موسوعة التفسير

سُورةُ يُوسُفَ
الآيات (88- 93)

ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ

غريب الكلمات:


مَسَّنَا: أي: أصابَنا، والمسُّ يقال في كلِّ ما يَنالُ الإنسانَ مِن أذًى، وأصلُ (مسس): يدلُّ على جَسِّ الشَّيْءِ باليَدِ [1021] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/271)، ((المفردات)) للراغب (ص: 767)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 83). .
مُزْجَاةٍ: أي: قليلةٍ رَديئةٍ، ومَردودةٍ مَدفوعةٍ غيرِ مقبولةٍ؛ مِن الإزجاءِ: وهو الطَّردُ والسَّوقُ والدَّفعُ، وأصلُ (زجي): يدلُّ على الرَّميِ بالشَّيْءِ [1022] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 222)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 441)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/48)، ((البسيط)) للواحدي (12/229)، ((المفردات)) للراغب (ص: 378)، ((تفسير الزمخشري)) (1/1221) . .
آثَرَكَ: أي: فَضَّلَكَ، وأَصْلُ (أَثَرَ): تَقديمُ الشَّيْءِ [1023] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/329)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 66)، ((المفردات)) للراغب (ص: 62)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/53). .
تَثْرِيبَ: أي: تَعْييرَ وتَوْبيخَ وتَأنيبَ، وأصلُ التَّثْريب: يدلُّ على اللَّومِ، والأخذِ على الذَّنبِ [1024] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 222)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 144)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/375)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 176)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 977). .

المعنى الإجمالي:


يخبر الله تعالى أنَّ إخوةَ يوسُفَ لما رجَعوا إلى مِصْرَ، ودخَلوا على يوسُفَ، قالوا: يا أيُّها العزيزُ، أصابَنا وأهْلَنا القَحْطُ والجَدْبُ، وجِئْناكَ بثَمنٍ رَديءٍ قليلٍ، فأعْطِنا به ما كُنتَ تُعطِينا مِن قَبلُ بالثَّمَنِ الجَيِّدِ، وتصدَّقْ عليْنا بقَبضِ هذه الدَّراهمِ الْمُزجاةِ وتَجوَّزْ فيها؛ إنَّ اللَّهَ تعالى يُثيبُ المتفَضِّلينَ بأموالِهم على المحتاجينَ، فلَمَّا سمِعَ مَقالتَهم رَقَّ لهم، وعرَّفَهم بنَفْسِه، وقال: هلْ تذكُرونَ الَّذي فعَلْتُموه بيوسُفَ وأخيه مِنَ الأذَى في حالِ جَهْلِكم بعاقبةِ ما تَفعلونَ؟ قالوا: أإنَّكَ لَأنتَ يوسُفُ؟! قال: نَعَمْ، أنا يوسُفُ، وهذا شَقيقي، قد تفضَّل اللَّهُ علينا، فجَمَعَ بيْننا بعدَ الفُرقةِ؛ إنَّه مَن يتَّقِ اللَّهَ، ويَصبِرْ على المِحَنِ؛ فإنَّ اللَّهَ لا يُذهِبُ ثوابَ إحسانِه، وإنَّما يَجْزيه أحسَنَ الجَزاءِ. قالوا: واللَّهِ، لقد فَضَّلكَ اللَّهُ علينا، وأعزَّك بالعِلْمِ والحِلمِ، والفَضلِ والملكِ، وقد كنَّا خاطِئينَ فِيما فعَلْناه بكَ. قال لهم يوسُفُ: لا تَأنيبَ عليكمُ اليومَ، يَغفِرُ اللَّهُ لكم، وهو أرحَمُ الرَّاحمينَ لِمَن تاب مِن ذَنبِه، وأناب إلى طاعتِه، ولَمَّا سألَهم عن أبيه أخبَروه بذَهابِ بَصَرِه مِنَ البُكاءِ عليه، فقال لهم: عُودُوا إلى أبيكم ومعَكم قَميصي هذا، فاطْرَحوه على وجهِ أبي يَعُدْ إليه بَصَرُه، ثم أَحْضِروا إليَّ جميعَ أهلِكم.

تفسير الآيات :


فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88).
فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ.
أي: فرجَعَ إخوةُ يوسُفَ إلى مِصْرَ، فلَمَّا دخلوا على يوسُفَ قالوا له: يا أيُّها العزيزُ، أصابَنا وأهْلَنا الجوعُ والحاجةُ والشِّدَّةُ؛ بسببِ القحْطِ، وقِلَّةِ الطَّعامِ [1025] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/315)، ((تفسير القرطبي)) (9/252)، ((تفسير ابن كثير)) (4/406، 407)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/46). .
وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ.
أي: وأَتَيْنا بثَمنٍ رَديءٍ قليلٍ لِشِراءِ الطَّعامِ [1026] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/316)، ((تفسير القرطبي)) (9/253)، ((تفسير ابن كثير)) (4/407)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/46، 47). .
فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ.
أي: فأَوْفِنا كَيْلَ الطَّعامِ ولا تَنْقُصْه [1027] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/323)، ((البسيط)) للواحدي (12/230)، ((تفسير القرطبي)) (9/254). قال القُرطبيُّ: (قولُه تعالى: فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ يُريدون: كما تَبيعُ بالدَّراهمِ الجيادِ لا تنقُصْنا بمكانِ دَراهمِنا؛ هذا قولُ أكثَرِ المفسِّرينَ). ((تفسير القرطبي)) (9/254). .
وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ.
أي: وتَفَضَّلْ عليْنا، وتَسامَحْ بما بيْنَ الثَّمَنِ الجَيِّدِ للطَّعامِ والثَّمنِ الرَّديءِ الَّذي قدَّمْناه لشِرائِه، ولا تَنْقُصْنا مِنَ الطَّعامِ بسَببِ ذلك [1028] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/324)، ((البسيط)) للواحدي (12/230)، ((تفسير القرطبي)) (9/254). قال الواحديُّ: (أكثرُ المفسِّرين على أنَّ هذا التَّصدُّقَ معناه: المُسامَحَةُ بما بين الثَّمنَينِ، وأنْ يُسعِّرَ لهم بالرَّديء كما يُسعِّرُ بالجيِّدِ، وعلى هذا سُمِّي ذلك تصدُّقًا؛ لأنَّ الَّذي سألوه كان مُشبهًا للتَّصدُّقِ، وليس هو تَصدُّقًا على ما يسبِقُ إليه الظَّنُّ). ((البسيط)) (12/230). .
إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ.
أي: إنَّ اللَّهَ يُثيبُ في الدُّنيا والآخِرَةِ المُتفضِّلين بأموالِهم على المُحتاجِينَ [1029] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/324)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/467)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404). .
قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89).
أي: قال يوسُفُ لإِخْوتِه [1030] قال الواحديُّ: (قال صاحبُ النَّظمِ [أبو عليٍّ الجُرجانيُّ]: هذه الآيةُ تصديقُ قولِه: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ). ((البسيط)) (12/232). وقال ابنُ كثيرٍ: (الظَّاهرُ- واللهُ أعلمُ- أنَّ يُوسفَ عليه السَّلامُ إنَّما تعرَّفَ إليهم بنفْسِه، بإذْنِ اللهِ له في ذلك، كما أنَّه إنَّما أخْفَى منهم نفْسَه في المرَّتينِ الأُوليينِ بأمْرِ اللهِ تعالى له في ذلك، واللهُ أعلَمُ). ((تفسير ابن كثير)) (4/408). وقال السعديُّ: (فلمَّا انتهى الأمْرُ، وبلَغَ أشُدَّه، رقَّ لهم يُوسفُ رِقَّةً شديدةً، وعرَّفَهم بنفْسِه). ((تفسير السعدي)) (ص: 404). : هل تَذكُرونَ ما فعلْتُم بيوسُفَ وأخيه مِنَ الأذَى، حالَ جَهْلِكم بمِقدارِ ما ارتَكبتُموه، وعاقبةِ ما فعلْتُموه [1031] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/327)، ((تفسير ابن كثير)) (4/408)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/47). قال ابنُ عطيَّةَ: (يُريدُ: مِن التَّفريقِ بينهما في الصِّغَرِ والتَّمرُّسِ بهما، وإذايةِ بنيامين بعدَ مَغيبِ يُوسفَ؛ فإنَّهم كانوا يُذِلُّونه ويَشتُمونَه، ولم يُشِرْ إلى قِصَّةِ بنيامين الآخِرةِ؛ لأنَّهم لم يفعلوا هم فيها شيئًا، ونسَبَهم إمَّا إلى جهْلِ المعصيةِ، وإمَّا إلى جَهْلِ الشَّبابِ، وقلَّةِ الحُنْكَةِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/276). وقال السعديُّ: (إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ وهذا نوعُ اعتذارٍ لهم بجهْلِهم، أو تَوبيخٌ لهم؛ إذ فعلوا فعْلَ الجاهِلينَ، مع أنَّه لا ينبغي ولا يليقُ منهم). ((تفسير السعدي)) (ص: 404). ؟
قَالُواْ أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90).
قَالُواْ أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ.
القِراءاتُ ذاتُ الأثرِ في التَّفسيرِ:
في قولِه تعالى: أَإِنَّكَ قِراءتانِ:
1- قِراءةُ إِنَّكَ على لفظِ الخَبَرِ، بمعنى: أنَّهم لَمَّا عرَفوا يوسُفَ وتيَقَّنوا أنَّه هو، أَتَوْا بـ (إنَّ)؛ لِتأكيدِ ذلك [1032] قرأ بها ابنُ كثيرٍ. يُنظر: ((الكشف)) لمكي (2/14). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/50)، ((الكشف)) لمكي (2/14)، ((تفسير ابن جزي)) (1/395). .
2- قِراءةُ أَإِنَّكَ على لفظِ الاستفهامِ؛ قيل: بمعنى أنَّهم ظَنُّوا ذلك ظنًّا فاسْتَفْهَمُوه، أَهُوَ هُوَ؟ وقيل: هي بمعنَى القِراءةِ الأُولَى، أي: أثْبَتوا أنَّه يوسُفُ لا أنَّهم اسْتَخْبَروا عن أمْرٍ جَهِلوه، وإنَّما جاؤوا بلفظِ الاستفهامِ؛ لِتحقيقِ ما ثبَتَ لديْهِم [1033] قرأ بها الباقونَ، لكنَّ ورشًا يجعلُ الهمزةَ الثَّانيةَ بين الهمزةِ والياءِ ولا يَمُدُّ، وقالون وأبو عمرٍو مثله، غيرَ أنَّهما يُدخلانِ بين الهمزتينِ ألفًا، فيَمُدَّانِ، والباقونَ يُحقِّقون الهَمزتينِ. يُنظر: ((الكشف)) لمكي (2/14). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/50)، ((الكشف)) لمكي (2/14)، ((تفسير ابن جزي)) (1/395)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/49). .
قَالُواْ أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ.
أي: قال إخوةُ يوسُفَ له: أإنَّك لَأَنْتَ أخونا يوسُفُ [1034] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/327)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/48، 49). ؟
قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا.
أي: قال يوسُفُ لإِخوتِه: نَعَمْ أنا يوسُفُ، وهذا أخي الشَّقِيقُ، قد مَنَّ اللَّهُ عليْنا بالاجتِماعِ بعدَ الفُرْقَةِ، والعِزَّةِ بعدَ الذِّلَّة، والتَّمْكينِ في الدُّنيا [1035] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/327، 328)، ((تفسير ابن كثير)) (4/408)، ((تفسير أبي السعود)) (4/304)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404). .
إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.
أي: إنَّه مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ، فيَمتَثِلْ ما أَمَرَ به، ويَجْتَنِبْ ما نَهَى عنه، ويَصْبِرْ على الطَّاعاتِ وعنِ المعاصي وعلى المصائِبِ؛ فإنَّ اللَّهَ لا يُبْطِلُ ثوابَ إحسانِه، ولا ثَوابَ كُلِّ مَن أحسَنَ بذلك [1036] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/328)، ((تفسير القرطبي)) (9/256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404). .
قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
أنَّ يوسُفَ عليه السَّلامُ لَمَّا ذكَرَ لإخوتِه أنَّ اللَّهَ تعالى مَنَّ عليه، وأنَّ مَنْ يَتَّقِ المعاصي ويَصبِرْ على أذَى النَّاسِ، فإنَّه لا يُضَيِّعُه اللَّهُ؛ صَدَّقوه فيه، واعتَرَفوا له بالفضلِ والمَزِيَّةِ [1037] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (18/505). .
قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا.
أي: قال إخوةُ يوسُفَ مُقْسِمينَ له: تَاللَّهِ، لقد فضَّلَك اللَّهُ عليْنا بالعِلْمِ والحِلْمِ، وحُسْنِ الخِلْقَةِ والخُلُقِ، والمُلْكِ [1038] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/329)، ((البسيط)) للواحدي (12/236)، ((تفسير ابن كثير)) (4/408). .
وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ.
أي: وما كُنَّا فيما فعَلْنا بكَ إلَّا مُذْنِبينَ مُخْطِئينَ في حقِّكَ [1039] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/329)، ((تفسير القرطبي)) (9/257)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (20/20)، ((تفسير ابن كثير)) (4/408). .
قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92).
قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ.
أي: قال يوسُفُ لإخوتِه: لا تَعْييرَ عليكم، ولا تَوْبيخَ بما صَنَعْتُم، ولا إفِسادَ لِمَا بَيْنَنا مِنَ الأُخوَّةِ بعدَ اليومِ [1040] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/330)، ((تفسير البغوي)) (2/512)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/469)، ((تفسير القرطبي)) (9/257)، ((تفسير ابن كثير)) (4/408)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404). .
يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
أي: دعا يوسُفُ لإخوتِه فقال: يَسْتُرُ اللَّهُ لكم ذُنوبَكم، ويتجاوَزُ عن مُؤاخَذَتِكم بها، وهو أرحمُ الرَّاحِمين لِمَنْ تاب إليه، وأنابَ إلى طاعتِه [1041] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/331)، ((تفسير القرطبي)) (9/258)، ((تفسير ابن كثير)) (4/409)، ((تفسير السعدي)) (ص: 404). .
اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93).
اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا.
أي: قال يوسُفُ لإخوتِه: اذْهَبوا بقَميصي هذا فأَلْقُوهُ على وجْهِ أبي يعقوبَ، يَصِرْ مُبْصِرًا بَعدَ العَمَى [1042] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/331، 332)، ((تفسير البيضاوي)) (3/176)، ((تفسير ابن كثير)) (4/409). قال البَغويُّ: (يَأْتِ بَصِيرًا أي: يعُدْ مُبْصِرًا، وقيل: يأتيني بصيرًا). ((تفسير البغوي)) (2/513). ويُنظر: ((البسيط)) للواحدي (12/241)، ((تفسير أبي حيان)) (6/322)، ((تفسير الشوكاني)) (3/63)، ((تفسير الألوسي)) (7/50)، ((تفسير القاسمي)) (6/216). وممَّن اختار أن المُرادَ: يصيرُ مُبْصِرًا بعد العَمَى: ابنُ عطيَّةَ، وابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/278)، ((تفسير ابن كثير)) (4/409). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: السُّدِّي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/332). وقيل: المُرادُ: ترجِعُ إليه قُوَّةُ بصَرِه بعد ضعْفِه، وممَّنِ اختار هذا المعنى: ابنُ عاشورٍ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/51). .
وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ.
أي: وجِيئُوني بجَميعِ أهْلِكم بَنِي يعقوبَ [1043] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/332)، ((تفسير القرطبي)) (9/259)، ((تفسير ابن كثير)) (4/409)، ((تفسير السعدي)) (ص: 405). .

الفوائد التربوية :


1- قولُ اللَّهِ تعالى: قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أرادَ يوسُفُ عليه السَّلامُ تَعليمَهم وسائلَ التَّعَرُّضِ إلى نِعَمِ اللَّهِ تعالى، وحَثَّهُم على التَّقْوَى والتَّخَلُّقِ بالصَّبْرِ، وهذا مِن أَفانِينِ الخطابةِ: أنْ يَغْتَنِمَ الواعِظُ الفُرْصةَ لإلْقاءِ الموعِظةِ، وهي فرصةُ تَأَثُّرِ السَّامِعِ وانفعالِه، وظُهورِ شَواهِدِ صِدْقِ الواعِظِ في مَوْعِظَتِه [1044] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) ( 13/49). .
2- قال اللَّهُ تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ في الآيةِ إرشادٌ إلى أدَبٍ جليلٍ، وهو تَقديمُ الوسائِلِ أمامَ المآرِبِ؛ فإنَّها أنجَحُ لها، وهكذا فعَلَ هؤلاءِ؛ قَدَّموا ما ذُكِرَ مِن رِقَّةِ الحالِ والتَّمَسْكُنِ، وتَصغيرِ العِوَضِ، ولم يَفْجَؤوه بحاجتِهم؛ لِيكونَ ذَريعةً إلى إسعافِ مَرامِهِم؛ بِبَعْثِ الشَّفَقةِ، وهَزِّ العَطْفِ والرَّأفةِ، وتَحريكِ سِلسِلةِ الرَّحمةِ؛ ومِن ثَمَّ رَقَّ لهم، ومَلَكَتْهُ الرَّحمةُ عليهم، فلم يتَمالَكْ أنْ عرَّفَهم نفْسَه [1045] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (6/212). .
3- قولُ اللَّهِ تعالى: قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ فيه فضيلةُ التَّقْوَى والصَّبْرِ، وأنَّ كلَّ خيرٍ في الدُّنيا والآخِرةِ فمِن آثارِ التَّقْوَى والصَّبْرِ، وأنَّ عاقبةَ أهْلِهِما أحسنُ العواقبِ [1046] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 407). .
4- في قَولِه تعالى: قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ إشارةٌ إلى أنَّ إخبارَ العبدِ مِن نَفسِه بحُصولِ التَّقوى والصَّبرِ- إذا كان صِدقًا، وفي ذلك مَصلحةٌ- مِن بابِ التحَدُّث بنِعمةِ اللهِ [1047] يُنظر: ((فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام)) للسعدي (ص: 40). .
5- الصَّبرُ مِن أَجَلِّ مقاماتِ الإيمانِ، وأخصُّ النَّاسِ باللَّهِ وأَولاهم به أشدُّهُم قِيامًا وتَحَقُّقًا به، وأنَّ الخاصَّةَ أحْوَجُ إليه مِنَ العامَّةِ، ومما يدلُّ على ذلك قولُ يوسُفَ الصِّدِّيقِ، وقد قال له إخوتُه: أَإِنَّكَ لأنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ الله لا يُضِيَعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [1048] يُنظر: ((طريق الهجرتين)) لابن القيم (ص: 266). .
6- في قولِه تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ حَثٌّ على الإحسانِ، وإشارةٌ إلى أنَّ المُحْسِنَ يُجْزَى أحسَنَ جَزاءٍ منه تعالى، وإنْ لم يَجْزِه المحسَنُ إليه [1049] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (6/213). .
7- الصَّبْرُ والتَّقوى دَواءُ كُلِّ داءٍ مِن أَدْواءِ الدِّينِ، ولا يَسْتَغْني أحدُهما عن صاحبِه؛ قال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [1050] يُنظر: ((عدة الصابرين)) لابن القيم (ص: 68). .
8- قولُ اللهِ تعالى: قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فيه أنَّ العِبْرَةَ في حالِ العبدِ بكَمالِ النِّهايةِ، لا بنَقْصِ البِدايةِ؛ فإنَّ أولادَ يعقوبَ عليه السَّلامُ جَرَى منهم ما جرَى في أوَّلِ الأمرِ، مِمَّا هو أكبرُ أسبابِ النَّقصِ واللَّوْمِ، ثُمَّ انتهَى أمْرُهم إلى التَّوْبةِ النَّصُوحِ، والسَّماحِ التَّامِّ مِن يوسُفَ ومِن أبيهم، والدُّعاءِ لهم بالمَغفرةِ والرَّحمةِ، وإذا سمَحَ العَبدُ عن حقِّه؛ فاللَّهُ خيرُ الرَّاحِمين [1051] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 407). .
9- قال الله تعالى حاكيًا عن يوسُفَ عليه السَّلامُ: قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ نتعلَّمُ من تجاوُزِ يوسُفَ عن ذنبِ إخوته، وإبقائِه عليهم، ومصافاتِه لهم: أن نغفِرَ لِمَن يسيءُ إلينا، ونحسِنَ إليه، ونصفِّيَ له الوُدَّ، وأن نُغضِيَ عن كلِّ إهانةٍ تلحَقُ بنا؛ فيُسبِغ الله تعالى إذ ذاك علينا نِعَمَه وخيراتِه في هذه الدنيا، كما أوسعَ على يوسُفَ، ويُورِثنا السَّعادةَ الأخرويَّة [1052] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (6/215). .
10- قولُه تعالى: قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فيه مِنَ العِبْرَةِ: أنَّ الظَّالِمَ الحاسِدَ قد يتوبُ اللَّهُ عليه ويَعْفُو عنه، وأنَّ المظلومَ يَنبغي له العَفْوُ عن ظالِمِه إذا قَدَرَ عليه [1053] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (17/22). .

الفوائد العلمية واللطائف :


1- قولُ اللَّهِ تعالى: قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ فيه جوازُ إِخبارِ الإنسانِ بما يَجِدُ، وما هو فيه مِن مرَضٍ أوْ فَقْرٍ ونحوِهما، إذا كان على غيرِ وَجْهِ التَّسَخُّطِ [1054] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 407). .
2- قولُ اللَّهِ تعالى: قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا يُؤخَذُ منه جَوازُ شَكْوَى الحاجَةِ لِمَنْ يُرْجَى منه إزالتُها [1055] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 156). .
3- مَنْ تأمَّلَ ذُلَّ إخوةِ يوسُفَ عليه السَّلامُ يومَ قالوا: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا، عَرَفَ شُؤْمَ الزَّللِ، ومَن تدبَّرَ أحوالَهم قاسَ ما بينهم وبين أخيهِم مِنَ الفُروقِ، وإنْ كانَتْ توبتُهم قُبِلَتْ؛ لأنَّه ليس مَن رَقَّعَ وخاطَ كمَن ثَوْبُه صَحيحٌ [1056] يُنظر: ((صيد الخاطر)) لابن الجوزي (ص: 138). .
4- قولُ اللَّهِ تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ فيه سؤالٌ: إذا كان يعقوبُ أمَرَهُم أنْ يَتَحَسَّسُوا أَمْرَ يوسُفَ وأخيه؛ فلماذا عَدَلُوا إلى الشَّكْوَى، وطَلَبوا إِيفاءَ الكَيْلِ؟ والجوابُ: لأنَّ الْمُتَحَسِّسينَ يَتوسَّلونَ إلى مَطْلوبِهم بجميعِ الطُّرُقِ، والاعتِرافُ بالعَجْزِ، وضِيقِ اليَدِ، ورِقَّةِ الحالِ، وقِلَّةِ المالِ، وشِدَّةِ الحاجَةِ؛ مِمَّا يُرَقِّقُ القلْبَ، فقالوا: نُجَرِّبُه في ذِكْرِ هذه الأُمورِ، فإنْ رَقَّ قلبُه لنا ذَكَرْنا له المقصودَ، وإلَّا سَكَتْنا؛ فلهذا السَّبَبِ قَدَّمُوا ذِكْرَ هذه الواقِعةِ [1057] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (18/502، 503). .
5- قولُ اللَّهِ تعالى: فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ استدَلَّ بعضُهم بهذه الآيةِ على أنَّ أُجْرَةَ الكَيَّالِ على البائعِ؛ لأنَّه إذا كان عليه تَوْفِيَةُ الكَيْلِ، فعليه مَؤُونَتُه وما يَتِمُّ به [1058] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (6/212)، ويُنظر أيضًا: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/76)، ((تفسير القرطبي)) (9/254). .
6- قولُ اللَّهِ تعالى: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ قيل: إنَّ قولَ إخوةِ يوسفَ هذا مِنَ المَعاريضِ الَّتي هي مَنْدُوحَةٌ عنِ الكذبِ؛ وذلك أنَّهم كانوا يَعتقِدونَ أنَّ يوسُفَ عليه السَّلامُ مَلِكٌ كافِرٌ على غيرِ دِينِهِم، ولو قالوا: (إنَّ اللَّهَ يَجْزيك بصَدَقَتِك في الآخرةِ) كَذَبوا، فقالوا له لفظًا يُوهِمُ أنَّهم أَرادُوه، وهُم يَصِحُّ لهم إخراجُه منه بالتَّأويلِ [1059] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/276)، ((تفسير أبي حيان)) (6/318). .
7- قولُ اللَّهِ تعالى: قَالَ أَنَا يُوسُفُ صَرَّحَ بالِاسْمِ؛ تعظيمًا لِمَا نَزَلَ به مِن ظُلْمِ إخوتِه وما عَوَّضَهُ اللَّهُ مِنَ الظَّفَرِ والنَّصْرِ، فكأنَّه قال: أنا الَّذي ظَلَمْتُموني على أعظمِ الوُجوهِ، واللَّهُ تعالى أوْصَلَني إلى أعظمِ المناصِبِ، أنا ذلك العاجِزُ الَّذي قَصَدْتُم قَتْلَه، وإلقاءَه في البِئْرِ، ثُمَّ صِرْتُ كما تَرَوْنَ؛ ولهذا قال: وَهَذَا أَخِي مع أنَّهم كانوا يَعْرِفونَه؛ لأنَّ مَقْصودَه أنْ يقولَ: وهذا أيضًا كان مَظلومًا كما كنْتُ، ثُمَّ إنَّه صارَ مُنْعَمًا عليه مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تعالى، كما تَرَوْنَ [1060] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (18/504). .
8- لَمَّا استَفْهَمُوه بقولِهم: أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ أجابَهم فقال: قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي أجابَهم عن نفْسِه وعن أخيه؛ فكشَفَ لهم أمْرَه، وزادَهم في الجوابِ قولَه: وَهَذَا أَخِي مع أنَّهم قد سأَلوه عن نفْسِه فقط؛ لأنَّه سَبَقَ قولُه: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ، وكان في ذِكْرِ أخيه بَيانٌ لِما سأَلوا عنه، وإنْ كان معلومًا عِندَهم، وتوطِئةٌ لِما ذَكَرَ بَعدُ مِن قولِه: قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا [1061] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/320). .
9- قولُ اللَّهِ تعالى: قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ احتَجَّ به مَن قال: إنَّ إخوةَ يوسُفَ عليه السَّلامُ ما كانوا أنبياءَ؛ لأنَّ جميعَ المَناصِبِ الَّتي تَكونُ مُغايرَةً لمنصبِ النُّبوَّةِ كالعَدَمِ بالنِّسْبةِ إليه، فلو شارَكوه في مَنصِبِ النُّبُوَّةِ لَمَا قالوا: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا [1062] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (18/505). .
10- قولُ اللَّهِ تعالى: قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فيه بيانُ ما مَنَّ اللَّهُ به على يوسُفَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ مِنَ العِلْمِ والحِلْمِ، ومكارِمِ الأخلاقِ، وعَفْوِه عن إخوتِه الخاطئِينَ عَفْوًا بادَرَهم به، وتَمَّمَ ذلك بألَّا يُثَرِّبَ عليهم، ولا يُعَيِّرَهم به [1063] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 407). .
11- كَمَّل يوسفُ صلواتُ اللهِ عليه مراتِبَ الصَّبرِ؛ الصَّبرُ الاضطراريُّ: وهو صَبرُه على أذيَّةِ إخوَتِه، وما ترتَّبَ عليها مِن بُعدِه عن أبوَيه، وصَبرُه في السِّجنِ بِضعَ سِنينَ. والصَّبرُ الاختياريُّ: صَبرُه على مراودةِ سَيِّدتِه امرأةِ العزيزِ. وكَمَّل مراتِبَ العَدلِ والإحسانِ للرعيَّةِ حين تولَّى خزائِنَ البلادِ المِصريَّة، وكَمَّل مراتِبَ العَفوِ والكرَمِ حين قال له إخوتُه: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فارتقى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى أعلَى مقاماتِ الفَضلِ والخيرِ، والصِّدقِ والكَمالِ، ونشَرَ اللهُ له الثَّناءَ بين العالَمينَ [1064] يُنظر: ((فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام)) للسعدي (ص: 26). .
12- قال الله تعالى: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ شِفاءُ الأمراضِ كما يكونُ بالأدويةِ الحسِّيَّةِ يكونُ بأسبابٍ ربَّانيَّةٍ، بل يحصُلُ بهذا النَّوعِ مِن أنواعِ الشِّفاءِ ما لا يحصُلُ بغيرِه؛ فيعقوبُ عليه السَّلامُ قد ابيضَّت عيناه من الحُزنِ وذهب بصَرُه، فجعل اللهُ شفاءَه وإبصارَه بقميصِ يوسُفَ، حين ألقاه على وَجهِه فارتدَّ بصيرًا؛ لِمَا كان فيه من رائحةِ يوسُفَ الذي كان داءُ عينيه مِن حُزنِه عليه، فصار شِفاؤُه الوحيدُ- مع لُطفِ اللهِ- في قميصِ جَسَدِه، واللهُ قادِرٌ على أن يَشفيَه من دون سبَبٍ، ولكنَّه حكيمٌ؛ جعل الأمورَ تجري بأسبابٍ ونِظاماتٍ قد تهتدي العُقولُ إلى مَعرفتِها، وقد لا تهتدي؛ فهو تعالى يشفي العبادَ بأدويةٍ وأسبابٍ حِسِّيَّةٍ، وبأسبابٍ ربَّانيَّةٍ معنويَّةٍ: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ الأنعام: 17، كما أنَّه تعالى يُوجِدُ الأشياءَ بأسبابٍ حسِّيَّةٍ معلومةٍ، وبأسبابٍ ربَّانيَّةٍ لا تهتدي العقولُ إليها، كما في مُعجزاتِ الأنبياءِ وكراماتِ الأولياءِ، وآياتِه النفسيَّةِ والكونيَّةِ، وهو المحمودُ على هذا، وعلى هذا [1065] يُنظر: ((فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام)) للسعدي (ص: 45). .

بلاغة الآيات :


1- قوله تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ
- قولُه: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ في الكلامِ حذْفٌ، تقديرُه: (فذَهَبوا مِن الشَّامِ إلى مِصْرَ ودخَلوها، فلَمَّا دخَلوا عليه)، أو: (فلَمَّا دخَلوا على يُوسُفَ بعدَما رجَعوا إلى مصرَ بموجِبِ أمْرِ أبيهم)؛ فإنَّه يُحذَفُ ما يدلُّ ظاهِرُ القولِ عليه إيجازًا؛ وإنَّما لم يذكُرْ ذلك؛ إيذانًا بمُسارَعَتِهم إلى ما أُمِروا به، وإشعارًا بأنَّ ذلك أمْرٌ مُحقَّقٌ لا يفتَقِرُ إلى الذِّكْرِ والبَيانِ [1066] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/274)، ((تفسير أبي حيان)) (6/317)، ((تفسير أبي السعود)) (4/303). ؛ فالفاءُ في قولِه: فَلَمَّا عاطِفةٌ على كَلامٍ مُقدَّرٍ دَلَّ عليه المقامُ، أي: فارتَحَلوا إلى مِصرَ بقصْدِ استِطْلاقِ بِنيامينَ مِن عَزيزِ مِصرَ، ثُمَّ بالتَّعرُّضِ إلى التَّحسُّسِ مِن يوسُفَ عليه السَّلامُ، فوَصَلوا مصرَ، فدَخلوا على يُوسفَ، فلَمَّا دخلوا عليه... إلخ [1067] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/46). .
2- قوله تعالى: قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ
- قولُه: هَلْ عَلِمْتُمْ... استِفهامٌ معناهُ التَّقْريعُ والتَّوبيخُ، والمُرادُ بهذا الاستِفهامِ تَعْظيمُ الواقِعةِ، وتَعظيمُ القِصَّةِ، وتَلخيصُه: ما أعظمَ ما ارتكبتُم مِن يوسُفَ، وما أسمجَ ما أتيتُم مِن قَطيعةِ رَحِمِه، وتَضييعِ حَقِّه! كما تقولُ: هل تَدري مَن عصيتَ؟! هل تَعرِفُ مَن عاديتَ؟! وقيل: هَلْ بمعنى (قَدْ)؛ لأنَّهم كانوا عالِمينَ؛ فالاستفهامُ مُستعْمَلٌ في التَّوبيخِ، وهَلْ مُفيدةٌ للتَّحقيقِ؛ لأنَّها بمعنى (قد) في الاستِفهامِ؛ فهو تَوبيخٌ على ما يعْلَمونَه مُحَقَّقًا مِن أفعالِهم مع يوسُفَ عليه السَّلامُ وأخيه، أي: أفعالهم الذَّميمة، بقَرينةِ التَّوبيخِ [1068] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (12/232)، ((تفسير أبي حيان)) (6/318)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/47). .
- وفي قولِه: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ كان الظَّاهِرُ أنْ يَتعرَّضَ لِما فعَلوا بأخيه فقط، وإنَّما تعرَّضَ لِما فعَلوا بيوسُفَ؛ لاشتراكِهما في وُقوعِ الفِعْلِ عليهما؛ فإنَّ المرادَ بذلك إفرادُهم له عن يوسُفَ وإذْلالُه بذلك، حتَّى كان لا يَستطيعُ أنْ يكلِّمَهم إلَّا بعَجْزٍ وذِلَّةٍ، أي: هل تُبْتُم عن ذلك بعد عِلْمِكم بقُبْحِه؟ فهو سُؤالٌ عنِ الْمَلزومِ والمرادُ لازِمُه [1069] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/303). ، ولم يَذكُرْ لهم ماذا واجَهَ أباهم؛ تَعْظيمًا لقدْرِه، وتفْخيمًا لشأْنِه أنْ يَذكُرَه مع نفْسِه وأخيه [1070] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/319). .
3- قوله تعالى: قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
- قولُه: قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ فيه تأْكيدُ الجُملةِ بـ (إنَّ) ولامِ الابتداءِ، وضَميرِ الفصْلِ (أنت)؛ لشِدَّةِ تحقُّقِهم أنَّه يوسُفُ عليه السَّلامُ [1071] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/49). .
- الاستفهام في قولهم: أَإِنَّكَ تقْريريٌّ؛ ولذلك حُقِّقَ بـ (إنَّ) ودُخولِ اللَّامِ عليه، وأُدْخِلَ على الجُملةِ الْمُؤكَّدةِ؛ لأنَّهم تَطَلَّبوا تأْييدَه لعِلْمِهم به، وكانوا عَرَفوه بِتلك العَلاماتِ الَّتي سَبَقَ ذِكرُها، وقيل: هو استفهامُ استِخْبارٍ [1072] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/175)، ((تفسير أبي حيان)) (6/319)، ((تفسير أبي السعود)) (4/304)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/49). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الزمخشري)) (2/502). .
- قولُه: أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي، أي: وهذا أَخِي مِن أَبَوَيَّ؛ تَعْريفًا لنفْسِه به، ومُبالَغةً في تَعْريفِ نفْسِه، وتَفْخيمًا لشأْنِ أخيه، وإدْخالًا له في قولِه: قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وتَكمِلةً لِما أفادَه قولُه: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ حسْبَما يُفيدُه قولُه: قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا؛ فكأنَّه قال: هل علِمْتُم ما فعَلْتُم بِنَا مِن التَّفريقِ والإذْلالِ، فأنا يوسُفُ وهذا أخي، قدْ مَنَّ اللَّهُ علينا بالخَلاصِ عمَّا ابْتُلينا به، والاجتماعِ بعد الفُرقةِ، والعزَّةِ بعد الذِّلَّةِ، والأُنسِ بعْد الوَحْشَةِ، ويَحتمِلُ أنْ يكونَ فيه إشارةٌ إلى الجوابِ عن طلَبِهم لِرَدِّ أخيه بـ (إنَّه أخي لا أخوكم)؛ فلا وجهَ لطَلَبِكم [1073] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/175)، ((تفسير أبي السعود)) (4/304). .
- قولُه: أَنَا يُوسُفُ هذا الجَوابُ مُجرَّدٌ عنِ التَّأْكيدِ؛ لأنَّهم كانوا مُتَحقِّقينَ ذلك؛ فلم يَبْقَ إلَّا تأْييدُه لذلك، وقولُه: وَهَذَا أَخِي خبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعجُّبِ مِن جَمْعِ اللَّهِ بينهما بعدَ طولِ الفُرقَةِ؛ فجُملةُ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بَيانٌ للمَقْصودِ مِن جُملةِ وَهَذَا أَخِي [1074] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/49). .
- قولُه: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ تَعليلٌ بطَريقِ الاستِئنافِ التَّعليليِّ لجُملةِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا، وفيه تَعريضٌ بأنَّهم لم يتَّقوا اللَّهَ فيه وفي أخيه [1075] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/304)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/49). .
- قولُه: فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ذِكْرُ الْمُحْسِنِينَ وَضْعٌ للظَّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ إذْ مُقتضَى الظَّاهِرِ أنْ يقالَ: (فإنَّ اللَّهَ لا يُضيعُ أجْرَهم)، فعَدَلَ عنه إلى الْمُحْسِنِينَ، ووُضِعَ الْمُحْسِنِينَ مَوضِعَ الضَّميرِ؛ لاشتمالِ المحسنينَ على المتَّقين والصَّابرين، فـ الْمُحْسِنِينَ عامٌّ يندرِجُ فيه مَن تقدَّمَ. أو وُضِعَ المظْهَرُ موضِعَ المضْمَرِ؛ تنبيهًا على أنَّ المنْعوتينَ بالتَّقوى والصَّبرِ مَوصوفونَ بالإحسانِ، وعلى أنَّ المحسِنَ مَن جمَعَ بين التَّقوى والصَّبرِ، وللدِّلالةِ على أنَّ ذلك مِنَ الإحسانِ، وللتَّعميمِ في الحُكْمِ؛ ليكونَ كالتَّذييلِ، ويَدْخلَ في عُمومِه هو وأخوه [1076] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/502)، ((تفسير البيضاوي)) (3/175)، ((تفسير أبي حيان)) (6/321)، ((تفسير أبي السعود)) (4/304)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/49). .
4- قوله تعالى: قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
- قولُه: قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ قيل: الظَّاهرُ أنَّ مُنْتهى الجُملةِ هو قولُه:  عَلَيْكُمُ؛ لأنَّ مثلَ هذا القولِ ممَّا يجْري مَجْرى المثَلِ، فيُبْنَى على الاختصارِ، فيُكْتفى بـ لَا تَثْرِيبَ مثلَ قولِهم: لا بأْسَ. وزيادةُ عَلَيْكُمُ؛ للتَّأكيدِ [1077] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/50). .
- قولُه: وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ في هذا الخِتامِ مُناسَبةٌ حَسَنَةٌ؛ وذلك أنَّه لَمَّا دعا لهم بالمغفِرةِ أخبَرَ عنِ اللَّهِ بالصَّفةِ الَّتي هي سَببُ الغُفرانِ؛ وهو أنَّه تعالى أرحَمُ الرُّحماءِ؛ فهو يرجو منه قَبولَ دُعائِه لهم بالمَغفِرةِ [1078] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/322). .
- قوله تعالى: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ
- قولُه: فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ فيه إدماجُ الأمْرِ بالإتيانِ بأبيه في ضِمْنِ تبْشيرِه بوُجودِه إدماجًا بليغًا [1079] الإدماجُ، لُغةً: الإدخالُ؛ يُقال: أدْمَجَ الشيءَ في ثَوبٍ، إذا لَفَّه فيه. واصطلاحًا: أنْ يُدمِجَ المتكلِّمُ غرضًا في غَرضٍ، أو بديعًا في بديعٍ بحَيثُ لا يَظهرُ في الكلامِ إلَّا أحدُ الغرَضينِ أو أحدُ البَديعينِ، بمعنى: أن يَجعل المتكلِّمُ الكلامَ الذي سِيق لمعنًى- مِن مَدحٍ أو غيرِه- مُتضمِّنًا معنى آخَرَ، كقولِه تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ [القصص: 70]؛ فهذا مِن إدماجِ غرَضٍ في غَرَضٍ؛ فإنَّ الغرَضَ منها تَفرُّدُه تعالى بوصْفِ الحمدِ، وأُدمِجَ فيه الإشارةُ إلى البعثِ والجزاءِ، وقيل: أُدمِجتِ المبالغةُ في المطابقةِ؛ لأنَّ انفرادَه بالحمدِ في الآخِرَةِ- وهي الوقتُ الذي لا يُحمَدُ فيه سِواه- مبالغةٌ في الوَصفِ بالانفرادِ بالحَمْدِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/298)، ((علوم البلاغة البيان المعاني البديع)) للمراغي (ص: 344)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/427). ؛ إذ قال: يَأْتِ بَصِيرًا، ثمَّ قال: وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ؛ لِقَصْدِ صِلَةِ أرحامِ عَشيرتِه [1080] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/51). .
- قولُه: فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا فيه إفرادُ أبيه يَعقوبَ عليه السَّلامُ بالذِّكْرِ؛ تَعظيمًا له، على أحدِ وجْهيِ التفسيرِ، بَينَما قال في الباقينَ: وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ [1081] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (18/507). .