موسوعة التفسير

سورةُ إبراهيمَ
الآيات (32-34)

ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ

غريب الكلمات:


دَائِبَيْنِ: دائِمَينِ، لا يَفتُرانِ، والدُّؤُوبُ: مُرورُ الشَّيءِ في العمَلِ على عادةٍ جاريةٍ فيه، وأصلُ (دأب): يدلُّ على مُلازمةٍ ودَوامٍ [414] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/321)، ((البسيط)) للواحدي (12/480)، ((المفردات)) للراغب (ص: 321)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 253). .
تُحْصُوهَا: أي: تحصرُوها، وتضبِطوا عدَّها، وتُطيقوا إحصاءَ عددِها، وأصلُ الإحصاءِ: العدُّ والإطاقةُ [415] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/686)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/69)، ((تفسير القرطبي)) (9/367)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 976). .

المعنى الإجمالي:


يخبرُ اللهُ تعالى أنَّه هو الذي أنشأ السَّمَواتِ والأرضَ من العدَمِ، وأنزل المطَرَ مِن السَّحابِ فأخرجَ به مِن الثَّمَراتِ المُتَنوِّعةِ رِزقًا لكم، وذلَّلَ لكم السُّفُنَ؛ لتسيرَ في البحرِ بإذنِه، وذلَّل لكم الأنهارَ؛ لتشربُوا مِن مياهِها، وتَسقُوا بها زُروعَكم وأنعامَكم، إلى غيرِ ذلك من المنافعِ، وذلَّل لكم الشَّمسَ والقمَرَ لا يَفْتُرانِ عن حرَكتِهما، فيتعاقَبانِ عليكم بلا انقطاعٍ؛ لتتحقَّقَ مصالحُكم بهما، وذلَّل لكم اللَّيلَ؛ لتسكُنوا فيه؛ راحةً لأبدانِكم، والنَّهارَ لتبتَغوا فيه مِن فَضلِه، وأعطاكم- أيُّها النَّاسُ- مِن كُلِّ ما طلبتُموه، وإن تعدُّوا نِعَمَ اللهِ عليكم لا تُطيقُوا عَدَّها، ولا القيامَ بحَصرِها فضلًا عن شُكرِها؛ لِكثرتِها وتنوُّعِها، إنَّ الإنسانَ لَعظيمُ الظُّلمِ لنَفسِه، شديدُ الجُحودِ لنِعَمِ الله عليه.

تفسير الآيات:


اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا أطال اللهُ تعالى الكلامَ في وصفِ أحوالِ السُّعَداءِ، وأحوالِ الأشقياءِ، وكانت العُمدةَ العُظمى والمنزلةَ الكُبرى في حُصولِ السَّعاداتِ مَعرِفةُ اللهِ تعالى بذاتِه وبصفاتِه، وفي حُصولِ الشَّقاوةِ فِقدانُ هذه المَعرفةِ- لا جرَمَ ختَمَ تعالى وصْفَ أحوالِ السُّعَداءِ والأشقياءِ بالدَّلائِلِ الدَّالَّةِ على وجودِ الصَّانعِ، وكمالِ عِلمِه وقُدرتِه [416] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/96). ، فقال:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ .
أي: اللهُ المُستحِقُّ للعبادةِ وَحدَه هو الذي أنشأ السَّمواتِ والأرضَ مِن العدَمِ، وأبدعَهما على غيرِ مثالٍ سابقٍ [417] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/681)، ((تفسير القرطبي)) (9/366)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426). .
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ.
أي: وأنزَل مِن السَّحابِ مَطَرًا، فأخرجَ به مِن الثَّمَراتِ المُتَنوِّعةِ رِزقًا لكم تعيشونَ به [418] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/681)، ((تفسير القرطبي)) (9/366)، ((تفسير الشوكاني)) (3/132)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426). .
وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ.
أي: وذلَّلَ لكم السُّفُنَ لتجريَ بكم في البحرِ بإذنِه، فهو الذي يسَّرَ لكم صُنعَها، وأقدَرَكم عليها، وجعَلَها طافيةً على البَحرِ بتَيسيرِه، وحَفِظَها على تيَّارِ الماءِ لتحمِلَكم، مع كَفِّ العواصِفِ عنها وإعانتِها بالرِّيحِ الطَّيِّبةِ، فتركبونَها لتنتَقِلوا عَبْرَها من مكانٍ إلى آخرَ، وتَحمِلوا فيها أمتِعتَكم مِن بلدٍ إلى بلدٍ [419] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/681)، ((تفسير ابن كثير)) (4/511)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/235). .
كما قال تعالى: ... وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ [البقرة: 164] .
وقال سُبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [لقمان: 31] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [الشورى: 32 - 33] .
وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ .
أي: وذلَّلَ لكم الأنهارَ [420] قال ابن عاشور: (وتسخيرُ الأنهار: خَلْقُها على كيفيةٍ تقتضي انتقالَ الماء من مكانٍ إلى مكان، وقرارَه في بعضِ المُنخَفَضات، فيستقي منه مَن تمُرُّ عليه وينزِلُ على ضِفافه). ((تفسير ابن عاشور)) (13/235). لتشربُوا مِن مياهِها، وتَسقُوا بها زُروعَكم وأنعامَكم، وذلَّلَها لكم بالرُّكوبِ عليها، والإجراءِ لها إلى حيثُ تُريدونَ [421] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/681)، ((الوسيط)) للواحدي (3/32)، ((تفسير القرطبي)) (9/367)، ((تفسير ابن كثير)) (4/511)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/235). .
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33).
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ.
أي: وذلَّلَ لكم الشَّمسَ والقمَرَ يَدأَبانِ في سَيرِهما، فيتعاقَبانِ عليكم بلا انقطاعٍ؛ لتَحقيقِ مَصالِحِكم، كحِسابِ أزمِنَتِكم، وضَبطِ أوقاتِكم، ونفعِ أبدانِكم، وحيواناتِكم، وزُروعِكم، وثمارِكم، وغيرِ ذلك [422] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/681)، ((تفسير الرازي)) (19/98)، ((تفسير القرطبي)) (9/367)، ((تفسير ابن كثير)) (4/511)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/236). .
كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [يونس: 5] .
وقال سُبحانه: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ [النحل: 12] .
وقال تبارك وتعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: 38 - 40] .
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.
أي: وذلَّل اللهُ لكم اللَّيلَ والنَّهارَ يتعاقبانِ عليكم؛ فجعل الليلَ لِتَسكُنوا فيه؛ راحةً لأبدانِكم، وجعل النَّهارَ لِتَبتَغوا فيه مِن فَضلِه [423] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/682)، ((الوسيط)) للواحدي (3/32)، ((تفسير القرطبي)) (9/367)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426). .
كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [يونس: 67] .
وقال سُبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [القصص: 71 - 73] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [النبأ: 10-11].
وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ تعالى تلك النِّعمةَ العظيمةَ؛ بَيَّنَ بعد ذلك أنَّه لم يقتصِرْ عليها، بل أعطَى عبادَه مِن المنافِعِ والمُراداتِ ما لا يأتي على بَعضِها التَّعديدُ والإحصاءُ، فقال: [424] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/98-99).
وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ.
أي: وأعطاكم اللهُ- أيُّها النَّاسُ- مِن كُلِّ ما رَغِبتُم إليه أن يَرزُقَكم إيَّاه، وهيَّأَ لكم كلَّ ما تحتاجونَ إليه، ممَّا تَسْألونَه إيَّاه، سواءً بلسانِ حالِكم أو مقالِكم [425] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/682، 683)، ((تفسير القرطبي)) (9/367)، ((تفسير ابن كثير)) (4/511)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/236). .
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا .
أي: وإن تعُدُّوا- أيُّها النَّاسُ- نِعَمَ اللهِ عليكم، لا تُطيقوا إحصاءَ عَدَدِها، والقيامَ بحَصرِها؛ لكَثرتِها، فضلًا عن القيامِ بشُكرِها، فلِمَ تُبَدِّلونَ نِعمةَ اللهِ كُفرًا؟! وهلَّا استعَنتُم بها على طاعتِه [426] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/686)، ((تفسير القرطبي)) (9/367)، ((تفسير ابن كثير)) (4/511). ؟
إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ.
أي: إنَّ الإنسانَ [427] قيل: المرادُ به: الكافرُ على وجه الخصوصِ، فذلك شأنه وديدنُه. وممن قال بذلك في الجملة: الزجاج، وابن جرير، وابن عاشور. يُنظر: ((معاني القرآن)) (3/164)، ((تفسير ابن جرير)) (13/686)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/237). وقيل: المرادُ به جنسُ الإنسان من حيث هو؛ فتلك طبيعته. وممَّن اختار ذلك: الرازي، واستظهره الشوكاني، واختاره السعدي. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/100)، ((تفسير الشوكاني)) (3/133)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426). لعَظيمُ الظُّلمِ لنَفسِه، بوضعِه العبادةَ في غيرِ مَوضِعِها، وشُكرِه غيرَ مَن أنعَمَ عليه، وتجَرُّئِه على عصيانِ ربِّه، شديدُ الجُحودِ لنِعَم اللهِ عليه، فلا يشكُرُه عليها، ولا يقومُ بحقِّه سُبحانَه [428] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/686)، ((البسيط)) للواحدي (12/483)، ((تفسير البغوي)) (3/42)، ((تفسير السعدي)) (ص: 426). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ في هذه الآياتِ مِن أصنافِ نِعَمِ اللهِ على العبادِ شَيءٌ عَظيمٌ- مُجمَلٌ ومُفصَّلٌ- يدعو اللهُ به العبادَ إلى القيامِ بشُكرِه وذِكرِه، ويَحُثُّهم على ذلك، ويرَغِّبُهم في سؤالِه ودُعائِه آناءَ اللَّيلِ والنَّهارِ، كما أنَّ نِعَمَه تتكَرَّرُ عليهم في جميعِ الأوقاتِ [429] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:426). .
2- في قَولِه تعالى: فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ أنَّه ينبغي لِمن أرادَ أنْ يُضيفَ الشَّيءَ إلى سببِه؛ أنْ يُضيفَه إلى اللهِ مقرونًا بالسَّببِ [430] يُنظر: ((تفسير الفاتحة والبقرة)) لابن عثيمين (1/78). .
3- لا أحدَ أعظَمُ إحسانًا مِن اللهِ سُبحانه؛ فإنَّ إحسانَه على عبدِه في كلِّ نفَسٍ ولَحظةٍ، وهو يتقَلَّبُ في إحسانِه في جميعِ أحوالِه، ولا سبيلَ له إلى ضبطِ أجناسِ هذا الإحسانِ فَضلًا عن أنواعِه أو عن أفرادِه، ويكفي أنَّ مِن بَعضِ أنواعِه نِعمةَ النَّفَسِ التي لا تكادُ تخطُرُ ببالِ العبدِ، فإنَّه يتنفَّسُ في اليومِ والليلةِ أربعةً وعِشرينَ ألفَ نَفَسٍ، وكلُّ نفَسٍ نِعمةٌ منه سُبحانه، فإذا كان أدنى نعمةٍ عليه في كلِّ يومٍ أربعةً وعشرينَ ألفَ نِعمةٍ، فما الظنُّ بما فوقَ ذلك وأعظَمُ منه وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا، هذا إلى ما يُصرَفُ عنه من المضَرَّات، وأنواعِ الأذى التي تَقصِدُه، ولعلَّها تُوازِنُ النِّعَمَ في الكثرةِ، والعبدُ لا شُعورَ له بأكثَرِها أصلًا، واللهُ سُبحانَه يَكلَؤُه منها باللَّيلِ والنَّهارِ، كما قال تعالى: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ [431] يُنظر: ((طريق الهجرتين)) لابن القيم (ص: 315). [الأنبياء:42] .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ الانتفاعُ بما يَنبُتُ مِن الأرضِ إنَّما يَكمُلُ بوُجودِ الفُلكِ الجاري في البَحرِ؛ وذلك لأنَّه تعالى خَصَّ كُلَّ طَرَفٍ مِن أطرافِ الأرضِ بنَوعٍ آخَرَ مِن أنْعُمِه، حتى إنَّ نِعمةَ هذا الطَّرَفِ إذا نُقِلَت إلى الجانبِ الآخَرِ مِن الأرضِ وبالعكسِ، كَثُرَ الرِّبحُ في التِّجاراتِ، ثمَّ إنَّ هذا النَّقلَ لا يُمكِنُ إلَّا بسُفُنِ البَرِّ، وهي الجِمالُ، أو بسُفُنِ البَحرِ، وهي الفُلْكُ المذكورةُ في هذه الآيةِ [432] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/97-98). .
2- قَولُه تعالى: فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فيه إثباتُ الأسبابِ، وأنَّها لا تكونُ مؤثِّرةً إلَّا بإرادةِ اللهِ عزَّ وجلَّ [433] يُنظر: ((تفسير الفاتحة والبقرة)) لابن عثيمين (1/78). .
3- قَولُه تعالى: فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فيه أنَّ اللهَ- عزَّ وجلَّ- مُنعِمٌ على الإنسانِ، كافرًا كان أو مُؤمِنًا [434] يُنظر: ((تفسير الفاتحة والبقرة)) لابن عثيمين (1/79). .
4- قال الله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ فأضافَ ذلك التَّسخيرَ إلى أمْرِه؛ لأنَّ المَلِكَ العظيمَ قَلَّما يُوصَفُ بأنَّه فعَلَ، وإنَّما يقالُ فيه: إنَّه أمَرَ بكذا؛ تعظيمًا لِشأنِه، ومنهم مَن حمَلَه على ظاهِرِ قَولِه: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [435] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/98). [النحل: 40] .
5- في قَولِه تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ تكذيبٌ لِمَا يُقال مِن أنَّ «الشَّمسَ ثابتةٌ لا تدورُ» [436] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (6/196). .
6- قولُه تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ، وقولُه: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: 2]، وقولُه: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [العاديات: 6]، وقولُه: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا [المعارج: 19]، وقولُه: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: 6- 7]، وقولُه: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: 72] هذه كلُّها وصفٌ لِشَأْنِ الإنسانِ مِن حيثُ ذاتُه ونفْسُه، وأمَّا خروجُه عن هذه الصِّفاتِ فهو بفَضلِ رَبِّه وتوفيقِه له ومِنَّتِه عليه، لا مِن ذاتِه، فليس له مِن ذاتِه إلَّا هذه الصِّفَاتُ، وما به مِن نِعمةٍ فمِنَ اللهِ وَحدَه، فهو الذي حبَّبَ إلى عبدِه الإيمانَ، وزَيَّنَه في قَلبِه، وكَرَّهَ إليه الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيانَ، وهو الذي كتب في قَلبِه الإيمانَ، وهو الذي يثَبِّتُ أنبياءَه ورُسُلَه وأولياءَه على دينِه، وهو الذي يَصرِفُ عنهم السُّوءَ والفَحشاءَ، وقد قال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [يونس: 100] ، وقال تعالى: وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [المدثر: 56]، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 29]؛ فهو رَبُّ جميعِ العالَمِ رُبوبيَّةً شامِلةً لجَميعِ ما في العالَمِ مِن ذَواتٍ وأفعالٍ وأحوالٍ [437] يُنظر: ((الروح)) لابن القيم (ص: 126). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ استِئنافٌ واقِعٌ موقِعَ الاستِدلالِ على ما تَضمَّنَتْه جُملةُ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا... الآيةَ، وقد فُصِلَ بينَه وبينَ المُستدَلِّ عليه بجُملةِ: قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ... الآيةَ، وأُدْمِجَ في الاستدلالِ تَعدادُهم لنِعَمٍ تستحِقُّ الشُّكرَ عليها؛ لِيظهَرَ حالُ الَّذين كفَرُوها، وبالضِّدِّ حالُ الَّذين شكَرُوا عليها، ولِيزدادَ الشَّاكِرونَ شُكْرًا؛ فالمقصودُ الأوَّلُ هو الاستِدلالُ على أهلِ الجاهليَّةِ [438] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/234). .
- قولُه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ... فيه افتتاحُ الكلامِ باسمِ الخالِقِ المُوجِدِ؛ لأنَّ تعيينَه هو الغرَضُ الأهمُّ، وأُخْبِرَ عنه بالموصولِ؛ لأنَّ الصِّلةَ معلومةُ الانتسابِ إليه والثَّبوتِ له [439] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/235). . وأيضًا في جَعْلِ المُبتدأِ الاسمَ الجليلَ اللَّهُ، والخبَرِ الاسمَ الموصولَ بتِلك الأفاعيلِ العَظيمةِ؛ مِن خلْقِ هذه الأجرامِ العِظامِ، وإنزالِ الأمطارِ، وإخراجِ الثَّمراتِ، وما يتْلوها مِن الآثارِ العجيبةِ- ما لا يَخْفى مِن تربيةِ المَهابةِ، والدَّلالةِ على قوَّةِ السُّلطانِ [440] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/47). .
- وبدأ بذِكرِ السَّمواتِ والأرضِ هاهنا؛ لأنَّهما هما الأصلانِ اللَّذانِ يتفَرَّعُ عليهما سائِرُ الأدِلَّةِ المذكورةِ بعدَ ذلك [441] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/97). .
- قولُه: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فيه تقديمُ المجرورِ على المنصوبِ؛ إمَّا باعتِبارِ كونِه مَبدأً لِنُزولِه، أو لتَشريفِه- كما يُقال: أعطاه السُّلطانُ مِن خِزانتِه مالًا- أو للتَّشويقِ إلى المُؤخَّرِ [442] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/47). .
- وفي قولِه: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ مُناسبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ قال هنا: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بدونِ (لكم)، وقاله في سُورةِ النَّملِ بذكْرِ (لكم) في قولِه: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [النمل: 60] ، فجاء لفْظُ (لكم) مُؤخَّرًا في سُورةِ إبراهيمَ عن لفْظِ (أَنْزَلَ)، ومُقدَّمًا في آيةِ النَّملِ؛ وذلك لِمُناسبةٍ حَسَنةٍ، وهي أنَّ آيةَ سُورةِ إبراهيمَ قد تقدَّمَها قولُه تعالى: قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ [إبراهيم: 31] ، وقد علِمَ المُؤمنونَ أنَّ اللهَ غنِيٌّ عنِ العالمينَ، وأنَّ المُنزَّلَ مِن ماءِ السَّماءِ إنَّما هو رَحمةٌ للعِبادِ، وإحياءٌ للأرضِ بعدَ موتِها؛ لِيخرُجَ ما بَثَّ فيها سُبحانَه مِن أنواعِ الحُبوبِ والثَّمراتِ وغيرِ ذلك، ممَّا به صَلاحُ أحوالِ العِبادِ، وتتْميمُ معائشِهم، ولم يغِبْ عنِ المُؤمنينَ المَذكورينَ قبلُ أنَّ ربَّهم غنِيٌّ عن ذلك كلِّه، ومُنفرِدٌ بخلْقِه والإنعامِ به؛ فلم يُحْتَجْ هنا إلى تَنبيهِهم بأنَّ ذلك لهم؛ إذ حالُهم التَّذكُّرُ، ومُوَالاةُ الاعتبارِ لا الغفلةُ، وأُخِّرَ ذِكْرُ ذلك إلى ذِكْرِ الرِّزقِ؛ لِيجرِيَ مع قولِه في الزِّينةِ والطَّيِّبِ مِن الرِّزقِ: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف: 32] . أمَّا آيةُ (النَّملِ) فقد تقدَّمَها قولُه تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: 59] ؛ فلمَّا تضمَّنَت تعنيفًا للمُشركينَ على سُوءِ مُرْتَكَبِهم، وعَمَاهم عنِ التَّفكُّرِ والاعتبارِ، قُصِدَ تحريكُهم وإيقاظُهم مِن رَقْدةِ الغَفلةِ، فقيل: وَأَنْزَلَ لَكُمْ [النمل: 60] ؛ فحصَلَ تنْبيهُهم وإعلامُهم أنَّ إنزالَ الماءِ مِن السَّماءِ إنَّما هو لهم، وأنَّه لا حاجةَ به سُبحانَه إليه، فاستجَرَّ الكلامُ تعنيفَهم، ويشهَدُ لهذا قولُه تعالى عَقِبَ الآيةِ: مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [النمل: 60] ، أي: يعدِلونَ بِربِّهم غيرَه، ويعدِلونَ بِعبادتِه إلى عِبادةِ غيرِه، وكلُّ هذا شِركٌ لا فلاحَ معه، فلمَّا قُصِدَ في الآيةِ الثَّانيةِ ما ذكَرْنا قُدِّمَ المَجرورُ، وشأْنُه أبدًا إذا قُدِّمَ إحرازُ معنى التَّنبيهِ، حيثُ يُقْصَدُ التَّحريكُ والإيقاظُ لِذِي غفلةٍ، أمَّا إذا تأخَّرَ فلا يُحْرِزُ هذا المعنى على الصِّفةِ الَّتي يُحْرِزُه مُتقدِّمًا [443] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/286-287). .
2- قولُه تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أبرَزَ كلَّ واحدةٍ منها في جُملةٍ مُستقلَّةٍ؛ تَنويهًا لِشأْنِها، وتَنبيهًا على رِفعةِ مكانِها، وتَنصيصًا على كونِ كلٍّ منها نِعمةً جَليلةً مُستوجِبةً للشُّكرِ. وفي التَّعبيرِ عنِ التَّصريفِ المُتعلِّقِ بما ذُكِرَ مِن الفُلكِ والأنهارِ- في الآيةِ السَّابقةِ- والشَّمسِ والقمَرِ، واللَّيلِ والنَّهارِ- في هذه الآيةِ- بالتَّسخيرِ؛ مِن الإشعارِ بما فيها مِن صُعوبةِ المَأخَذِ، وعِزَّةِ المَنالِ، والدَّلالةِ على عِظَمِ السُّلطانِ، وشِدَّةِ المِحالِ- ما لا يَخفَى. وتأْخيرُ تسخيرِ الشَّمسِ والقمَرِ عن تَسخيرِ ما تقدَّمَه مِن الأُمورِ المعدودةِ، مع ما بينه وبينَ خلْقِ السَّمواتِ مِن المُناسبةِ الظَّاهِرةِ؛ لاسْتِتباعِ ذكْرِها لِذكْرِ الأرضِ، المُستَدْعي لِذكْرِ إنزالِ الماءِ منها إليها، المُوجِبِ لِذكْرِ إخراجِ الرِّزْقِ الَّذي مِن جُملَتِه ما يحصُلُ بواسطةِ الفُلكِ والأنهارِ، أو للتَّفادي عن توهُّمِ كونِ الكلِّ- أي: خلْقِ السَّمواتِ والأرضِ، وتَسخيرِ الشَّمسِ والقمرِ- نِعمةً واحدةً [444] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/48). .
3- قوله تعالى: وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
- قولُه: وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ كلمةُ كُلِّ للتَّكثيرِ، ومنه قولُه عزَّ وجلَّ: فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: 44] . وقيل: الأصلُ (وآتاكم مِن كلِّ ما سأَلْتُموه وما لم تسْأَلوه)؛ فحُذِفَ الثَّاني لدَلالةِ ما أُبْقِيَ على ما أُلْقِيَ [445] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/48). .
- قولُه: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ صِيغَتَا المُبالَغةِ في لَظَلُومٌ كَفَّارٌ اقتَضاهما كثْرةُ النِّعمِ المُفادُ مِن قولِه: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا؛ إذ بمقدارِ كثرَةِ النِّعمِ يكثُرُ كُفْرُ الكافرينَ بها؛ إذ أعْرَضوا عن عِبادةِ المُنعِمِ، وعبَدوا ما لا يُغْني عنهم شَيئًا، فأمَّا المُؤمنونَ فلا يَجحَدونَ نِعَمَ اللهِ، ولا يعبُدونَ غيرَه [446] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/237). .
- وفيه التَّأكيدُ الَّذي جعَلَ الخبرَ إنكاريًّا بقولِه: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ؛ فقد اشتمَلَتْ هذه الآيةُ على أربعةِ تأْكيداتٍ، وهي: (إنَّ)، واللَّامُ المُزَحْلَقَةُ أو لامُ التَّأكيدِ، وصِيغَةُ (ظَلومٍ)، وصِيغَةُ (كَفَّارٍ) [447] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/196). .
- وفي قولِه: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ قال في سُورةِ النَّحلِ: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: 18] ؛ فأعقَبَ في الأُولى قولَه تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا بغَيرِ ما أعقَبَ في الثَّانيةِ؛ ووجْهُ ذلك: أنَّ آيةَ (إبراهيمَ) تَقدَّمَها قولُه تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم: 28] ، ثمَّ قولُه: وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ [إبراهيم: 30] ، ثمَّ ذكَرَ إنعامَه على عِبادِه في قولِه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ [إبراهيم: 32] إلى قولِه: وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ [إبراهيم: 34] ؛ فناسَبَ وصْفُ الإنسانِ بأنَّه ظَلومٌ كَفَّارٌ ما ذكَرَه تعالى مِن توالي إنعامِه ودُرورِ إحسانِه، ومُقابلةِ ذلك مِن العَبيدِ بالتَّبديلِ، وجَعْلِ الأندادِ. أمَّا آيةُ النَّحلِ فلم يتقدَّمْها غيرُ ما نبَّهَ سُبحانَه عبادَه المُؤمنينَ مِن توالي آلائِه وإحسانِه، وما ابْتدَأَهم به مِن نعمةٍ، مِن لَدُنْ قولِه: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ [النحل: 4] ، ثمَّ توالَتْ آياتُ الامتنانِ والإحسانِ، فقال تعالى: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ [النحل: 5] ، فذكَرَ تعالى بِضعًا وعشرينَ مِن أُمَّهاتِ النِّعمِ إلى قولِه- مُنبِّهًا ومُوقِظًا مِن الغَفلةِ والنِّسيانِ-: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [النحل: 17] ، ثمَّ أُتْبِعَ بقولِه سُبحانَه: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: 18] ؛ فناسَبَ خِتامُ هذا بقولِه: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: 18] ، فجاء كلٌّ على ما يُناسِبُ [448] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/287-288). .
وقيل في سببِ اخْتِلافِ الفاصلتينِ مع أنَّ المُحَدَّثَ عنه واحِدٌ: كأنَّه يقولُ: إِذا حَصَلتِ النِّعَمُ الكثيرةُ فأنت آخِذُها وأنا مُعْطيها، فحصلَ لك عندَ أخْذِها وصفانِ: كونُكَ ظلومًا، وكوْنُكَ كفَّارًا، يَعْني لعدمِ وفائِكَ بشُكْرِها، ولي عندَ إعطائِها وصفانِ، وهما: أنِّي غفورٌ رَحيمٌ، أقابِلُ ظلمَكَ بغُفراني، وكفرَك برحْمَتي، فلا أُقابِلُ تَقْصيرَك إلَّا بالتَّوقيرِ، ولا أُجازي جفاكَ إلَّا بالوفاءِ. وقيل: إِنَّما خَصَّ سورةَ إبراهيمَ بوصفِ المنعَمِ عليه، وسورةَ النَّحلِ بوصفِ المنعِمِ؛ لأنَّه في سورةِ إبراهيمَ في مَساقِ وَصفِ الإنسانِ، وفي سورةِ النَّحلِ في مساقِ صفاتِ اللَّهِ، وإثباتِ أُلوهيَّتِه [449] يُنظر: ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/350). .