موسوعة التفسير

سُورةُ يُوسُفَ
الآيات (81- 87)

ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ

غريب الكلمات:


أَسَفَى: الأسف: أشدُّ الحسرة، والحزنُ على ما فات، وأصل (أسف): يدلُّ على الفَوتِ والتلهُّفِ وما أشبَهَ ذلك [952] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 221)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 511)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/103). .
كَظِيمٌ: أي: مُمسِكٌ على حُزنِه، لا يُظهِرُه ولا يَشكوه، وأصلُ (كظم): يدلُّ على إمساكِ الشَّيءِ، وجَمعِه [953] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 221)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 391)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/184)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 248). .
تَفْتَأُ: أي: لا تزالُ [954] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 221)، ((تفسير ابن جرير)) (13/298)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 144)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/474)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 175). .
حَرَضًا: أي: مريضًا مُشْفيًا على الهلاكِ، وأصلُ (حرض): يدلُّ على الذَّهابِ والتَّلفِ والهلاكِ [955] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 221)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 192)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/41)، ((تفسير الزمخشري)) (1/1220)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 413). .
بَثِّي: أي: همِّي، وقيل: البثُّ: الهمُّ الشديدُ، وقيل: أشدُّ الحزنِ، وسُمِّيَ بذلك؛ لأنَّ صاحبَه لا يصبِرُ عليه حتَّى يَبُثَّه، أي: يَشكوَه ويَنشُرَه، وأصلُ (بثَّ): يدلُّ على تفريقِ الشَّيءِ وإظهارِه [956] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 222)، ((تفسير ابن جرير)) (13/305)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 123)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/172)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 248)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/45). .
فَتَحَسَّسُوا: التَّحسُّسُ: شِدَّةُ التطَلُّبِ والتَّعرُّفِ؛ مِن الحِسِّ: وهو الإدراكُ بالحاسَّةِ [957] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/314)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 175)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 249)، ((تفسير الألوسي)) (7/42)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/45). .
رَوْحِ اللَّهِ: أي: فرَجِه ورحمتِه، وأصلُ (روح): يدلُّ على سَعَةٍ وفُسحةٍ [958] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/314)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/454)، ((المفردات)) للراغب (ص: 371)، ((تفسير القرطبي)) (9/252)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 484). .

المعنى الإجمالي:


يخبرُ الله تعالى عن قولِ أكبَرِ الإخوةِ لإخوَتِه: ارجِعُوا إلى أبيكم، وأخبِروه بما جرَى، وقُولوا له: إنَّ ابنَكَ قد سرَقَ، وما شَهِدْنا بذلك إلَّا بعدَ أنْ تَيَقَّنَّا؛ فقد رأيْنا المِكيالَ في رَحْلِه، وما كان عِندَنا عِلمُ الغَيبِ أنَّه سيَسرِقُ حين عاهَدْناكَ على رَدِّه، واسألْ- يا أبانا- أهلَ مِصرَ، ومَن كان معَنا في القافِلةِ الَّتي كنَّا فيها، وإنَّنا لصادِقونَ فيما أخبَرْناكَ به.
ولَمَّا رجَعوا وأخبَروا أباهم، قال لهم: بل زَيَّنَتْ لكُم أنفُسُكم مَكيدةً دبَّرتُموها، كما فعَلتُم مِن قَبلُ مع يُوسُفَ، فصَبري صبرٌ جَميلٌ، لا جزَعَ فيه ولا شَكوَى معه؛ عسى اللَّهُ أنْ يرُدَّ إليَّ أبنائي جميعًا- وهُم: يوسُفُ، وشقيقُه، وأخوهمُ الكبيرُ الَّذي تخلَّفَ مِن أجْلِ أخيه- ؛ إنَّه هو العليمُ بحالي، الحَكيمُ في تدبيرِه. وأعرَضَ يَعقوبُ عنهم، وقد ضاق صَدرُه بما قالوه، وقال: يا حَسرَتي على يوسُفَ، وابيضَّتْ عيناه؛ مِن شِدَّةِ الحُزنِ، فهو مُمتلئُ القَلبِ حُزنًا، ولكِنَّه شَديدُ الكِتمانِ له. قال بَنُوه: تاللَّهِ، ما تزالُ تتذكَّرُ يوسُفَ، ويَشتدُّ حُزنُك عليه، حتَّى تُشْرِفَ على الهَلاكِ أو تَهلِكَ فِعلًا، فخَفِّفْ عن نفْسِك. قال يعقوبُ مُجيبًا لهم: لا أُظهِرُ همِّي وحُزني إلَّا إلى اللَّهِ وَحْدَه؛ فهو كاشِفُ الضُّرِّ والبَلاءِ، وأعلَمُ مِن رَحمةِ اللَّهِ وفَرَجِه ما لا تَعلَمونَه. وقال لأبنائِه: عُودُوا إلى مِصرَ، فاستَقْصُوا أخبارَ يوسُفَ وأخيه، ولا تَقنَطوا مِن رَحمةِ اللَّهِ؛ إنَّه لا يَقنَطُ مِن رَحمةِ اللَّهِ إلَّا الجاحِدونَ لقُدرتِه، الكافِرونَ به.

تفسير الآيات:


ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81).
ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ.
أي: قال أكبرُ أولادِ يَعقوبَ لإخوتِه: ارجِعوا إلى أبيكم يَعقوبَ، فقولوا له: يا أبانا، إنَّ ابنَك الَّذي أرسلْتَه معنا سرَقَ صُواعَ الملِكِ، وأُخِذَ بجِنايتِه [959] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/287)، ((الوسيط)) للواحدي (2/626)، ((تفسير الخازن)) (2/547)، ((تفسير السعدي)) (ص: 403). قال ابنُ كثيرٍ: (أمَرَهم أن يُخبِروا أباهم بصُورةِ ما وقَعَ؛ حتَّى يكون عذرًا لهم عنده، ويَتنصَّلوا إليه، ويَبْرَؤوا ممَّا وقَعَ بقولِهم). ((تفسير ابن كثير)) (4/304). .
وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا.
أي: وما شَهِدْنا عِندَكَ- يا أبانا- بأنَّ ابنَك سرَقَ إلَّا بما رأيْنا؛ مِنِ استخراجِ الصُّواعِ مِن رَحْلِه [960] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/290)، ((الوسيط)) للواحدي (2/626)، ((تفسير ابن عطية)) (3/270)، ((تفسير السعدي)) (ص: 403). .
وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ.
أي: وما كنَّا لِمَا غاب عنَّا عالِمينَ؛ فلم نَدْرِ أنَّ ابنَك سيَسرِقُ الصُّواعَ، ويُسْتَرَقُّ عند الملِكِ [961] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/289)، ((تفسير ابن عطية)) (3/270)، ((تفسير السعدي)) (ص: 403)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/40). .
وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82).
وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا.
أي: وقولوا لأبيكم: وإنْ كنْتَ لا تُصَدِّقُنا فيما أخبرْناك به مِن سَرِقةِ ابنِك للصُّواعِ، فاسألْ أهلَ مِصْرَ الَّتي كنَّا فيها؛ ليَتبيَّنَ لك صِدْقُنا [962] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/290)، ((الوسيط)) للواحدي (2/626)، ((تفسير القرطبي)) (9/246)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (24/210)، ((تفسير السعدي)) (ص: 403). .
وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا.
أي: واسألْ أصحابَ القافِلةِ الَّتي جِئْنا معها ورافَقْناها؛ فسيُصَدِّقونَنا فيما أخبرْناكَ [963] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/290)، ((تفسير أبي السعود)) (4/301)، ((تفسير القاسمي)) (6/208). .
وَإِنَّا لَصَادِقُونَ.
أي: وإنَّا لصادِقونَ فيما أخْبَرناكَ به مِن سَرِقةِ ابنِك صُواعَ الملِكِ، واسترقاقِه بسَببِ سرِقَتِه، ولم نَكذِبْ عليك [964] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/290)، ((تفسير ابن كثير)) (4/404)، ((تفسير السعدي)) (ص: 403). .
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83).
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا.
أي: قال يَعقوبُ لأبنائِه: ليس الأمرُ كما ادَّعيْتُم، بل زَيَّنَتْ لكم أنفُسُكم أمْرًا أردْتُموه بأخيكم غيرَ ما تقولون [965] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/292)، ((تفسير ابن عطية)) (3/271)، ((تفسير القرطبي)) (9/246). .
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا.
أي: قال يَعقوبُ عليه السَّلامُ لهم: فصَبْري على فَقْدِ أبنائي صَبرٌ جميلٌ، لا جَزَعَ فيه، ولا شَكوَى إلى الخلْقِ؛ عسى اللَّهُ أنْ يَرُدَّ عليَّ أبنائي الغائبينَ جميعًا: يوسُفَ وأخويه [966] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/292)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/666)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404). .
إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.
أي: إنَّ اللَّهَ هو العَليمُ بحالي، الحَكيمُ في أفعالِه وقَضائِه وتَدبيرِ خَلْقِه [967] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/292)، ((تفسير القرطبي)) (9/247)، ((تفسير ابن كثير)) (4/405). .
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84).
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ.
أي: وأعرَضَ يَعقوبُ عليه السَّلامُ عن أبنائِه بعدَ أنْ أخبَرَوه بما جدَّدَ حُزنَه القديمَ، وقال: يا شِدَّةَ حُزْني على وَلدِي يوسُفَ [968] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/293)، ((تفسير القرطبي)) (9/247، 248)، ((تفسير ابن كثير)) (4/405)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404). !
وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ.
أي: وابيضَّتْ عَيْنَا يَعقوبَ عليه السَّلامُ مِن شدَّةِ الحُزنِ الَّذي أوْجَبَ له كثرَةَ البُكاءِ؛ فقلبُه مملوءٌ مِن الحُزنِ، وهو كاتمٌ له لا يُظهِرُه [969] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/293)، ((تفسير القرطبي)) (9/249)، ((تفسير الخازن)) (2/549)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404). قال ابنُ عطيَّةَ: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ أي: مِن مُلازمةِ البُكاءِ الَّذي هو ثمرَةُ الحُزنِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/272). وقال الزَّمخشريُّ: (إذا كثُرَ الاستِعْبارُ مَحَقَتِ العَبرةُ سَوادَ العينِ وقَلَبَتْه إلى بياضٍ كَدِرٍ؛ قيل: قد عَمِيَ بصرُه، وقيل: كان يُدرِكُ إدراكًا ضعيفًا). ((تفسير الزمخشري)) (2/497). قال أبو حيَّان: (الظَّاهرُ أنَّه كان عَمِيَ؛ لقولِه: فَارْتَدَّ بَصِيرًا [يوسف: 96]). ((تفسير أبي حيان)) (6/314). .
قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85).
قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ.
أي: قال أبناءُ يَعقوبَ لأبيهم مُتعجِّبينَ مِن حالِه: واللَّهِ، لا تَزالُ تَذكُرُ يوسُفَ ولا تنساه [970] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/298)، ((تفسير ابن عطية)) (3/272)، ((تفسير أبي حيان)) (6/314)، ((تفسير ابن كثير)) (4/405)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404). !
حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا.
أي: لا تزالُ تَذكُرُ يوسُفَ دائمًا، حتَّى يَضْعُفَ جِسمُك وعقلُك، وتقارِبَ الهلاكَ مِن شدَّةِ الحُزنِ عليه [971] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/300، 301)، ((تفسير ابن عطية)) (3/273)، ((تفسير ابن كثير)) (4/405)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404). !
أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ.
أي: أو تكونَ ممَّن هلَكَ بالموتِ [972] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/304)، ((تفسير ابن عطية)) (3/273)، ((تفسير القرطبي)) (9/251)، ((تفسير ابن كثير)) (4/405)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404). قال الماورديُّ: (أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ يعني: ميِّتًا مِن الميِّتين، قاله الجميعُ). ((تفسير الماوردي)) (3/70). !
قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (86).
قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ.
أي: قال يعقوبُ رادًّا على أَبنائِه: إنَّما أشْكو همِّي وحُزْني إلى اللَّهِ وحْدَه، لا إلى خَلْقِه [973] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/305، 306)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 557)، ((تفسير ابن كثير)) (4/406)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/45). وقال ابنُ عاشور: (والبثُّ: الهمُّ الشَّديدُ، وهو التَّفكيرُ في الشَّيءِ المُسيءِ. والحزنُ: الأسَفُ على فائتٍ. فبينَ الهمِّ والحزنِ العمومُ والخصوصُ الوجهيُّ، وقد اجْتَمَعا ليعقوبَ عليه السَّلامُ؛ لأنَّه كان مهتمًّا بالتَّفكيرِ في مصيرِ يُوسفَ عليه السَّلامُ، وما يعترضُه مِن الكربِ في غُربتِه، وكان آسِفًا على فِراقِه). ((تفسير ابن عاشور)) (13/45). وقال الشوكاني: (البثُّ...: أعظمُ الحزنِ وأصعبُه، وقيلَ: البثُّ: الهمُّ، وقيلَ: هو الحاجَةُ، وعلى هذا القولِ يكونُ عطفُ الحزنِ على البثِّ واضحُ المعنَى. وأمَّا على تفسيرِ البثِّ بالحزنِ العظيمِ، فكأنَّه قال: إنَّما أشْكو حزنِي العظيمَ وما دونَه مِنَ الحزنِ إِلى اللَّهِ لا إِلى غيرِه مِنَ النَّاسِ). (( تفسير الشوكاني)) (3/59). .
وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.
أي: وأعلَمُ مِن عِندِ اللَّهِ عِلْمًا عَلَّمَنِيهِ لا تَعلمونَه أنتم [974] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/307)، ((تفسير السمعاني)) (3/58)، ((تفسير الزمخشري)) (2/499)، ((تفسير ابن كثير)) (4/406)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/45). قال ابنُ عطية: (يحتملُ أنَّه أشارَ إلى حُسنِ ظنِّه باللهِ، وجميلِ عادةِ الله عندَه، ويحتملُ أنَّه أشارَ إلى الرُّؤيا المنتظرةِ [أي: الرُّؤيا التي رآها يوسفُ عليه السلامُ]). ((تفسير ابن عطية)) (3/274)، وقيل غيرُ ذلك. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/466). .
يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
أنَّه لَمَّا أَخبرَ يَعقوبُ عليه السَّلامُ بَنِيه أنَّ عِلْمَه فوقَ عِلمِهم، أَتْبَعَه استِئنافًا ما يدُلُّ عليه، فقال لهم [975] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/203). :
يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ.
أي: قال يَعقوبُ عليه السَّلامُ لأبنائِه: يا بَنِيَّ، اذْهَبوا إلى مِصْرَ، فاجتَهِدوا في الْتِماسِ يوسُفَ وأخيه، وتَعرَّفوا خبرَهما [976] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/314)، ((تفسير ابن عطية)) (3/274)، ((تفسير ابن كثير)) (4/406)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404). قال القُرطبيُّ: (قيل: إنَّ يَعقوبَ تَنبَّهَ على يُوسفَ بِرَدِّ البِضاعةِ، واحتباسِ أخيه، وإظهارِ الكَرامةِ؛ فلذلك وجَّهَهم إلى جِهةِ مصرَ دون غيرِها). ((تفسير القرطبي)) (9/252). .
وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ.
أي: ولا تَقنَطُوا مِن فرَجِ اللَّهِ ورَحمتِه؛ وأنَّه سيروِّحُ عنَّا ما نحن فيه مِن الكَرْبِ والشِّدَّةِ [977] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/314)، ((البسيط)) للواحدي (12/225)، ((تفسير القرطبي)) (9/252)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404). .
إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ.
أي: إنَّه لا يَقنَطُ مِن فَرَجِ اللَّهِ، ويقطَعُ رَجاءَه من رَحمتِه إلَّا القومُ الَّذين يَجْحَدون قُدرتَه، ويَستبعِدُون رَحمتَه [978] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/314)، ((تفسير ابن كثير)) (4/406)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/46). .

الفوائد التربوية:

1- قولُه تعالى عن يعقوبَ في أوَّلِ ما صنَعَ أبناؤه بأخيهم يوسُفَ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ يوسف: 18، وقَولُه عندما اشتدَّ به الأمرُ حين احتُبِسَ الابنُ الآخَرُ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ فيه دليلٌ على أنَّ أصفياءَ الله إذا نزلت بهم الكوارِثُ والمُصيباتُ قابلوها في أوَّلِ الأمرِ بالصَّبرِ والاستعانةِ بالمَولى، وعندما ينتهي وتبلُغُ الشِّدَّةُ مُنتهاها، يُقابِلونَها بالصَّبرِ والرَّجاءِ، والطَّمَعِ في الفرَجِ، فيوفِّقُهم اللهُ للقيامِ بعُبوديَّتِه في الحالتينِ، ثم إذا كُشِفَ عنهم البَلاءُ قابلوا ذلك بالشُّكرِ والثَّناءِ على اللهِ، وزيادةِ المعرفةِ بلُطفِه لِقَولِ يوسُفَ عليه السَّلامُ: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [979] يُنظر: ((فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام)) للسعدي (ص: 56). يوسف: 100.

2- قال اللَّهُ تعالى حاكيًا قولَ يَعقوبَ عليه السَّلامُ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا؛ فالواجِبُ على كلِّ مسلِمٍ إذا أُصيبَ بمَكروهٍ في نفْسِه أو ولدِه أو مالِه؛ أنْ يَتلقَّى ذلك بالصَّبرِ الجميلِ، والرِّضا والتَّسلِيمِ لِمُجْريهِ عليه، وهو العَليمُ الحَكيمُ، ويَقتدِيَ بنَبِيِّ اللَّهِ يعقوبَ وسائِرِ النَّبِيِّينَ، صلواتُ اللَّهُ عليهم أجمعين [980] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/247). .

3- إذا اشتكَى العبدُ إلى ربِّه ما نزَلَ به مِنَ الضُّرِّ، وسألَه إزالتَه؛ لم يَكُنْ مَذْمُومًا على ذلك باتِّفاقِ المُسلمين؛ فالشَّكْوَى إلى اللَّهِ لا تُنافي الصَّبْرَ، بلِ الشَّكْوَى إلى الخَلْقِ هي التي قد تُنافي الصَّبْرَ؛ فإِنَّ يَعقوبَ عليه السَّلامُ قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، وقال: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [981] يُنظر: ((جامع المسائل)) لابن تيمية (4/73). ، فالصبرُ الجميلُ هو الذي لا شكوَى معه، ولا تنافيه الشَّكوى إلى الله سبحانَه وتعالى [982]  يُنظر: ((عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين)) لابن القيم (ص: 51). .
  
4- قال الله تعالى: قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ شكا إلى اللهِ، ولم يشْكُ مِن اللهِ، ومَن شَكا إلى اللهِ وصَلَ، ومن شكا من اللهِ انفَصَل، ويُقال: لَمَّا شكا إلى الله وجَدَ الخَلَف من اللهِ [983] يُنظر: ((تفسير القشيري)) (2/200). .

5- إنَّ اللَّهَ تعالى إذا شاءَ تَفْريجَ كُربةٍ هيَّأَ لها أسبابَها، ومَن كان يؤمِنُ بأنَّ اللَّهَ واسعُ القُدرةِ لا يُحيلُ مثلَ ذلك، فحَقُّهُ أنْ يأخُذَ في سَببِه ويَعتمِدَ على اللَّهِ في تَيسيرِه، وأمَّا القومُ الكافِرونَ باللَّهِ فهم يَقتصِرون على الأمورِ الغالِبةِ في العادةِ، ويُنكِرون غيرَها [986] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/46). .

6- إذا اشْتَدَّ الكَرْبُ وعَظُمَ الخَطْبُ؛ كان الفَرَجُ حِينئذٍ قريبًا في الغالِبِ، ومِن لَطائِفِ أَسرارِ اقتِرانِ الفَرَجِ باشْتِدادِ الكَرْبِ: أنَّ الكَرْبَ إذا اشْتَدَّ وعَظُمَ وتَناهَى، وُجِدُ الإياسُ مِن كشْفِه مِن جِهةِ المخلوقِ، ووقَعَ التَّعَلُّقُ بالخالِقِ وحدَه، ومَنِ انقَطَعَ عنِ التَّعَلُّقِ بالخَلائقِ، وتَعَلَّقَ بالخالقِ؛ استجاب اللَّهُ له، وكَشَفَ عنه؛ فإنَّ التَّوَكُّلَ هو قَطْعُ الاستشرافِ باليأْسِ مِنَ المخلوقينَ، وقد أخبر الله تعالى عن يعقوبَ عليه السلامُ أنَّه لم ييأسْ مِن لقاءِ يوسفَ، وقال لإخوتِه: اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وقال: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا [987] يُنظر: ((مجموع رسائل ابن رجب)) (3/173). .

7- قولُ اللَّهِ تعالى: إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ يَدُلُّ على أنَّه بحسَبِ إيمانِ العبدِ يَكونُ رَجاؤُهُ لرَحمةِ اللَّهِ ورَوْحِه [988] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 404). .

8- قولُ اللَّهِ تعالى: إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ فيه أنَّ اليأْسَ مِن رحمةِ اللَّهِ مِنَ الكبائرِ [989] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 156). .

9- إيمانُ المُؤمنِ يَظهَرُ عندَ الابتِلاءِ؛ فهو يُبالِغُ في الدُّعاءِ، ولا يَرَى أثرًا للإجابةِ، ولا يَتغَيَّرُ أملُه ورَجاؤُه ولو قَوِيَتْ أسبابُ اليأْسِ؛ لعِلْمِه أنَّ الحقَّ أعلمُ بالمصالِحِ، أو لأنَّ المرادَ مِنْه الصَّبرُ أوِ الإيمانُ؛ فإنَّه لم يَحْكُمْ عليه بذلك إلَّا وهو يُريدُ مِنَ القلْبِ التَّسليمَ؛ ليَنْظُرَ كيف صبرُه، أو يُريدُ كثرةَ اللَّجَأِ والدُّعاءِ، فأمَّا مَن يُريدُ تَعْجيلَ الإجابةِ، ويَتَذمَّرُ إنْ لم تتعَجَّلْ فذاك ضعيفُ الإيمانِ، ويَرَى أنَّ له حقًّا في الإجابةِ، وكَأَنَّه يَتَقاضى أُجْرَةَ عَمَلِهِ، فيَعقوبُ عليه السَّلامُ بقِيَ سنينَ في البَلاءِ، ورجاؤُه لا يَتغَيَّرُ، فلَمَّا ضُمَّ إلى فَقْدِ يوسُفَ فَقْدُ بِنْيامينَ لم يتغيَّرْ أمَلُه، وقال: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا يوسف: 83. وقد كَشَفَ هذا المعنى قولُه تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ البقرة: 214، ومعلومٌ أنَّ هذا لا يَصْدُرُ مِنَ الرَّسولِ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والمؤمنينَ إلَّا بعد طُولِ البَلاءِ، وقُرْبِ اليأْسِ منَ الفرَجِ؛ فإيَّاكَ إيَّاكَ أنْ تَسْتَطِيلَ زمانَ البَلاءِ، وتَضْجَرَ مِن كثْرةِ الدُّعاءِ؛ فإنَّك مَبْتلًى بالبَلاءِ، مُتَعَبَّدٌ بالصَّبرِ والدُّعاءِ، ولا تَيئَسْ مِن رَوْحِ اللَّهِ وإنْ طالَ البَلاءُ [990] يُنظر: ((صيد الخاطر)) لابن الجوزي (ص: 438). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قولُ اللَّهِ تعالى: وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا فيه أنَّه لا يَجوزُ للإنسانِ أنْ يَشهَدَ إلَّا بما عَلِمَه وتَحَقَّقَه؛ إِمَّا بمُشاهَدَةٍ، أو خَبَرِ مَن يَثِقُ به، وتَطمئِنُّ إليه النَّفْسُ [991] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 407). .
2- قولُ اللَّهِ تعالى: وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا تَضَمَّنَتْ هذه الآيةُ جَوازَ الشَّهادةِ بأيِّ وَجْهٍ حَصَلَ العِلْمُ بها؛ فإنَّ الشَّهادةَ مُرتبِطَةٌ بالعِلْمِ عقلًا وشرعًا؛ فلا تُسْمَعُ إلَّا ممَّنْ عَلِمَ، ولا تُقْبَلُ إلَّا منهم، وهذا هو الأصلُ في الشَّهاداتِ [992] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/245). .
3- قولُ اللَّهِ تعالى: وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا فيه رَدٌّ على مَن أجازَ الشَّهادةَ على الكِتابةِ بلا عِلْمٍ ولا تَذَكُّرٍ، وعلى مَن سمِعَ كلامًا مِن وراءِ حِجابٍ؛ لِعَدَمِ العِلْمِ فيه [993] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 156). .
4- قولُ اللَّهِ تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ استَدَلَّ به مَن أجازَ شَهادةَ الرُّفْقَةِ- وإنْ لم يكونوا عُدولًا- فيما يَختصُّ بمُعاملاتِ السَّفَرِ [994] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 156). .
5- قولُ اللَّهِ تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ في هذه الآيةِ مِنَ الفِقهِ: أنَّ على كلِّ مَن كان على حَقٍّ، وعَلِمَ أنَّه قد يُظَنُّ به أنَّه على خِلافِ ما هو عليه، أو يُتَوَهَّمُ- أنْ يَرفَعَ التُّهْمَةَ وكُلَّ رِيبةٍ عن نَفْسِه، ويُصَرِّحَ بالحَقِّ الَّذي هو عليه؛ حتَّى لا يبقَى لأحدٍ مُتَكَلَّمٌ [995] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/246). .
6- قال اللَّهُ تعالى حاكيًا عن يَعقوبَ عليه السَّلامُ: قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ظَنَّ بهم سُوءًا، فصَدَقَ ظَنُّهُ في زَعمِهم في يوسُفَ عليه السَّلامُ، ولَمْ يتحَقَّقْ ما ظَنَّهُ في أمْرِ أخيه، أي: أخطَأَ في ظَنِّهِ بهم في قَضيةِ أخي يوسُفَ، ومُسْتَنَدُه في هذا الظَّنِّ عِلْمُه أنَّ ابنَه لا يَسرِقُ؛ فعَلِمَ أنَّ في دَعْوَى السَّرِقةِ مَكِيدةً، فظَنُّهُ صادِقٌ على الجُمْلةِ لا على التَّفْصيلِ، وأمَّا تُهْمَتُه أبناءَه بأنْ يَكونوا تَمَالَؤُوا على أخيهم، فهو ظَنٌّ مُسْتَنِدٌ إلى القِياسِ على ما سبَقَ مِن أمرِهِم في قَضيَّةِ يوسُفَ عليه السَّلامُ؛ فإنَّه كان قال لهم: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ يوسف: 64، ويَجوزُ على النَّبيِّ الخطَأُ في الظَّنِّ في أُمورِ العاداتِ [996] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/41). .
7- قال اللَّهُ تعالى: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ أشرفُ أعضاءِ الإنسانِ هذه الأعضاءُ الثَّلاثةُ المشارِ إليها في هذِه الآيةِ، وهِي: اللِّسانُ والعينُ والقلبُ، وقد بَيَّن اللهُ تعالى أنَّها كانتْ غَريقةً في الغَمِّ: فاللِّسانُ كان مَشغولًا بقولِه: يَا أَسَفَى، والعَيْنُ بالبُكاءِ والبَياضِ، والقلْبُ بالغَمِّ الشَّديدِ الَّذي يُشْبِهُ الوِعاءَ المملوءَ الَّذي شُدَّ، ولا يُمكِنُ خُروجُ الماءِ منه، وفي هذا مُبالَغةٌ في وَصْفِ ذلك الغَمِّ [997] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (18/499). .
8- قال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ: (لم يَكُنْ عندَ يَعقوبَ ما في كِتابِنا مِنَ الاسْتِرْجاعِ، ولو كان عِندَه لَمَا قال: يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) [998] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/248). .
9- في قولِه تعالى: يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ، إنْ قيل: هذا لَفْظُ الشَّكْوَى فأينَ الصَّبرُ؟ فالجوابُ مِن وجهيْنِ:
أحدُهما: أنَّه شَكَا إلى اللَّهِ لا مِنْه.
الثَّاني: أنَّه أرادَ به الدُّعاءَ؛ فالمعْنَى: يا رَبِّ ارْحَمْ أَسَفِي على يوسُفَ [999] يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/463)، ((الآداب الشرعية)) لابن مفلح (2/183). .
10- في قولِه تعالى: قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ حُجَّةٌ في أنَّ المحبَّةَ والشَّوقَ يُبْلِيَانِ ويُهْلِكانِ [1000] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/624). .
11- قولُه: قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ تَفْتَأُ أي: لا تفْتَأُ، فحَذَفَ (لا)؛ لأنَّ القَسَمَ إذا لم يكُنْ معه علاماتُ الإثباتِ كان على النَّفْيِ [1001] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/174). قال ابن جرير: (وَحُذِفَتْ (لَا) أو (ما) مِنْ قَوْلِهِ تَفْتَأُ وهيَ مُرادَةٌ في الكَلامِ؛ لأنَّ اليمينَ إذا كان ما بعدها خبرًا لم يَصحَبْها الجحدُ، ولم تسقطِ اللام التي يُجاب بها الأيمان، وذلك كقول القائل: والله لآتينك، وإذا كان ما بعدها مجحودًا تلقيت بـ (ما) أو بـ (لا)، فلمَّا عُرِف موقعُها حُذفت من الكلامِ؛ لمعرفة السامِع بمعنى الكلام). ((تفسير ابن جرير)) (13/299). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ
- قولُه: وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ فيه احتِراسٌ مِن تَحقُّقِ كونِه سرَقَ؛ وهو إمَّا لقصْدِ التَّلطُّفِ مع أبيهم في نِسبةِ ابنِه إلى السَّرِقةِ، وإمَّا لأنَّهم عَلِموا مِن أمانةِ أخيهم ما خالجَهُم به الشَّكُّ في وُقوعِ السَّرِقةِ منه [1002] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/40). .
2- قوله تعالى: قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
- قولُه: قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ استِئنافٌ مَبْنيٌّ على سُؤالٍ نَشَأَ ممَّا سبَقَ، فكأنَّه قيل: فماذا كان عندَ قَوْلِ المتَوَقِّفِ لإخوتِه ما قال؟ فقيل: قال يَعقوبُ عليه السَّلامُ عِندَما رجَعوا إليه، فقالوا له ما قالوا [1003] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/173). ؛ فهو في صُورةِ الجَوابِ عنِ الكلامِ الَّذي لقَّنَه أخوهم على طَريقةِ الإيجازِ [1004] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/41). ، والقائلُ هنا هو يعقوبُ عليه السَّلامُ؛ وإنَّما حُذِفَ للإيذانِ بأنَّ مُسارَعَتَهم إلى قَبولِه، ورُجوعَهم به إلى أبيهم أمْرٌ مُسَلَّمٌ غَنِيٌّ عنِ البَيانِ، وإنَّما المُحْتاجُ إليه جوابُ أبيهم [1005] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/301). .
- وبلْ للإضْرابِ؛ فيقْتَضي كلامًا مَحْذوفًا قبلَها حتَّى يَصِحَّ الإضرابُ فيها، وتقديرُه: (ليس الأمْرُ حَقيقةً كما أخْبَرتُم، بَلْ سَوَّلَتْ...) [1006] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/313). .
3- قوله تعالى: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
- قولُه: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ إنَّما تأسَّفَ على يُوسُفَ وحْدَه دونَ أخَوَيه- بِنيامينَ والقائِلِ: لَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ- والحادِثُ رُزْؤُهما؛ لأنَّ رُزْأَ يُوسُفَ كان قاعِدةَ المصيباتِ، وأصْلَ الرَّزايا عندَه؛ إذ تَرَتَّبَتْ عليه، وكان غَضًّا عندَه، وإنْ تقادَمَ عَهدُهُ، آخِذًا بمَجامِعِ قَلْبِه لا يَنْساهُ، وهو الَّذي لا يَعلَمُ أحيٌّ هو أم ميِّتٌ، بخِلافِ أَخويهِ؛ فقد كان واثقًا بحياتِهما دونَ حياتِه، عالِمًا بمكانِهما، طامِعًا في إيابِهما، وأمَّا يوسُفُ فلم يكُنْ في شأْنِه ما يُحرِّكُ سِلْسِلةَ رَجائِه سِوى رَحمةِ اللَّهِ تعالى وفَضْلِه، ولأنَّ يوسُفَ كان أحَبَّ أولادِه إليه، وكان دائمًا يذْكُرُه ولا ينْساهُ [1007] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/173، 174)، ((تفسير أبي حيان)) (6/314)، ((تفسير أبي السعود)) (4/301). . وقيل: إنَّما ذكَرَ القُرآنُ تَحسُّرَه على يُوسُفَ عليه السَّلامُ ولم يَذْكُرْ تَحسُّرَه على ابنَيْهِ الآخَرَيْنِ؛ لأنَّ ذلك التَّحسُّرَ هو الَّذي يَتعلَّقُ بهذه القِصَّةِ؛ فلا يقْتَضي ذِكْرُه أنَّ يعقوبَ عليه السَّلامُ لم يَتحسَّرْ قطُّ إلَّا على يُوسُفَ [1008] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/42). .
- وقولُه: يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ فيه تَعْريضٌ بدُعاءِ اللَّهِ أنْ يُزيلَ أسَفَه بِرَدِّ يوسُفَ عليه السَّلامُ إليه [1009] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/44). .
وفيه تَجانُسٌ بين لفظتَيِ (الأَسَفِ) و(يوسُفَ)، وهو مُسْتَمْلَحٌ وبَديعٌ؛ لأنَّه غيرُ مُسْتَعملٍ وغيرُ مُتَكلَّفٍ، ويُسمَّى هذا تَجْنيسَ التَّصريفِ؛ وهو أنْ تنْفرِدَ كُلُّ كلمةٍ مِن الكَلِمتَينِ عنِ الأُخرى بحَرْفٍ [1010] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/496)، ((تفسير أبي حيان)) (6/314)، ((تفسير أبي السعود)) (4/301). .
- قولُه: وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ فيه تعليلُ الابْيِضاضِ بالحُزْنِ، وإنَّما هو مِن البُكاءِ المتَوالي، وهو ثمرةُ الحزنِ؛ فعلَّلَ بالأصلِ الَّذي نشَأَ منه البُكاءُ وهو الحزنُ [1011] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/314). ؛ فابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ كِنايةٌ عن عَدَمِ الإبصارِ، والحُزْنُ هو السَّببُ لعَدَمِ الإبصارِ [1012] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/43). .
- قولُه: فَهُوَ كَظِيمٌ، كَظِيمٌ على وزنِ (فَعيل) بمعنى (مَفْعول)، أي: مملوءٌ مِن الغَيظِ على أولادِه، مُمْسِكٌ له في قَلْبِه لا يُظْهرُه، ولا يُظْهرُ ما يَسوؤُهم؛ بدليلِ قولِه تعالى: وَهُوَ مَكْظُومٌ القلم: 48، مِن: كَظَمَ السِّقاءَ؛ إذا سدَّه بعدَ مَلْئِه، أو هو مُبالغةٌ للكاظِمِ؛ (فَعيل) بمعنى (فاعل)، وهو الظَّاهرُ اللَّائقُ بحالِ يَعقوبَ، أي: شَديدُ الكَظْمِ، كما قال تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ آل عمران: 134، ولَمْ يَشْكُ يعقوبُ إلى أحدٍ، وإنَّما كان يَكْتُمُه في نفْسِه، ويُمْسِكُ همَّه في صدْرِه، فكانَ يكْظِمُه، أي: يرُدُّه إلى قلْبِه، ولا يرْسِلُه بالشَّكْوى والغضَبِ والضَّجَرِ [1013] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/498)، ((تفسير البيضاوي)) (3/174)، ((تفسير أبي حيان)) (6/314)، ((تفسير أبي السعود)) (4/302)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/43). .
4- قوله تعالى: قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ
- قولُه: قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ فيه فنٌّ مِن فُنونِ البَلاغةِ يُسمَّى بائتِلافِ اللَّفظِ مع المعْنَى، وهو تلاؤُمُ ألفاظِ المعْنَى الْمُرادِ بعضِها مع بعضٍ ليس فيها لفظةٌ نابِيةٌ أو قَلِقَةٌ عن أخواتِها بحيثُ يُمْكِنُ استبدالُها، وفي هذا يُلاحظُ أشياءُ ثلاثةٌ؛ وهي: اختيارُ الألفاظِ الْمُفرَدةِ، ونظْمُ كلِّ كَلِمةٍ مع أخْتِها الْمُشاكِلَةِ لها، والغرَضُ المَقْصودُ مِن ذلك الكلامِ على اختلافِ أنواعِه؛ فالألفاظُ تنْقَسِمُ في الاستِعمالِ إلى جَزْلَةٍ ورَقيقةٍ، ولكلٍّ منها مواضِعُ يَحْسُنُ استِعْمالُها فيه؛ فالجَزْلُ يُسْتَعْمَلُ في مواقفِ الشِّدَّةِ وقَوارعِ التَّهديدِ والتَّخويفِ، والرَّقيقُ يُسْتَعْمَلُ في وَصْفِ تَباريحِ الأشواقِ، ولَوْعةِ الفِراقِ، وهذه الآيةُ مِن أرْوعِ الأمثلةِ على ذلك؛ فإنَّه سبحانه لَمَّا أَتَى بأغْربِ ألفاظِ القَسَمِ بالنِّسبةِ إلى أخواتِها وهي التَّاءُ؛ لأنَّ الواوَ والباءَ أكثرُ دَوَرانًا على الألْسِنةِ منها، أتَى سبحانه بأغْربِ صِيَغِ الأفعالِ النَّاقصةِ الَّتي ترفَعُ الأسماءَ وتنصِبُ الأخبارَ بالنِّسبةِ إلى أخواتِها وهي (تفْتَأُ)، وحذَفَ منها حرْفَ النَّفْيِ؛ زِيادةً في الإغْرابِ، ولأنَّ الْمَقامَ لا يَلْتَبِسُ بالإثباتِ، وكذلك لفظةُ حَرَضًا أغْربُ مِن جميعِ أخواتِها مِن ألْفاظِ الهَلاكِ؛ فاقْتَضى حُسْنُ النَّظْمِ وحُسْنُ الوضْعِ فيه أنْ تُجاوَرَ كلُّ لَفظةٍ بلَفظةٍ مِن جِنْسِها في الغَرابةِ والاستعمالِ؛ تَوَخِّيًا لحُسْنِ الجِوارِ، ورَغبةً في ائتلافِ المعاني بالألفاظِ، ولتَتَعادلَ الألفاظُ في الوضْعِ، وتتناسَبَ في النَّظْمِ [1014] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/37- 40). .
- وفي جَعْلِهم الغايةَ الحَرَضَ أوِ الهلاكَ بقولِهم: حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ تَعْريضٌ بأنَّه يَذكُرُ أمْرًا لا طَمَعَ في تَدارُكِه [1015] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/44). .
5- قوله تعالى: قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
- جُملةُ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ مُفيدةٌ قَصْرَ شَكْواه على التَّعلُّقِ باسمِ اللَّهِ، أي: يَشْكو إلى اللَّهِ لا إلى نفْسِه ليُجَدِّدَ الحُزْنَ [1016] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/44). .
- قولُه: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ أَعقَبَ به كلامَه؛ ليُنَبِّهَهم إلى قُصورِ عُقولِهم عن إدراكِ المقاصِدِ العالِيةِ؛ ليعْلَموا أنَّهم دُونَ مَرتبةِ أنْ يُعَلِّموه أو يَلُوموه، أي: أنا أعْلَمُ عِلْمًا مِن عند اللَّهِ علَّمَنيهِ لا تعْلَمونَه، وهو عِلْمُ النُّبوَّةِ، وفي هذا تَعْريضٌ برَدِّ تَعَرُّضِهم بأنَّه يَطمَعُ في الْمُحالِ بأنَّ ما يَحْسَبونَه مُحالًا سيقَعُ [1017] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/45). .
6- قوله تعالى: يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ
- جُملةُ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا مُسْتَأْنَفَةٌ استئنافًا بَيانِيًّا؛ لأنَّ في قولِه: أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ما يُثيرُ في أنفُسِهم ترقُّبَ مُكاشَفَتِه على كَذِبِهم، وفي خِطابِهم بوَصْفِ البُنوَّةِ منه تَرْقيقٌ لهم وتلطُّفٌ؛ ليكونَ أبْعَثَ على الامتِثالِ [1018] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/45، 46). .
- قولُه: فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وإنَّما خصَّهما؛ لأنَّ الثَّالثَ الَّذي أقام وقال: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ إنَّما أقام مُختارًا؛ فكانتْ غَيبتُه اختِياريَّةً لا يعسُرُ إزالتُها [1019] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/315)، ((تفسير أبي السعود)) (4/302). .
- قولُه: إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ تعليلٌ للنَّهْيِ عنِ اليأْسِ بقولِه: وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ؛ فموقِعُ (إنَّ) التَّعليلُ، والمَعْنَى: لا تَيئَسوا مِنَ الظَّفَرِ بيوسُفَ عليه السَّلامُ مُعْتَلِّينَ بطُولِ مُدَّةِ البُعدِ الَّتي يَبعُدُ معها اللِّقاءُ عادةً [1020] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/46). .