ على الرَّحيم هو الواجِبُ، كأنَّه قال: رؤوفٌ بضُعفاءِ المُؤمِنينَ، وأُولي القُربى منهم، ورحيمٌ بهم كلِّهم [2235] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/72). .
قولُه تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
الفاءُ في قولِه: فَإِنْ تَوَلَّوْا للتَّفريعِ على إرسالِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم صاحِبِ هذه الصِّفاتِ إليهم؛ فإنَّ صِفاتِه المذكورةَ تَقتَضي مِن كلِّ ذي عقلٍ سليمٍ مِن العربِ الإيمانَ به، واتِّباعَه؛ لأنَّه مِن أنفُسِهم، ومُحِبٌّ لخَيرِهم، رؤوفٌ رحيمٌ بمَن يتَّبِعُه مِنهم، فتَفرَّع عليه أنَّهم مَحْقوقون بالإيمانِ به؛ فإن آمَنوا فذاك، وإن لم يُؤمِنوا فإنَّ اللهَ حَسيبُه وكافيه [2236] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/73). .
وبعدَ التَّفريعِ الْتفَت الكلامُ مِن خطابِ العرَبِ إلى خِطابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بما كان مُقتَضى الظَّاهرِ أن يُخاطَبوا هم به؛ اعتِمادًا على قَرينةِ حرفِ التَّفريعِ؛ فقيل له: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ، والتَّقديرُ: فإن تولَّيتُم عنه فحَسبُه اللهُ، وقُل: حَسْبي اللهُ؛ فجِيءَ بهذا النَّظْمِ البديعِ الإيجازِ معَ ما فيه مِن بَراعةِ الإيماءِ إلى عدَمِ تأهُّلِهم لخِطابِ اللهِ على تَقْديرِ حالةِ تَولِّيهم [2237] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/73). .
وقولُه: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ استئنافٌ مُقرِّرٌ لِمَضمونِ ما قبلَه [2238] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/114). .
قولُه: رَبُّ الْعَرْشِ فيه تخصيصُ العَرْشِ بالذِّكرِ؛ لأنَّه أعظمُ المخلوقاتِ [2239] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/534). .