موسوعة التفسير

سورةُ إبراهيمَ
الآيات (35-41)

ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ

غريب الكلمات:


تَهْوِي: أي: تَنزِعُ، وتَميلُ، وأصلُ (هوي): يدُلُّ على مَيلِ النَّفسِ، وانحرافِها نحوَ الشَّيءِ [450] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 233)، ((البسيط)) للواحدي (12/490)، ((المصباح المنير)) للفيومي (2/643)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 204). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى: واذكُرْ- يا مُحمَّدُ- حين دعا إبراهيمُ ربَّه قائلًا: ربِّ اجعَلْ مكَّةَ حَرَمًا آمِنًا يأمَنُ كلُّ مَن فيها، وأبعِدْني وأبنائي عن عبادةِ الأصنامِ، ربِّ إنَّ الأصنامَ قد حرفت كَثيرًا مِن النَّاسِ عن طريقِ الحَقِّ، فمن تبِعني على التوحيدِ، فإنَّه مِن أهلِ ديني يَستَنُّ بسُنَّتي، ومَن خالفَني فكفَر، فإنَّك غفورٌ رحيمٌ؛ بتوبتِكَ عليهم حتَّى يُؤْمنوا، وهدايتِهم إلى التوحيدِ. ربَّنا إنِّي أسكَنتُ مِن ذُرِّيتي في وادٍ ليس فيه زَرعٌ ولا ماءٌ عند بَيتِك المُحرَّمِ، ربَّنا إنَّني فعلتُ ذلك وأسكنتُهم في هذا الوادي؛ لكي يُقيمُوا الصَّلاةَ، ويَعْمُروه بذِكرِك وعبادتِك، فاجعَلْ قُلوبَ بَعضِ الناسِ تُسرِعُ إليهم شوقًا إلى حجِّ بَيتِك الحَرامِ، وارزُقْهم مِن أنواعِ الثِّمارِ؛ ليَشكُروك على ما رزَقْتَهم، ويكونَ عَونًا لهم على طاعتِك. فاستجابَ اللهُ دُعاءَه.
ربَّنا، إنَّك تعلَمُ ما نُخفِيه وما نجهرُ به ونُظهِرُه، وما يخفى عن عِلمِ اللهِ شَيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ. ثمَّ أثنَى إبراهيمُ عليه السلامُ على اللهِ تعالى، فقال: الحمدُ لله الذي رَزَقني رغمَ كِبَرِ سِنِّي إسماعيلَ وإسحاقَ؛ فإنَّ رَبِّي يسمعُ الدُّعاءَ ممَّن دعاه، ويجيبُه، وقد دَعوتُه ولم يخيِّبْ رَجائي. ربِّ، اجعَلْني مقيمًا للصَّلاةِ على أتَمِّ وُجوهِها، واجعَلْ مِن ذُرِّيَّتي مَن يقيمُها كذلك، ربَّنا واستجِبْ لي دُعائي، ربَّنا اغفِرْ لي ولوالِدَيَّ، ولجميعِ المُؤمنينَ يومَ تُحاسِبُ عِبادَك.

تفسير الآيات:


وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى بالدَّلائلِ أنَّه لا مَعبودَ إلَّا هو سُبحانَه، وأنَّه لا يجوزُ عِبادةُ غيرِه تعالى البتَّةَ؛ حكى عن إبراهيمَ عليه السَّلامُ مُبالغَتَه في إنكارِ عِبادةِ الأوثانِ [451] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/100). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى التَّعجيبَ مِن الذينَ بَدَّلوا نِعمةَ اللهِ كُفرًا، وجعلوا لله أندادًا- وهم قُريشٌ، ومَن تابَعَهم من العربِ، الذين اتَّخذوا آلهةً مِن دونِ الله- وكان مِن نِعَمِ اللهِ عليهم إسكانُه إيَّاهم حَرَمَه؛ أردَفَ ذلك بذِكرِ أصلِهم إبراهيمَ، وأنَّه- صَلواتُ اللهِ عليه- دعا اللهَ تعالى أن يجعَلَ مكَّةَ آمِنةً، ودعا بأن يَجنُبَ بنيه عبادةَ الأصنامِ، وأنَّه أسكَنَه وذُرِّيَّتَه في بيتِه؛ ليَعبُدوه وَحدَه بالعبادةِ التي هي أشرَفُ العبادةِ، وهي الصَّلاةُ؛ لينظُروا في دينِ أبيهم، وأنَّه مُخالِفٌ لِما ارتكَبوه من عبادةِ الأصنامِ، فيَزدَجِروا ويَرجِعوا عنها [452] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/444). .
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا.
أي: واذكُرْ- يا محمَّدُ- إذ قال إبراهيمُ: رَبِّ، اجعَلْ مكَّةَ حَرَمًا آمِنًا لأهلِه وسُكَّانِه [453] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/686)، ((تفسير ابن عطية)) (3/340)، ((تفسير ابن كثير)) (4/512)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426). قال السمعاني: (قولُه: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا أجمعُوا أنَّ البلدَ هو مَكَّةُ). ((تفسير السمعاني)) (3/119). .
كما قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا [البقرة: 126].
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا دعا بالأمنِ مِن فَسادِ الأموالِ والأبدانِ؛ أتبَعَه بالدُّعاءِ بالأمنِ مِن فَسادِ الأديانِ، فقال [454] ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/425).
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ .
أي: وأبْعِدْني وأبنائي عن عبادةِ الأصنامِ، واجْعَلْنا في جانبٍ، والأصنامَ في جانبٍ [455] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/687)، ((تفسير القرطبي)) (9/368)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426)، ((القول المفيد)) لابن عثيمين (1/115). قال ابن عثيمين: قوله: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ قيل: المرادُ ببنيه: بنوه لصلبِه، ولا نعلمُ له مِن صلبِه سوَى إسماعيلَ وإسحاقَ. وقيل: المرادُ ذريتُّه وما توالدَ مِن صلبِه، وهو الأرجحُ؛ وذلك للآياتِ التي دلَّت على دعوتِه للناسِ مِن ذريتِه... وأيضًا يمنعُ مِن الأوَّلِ: أنَّ الآيةَ بصيغةِ الجمعِ، وليس لإبراهيمَ مِن الأبناءِ سوَى إسحاقَ وإسماعيلَ). ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) (1/114). .
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لما دعا الله أن يُجَنَّبَ هو وبَنوه عبادةَ الأصنامِ؛ ذكَرَ سَببَ طَلَبِه [456] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/445). ، والمُوجبَ لخَوفِه عليه وعلى بَنيه بكثرةِ مَن افتُتِنَ وابتُلِيَ بعبادتِها، فقال [457] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 426). :
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ .
أي: قال إبراهيم: ربِّ، إنَّ الأصنامَ قد حَرَفَت كثيرًا مِن النَّاسِ عن طريقِ الحَقِّ؛ بسبَبِ افتِتانِهم بها، وعِبادتِها [458] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/688)، ((تفسير ابن كثير)) (4/513)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426). .
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي.
أي: فمَن تَبِعَني على الإيمانِ بك وتوحيدِك وفِراقِ عبادةِ الأصنامِ؛ فإنَّه مِن أهلِ دِيني، يَستَنُّ بسُنَّتي، ويعمَلُ بمِثلِ عَمَلي [459] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/688)، ((تفسير القرطبي)) (9/368)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426). .
وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
ومَن عصاني فكفَر [460] قال ابنُ عطيةَ: (وقولُه: وَمَنْ عَصانِي ظاهرُه بالكفرِ، بمعادلةِ قولِه: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي). ((تفسير ابن عطية)) (3/341). ، وخالَفَ أمْري، فإنَّك غفورٌ رحيمٌ؛ بتوبتِكَ عليهم حتَّى يُؤْمنوا، وهدايتِهم إلى التوحيدِ، وتوفيقِهم للرُّجوعِ مِن المعصيةِ إلى الطاعةِ [461] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/408)، ((تفسير ابن عطية)) (3/341)،  ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/60)، ((تفسير العليمي)) (3/526). وممن اختار هذا المعنى المذكورَ: مقاتلُ بنُ سليمانَ، وابنُ عطيةَ، وابنُ القيمِ، والعليمي. يُنظر: المصادر السابقة. قال مقاتلُ بنُ سليمانَ: (نظيرُها- في الأحزابِ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب: 24]). ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/408). وقيل: المرادُ: ومَن عصاني فيما دونَ الشركِ. وممن اختاره: مقاتلُ بنُ حيان، والواحدي، وهو ظاهرُ اختيارِ السعدي. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/515)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 584)، ((تفسير السعدي)) (ص: 427). وقيل: هذا تفويضٌ للأمرِ إلى الله عزَّ وجلَّ، وردٌّ إلى مشيئتِه، لا طَلَبٌ ودعاءٌ بالمغفرةِ لهم. وممن اختار هذا المعنَى: ابنُ كثيرٍ، ومحمد رشيد رضا، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/513)، ((تفسير المنار)) (10/87)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/240). قال ابنُ عاشورٍ: (المعنى: ومَن عصاني أُفَوِّضُ أمْرَه إلى رَحمَتِك وغُفرانِك. وليس المَقصودُ الدُّعاءَ بالمَغفرةِ لمَن عصى. وهذا مِن غَلبةِ الحِلْمِ على إبراهيمَ عليه السَّلامُ، [وخَشيتِه] مِن استئصالِ عُصاةِ ذُرِّيَّتِه). ((تفسير ابن عاشور)) (13/240). .
عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رضي الله عنهما: ((أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تلا قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ في إبراهيمَ: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [إبراهيم: 36] الآيةَ، وقال عيسى عليه السَّلامُ: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: 118]، فرفعَ يديهِ، وقال: اللهمَّ، أُمَّتي أُمَّتي، وبكى. فقال اللهُ عزَّ وجلَّ: يا جبريلُ، اذهب إلى محمدٍ- وربُّكَ أعلمُ- فسَلهُ: ما يُبكيكَ؟ فأتاهُ جبريلُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فسَألهُ، فأخبرهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بما قالَ- وهو أعلمُ-، فقال اللهُ: يا جبريلُ، اذهبْ إلى محمدٍ، فقلْ : إنَّا سنُرضيكَ في أُمَّتكَ ولا نَسُوؤُك )) [462] أخرجه مسلم (202). .
رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا دَعا بدَرءِ المفاسِدِ النَّاشِئةِ مِن نوعَيِ الإنسانِ والشَّيطانِ، بأمنِ البلَدِ وإيمانِه؛ ذكَرَ السبَبَ الحامِلَ له على تخصيصِه بذلك، مُستجلِبًا للمَصالِحِ، فقال [463] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/426).
رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ.
أي: ربَّنا، إنِّي أسكَنتُ بعضَ ولَدِي- وهو إسماعيلُ عليه السَّلامُ- في وادٍ لا زَرْعَ فيه ولا ماءَ، عند بَيتِك الذي يَحرُمُ استِحلالُ حُرُماتِه والتَّهاوُنُ به، والاستخفافُ بحَقِّه، والتعرُّضُ له أو لأهلِه بسُوءٍ [464] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/689، 696، 697)، (( تفسير ابن الجوزي)) (2/515)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/241). قال ابن كثير: (هذا دعاءٌ ثانٍ بعد الدُّعاءِ الأوَّلِ الذي دعا به عندما ولَّى عن هاجرَ وولَدِها، وذلك قبل بناء البيتِ، وهذا كان بعد بنائه؛ تأكيدًا ورغبةً إلى الله عزَّ وجلَّ؛ ولهذا قال: عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ). ((تفسير ابن كثير)) (4/513). ويُنظر: (( تفسير ابن الجوزي)) (2/515)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/424)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/241). .
رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ .
أي: رَبَّنا، إنِّي أسكنتُ بعضَ ذُرِّيَّتي في هذا الوادي المقْفِرِ؛ كي يُقيمُوا الصَّلاةَ عند بيتِك المحَرَّمِ، ويَعْمُروه بذِكرِك وعبادتِك وَحدَك، فاجعَلْ قُلوبَ بعضِ النَّاسِ [465] قال ابن كثير: (قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: لو قال: «أفئدة النَّاسِ» لازدحم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والناسُ كلُّهم، ولكنْ قال: مِنَ النَّاسِ فاختَصَّ به المُسلِمون). ((تفسير ابن كثير)) (4/514). تُسرِعُ إليهم شوقًا إلى حجِّ بَيتِك الحَرامِ [466] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/698)، ((تفسير الزمخشري)) (2/558)، ((تفسير أبي حيان)) (6/448)، ((تفسير ابن كثير)) (4/514)، ((تفسير القاسمي)) (6/319)، ((تفسير السعدي)) (ص: 427). قال ابنُ جزي: (لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ: اللَّامُ يحتملُ أنْ تكونَ لامَ الأمْرِ بمعنَى الدُّعاءِ، أو لامَ كيْ). ((تفسير ابن جزي)) (1/412). وممن قال: إنَّها لامُ (كي): ابنُ جريرٍ، والزمخشري، والقاسمي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/698)، ((تفسير الزمخشري)) (2/558)، ((تفسير القاسمي)) (6/319)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/241). قال القاسمي: (رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ أي: لكي يَأْتوا بعبادتِك...، وهو متعلِّقٌ بـ أَسْكَنْتُ أي: ما أسكنتُهم هذا الوادي إلَّا ليُقيموا الصلاةَ عندَ بيتِك المحرَّمِ، ويَعْمُروه بذكرِك وعبادتِك وحدَك). ((تفسير القاسمي)) (6/ 319). وممن قال: هي بمعنى الدُّعاء: السعدي. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 427). وقال الرَّسعنيُّ: (قولُه تعالى: رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، أي: أسكنْتُهم لِيُقِيموا الصَّلاةَ. ويَجوزُ أنْ تكونَ اللَّامُ مُتعلِّقةً بقولِه: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم: 35]، أي: اجْنُبْهم لِيُقِيموا الصَّلاةَ). ((تفسير الرسعني)) (3/552). .
وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.
أي: وارزُقْهم مِن ثِمارِ النَّباتِ والأشجارِ بأنواعِها المُختَلِفة، بجَلْبِها إليهم؛ ليَشكُروك على ما رزَقْتَهم، ويكونَ عَونًا لهم على طاعتِك [467] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/700، 701)، ((تفسير أبي حيان)) (6/448)، ((تفسير ابن كثير)) (4/514). .
كما قال تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [القصص: 57].
رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا طلَبَ إبراهيمُ- عليه السَّلامُ- مِن اللهِ تيسيرَ المنافِعِ لأولادِه، وتَسهيلَها عليهم؛ ذكَرَ أنَّه لا يعلَمُ عواقِبَ الأحوالِ، ونِهاياتِ الأمورِ في المُستقبَل، وأنَّه تعالى هو العالِمُ بها، المحيطُ بأسرارِها [468] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/105). ، فقال:
رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ.
أي: ربَّنا، إنَّك تعلَمُ ما نُخفي في قُلوبِنا عند مسألتِنا ودُعائِك، وفي غيرِ ذلك من أحوالِنا، وتعلَمُ ما نجهَرُ به مِن دُعائِنا، وغيرِ ذلك مِن أقوالِنا وأعمالِنا [469] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/701)، ((تفسير القرطبي)) (9/375)، ((تفسير ابن كثير)) (4/514). قال ابن جرير: (هذا خبَرٌ مِن الله تعالى ذِكرُه عن استشهادِ خَليلِه إبراهيم إيَّاه على ما نوى وقصد، بدُعائِه وقِيلِه: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم: 35] الآية، وأنَّه إنما قصدَ بذلك رضا الله عنه في محبَّتِه أن يكون ولَدُه من أهل الطاعةِ لله، وإخلاصِ العبادةِ له على مِثلِ الذي هو له). ((تفسير ابن جرير)) (13/701). وقال القرطبي: (وقال ابن عباس ومقاتل: تعلَمُ جميعَ ما أُخفيه وما أعلنُه، من الوجدِ بإسماعيلَ وأمِّه؛ حيث أُسكِنَا بوادٍ غير ذي زَرعٍ). ((تفسير القرطبي)) (9/375). وقال السعدي: (أي: أنت أعلَمُ بنا منَّا، فنسألُك من تدبيرِك وتربيتِك لنا أن تُيسِّرَ لنا من الأمورِ التي نعلَمُها، والتي لا نعلَمُها ما هو مقتضى عِلمِك ورحمتِك). ((تفسير السعدي)) (ص: 427). .
وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
أي: ولا يخفى على اللهِ أيُّ شَيءٍ في الأرضِ ولا في السَّماءِ [470] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/701)، ((تفسير النسفي)) (2/176)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/243). ذهب جمهورُ المفسِّرينَ إلى أنَّ هذا مِن قولِ الله عزَّ وجلَّ تصديقًا لما قاله إبراهيمُ مِن أنَّه سبحانه يعلمُ بما يخفيه العبادُ وما يعلنونه. وممن عزا هذا المعنى إلى الجمهورِ: البغوي، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/44)، ((تفسير الشوكاني)) (3/135). وقيل: هذا مِن كلامِ إبراهيمَ عليه السلام تتمةً لدعائِه. وممن اختار هذا القولَ: ابنُ جريرٍ، وأبو حيان. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/701)، ((تفسير أبي حيان)) (6/449). .
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا تمَّ إبراهيمُ ما دعا به من النَّزاهةِ عن رَجاسةِ الشِّركِ، وتبيَّنَ بتَقديمِه أنَّ أهَمَّ المُهِمَّاتِ البراءةُ منه؛ أتبَعَه الحمدَ على ما رُزِقَ مِن النِّعَم، وما تَبِعَ ذلك من الإشارةِ إلى وجوبِ الشُّكرِ [471] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/429). .
وأيضًا لَمَّا دعا إبراهيمُ- عليه السَّلامُ- اللهَ تعالى لأهَمِّ ما يُهِمُّه، وهو إقامةُ التوحيدِ، وكان يرجو إجابةَ دَعوتِه، وأنَّ ذلك ليس بعجَبٍ في أمرِ اللهِ- خطَرَ ببالِه نِعمةُ الله عليه بما كان يسألُه، وهو أن وهَبَ له ولَدَينِ في إبَّانِ الكِبَرِ، وحينَ اليأسِ مِن الولادةِ، فناجى اللهَ فحَمِدَه على ذلك، وأثنى عليه بأنَّه سميعُ الدُّعاءِ- أي: مُجيبٌ، أي: متَّصِفٌ بالإجابةِ وَصفًا ذاتيًّا- تمهيدًا لإجابة دعوتِه هذه، كما أجاب دعوتَه سلَفًا، فهذا مناسَبةُ مَوقِعِ هذه الجُملةِ بعد ما قَبلَها بقرينةِ قَولِه: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [472] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/243).
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ .
أي: الحَمدُ لله الذي رزَقَني- رَغْمَ كِبَرِ سِنِّي- إسماعيلَ وإسحاقَ [473] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/702)، ((تفسير القرطبي)) (9/375)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/243). .
إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ.
أي: وهَبَ لي ربِّي الولَدَينِ؛ لأنَّه يسمَعُ دُعاءَ مَن يدعوه، ويُجيبُ طلَبَ مَن يسألُه [474] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/702)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/227) و(15/11)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/4)، ((تفسير ابن كثير)) (4/514)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/243). قال ابن تيمية: (أَمَّا قولُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ: إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ فالمرادُ بالسَّمعِ هاهنا السَّمعُ الخاصُّ، وهو سمعُ الإجابةِ والقبولِ، لا السَّمعُ العامُّ؛ لأنَّه سميعٌ لكلِّ مسموعٍ). ((مجموع الفتاوى)) (15/14). .
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا أتمَّ إبراهيمُ عليه السلامُ الحمدَ على النِّعمةِ بعد الدُّعاءِ بالتخَلِّي مِن كلِّ ما ينافي السَّعادةَ، وختَمَه بالحمدِ على إجابةِ الدُّعاءِ- انتهَزَ الفُرصةَ في إتباعِه الدُّعاءَ بالتحَلِّي بحِليةِ العبادةِ التي أخبَرَ أنَّها قَصدُه بإسكانِه مِن ذُرِّيتِه [475] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/431). ، فقال:
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي.
أي: ربِّ، وفِّقْني لإقامةِ الصَّلَواتِ، بالمحافظةِ على أدائِها بحُدودِها، واجعَلْ مِن ذُرِّيتي مَن يقيمُها كذلك [476] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/702)، ((تفسير القرطبي)) (9/375)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 56)، ((تفسير ابن كثير)) (4/514)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/244). قال ابنُ عطيةَ: (قولُه: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ، دعا إبراهيمُ عليه السلامُ في أمرٍ كان مثابرًا عليه، متمسِّكًا به، ومتى دعا الإنسانُ في مثلِ هذا فإنَّما القصدُ إدامةُ ذلك الأمرِ، واستمرارُه). ((تفسير ابن عطية)) (3/343). و(من) في قوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي للتبعيضِ، وممن اختاره: الرازي، والبيضاوي، والخازنُ، وأبو حيان، والألوسي. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/107)، ((تفسير البيضاوي)) (3/202)، ((تفسير الخازن)) (3/42)، ((تفسير أبي حيان)) (6/450)، ((تفسير الألوسي)) (7/229). قال الرَّازيُّ: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي، أي: واجعَلْ بَعضَ ذُرِّيَّتي كذلك؛ لأنَّ كلمةَ «مِن» في قولِه: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي للتَّبعيضِ، وإنَّما ذكَرَ هذا التَّبعيضَ؛ لأنَّه علِمَ بإعلامِ اللهِ تعالى أنَّه يكونُ في ذُرِّيَّتِه جمْعٌ مِنَ الكُفَّارِ، وذلك قولُه: لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: 124]). ((تفسير الرازي)) (19/107). وقيل: إنَّ (من) ابتدائيةٌ، وممن اختاره: ابنُ عاشورٍ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/244). قال ابن عاشور: (و«مِنْ» ابْتِدائِيَّةٌ، وليست للتَّبعيضِ؛ لأنَّ إبراهيمَ- عليه السَّلامُ- لا يسألُ اللَّهَ إِلَّا أكملَ ما يُحِبُّه لنفسِه ولذرِّيَّتِه. ويجوزُ أنْ تكونَ مِن للتَّبعيضِ بناءً على أنَّ اللَّه أعْلَمَه بأنْ يكونَ مِنْ ذُرِّيَّتِه فريقٌ يُقيمونَ الصَّلاةَ، وفريقٌ لا يُقيمونَها، أي لا يؤمنونَ. وهذا وجهٌ ضعيفٌ؛ لأنَّه يقتضي أنْ يكونَ الدُّعاءُ تحصيلًا لحاصِلٍ، وهو بعيدٌ، وكيفَ وقد قالَ: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [إبراهيم: 35] ولم يقُلْ: «ومِن بَنِيَّ»). ((تفسير ابن عاشور)) (13/244). .
رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ .
أي: رَبَّنا، واستجِبْ لي دُعائي فيما سألتُك فيه [477] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/202)، ((تفسير ابن كثير)) (4/514). .
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41).
أي: ربَّنا اغفِرْ لي ولوالِدَيَّ [478] قال ابنُ جرير: (هذا دعاءٌ مِن إبراهيم صلواتُ اللهِ عليه لوالديه بالمغفرة، واستغفارٌ منه لهما، وقد أخبر الله عزَّ ذِكرُه أنَّه لم يكن اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة: 114]). ((تفسير ابن جرير)) (13/703). ويُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/514). ولجميعِ المؤمنينَ يومَ تُحاسِبُ عِبادَك يومَ القيامةِ [479] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/514). قيل: معنَى يَقُومُ الْحِسَابُ: يَثبُتُ. وممَّن اختار هذا المعنى: الزمخشري، والشوكاني، وابنُ عاشورٍ. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/562)، ((تفسير الشوكاني)) (3/136)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/245). وقيل المعنى: يقومُ النَّاسُ للحِسابِ. وممَّن قال بذلك: ابنُ جريرٍ، والقرطبي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/703)، ((تفسير القرطبي)) (9/375). قال ابنُ جَريرٍ: (قولُه: يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ، يعني: يقومُ النَّاسُ للحسابِ، فاكْتَفى بذِكْرِ الحِسابِ مِن ذِكْرِ النَّاسِ؛ إذ كان مَفهومًا معناهُ). ((تفسير ابن جرير)) (13/703). .

الفوائد التربوية:


1- قال تعالى على لسانِ إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ، وقال أيضًا: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي...، وقال أيضًا: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة: 128] فينبغي للإنسانِ أنْ يَشملَ ذريَّتَه في الدُّعاءِ؛ لأنَّ الذُّرِّيَّةَ الصالحةَ مِن آثارِ الإنسانِ الصَّالحةِ، فالذُّرِّيَّةُ صلاحُها له شأنٌ كبيرٌ بالنِّسبةِ للإنسانِ [480] يُنظر: ((تفسير الفاتحة والبقرة)) لابن عثيمين (2/64). .
2- قَولُ الله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ هذا الدُّعاءُ مِن الخليلِ عليه السلامُ يقتضي إفراطَ خَوفِه على نفسِه، ومَن حصَلَ في رُتبتِه، فكيف يخافُ أن يَعبُدَ صَنمًا؟! لكنْ هذه الآيةُ ينبغي أن يُقتَدى بها في الخوفِ وطلَبِ الخاتمةِ [481] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/341). ، فإذا كان إبراهيمُ عليه السَّلامُ يَخافُ الشِّركَ على نفسِه- وهو خليلُ الرَّحمنِ، وإمامُ الحنفاءِ- فما بالُك بنا نحنُ إذن؟! فلا ينبغي أن نأمَنَ الشِّركَ، ولا أن نأمَنَ النِّفاقَ؛ إِذْ لا يأمَنُ النِّفاقَ إلَّا مُنافِقٌ، ولا يَخافُ النِّفاقَ إلَّا مُؤمِنٌ [482] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (9/104). . عن إِبراهيمَ التَّيميِّ قال: (مَن يَأْمَنُ البلاءَ بعدَ قولِ إبراهيمَ: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ؟!) [483] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/688)،  ((الدر المنثور)) للسيوطي (5/46). .
3- قولُه: وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ليس مُرادُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ أنَّ اللهَ يَغفِرُ لكافرٍ، لكنَّه حمَلَهُ على هذه العِبارةِ ما كان يأخُذُ نفْسَه به مِن القَولِ الجميلِ، والنُّطقِ الحسنِ، وجَميلِ الأدَبِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. قال قَتادةُ: اسْمَعوا قولَ الخليلِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، واللهِ ما كانوا طعَّانِينَ ولا لَعَّانينَ، وكذلك قال نَبِيُّ اللهِ عِيسى: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [484]  يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/341)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن جرير)) (13/688). [المائدة: 118].
4- قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ جملةُ: إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ تعليلٌ للدَّعوةِ بإجنابِه عِبادتَها بأنَّها ضلالٌ راجَ بين كثيرٍ مِن النَّاسِ، فحُقَّ للمؤمِنِ الضَّنينِ بإيمانِه أن يخشَى أن تجتَرِفَه فتنتُها [485] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/239). .
5- قولُ الله تعالى: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ يدلُّ على أنَّ المقصودَ للعاقلِ مِن منافعِ الدُّنيا أن يتفرَّغَ لأداءِ العباداتِ، وإقامةِ الطَّاعاتِ؛ فإنَّ إبراهيمَ عليه السَّلامُ بيَّنَ أنَّه إنما طلَبَ تيسيرَ المنافِعِ على أولادِه؛ لأجلِ أن يتفَرَّغوا لإقامةِ الصَّلَواتِ، وأداءِ الواجباتِ [486] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/105). .
6- إقامةُ الصَّلاةِ مِن أخَصِّ وأفضَلِ العباداتِ الدِّينيةِ، فمَن أقامَها كان مقيمًا لدينِه؛ لذا قال إبراهيم: رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وقال: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ [487]  يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 427). ، ولأهميةِ إقامةِ الصلاةِ لن تكادَ تجدُ ذكرَ الصلاةِ في موضعٍ مِن التنزيلِ إلا مقرونًا بإقامتِها، فالمصلُّون في الناسِ قليلٌ، ومقيمُ الصلاةِ منهم أقلُّ القليلِ [488] يُنظر: ((الصلاة)) لابن القيم (ص: 140). .
7- في قَولِه تعالى- عن إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ دليلٌ على أهميَّةِ الصَّلاةِ، ولا سيَّما في مكَّةَ عندَ بيتِ اللهِ الحرامِ [489] يُنظر: ((شرح صحيح البخاري)) لابن عثيمين (5/292). .
8- أنَّ هِمَّةَ الصَّالحينَ في إقامةِ الدِّينِ، فقد علَّق إبراهيم عليه السلامُ لِيُقِيمُوا بـ أَسْكَنْتُ، أي: علةُ الإسكانِ بذلك الوادي عندَ ذلك البيتِ أن لا يشغلَهم عن إقامةِ الصلاةِ في ذلك البيتِ شاغلٌ، فيكون البيتُ معمورًا أبدًا، وتهيَّأَ بذلك أنْ يُفرِّعَ عليه الدُّعاءَ لهم بأنْ يجعَلَ أفئدةً مِن النَّاس تَهْوي إليهم، فقال: رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [490] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/240). .
9- قَولُ الله تعالى: رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ فيه تعليمٌ مِن إبراهيمَ عليه السَّلامُ لأهلِه وأتباعِه بعُمومِ عِلمِ اللهِ تعالى؛ حتى يُراقِبوه في جميعِ الأحوالِ، ويُخلِصوا النيَّةَ إليه [491] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/243). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ فيه سُؤالٌ: أنَّ إبراهيمَ عليه السَّلامُ دعا ربَّه أنْ يَجعَلَ مَكَّةَ آمِنةً، إلَّا أنَّه قد وقَعَ فيها ما أخَلَّ بالأمنِ، وأخافَ أهْلَها؟
والجوابُ عن هذا السُّؤالِ مِن وَجْهينِ:
الأوَّل: أنَّ المُرادَ جَعْلُ تلك البلدةِ آمِنةً مِنَ الخَرابِ [492] قال الخازن: (وأُورِدَ على هذا ما ورَدَ في الصَّحيحِ عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «يُخرِّبُ الكعبةَ ذو السُّويقتَينِ مِن الحبشةِ». أخرجاهُ في الصَّحيحينِ. وأُجِيبَ عنه بأنَّ قولَه: اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا، يعني: إلى قُربِ القيامةِ وخَرابِ الدُّنياِ. وقيل: هو عامٌّ مَخصوصٌ بقِصَّةِ «ذو السُّويقتَينِ»؛ فلا تعارُضَ بين النَّصَّينِ). ((تفسير الخازن)) (3/39). ، وهذا مَوجودٌ بحمْدِ اللهِ، ولم يقْدِرْ أحدٌ على خَرابِ مكَّةَ.
الثَّاني: أنْ يكونَ المُرادُ: اجعَلْ أهْلَ هذا البلَدِ آمنينَ، كقولِه تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82]. وهذا الوَجْهُ عليه أكثَرُ العُلماءِ مِنَ المُفسِّرينَ وغيرِهم، وعلى هذا فقدِ اختُصَّ أهْلُ مكَّةَ بزِيادةِ الأمْنِ في بلَدِهم، كما أخبَرَ اللهُ سُبحانَه وتَعالى بقولِه: وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: 67]، وأهْلُ مكَّةَ آمِنونَ مِن ذلك، حتَّى إنَّ مَن الْتجَأَ إلى مكَّةَ أَمِنَ على نفْسِه ومالِه مِن ذلك، وحتَّى إنَّ الوُحوشَ إذا كانت خارِجةً مِنَ الحرَمِ استوحَشَتْ، فإذا دخَلَتِ الحرَمَ أمِنَتْ واستأْنَسَتْ؛ لِعِلْمِها أنَّها لا يُهيِّجُها أحدٌ في الحرَمِ، وهذا القدْرُ مِنَ الأمْنِ حاصِلٌ بحمْدِ اللهِ بمكَّةَ وحرَمِها [493] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/101)، ((تفسير الخازن)) (3/39). .
2- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ فيه سُؤالٌ: أنَّ الأنبياءَ عليهم السَّلامُ لا يَعْبُدون الوثَنَ الْبَتَّةَ، وإذا كان كذلك؛ فما الفائدةُ في قولِه: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ؟
والجوابُ مِن وَجْهينِ:
الأوَّل: أنَّ معناهُ: ثَبِّتْني على اجتنابِ عِبادتِها، كما قال: وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة: 128]، أي: ثَبِّتْنا على الإسلامِ.
الثَّاني: أنَّ إبراهيمَ عليه السَّلامُ وإنْ كان يَعلَمُ أنَّه تعالى يَعصِمُه مِن عِبادةِ الأصنامِ، إلَّا أنَّه ذكَرَ ذلك؛ هَضْمًا للنَّفسِ، وإظهارًا للحاجةِ والفاقةِ إلى فَضْلِ اللهِ في كلِّ المَطالِبِ [494] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/101). .
3- قَولُ الله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ فيه سؤالٌ: أنَّ إبراهيمَ- عليه السَّلامُ- طلبَ مِن الله تعالى ألَّا يجعَلَ أبناءَه مِن عبَدةِ الأصنامِ، وكُفَّارُ قُرَيشٍ كانوا من أولادِه، وكانوا يعبُدونَ الأصنامَ؟
والجوابُ من وجوه: 
الوجه الأول: قال بعضُهم: أراد مِن أولادِه وأولادِ أولادِه كلَّ مَن كانوا موجودينَ حالَ الدُّعاءِ، ولا شُبهةَ أنَّ دَعوتَه مُجابةٌ فيهم.
الوجه الثاني: أنَّ هذا الدُّعاءَ مختَصٌّ بالمؤمنينَ مِن أولاده، والدَّليلُ عليه أنَّه قال في آخر الآية: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وذلك يفيدُ أنَّ مَن لم يتَّبِعْه على دينِه، فإنَّه ليس منه، ونظيرُه قولُه تعالى لنوح: إِنَّه لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود: 46].
الوجه الثالث: لعلَّه وإن كان عمَّمَ في الدُّعاءِ إلَّا أنَّ الله تعالى أجاب دعاءَه في حَقِّ البَعضِ دونَ البَعضِ [495] قال الشنقيطي: (قولُه تعالَى: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ الآيةَ. لم يُبَيِّنْ هنا هل أجابَ دعاءَ نبيِّه إبراهيمَ هذا، ولكنَّه بَيَّن في مواضعَ أُخَرَ أنَّه أجابَه في بعضِ ذُرِّيَّتِه دُونَ بعضٍ، كقولِه: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: 113]، وقولِه: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ الآيةَ [الزخرف: 28]). ((أضواء البيان)) (2/248). وقال ابنُ عثيمينَ: (كان مِن حكمةِ الله أن لا تجابَ دعوتُه في بعضِهم، كما أنَّ الرسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم دعا الله أن لا يجعلَ بأسَ أمتِه بينَهم فلم يُجِبِ اللهُ دعاءَه). ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) (1/114). ، وذلك لا يُوجِبُ تحقيرَ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ، ونظيرُه قولُه تعالى في حقِّ إبراهيمَ عليه السَّلامُ: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [496] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/101-102). [البقرة: 124].
4- قولُه: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا قَدَّمَ طلَبَ الأمنِ على سائِرِ المطالِبِ المذكورةِ بَعدَه، وذلك يدُلُّ على أنَّه أعظَمُ أنواعِ النِّعَمِ والخيراتِ، وأنَّه لا يَتِمُّ شَيءٌ مِن مصالحِ الدِّينِ والدُّنيا إلَّا به؛ فإنَّه إذا انتفَى الأمنُ لم يَفرُغِ الإنسانُ لشيءٍ آخَرَ مِن أمورِ الدِّينِ والدُّنيا [497] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/103-104)، ((تفسير الشوكاني)) (3/134). .
5- قَولُه: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ فيه دليلٌ على أنَّ عِصمةَ الأنبياءِ بتَوفيقِ الله تعالى وحِفظِه إيَّاهم [498] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/184). .
6- قولُه: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ، فيه سُؤالٌ: كيف جعَلَ الأصنامَ مُضِلَّةً، والمُضِلُّ ضارٌّ، وقد نَفَى عنهم الضَّررَ بقولِه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ [يونس: 18]؟
الجَوابُ: أنَّ نِسبةَ الإضلالِ إليها مِن بابِ نِسبةِ الشَّيءِ إلى سبَبِه، كما يُقالُ: فَتَنَتْهم الدُّنيا، فهي سبَبٌ للإضلالِ، وفاعِلُه حقيقةً هو اللهُ تعالى [499] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص:294). . وأيضًا فنفْيُ ضَررِها باعتبارِ أنَّها لا تُوصِلُ إليهم مَكروهًا كما كان يَعتقِدُ عابِدُوها.
7- قولُ الخليلِ عليه السَّلامُ: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ولم يقُلْ: (فإنَّك عزيزٌ حَكيمٌ)؛ لأنَّ المقامَ مَقامُ استرحامٍ، وتَعريضٍ بالدُّعاءِ [500] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم  (1/59-60). .
8- في قَولِه تعالى على لسانِ إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ دلالةٌ ظاهرةٌ على أنَّ أسماءَ الرَّبِّ تعالى مشتقَّةٌ مِن أوصافٍ ومعانٍ قامت به، وأنَّ كلَّ اسمٍ يُناسِبُ ما ذُكِرَ معه، واقترنَ به مِن فِعلِه وأمْرِه [501] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/60). .
9- قال الله تعالى على لسانِ إبراهيمَ: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ في هذا القولِ منه- صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- دليلٌ على أنَّه لم يكُنْ هنالك يومَئذٍ ماءٌ؛ لأنَّه لو كان هنالك ماءٌ، لم يَصِفْه بأنَّه غيرُ ذي زرعٍ عند بيتِك الذي حرَّمْتَه على جميعِ خَلْقِك أن يستحِلُّوه [502] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/696)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير أبي حيان)) (6/446). .
10- قال اللهُ تعالى على لِسانِ إبراهيمَ: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ. هذه الآيةُ تَقْتَضي أنَّ إبراهيمَ عليه السَّلامُ قد كان علِمَ مِنَ اللهِ تعالى أنَّه لا يُضيِّعُ هاجَرَ وابْنَها في ذلك الوادي، وأنَّه يَرزُقُهما الماءَ، وإنَّما نظَرَ النَّظرَ البعيدَ للعاقبةِ، فقال: غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، ولو لم يَعلَمْ ذلك مِنَ اللهِ لَقال: (غيرِ ذي ماءٍ)، على ما كانتْ عليه حالُ الوادي عندَ ذلك [503]  يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/341). .
11- في قَولِه تعالى: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ لا يجوزُ لأحدٍ أن يتعلَّقَ به في طَرحِ عيالِه ووَلدِه بأرضٍ مَضْيَعةٍ؛ اتِّكالًا على العزيزِ الرَّحيمِ، واقتداءً بفِعلِ إبراهيمَ، كما تقولُ الغُلاةُ مِن الصوفيَّةِ في حقيقةِ التوكُّلِ؛ فإنَّ إبراهيمَ فعَلَ ذلك بأمرِ اللهِ [504] يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/97). .
12- افتَرضَ الله حجَّ هذا البيتِ الذي أسكَنَ به ذُرِّيَّةَ إبراهيمَ، وجعَلَ فيه سِرًّا عجيبًا جاذِبًا للقُلوبِ، فهي تحُجُّه، ولا تقضي منه وطَرًا على الدَّوامِ، بل كلَّما أكثَرَ العبدُ التردُّدَ إليه، ازداد شَوقُه، وعَظُمَ ولَعُه وتَوْقُه، وهذا سِرُّ إضافتِه تعالى إلى نفسِه المقدَّسةِ؛ قال الله تعالى: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [505] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 427). .
13- في قَولِه تعالى- عن إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ لم يقُل: «أفئدةَ النَّاسِ»؛ لأنَّ الحجَّ لا يجِبُ على كلِّ أحدٍ، إنما يجبُ على مَن كان قادِرًا. قال بعضُ العُلَماءِ: لو قال: «أفئدةَ النَّاسِ تهوي إليهم» وأجابَه اللهُ، لوجبَ على جميعِ النَّاسِ أنْ يَحُجُّوا، وفي هذا مِن المشَقَّةِ ما هو ظاهرٌ، لكنَّ اللهَ أَلْهَمَ إبراهيمَ- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- أنْ يقولَ: مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [506] يُنظر: ((شرح صحيح البخاري)) لابن عثيمين (5/292). .
14- عن السُّدِّيِّ رحمه الله، في قولِه تعالى: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ يقولُ: (خُذ بقُلوبِ النَّاسِ إليهم؛ فإنَّه حيث يَهوى القلبُ يذهَبُ الجسَدُ؛ فلذلك ليس مِن مؤمنٍ إلَّا وقَلبُه معَلَّقٌ بحُبِّ الكعبةِ) [507] يُنظر: ((الدر المنثور)) للسيوطي (5/48). .
15- قال الله تعالى: وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ الآيةُ لتذكيرِ قُرَيشٍ بهذه النِّعَمِ الجليلةِ عليهم ببرَكةِ أبيهم الأعظَمِ الذي نهَى عن عبادةِ الأوثانِ [508] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/428). .
16- مكَّةُ نَفسُها لا يُدفَعُ البلاءُ عن أهلِها، ويُجلَبُ لهم الرِّزقُ إلَّا بطاعتِهم لله ورَسولِه، كما قال الخليلُ عليه السَّلامُ: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [509] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (27/438). [إبراهيم: 37].
17- قال تعالى على لسانِ إبراهيمَ عليه السلامُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ فذكَرَ حالَ الكِبَرِ؛ لأنَّ المِنَّةَ فيها بهِبةِ الولَدِ أعظمُ؛ مِن حيثُ إنَّ الكِبَرَ مَظِنَّةُ اليأسِ مِن الولدِ؛ فإنَّ مجيءَ الشَّيءِ بعد الإياسِ أحلَى في النَّفسِ وأبهَجُ [510] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/449). .
18- قولُه: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي احتُجَّ به على أنَّ أفعالَ العبدِ مَخلوقةٌ لله تعالى؛ فإنَّ قَولَ إبراهيمَ عليه السَّلامُ: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي يدُلُّ على أنَّ فِعلَ المأموراتِ لا يحصُلُ إلَّا مِن الله [511] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/106). .
19- قولُه: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ فيه سؤالٌ: كيفَ جاز أن يستغفِرَ لأبويهِ وكانا كافِرَينِ؟
والجوابُ عنه مِن وُجُوهٍ:
الوجهُ الأوَّل: أنَّه دَعا لأبيه قبلَ أن يتبيَّن له أنَّه عدوٌّ لله [512] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/245). .
الوجه الثاني: أنَّ المنعَ منه لا يُعلَمُ إلَّا بالتَّوقيفِ، فلعلَّه لم يجِدْ منه مَنعًا، فظَنَّ كونَه جائِزًا [513] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/107). .
 الوجهُ الثالثُ: أنَّهما كانا في الأحياءِ، فرجَا إيمانَهما [514] يُنظر: ((باهر البرهان)) لبيان الحق الغزنوي (2/767). . وقيل غيرُ ذلك [515] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/107)، ((تفسير القرطبي)) (9/375)، ((تفسير ابن عاشور))  (13/245). .
20- قولُه: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ فيه بِشارةٌ عَظيمةٌ للمؤمنينَ بالمَغفِرةِ [516] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/188). .
21- في قَولِه تعالى عن إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ دَلالةٌ على انتفاعِ الميِّتِ بدُعاءِ الخَلْقِ له [517] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (24/306). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ
- قولُه: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا... أي: واذْكُرْ إذ قال إبراهيمُ؛ زِيادةً في التَّعجُّبِ مِن شأْنِ المُشركينَ الَّذي مَرَّ في قولِه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا؛ فموقِعُ العِبْرةِ مِن الحالينِ واحدٌ [518] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/238). ، والمقصودُ مِن تذْكيرِه: تذْكيرُ ما وقَعَ فيه مِن مَقالاتِه عليه السَّلامُ على نهْجِ التَّفصيلِ، والمُرادُ به: تأْكيدُ ما سلَفَ مِن تعْجيبِه عليه السَّلامُ بِبَيانِ فنٍّ آخَرَ مِن جِناياتِهم، حيثُ كفَروا بالنِّعمِ الخاصَّةِ بهم بعدَما كفَروا بالنِّعمِ العامَّةِ، وعَصَوا أباهم إبراهيمَ عليه السَّلامُ، حيث أسكَنَهم مكَّةَ- شرَّفَها اللهُ تعالى- لإقامةِ الصَّلاةِ، والاجتنابِ عن عِبادةِ الأصنامِ، والشُّكرِ لِنِعَمِ اللهِ تعالى، وسأَلَه تعالى أنْ يجعَلَه بلدًا آمِنًا، ويَرزُقَهم مِن الثَّمراتِ، وتَهْوِيَ قُلوبُ النَّاسِ إليهم مِن كلِّ أَوْبٍ سحيقٍ، فاستجابَ اللهُ تعالى دُعاءَه، وجعَلَه حرَمًا آمِنًا يَجِيءُ إليه ثَمراتُ كلِّ شيءٍ، فكفَروا بتلك النِّعَمِ العِظامِ، واستبْدَلوا بالبلدِ الحرامِ دارَ البَوارِ، وجعَلوا للهِ أندادًا، وفعَلوا ما فعَلوا [519] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/50). .
- والفرْقُ بين قولِه هنا: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا، وبين قولِه في سُورةِ البَقرةِ: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا [البقرة: 126]: أنَّه قد سأَلَ في الأوَّلِ في سُورةِ البقرةِ أنْ يجعَلَه مِن جُملةِ البلادِ الَّتي يأمَنُ أهْلُها ولا يَخافونَ، وفي الثَّاني أنْ يُخْرِجَه مِن صِفَةٍ كان عليها مِن الخوفِ إلى ضِدِّها مِن الأمْنِ؛ كأنَّه قال: هو بلَدٌ مخوفٌ، فاجعَلْه آمِنًا [520] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/557))، ((تفسير أبي حيان)) (6/444). . وقيل: الفرْقُ بينه وبين قولِه: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا [البقرة: 126]: أنَّ المسؤولَ هناك البَلَدِيَّةُ والأمْنُ معًا، وهاهنا الأمْنُ فقط؛ حيث جُعِلَ هو المفعولَ الثَّانيَ للجَعْلِ، وجُعِلَ البلدُ صِفَةً للمفعولِ الأوَّلِ؛ فإنْ حُمِلَ على تعدُّدِ السُّؤالِ، فلعلَّه عليه السَّلامُ سأَلَ أوَّلًا كِلَا الأمرينِ، فاسْتُجِيبَ له في أحدِهما، وتأخَّرَ الآخَرُ إلى وقْتِه المُقدَّرِ؛ لِمَا يقْتَضيه مِن الحكمةِ الدَّاعيةِ إليه، ثمَّ كرَّرَ السُّؤالَ كما هو المُعتادُ في الدُّعاءِ والابتهالِ [521] قال ابنُ كثير: (قال في هذه القصَّةِ: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا فعَرَّفَه كأنَّه دَعا به بعدَ بنائِها؛ ولهذا قالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [إبراهيم: 39]، ومعلومٌ أنَّ إسماعيلَ أكبرُ مِنْ إسحاقَ بثلاثَ عشرةَ سنةً، فأمَّا حين ذَهَب بإسماعيلَ وأُمِّه وهو رضيعٌ إلى مكانِ مكَّةَ، فإنَّه دَعا أيضًا فقالَ: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا [الْبَقَرَةِ: 126]). ((تفسير ابن كثير)) (4/513). ، أو كان المسؤولُ أوَّلًا مُجرَّدَ الأمْنِ المُصَحِّحِ للسَّكنِ كما في سائرِ البلادِ، وقد أُجِيبَ إليه، وثانيًا الأمْنَ المعهودَ، أو كان هو المسؤولَ فيهما، وقد أُجِيبَ إليه أيضًا، لكنَّ السُّؤالَ الثَّانيَ للاستدامةِ، والاقتصارِ على ذلك؛ لأنَّه المقصودُ الأصلِيُّ، أو لأنَّ المُعتادَ في البلَدِيَّةِ الاستمرارُ بعدَ التَّحقُّقِ، بخلافِ الأمْنِ. وإنْ حُمِلَ على وَحدةِ السُّؤالِ وتكرُّرِ الحكايةِ كما هو المُتبادَرُ؛ فالظاهِرُ أنَّ المسؤولَ كِلَا الأمرينِ، وقد حُكِيَ أوَّلًا، واقْتُصِرَ هاهنا على حِكايةِ سُؤالِ الأمْنِ، لا لِمُجرَّدِ أنَّ نِعمةَ الأمْنِ أَدْخَلُ في استيجابِ الشُّكرِ؛ فذِكْرُه أنسَبُ بمقامِ تقريعِ الكَفَرة ِعلى إغفالِه كما قيل، بل لأنَّ سُؤالَ البلَدِيَّةِ قد حُكِيَ بقولِه تعالى: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ؛ إذ المسؤولُ هُوِيَّتُها إليهم للمُساكَنةِ معهم لا للحجِّ فقط، وهو عينُ سُؤالٍ قد حُكِيَ بعبارةٍ أُخرى، وكان ذلك أوَّلَ ما قدِمَ عليه السَّلامُ مكَّةَ [522] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/50). .
- في قولِه تعالى عن إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: وَاجْنُبْنِي لم يَقُلْ: «وامنَعْني»؛ لأنَّ معنى وَاجْنُبْنِي أي: اجعَلْني في جانبٍ وعبادةَ الأصنامِ في جانبٍ، وهذا أبلغُ مِن «امنَعْني»؛ لأنَّه إذا كان في جانبٍ وهي في جانبٍ، كان أَبْعَدَ [523] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (7/117). .
2- قوله تعالى: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
- قولُه: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ هو تَعليلٌ لِدُعائِه بإجْنابِه عِبادتَها؛ فافتتاحُ الجُملةِ بحرْفِ التَّوكيدِ لِمَا يُفيدُه حرْفُ (إنَّ) في هذا المقامِ مِن معنى التَّعليلِ، وإنَّما صدَّرَه بالنِّداءِ رَبِّ؛ إظهارًا لاعتنائِه به، ورَغبةً في استجابتِه، أو أعاد النِّداءَ؛ لإنشاءِ التَّحسُّرِ على ذلك [524] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/51)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/239). .
- قولُه: فَإِنَّهُ مِنِّي، أي: بعْضي؛ قاله عليه السَّلامُ مُبالَغةً في بيانِ اختصاصِه به، أو مُتَّصلٌ بي، لا ينفَكُّ عنِّي في أمْرِ الدِّينِ، ووَمَنْ عَصَانِي فيه طِباقٌ مَعنويٌّ؛ لأنَّ التَّبعيَّةَ طاعةٌ [525] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/445)، ((تفسير أبي السعود)) (5/51). .
3- قوله تعالى: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
- قولُه: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي مُستأنَفَةٌ لابتداءِ دُعاءٍ آخَرَ، وافْتُتِحَتْ بالنِّداءِ؛ لِزيادةِ التَّضرُّعِ، وفي كونِ النِّداءِ تأكيدًا لِنِداءٍ سابِقٍ: ضرْبٌ مِن الرَّبْطِ بين الجُمَلِ المُفْتَتَحَةِ بالنِّداءِ؛ رَبْطُ المِثْلِ بمِثْلِه [526] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/240). .
- قولُه: رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فيه تَكرارُ النِّداءِ؛ رَغبةً في الإجابةِ، وإظهارًا للتَّذلُّلِ والالتجاءِ إلى اللهِ تعالى. وأيضًا تكريرُ النِّداءِ وتوسيطُه؛ لإظهارِ كَمالِ العِنايةِ بإقامةِ الصَّلاةِ، وللاهتِمامِ بمُقدِّمةِ الدُّعاءِ؛ زِيادةً في الضَّراعةِ، والاهتمامِ بعرْضِ أنَّ الغرَضَ مِن إسكانِهم بذلك الوادي البَلْقَعِ [527] البَلْقَع: الأرضُ القَفرُ الخاليةُ التي لا شَيءَ بها. يُنظر: ((الصحاح)) للجوهري (3/1188)، ((لسان العرب)) لابن منظور (8/21). ذلك المقصِدُ الأقصى، والمطلَبُ الأَسْنى؛ للإشعارِ بأنَّها المقصودةُ بالذَّاتِ مِن إسكانِهم ثمَّةَ، والمقصودُ مِن الدُّعاءِ توفيقُهم لها، وكلُّ ذلك لِتمهيدِ مَبادي إجابةِ دُعائِه، وإعطاءِ مسؤولِه الَّذي لا يتسنَّى ذلك المَرامُ إلَّا به؛ ولذلك أُدْخِلَ عليه الفاءُ فقال: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ، أي: أفئدةً مِن أفئدتِهم [528] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/201)، ((تفسير أبي حيان)) (6/446)، ((تفسير أبي السعود)) (5/52)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/240). .
- وفي قولِه: رَبَّنَا إيثارُ ضَميرِ الجَماعةِ خِلافًا لسابِقيه، حيثُ قال فيهما: رَبِّ؛ لأنَّه تقدَّمَ ذِكْرُه وذِكْرُ بَنِيهِ في قولِه: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ [529] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/446). ، أو أُضِيفَ الرَّبُّ هنا إلى ضَميرِ الجمْعِ؛ لأنَّ الدُّعاءَ الَّذي افْتُتِحَ به فيه حَظٌّ للدَّاعي ولأبنائِه، ولعلَّ إسماعيلَ عليه السَّلامُ حاضِرٌ معه حينَ الدُّعاءِ، كما تدلُّ له الآيةُ الأُخرى [530] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/240). . وقيل: ليس إيثارُ الجمْعِ لِتقدُّمِ ذِكْرِه وذِكْرِ بَنِيهِ، وإلَّا لَراعاهُ في قولِه: رَبِّ إِنَّهُنَّ... إلخ، بل لأنَّ الدُّعاءَ المُصدَّرَ به وما أورَدَه بِصدَدِ تَمهيدِ مَبادي إجابتِه مِن قولِه: إِنِّي أَسْكَنْتُ... مُتعلِّقٌ بذريتِه؛ فالتعرُّضُ لوصفِ رُبوبيَّتِه تعالى لهم أَدْخلُ في القَبولِ، وإجابةِ المسؤولِ [531] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/51). .
- وخَصَّ الصلاةَ دونَ سائِرِ العباداتِ في قولِه: رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ؛ لأنَّها أفضَلُها، أو لأنَّها سببٌ لكُلِّ خَيرٍ [532] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/446). .
- وذِكْر (الأفئدةِ)؛ لِإرادةِ أنْ يكونَ مَسِيرُ النَّاسِ إليهم عن شوقٍ ومحبَّةٍ، حتَّى كأنَّ المُسرِعَ هو الفؤادُ لا الجسَدُ [533] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/242). . وقيل: (مِن) للتَّبعيضِ؛ ولذلك قيل: لو قال: (أفئدةَ النَّاسِ) لَازْدَحَمَت عليهم فارسُ والرُّومُ [534] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/52). .
- قولُه: تَهْوِي إِلَيْهِمْ تَهوِي مُضارِعُ (هَوَى)؛ أُطْلِقَ هنا على الإسراعِ في المشْيِ، والإسراعُ: جُعِلَ كِنايةً عنِ المحبَّةِ والشَّوقِ إلى زيارتِهم [535] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/242). .
- قولُه: وَارْزُقْهُمْ لم يخُصَّ الدُّعاءَ بالرِّزقِ بالمُؤمنينَ منهم، كما في قولِه: وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة: 126]؛ اكتفاءً بذِكْرِ إقامةِ الصَّلاةِ [536] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/52). .
4- قوله تعالى: رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ
- قولُه: رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ فيه تَكْريرُ النِّداءِ رَبَّنَا؛ للمُبالَغَةِ في الضَّراعةِ والابتهالِ [537] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/560)، ((تفسير أبي حيان)) (6/449)، ((تفسير أبي السعود)) (5/53). .
- وقولُه: مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ فيه تَقديمُ مَا نُخْفِي على مَا نُعْلِنُ؛ لِتحقيقِ المُساواةِ بينهما في تعلُّقِ العِلْمِ بهما على أبلَغِ وجْهٍ؛ فكأنَّ تعلُّقَه بما يُخْفَى أقدَمُ منه بما يُعْلَنُ، أو لأنَّ مَرتبةَ السِّرِّ والخَفاءِ مُتقدِّمةٌ على مَرتبةِ العَلَنِ؛ إذ ما مِن شَيءٍ يُعْلَنُ إلَّا وهو قَبلَ ذلك خفِيٌّ؛ فتعلُّقُ علْمِه سبحانه بحالتِه الأُولى أقدَمُ مِن تعلُّقِه بحالتِه الثَّانيةِ [538] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/53). .
- قولُه: وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ تذييلٌ لِجُملةِ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ، أي: تَعلَمُ أحوالَنا وتَعلَمُ كلَّ شيءٍ، ولكونِها تذييلًا أُظْهِرَ فيها اسمُ الجلالةِ؛ لِيكونَ التَّذييلُ مُستقِلًّا بنفْسِه بمنزِلةِ المثَلِ والكلامِ الجامِعِ [539] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/243). .
- وفي قولِه: وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ الالْتفاتُ مِن الخِطابِ إلى اسمِ الذَّاتِ المُستجمِعةِ للصِّفاتِ؛ لِتربيةِ المَهابَةِ، والإشعارِ بعِلَّةِ الحكمِ- على نهْجِ قولِه تعالى: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: 14]- والإيذانِ بعُمومِه؛ لأنَّه ليس بشأْنٍ يختَصُّ به أو بِمَن يتعلَّقُ به، بل شاملٌ لِجميعِ الأشياءِ؛ فالمُناسِبُ ذِكْرُه تعالى بعُنوانٍ مُصَحِّحٍ لِمبدأِ الكلِّ. وقيل: هو مِن كلامِ اللهِ عزَّ وجلَّ وارِدٌ بطريقِ الاعتراضِ؛ لِتصديقِه عليه السَّلامُ، كقولِه سبحانه: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [540] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/53). [النمل: 34].
- وقولُه: مِنْ شَيْءٍ؛ للاستغراقِ، كأنَّه قيل: وما يَخْفى عليه شيءٌ ما [541] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/559)، ((تفسير البيضاوي)) (3/201). .
- قولُه: فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ فيه تَقديمُ الأرضِ على السَّماءِ، مع تَوسيطِ حرْفِ النَّفي (لا) بينهما؛ باعتِبارِ القُربِ والبُعدِ مِنَّا المُسْتَدْعِيَيْنِ للتَّفاوتِ بالنِّسبةِ إلى عُلُومِنا [542] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/53). .
5- قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ
- و(على) في قولِه: عَلَى الْكِبَرِ للاستعلاءِ بمعنى (مع)، أي: وَهَبَ ذلك تَعَلِّيًا على الحالةِ الَّتي شأنُها ألَّا تسمَحَ بذلك، أي: مع الكِبَرِ الَّذي لا تحصُلُ معه الوِلادةُ [543] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/243). .
- قولُه: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ تَعليلٌ على طريقةِ التَّذييلِ للهِبَةِ المذكورةِ، وفيه إيذانٌ بتضاعيفِ النِّعمةِ فيها، حيثُ وقَعَتْ بعد الدُّعاءِ بقولِه: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: 100]، فاقترَنَتِ الهِبةُ بقَبولِ الدَّعوةِ. وتَوحيدُ ضَميرِ المُتكلِّمِ وإنْ كان عَقِيبَ ذكْرِ هِبَتِهما؛ لِمَا أنَّ نِعمةَ الهبةِ فائضةٌ عليه خاصَّةً، وهما مِن النِّعمِ لا مِن المُنعَمِ عليهم، أي: وَهَبَ ذلك؛ لأنَّه سميعُ الدُّعاءِ [544] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/54)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/243). .
- وفي قولِه: لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ كنَّى بـ (سميع الدُّعاءِ) عنِ الإجابةِ والتَّقبُّلِ-معَ إثباتِ صفةِ السمعِ لله على ما يَليقُ بكَمالِه- وكان إبراهيمُ عليه السلامُ قد دعا اللهَ أنْ يهَبَه ولدًا، وصِيغَ بمِثالِ المُبالَغةِ أو الصِّفةِ المُشبَّهَةِ؛ لِيدُلَّ على كَثرةِ ذلك، وأنَّ ذلك شأْنُه، وفيه إشعارٌ بأنَّه دعا ربَّه وسأَلَ منه الولدَ، فأجابه ووهَبَ له سُؤْلَه حينما وقَعَ اليأْسُ منه؛ لِيكونَ مِن أجَلِّ النِّعمِ وأجْلَاها [545] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/201)، ((تفسير أبي حيان)) (6/449)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/243). .
6- قوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ
- قولُه: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أي: وبعْضَ ذُرِّيَّتي- على اعتبارِ أنَّ (مِن) تبعيضيةٌ- عطفًا على المنصوبِ في اجْعَلْنِي، وإنَّما بَعَّضَ؛ لأنَّه علِمَ بإعلامِ اللهِ له، أو استِقراءِ عادتِه في الأُمَمِ الماضيةِ، أنَّه يكونُ في ذُرِّيَّتِه كُفَّارٌ [546] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/561))، ((تفسير البيضاوي)) (3/201)، ((تفسير أبي حيان)) (6/445)، ((تفسير أبي السعود)) (5/54). .
7- قوله تعالى: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ
- قولُه: يَقُومُ الْحِسَابُ، أي: يثبُتُ؛ عُبِّرَ به عنِ الثُّبوتِ تبَعًا لِتشبيهِ الحسابِ بإنسانٍ قائمٍ؛ لأنَّ حالةَ القِيامِ أقْوى أحوالِ الإنسانِ؛ إذ هو انتِصابٌ للعَملِ، مِن قِيامِ القائمِ على الرِّجْلِ، والدليلُ عليه قولُهم: قامَتِ الحربُ على ساقِها، ونحوُه. وقيل: أُسنِد إلى الحسابِ قيامُ أهلِه، أو حُذِف المضافُ، مثلَ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [547] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/54)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/245)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/200). [يوسف: 82].