موسوعة التفسير

سورةُ الأنْبياءِ
الآيات (41-47)

ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ

غريب الكلمات:


فَحَاقَ: أي: أحاطَ، ونزَلَ، وأصلُ (حيق): يدُلُّ على نُزولِ الشَّيءِ بالشَّيءِ [458] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/125)، ((البسيط)) للواحدي (8/30)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 93). .
يَكْلَؤُكُمْ: أي: يَحفَظُكم، ويَحرُسُكم، والكِلاءةُ: حِفْظ الشَّيءِ وتَبقيتُه، وأصلُ (كلأ): يدُلُّ على مُراقَبةٍ ونَظَرٍ [459] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/278)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 516)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/131)، ((المفردات)) للراغب (ص: 725)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 238)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 295). .
يُصْحَبُونَ: أي: يُجارُونَ، ويُنصَرونَ؛ لأنَّ المُجِيرَ صاحِبٌ لجارِه. والعربُ تقولُ: صَحِبَك اللهُ، أي: حَفِظك اللهُ وأجارَك، وأصلُ (صحب): يدُلُّ على مُقارنةِ شَيءٍ، ومُقاربتِه [460] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 286)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/335)، ((البسيط)) للواحدي (15/86). .
 أَطْرَافِهَا: أي: جَوانبِها، ونَواحيها، وأصلُ (طرف): يدُلُّ على حَدِّ الشَّيءِ وحَرْفِه [461] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/576)، ((تهذيب اللغة)) للأزهري (13/219)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/447)، ((المفردات)) للراغب (ص: 302)، ((تفسير الألوسي)) (7/163). .
الصُّمُّ: جمعُ الأصمِّ، والصَّمَمُ: فقدانُ حاسَّة السَّمع، وبه يُوصَف مَن لا يُصغِي إلى الحقِّ ولا يَقبلُه، وأصلُه: الصَّلابةُ، وقيل: السَّدُّ [462] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/277)، ((المفردات)) للراغب (ص: 492)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 61). .
نَفْحَةٌ: أي: أدنَى شَيءٍ، والنَّفحةُ: الدَّفعةُ اليَسيرةُ مِن الشَّيءِ دُونَ مُعظَمِه، والنَّصيبُ والحَظُّ، مِن قَولِهم: نفح فلانٌ لفُلانٍ مِن عَطائِه: إذا أعطاه قَسمًا أو نصيبًا، وأصلُ (نفح): يدُلُّ على اندِفاعِ الشَّيءِ [463] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/284)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 465)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/458)، ((الغريبين)) للهروي (5/1696)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 295). .
خَرْدَلٍ: الخَردَلُ: حُبوبٌ دَقيقةٌ كحَبِّ السِّمسِمِ، هي بُزورُ شَجَرٍ يُسَمَّى عند العَرَبِ الخَرْدَلَ. ويُضرَبُ به المَثَلُ في الصِّغَرِ والحَقارةِ [464] يُنظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (11/203)، ((القاموس المحيط)) للفيروزابادي (ص: 992)، ((تفسير الشوكاني)) (3/485)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/86). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى مُسلِّيًا نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم عمَّا أصابَه مِن هؤلاءِ المشركينَ: ولقد استُهزِئَ برُسُلٍ مِن قَبلِك -يا مُحمَّدُ- فنزل بالذين كانوا يَستَهزِئونَ العذابُ الذي كانوا يَستَهزِئونَ به في الدُّنيا، ويُكَذِّبونَ بوُقوعِه.
قل -يا مُحمَّدُ- لكُفَّارِ قَومِك: مَن يَحفَظُكم ويَحرُسُكم في لَيلِكم أو نَهارِكم مِن الرَّحمنِ؟! بل هم عن ذِكرِ ربِّهم لاهُونَ غافِلونَ!
ألهؤلاءِ الكُفَّارِ آلِهةٌ تَمنَعُهم مِن عذابِنا؟ إنَّ آلهِتَهم لا يَستَطيعونَ أن يَنصُروا أنفُسَهم، فكيف يَنصُرونَ عابدِيهم؟! وليس لتلكَ الآلهةِ مُجيرٌ يُجيرُهم مِنَّا.
لقد اغتَرَّ الكُفَّارُ وآباؤُهم بالإمهالِ؛ لِمَا رأَوْهُ مِنَ الأموالِ والبَنينَ وطُولِ الأعمارِ، فظَنُّوا أنَّها لا تَزولُ عنهم، واغتَرُّوا بإمهالِ اللهِ لهم، فحمَلَهم ذلك على الكُفرِ والطُّغيانِ. أفلا يرى هؤلاء الكُفَّارُ أنَّا ننصُرُ المُسلِمينَ، ونفتَحُ لهم ديارَ المُشرِكينَ أرضًا بعدَ أرضٍ، فنَنقُصُ دارَ الكُفَّارِ، ونَزيدُ في دارِ الإسلامِ؟ أفلا يعتَبِرونَ بذلك فيخافونَ ظُهورَهم على أرضِهم، وقَهرِهم إيَّاهم. أفكُفَّارُ مكَّةَ هم المُنتَصِرونَ عليك -يا محمَّدُ- وعلى أتباعِك من المؤمنينَ؟! بل هم المَغلوبونَ!
قُلْ -يا محمَّدُ- للمُشرِكينَ: ما أُخَوِّفُكم مِن العَذابِ إلَّا بوَحيٍ مِن اللهِ، وهو القُرآنُ. ولكِنَّ الكُفَّارَ لا يَسمَعونَ إلى القُرآنِ، فلا ينتَفِعونَ به، كأنَّهم صُمٌّ حين يُخوَّفونَ بآياتِه.
ولو أصاب الكُفَّارَ أقَلُّ شَيءٍ مِن عَذابِ اللهِ ليقولُنَّ نادمينَ مُتحَسِّرينَ: يا وَيْلَنا إنَّا كُنَّا ظالِمينَ لأنفُسِنا بعِبادتِنا غيرَ اللهِ!
ويضَعُ اللهُ الموازينَ العادِلةَ في يومِ القيامةِ؛ لِوَزنِ أعمالِ العِبادِ عند الحسابِ، ولا يَظلِمُ نَفسًا شيئًا، وإن كان هذا العمَلُ مِن خيرٍ أو شَرٍّ قدْرَ ذَرَّةٍ جاء الله بها لتُوزَنَ في الميزانِ، وكفى بالله مُحصِيًا أعمالَ عِبادِه، ومُجازيًا لهم عليها.

تفسير الآيات:


وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (41).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا تقَدَّمَ قَولُ الله تعالى: إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا؛ سَلَّاه تعالى بأنَّ مَن تقَدَّمَه مِن الرُّسُلِ وقَعَ مِن أُمَمِهم الاستهزاءُ بهم، وأنَّ ثَمَرةَ استِهزائِهم جَنَوها هلاكًا وعِقابًا في الدُّنيا والآخرةِ، فكذلك حالُ هؤلاء المُستَهزِئينَ [465] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/430). .
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ.
أي: ولقد استهزأَ كُفَّارُ الأُمَمِ الماضيةِ برُسُلِهم الذين أرسَلْناهم مِن قَبلِك -يا مُحمَّدُ- فاصبِرْ على استِهزاءِ الكافرينَ كما صبَرَ عليه غَيرُك مِن الرُّسُلِ [466] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/277)، ((تفسير القرطبي)) (11/290)، ((تفسير ابن كثير)) (5/344)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/152). .
كما قال عزَّ وجلَّ: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الأحقاف: 35].
فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ.
أي: فنزلَ وأحاط بالكافِرينَ الذين سَخِروا مِنَ الرُّسُلِ العذابُ الذي كانوا يَستَهزِئونَ به في الدُّنيا، ويُكَذِّبونَ بوُقوعِه [467] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/277)، ((تفسير ابن كثير)) (5/344)، ((تفسير السعدي)) (ص: 524)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/153). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا [الأنعام: 34].
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا سَلَّى الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على استهزاءِ الكافرينَ بالوعيدِ، أمَرَ أن يُذَكِّرَهم بأنَّ غُرورَهم بالإمهالِ مِن قِبَلِ اللهِ رَحمةٌ منه بهم، كشأنِه في الرَّحمةِ بمَخلوقاتِه، بأنَّهم إذا نزَلَ بهم عذابُه لا يَجِدونَ حافِظًا لهم مِنَ العذابِ غَيْرَه، ولا تَمنَعُهم منه آلهتُهم [468] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/73). .
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ.
أي: قُلْ -يا محمَّدُ- لكُفَّارِ قَومِك: مَن يَحرُسُكم ويَحفَظُكم باللَّيلِ والنَّهارِ مِن الرَّحمنِ [469] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/278)، ((معاني القرآن)) للزجاج (3/393)، ((تفسير القرطبي)) (11/291)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (27/441) و(35/372)، ((تفسير ابن كثير)) (5/344)، ((تفسير السعدي)) (ص: 524)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/74)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/153، 154). قيل: قَولُه تعالى: مِنَ الرَّحْمَنِ يعني: بَدَلًا من الرَّحمنِ، وذلك كقولِه تعالَى: وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ أي: لجَعلْنا بَدَلًا منكم. فمعنى الآيةِ على ذلك: مَن يحفَظُكم ويحرُسُكم ويمنَعُ عنكم العذابَ غيرُ الرحمن؟ وممن اختار هذا المعنى: ابنُ تيميَّة، وابنُ كثير، والسعدي. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (27/441) و(35/372)، ((تفسير ابن كثير)) (5/344)، ((تفسير السعدي)) (ص: 524). وقيل: المعنى: مَن يحفَظُكم مِن بأسِ الرحمنِ وعذابِه إن أراد أن يُنزِلَه بكم؟ وممن اختار هذا المعنى: مقاتل بنُ سليمان، وابن جرير، والزجاج، والسمعاني، والزمخشري، والرسعني، والقرطبي، وابن عاشور، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/81)، ((تفسير ابن جرير)) (16/278)، ((معاني القرآن)) للزجاج (3/393)، ((تفسير السمعاني)) (3/382)، ((تفسير الزمخشري)) (3/118)، ((تفسير الرسعني)) (4/619)، ((تفسير القرطبي)) (11/291)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/74)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/153، 154). ؟
بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ.
أي: بل الكُفَّارُ مُعرِضونَ عن ذكرِ ربِّهم [470]  ممَّن اختار أنَّ المرادَ بقولِه: ذِكْرِ رَبِّهِمْ القرآنُ: مقاتلُ بنُ سليمان، ويحيى بنُ سلام، والواحدي، والبغوي، وابنُ الجوزي -وكلاهما زاد: مواعظ الله-، والرسعني، والقرطبي، والعليمي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/81)، ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/315)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 716)، ((تفسير البغوي)) (3/289)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/191)، ((تفسير الرسعني)) (4/619)، ((تفسير القرطبي)) (11/291)، ((تفسير العليمي)) (4/358). قال ابن جرير: (بل هم عن ذكرِ مواعظِ ربِّهم، وحُججِه التي احتجَّ بها عليهم معرضونَ، لا يتدبَّرونَ ذلك، فلا يعتبرونَ به؛ جهلًا منهم وسفهًا). ((تفسير ابن جرير)) (16/279). وممن اختار أنَّ المعنى: لا يُخطِرون ذِكرَه تعالى ببالِهم، فضلًا أن يخافوا بأسَه: الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي، والنيسابوري، وأبو السعود، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/118)، ((تفسير البيضاوي)) (4/52)، ((تفسير النسفي)) (2/405)، ((تفسير النيسابوري)) (5/22)، ((تفسير أبي السعود)) (6/69)، ((تفسير القاسمي)) (7/196). قال النسفي: (المعنى: أنَّه أمَرَ رَسولَه بسؤالِهم عن الكالئِ [أي: في قَولِه: مَنْ يَكْلَؤُكُمْ]، ثمَّ بَيَّن أنَّهم لا يَصلُحونَ لذلك؛ لإعراضِهم عن ذِكرِ مَن يَكلَؤُهم). ((تفسير النسفي)) (2/405). وقال ابنُ جُزَي: (إذا سُئِلوا عن ذلك السُّؤالِ [مَنْ يَكْلَؤُكُمْ] لم يجيبوا عنه؛ لأنَّهم تقومُ عليهم الحُجَّةُ إن أجابوا، ولكِنَّهم يُعرِضونَ عن ذِكرِ اللهِ، أي: عن الجَوابِ الذي فيه ذِكرُ اللهِ). ((تفسير ابن جزي)) (2/23). وقال الرازي: (ذِكْرِ رَبِّهِمْ... هو الدَّلائلُ العَقليَّةُ والنَّقليَّةُ، ولطائفُ القرآنِ). ((تفسير الرازي)) (22/147). وقال ابن كثير: (قولُه تعالَى: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ أي: لا يَعترفونَ بنِعَمِه عليهم، وإحسانِه إِليهم، بل يُعرِضونَ عن آياتِه وآلائِه). ((تفسير ابن كثير)) (5/344). ؛ جهلًا منهم، وسفهًا [471] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/279)، ((تفسير القرطبي)) (11/291)، ((تفسير ابن كثير)) (5/344). قال ابنُ عطية: (في آخِرِ الكلامِ تَقديرُ مَحذوفٍ، كأنه قال: ليس لهم مانِعٌ ولا كالئٌ، وعلى هذا النفيِ تركَّبَت «بل» في قَولِه: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ... والمعنى: أيظنُّونَ أنَّ آلهَتَهم التي هي بهذه الصِّفةِ تَمنَعُهم مِن دُونِنا؟! بل ما يمنَعُهم أحَدٌ إلَّا نحن). ((تفسير ابن عطية)) (4/84). وقال ابنُ جزي: (قولُه: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ بمعنى أنَّهم إذا سُئِلوا عن ذلك السُّؤالِ [أي: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ] لم يجيبُوا عنه؛ لأنَّهم تقومُ عليهم الحُجَّةُ إن أجابوا، ولكِنَّهم يُعرِضونَ عن ذِكرِ الله، أي: عن الجَوابِ الذي فيه ذِكرُ الله. وقال الزمخشريُّ: معنى الإضرابِ هنا أنَّهم مُعرِضونَ عن ذِكرِه، فضلًا عن أن يخافُوا بأسَه). ((تفسير ابن جزي)) (2/23). ويُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/118). .
أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43).
أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا.
أي: ألهؤلاءِ الكُفَّارِ آلِهةٌ غَيرُنا تَحفَظُهم مِن عَذابِنا إن أنزَلْناه بهم [472] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/279)، ((تفسير القرطبي)) (11/291)، ((تفسير ابن كثير)) (5/344)، ((تفسير الشوكاني)) (3/483)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/155). ؟
لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ.
أي: لا تَقدِرُ آلهتُهم المزعومةُ أن تَنصُرَ أنفُسَها لِضَعفِها، فكيف تنصُرُ عابديها، وتمنَعُهم مِن عذابِنا [473] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/279)، ((تفسير القرطبي)) (11/291)، ((تفسير ابن كثير)) (5/344). ؟!
كما قال تعالى: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [الأعراف: 191، 192].
وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ.
أي: وليس لتلكَ الآلهةِ مُجيرٌ يُجيرُهم مِنَّا [474] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/281)، ((تفسير ابن كثير)) (5/344)، ((تفسير ابن عجيبة)) (3/465)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/156). قال ابن الجوزي: (وَلَا هُمْ في المشارِ إِليهم قولان: أحدُهما: أنَّهم الكفار، وهو قولُ ابنِ عبَّاس. والثاني: أنَّهم الأصنامُ، قاله قتادةُ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/192). وممن اختار الأولَ: مقاتلُ بن سليمان، وابنُ جريرٍ، والواحدي، وابن جزي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/81)، ((تفسير ابن جرير)) (16/281)، ((البسيط)) للواحدي (15/85)، ((تفسير ابن جزي)) (2/23). وممن اختار الثاني: الرسعني، وأبو حيانَ، والشوكاني، والألوسي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (4/619)، ((تفسير أبي حيان)) (7/433)، ((تفسير الشوكاني)) (3/483)، ((تفسير الألوسي)) (9/50)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/156). وممن اختار أنَّ معنى يُصْحَبُونَ: يُجارونَ: ابنُ جرير، والواحدي، والسمعاني، والعليمي، والشوكاني، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/281)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 716)، ((تفسير السمعاني)) (3/382)، ((تفسير العليمي)) (4/358)، ((تفسير الشوكاني)) (3/483)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/156). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباس في روايةٍ عنه، والحسنُ، والكلبي. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/315)، ((تفسير ابن جرير)) (16/280). وقال مجاهدٌ: يُمنعون. يُنظر: ((تفسير سفيان الثوري)) (ص: 199). قال الشنقيطي: (وقولُه في هذه الآيةِ الكريمةِ: وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ أي: يُجارُونَ... وأغلبُ أقوالِ العُلماءِ في الآيةِ راجعةٌ إِلى ما ذكَرْنا؛ كقولِ بعضِهم: يُصْحَبُونَ يُمنَعونَ. وقَولِ بَعضِهم: يُنصَرونَ. وقولِ بعضِهم: وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ أي: لا يصحَبُهم اللهُ بخيرٍ، ولا يجعَلُ الرَّحمةَ صاحبًا لهم. والعلمُ عندَ اللهِ تعالى). ((أضواء البيان)) (4/156). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/281). .
كما قال تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء: 98، 99].
وقال سُبحانَه: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات: 22- 26].
بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44).
بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ.
أي: ولكنَّ الذي أوجبَ استِمرارَهم على كُفرِهم وشِركِهم هو أنَّنا متَّعْنا مُشرِكي قُرَيشٍ وآباءَهم مِن قَبلِهم بالنِّعَمِ، وأطَلْنا أعمارَهم، فظَنُّوا أنَّها لا تَزولُ عنهم، فقَسَت قلوبُهم، واغتَرُّوا بإمهالِ اللهِ لهم، وأعرَضوا عن تدبُّرِ حُجَجِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فحمَلَهم ذلك على الطُّغيانِ، والاستِمرارِ على باطِلِهم [475] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/281)، ((تفسير القرطبي)) (11/292)، ((تفسير السعدي)) (ص: 524)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/75)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/156). قال ابن عاشور: (قد استقريتُ أنَّ القرآنَ إذا ذُكرتْ فيه هذه الإشارةُ [يعني: هؤلاء] دونَ وجودِ مشارٍ إليه في الكلامِ فهو يعني بها كفَّارَ قريشٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (17/76). .
كما قال تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران: 178].
وقال سُبحانَه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف: 182، 183].
وقال عزَّ وجلَّ: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا [الفرقان: 17، 18].
وقال تبارك وتعالى: بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ * وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف: 29، 30].
أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا.
أي: أوَلم يرَ الكُفَّارُ أنَّا ننصُرُ المُسلِمينَ، ونفتَحُ لهم ديارَ المُشرِكينَ أرضًا بعدَ أرضٍ، فنَنقُصُ دارَ الكُفَّارِ، ونَزيدُ في دارِ الإسلامِ؟ أفلا يعتَبِرونَ بذلك فيخافونَ ظُهورَهم على أرضِهم، وقَهرِهم إيَّاهم [476] يُنظر:  ((تفسير الزمخشري)) (2/534)، ((تفسير ابن جزي)) (1/407)، ((تفسير الشوكاني)) (3/484)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/157). وممن اختار القولَ المذكورَ: ابنُ جرير، والزَّجَّاجُ، والواحدي، والبغوي، والزمخشري، والرسعني، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وابن جزي، والمحلي، وأبو السعود، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/281، 282)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/151)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 716)، ((تفسير البغوي)) (3/290)، ((تفسير الزمخشري)) (3/119)، ((تفسير الرسعني)) (4/619)، ((تفسير القرطبي)) (11/292)، ((تفسير البيضاوي)) (4/52)، ((تفسير النسفي)) (2/406)، ((تفسير الخازن)) (3/226)، ((تفسير ابن جزي)) (1/407)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 424)، ((تفسير أبي السعود)) (6/70)، ((تفسير الشوكاني)) (3/484). قال السمعاني: (نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا الأكثرونَ: أنَّ هذا هو ظهورُ النَّبيِّ، وفتحُه ديارَ الشِّركِ أرضًا أرضًا، وبلدةً بَلْدَةً، والدَّلِيلُ على صحةِ هذا التأويلِ أنَّه قال: أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ أي: ليست الغلبةُ لهم؛ إنَّما الغلبةُ لي ولرسولي). ((تفسير السمعاني)) (3/382). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباس في رواية عنه، والضحاك، والحسن. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/574)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/501). قال ابنُ عطية: (وهذا... القَولُ لا يتأتَّى إلَّا بأن نقَدِّرَ نزولَ هذه الآيةِ بالمدينةِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/319). وقال الألوسي: (والآيةُ... مدنيةٌ، وهي نازلةٌ بعدَ فرضِ الجهادِ، فلا يَرِدُ أنَّ السورةَ مكِّيَّةٌ، والجهادُ فُرِض بعدَها حتى يقالَ: إنَّ ذلك إخبارٌ عن المستقبَلِ). ((تفسير الألوسي)) (9/51). وقال الشنقيطي: (في معنى إتيانِ اللهِ الأرضَ يَنقُصُها مِن أطرافِها في هذه الآيةِ الكريمةِ أقوالٌ مَعروفةٌ للعُلَماءِ، وبَعضُها تدُلُّ له قرينةٌ قرآنيَّةٌ، وأمَّا القولُ الذي دَلَّت عليه القرينةُ القُرآنيَّةُ فهو أنَّ معنى نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أي: نَنقُصُ أرضَ الكُفرِ ودارَ الحَربِ، ونحذِفُ أطرافَها بتسليطِ المُسلِمينَ عليها، وإظهارِهم على أهلِها، ورَدِّها دارَ إسلامٍ، والقرينةُ الدَّالَّةُ على هذا المعنى هي قَولُه بعده: أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ، والاسِتفهامُ لإنكارِ غلَبتِهم. وقيل: لِتَقريرِهم بأنَّهم مغلوبون لا غالبون، فقَولُه: أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ دليلٌ على أنَّ نَقْصَ الأرضِ مِن أطرافِها سَبَبٌ لغَلَبةِ المُسلِمينَ للكُفَّارِ، وذلك إنَّما يحصُلُ بالمعنى المذكورِ). ((أضواء البيان)) (4/157). وقال البقاعي: (أَفَلَا يَرَوْنَ أي: يَعلَمونَ عِلمًا هو في وضوحِه مِثلَ الرُّؤيةِ بالبَصَرِ ... نَأْتِي الْأَرْضَ أي: التي أهلُها كُفَّارٌ إتيانَ غَلَبةٍ لهم بتَسليطِ أوليائِنا عليهم؟!). ((نظم الدرر)) (12/426). وقال ابن جرير: (يقول تعالى ذِكرُه: أفلا يرى هؤلاء المُشرِكون بالله، السَّائلونَ محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّم الآياتِ، المُستعجِلوه بالعَذابِ: أنَّا نأتي الأرضَ نُخرِّبُها من نواحيها بقَهْرِنا أهلَها وغَلَبَتِناهم، وإجلائِهم عنها وقَتْلِهم بالسُّيوفِ؛ فيَعتَبِروا بذلك ويتَّعِظوا به، ويحذَروا مِنَّا أن نُنزِلَ مِن بأسِنا بهم نحوَ الذي قد أنزَلْنا بمن فعَلْنا ذلك به مِن أهل الأطرافِ؟!). ((تفسير ابن جرير)) (16/281). ويُنظر كلامُ ابنِ كثيرٍ في نظير هذه الآيةِ من سورةِ الرعدِ (آية 41)، حيث اختار أنَّ المرادَ هو ظهورُ الإسلامِ على الشركِ قريةً بعدَ قريةٍ. ((تفسير ابن كثير)) (4/473). وقال في آيةِ سورةِ الأنبياءِ: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [الأنبياء: 44] اختلَف المفسِّرونَ في معناه... وأحسنُ ما فُسِّر بقولِه تعالَى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الْأَحْقَافِ:27]). ((تفسير ابن كثير)) (5/345). قال الشِّنقيطيُّ تعليقًا على كلامِ ابنِ كثيرٍ: (ما ذكره ابنُ كثيرٍ صَوابٌ، واستقراءُ القُرآنِ العَظيمِ يدُلُّ عليه، وعليه فالمعنى: أفلا يرى كُفَّارُ مكَّةَ ومَن سار سَيرَهم في تكذيبِك -يا نبيَّ اللهِ- والكُفرِ بما جِئتَ به: أنَّا نأتي الأرضَ نَنقُصُها من أطرافِها، أي: بإهلاكِ الذين كذَّبوا الرُّسُلَ، كما أهلَكْنا قَومَ صالحٍ وقَومَ لوطٍ، وهم يمُرُّونَ بديارِهم، وكما أهلَكْنا قومَ هودٍ، وجعَلْنا سبأً أحاديثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ؟!). ((أضواء البيان)) (4/157، 158). وممن قال مِن السلفِ: إنَّ المرادَ هو خرابُ القُرى: ابنُ عباسٍ في روايةٍ عنه، ومجاهدٌ في رواية عنه، وابنُ جريجٍ -وزاد وهلاك الناسِ-، وعكرمةُ في روايةٍ عنه. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/576). وذهب السعدي إلى أنَّ المرادَ بنقصِ الأرضِ مِن أطرافِها: مَوتُ أهلِها شَيئًا فشيئًا، حتى يَرِثَ اللهُ الأرضَ ومَن عليها. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 524). وممن قال بنحوِ هذا القولِ: مجاهدٌ في روايةٍ عنه، وعكرمةُ في روايةٍ عنه، وعطاءٌ، وقتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/577)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/501). وذهب ابنُ عاشور إلى أنَّ المراد: نقصانُ عددِ المشركينَ بدُخولِ كثيرٍ منهم في الإسلامِ مِن أهلِ مكَّةَ وغَيرِهم. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/76، 77). ؟!
أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ.
أي: أفكُفَّارُ مكَّةَ هم المُنتَصِرونَ على النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأتباعِه المُؤمِنينَ؟! بل المُشرِكونَ هم المغلوبونَ الأخسَرونَ الأذَلُّونَ [477] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/345). .
كما قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: 44، 45].
قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا كَرَّر في القُرآنِ الأدِلَّةَ، وبالَغَ في التَّنبيهِ عليها على ما تقَدَّمَ؛ أتبَعَه بقَولِه: قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ أي: بالقُرآنِ الذي هو كلامُ رَبِّكم؛ فلا تظُنُّوا أنَّ ذلك مِن قِبَلي، بل اللهُ آتيكم به، وأمَرَني بإنذارِكم [478] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/148). .
قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ.
أي: قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: إنَّما أُخَوِّفُكم عذابَ اللهِ بالقُرآنِ الذي يُنزِلُه اللهُ علَيَّ، ولا أُحَذِّرُكم مِن قِبَلِ نَفسي [479] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/282)، ((تفسير القرطبي)) (11/292)، ((تفسير ابن كثير)) (5/345)، ((تفسير السعدي)) (ص: 524). .
كما قال تعالى: وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ [النمل: 92].
وقال سُبحانَه: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق: 45].
وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
1- قِراءةُ تُسْمِعُ الصُّمَّ بتاءٍ مَضمومةٍ، وكسرِ الميمِ، بالخطابِ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، و(الصُّمَّ) بالفَتحِ على أنَّه مفعولٌ به لـ (تُسْمِعُ)، أي: أنت -يا محمَّدُ- لا تقدِرُ أن تُسمِعَ الصُّمَّ، وهم الكافِرونَ [480] قرأ بها ابنُ عامرٍ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/323). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/166)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 467). .
2- قراءةُ يَسْمَعُ الصُّمُّ بياءٍ مفتوحةٍ، وفَتحِ الميمِ، و(الصُّمُّ) بالرَّفعِ على أنَّه فاعِلُ (يَسْمَعُ)، أي: أنَّ الكافرينَ تَرَكوا استِماعَ ما يجِبُ عليهم استِماعُه وقَبولُه، وفيه معنى الذَّمِّ لِمن كان قادرًا على سَماعِ الحَقِّ فتَرَك استِماعَه [481] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/323، 324). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 468)، ((الكشف)) لمكي (2/111). .
وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ.
أي: ولا يُصغي الكُفَّارُ إلى القُرآنِ، كأنَّهم صُمٌّ لا ينتَفِعونَ به حين يُخوَّفونَ بآياتِه [482] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/283)، ((تفسير السمعاني)) (3/383)، ((تفسير القرطبي)) (11/292)، ((تفسير السعدي)) (ص: 524). .
كما قال تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: 171].
وقال سُبحانَه: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ [هود: 20].
وقال عزَّ وجلَّ: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ [النمل: 80، 81].
وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46).
أي: ولَئِنْ أصاب الكافرينَ المُستَعجِلينَ بالعذابِ أقَلُّ شَيءٍ مِن عذابِ رَبِّك -يا مُحمَّدُ- ليقولُنَّ نادمينَ مُتحَسِّرينَ: يا ويلَنا إنَّا كُنَّا ظالِمينَ لأنفُسِنا بعِبادتِنا غيرَ اللهِ [483] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/284)، ((تفسير السمرقندي)) (2/428)، ((تفسير ابن كثير)) (5/345)، ((تفسير الشوكاني)) (3/484)، ((تفسير السعدي)) (ص: 524)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/79). ذهب ابنُ عطيةَ وأبو حيان والعليمي إلى أنَّ هذه النفحةَ مِن العذابِ في الدنيا. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/84)، ((تفسير أبي حيان)) (7/435)، ((تفسير العليمي)) (4/359). وهذا القولُ ذكَر الألوسي أنَّه قيل بناءً على ما رُوي عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما مِن تفسيرِ النفحةِ بالجوعِ الذي نزَل بمكةَ. يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (9/52). واستظهر الألوسي أنَّ هذا المسَّ يكونُ يومَ القيامة. وذكَر ابنُ عاشور أنَّ هذه النفحةَ مِن العذاب هي أولُ العذابِ في الآخرةِ. يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (9/52)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/79). وقال ابنُ كثير: (ولئن مَسَّ هؤلاءِ المكذِّبينَ أدنَى شيءٍ مِن عَذابِ اللَّهِ، ليعتَرِفُنَّ بذُنوبِهم، وأنَّهم كانوا ظالمينَ أنفسَهم في الدُّنيا). ((تفسير ابن كثير)) (5/345). قال الطِّيبي: (والذي يدلُّ على أنَّ قولَه: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ متعلِّقٌ بأحوالِ القيامةِ: إيقاعُ قولِه تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ حالًا من الضميرِ في لَيَقُولُنَّ بتقديرِ: نحنُ نضعُ، خاليًا عن الضميرِ، على منوالِ: جئتُكَ والشمسُ طالعةٌ). ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/353). !
وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47).
وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ.
أي: ونُقيمُ الموازينَ العادِلةَ في يومِ القيامةِ؛ لِوَزنِ أعمالِ العِبادِ عند حِسابِهم [484] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/85)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/192)، ((تفسير القرطبي)) (11/294)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (4/302)، ((تفسير ابن كثير)) (5/345)، ((تفسير أبي السعود)) (6/70، 71)، ((تفسير السعدي)) (ص: 524)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/158، 160). قال الشنقيطي: (اختلفوا في كيفيَّةِ هذا الوَزنِ على ثلاثةِ أقواٍل لا يُكَذِّبُ بَعضُها بَعضًا، وقال بعضُ العُلَماءِ: لا مانِعَ مِن أن يقعَ جميعُها، فذهب أكثَرُ المفَسِّرين إلى أنَّ الموزونَ هو صحائِفُ الأعمالِ؛ لأنَّ كلَّ إنسانٍ له كتابٌ وصحائِفُ فيها عَمَلُه... وذهبت جماعةٌ من العُلماءِ، ورواه غيرُ واحدٍ عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ الموزونَ نفسُ الأعمالِ، وأنَّ الله يُحَوِّلُ الأعمالَ الحَسَنةَ إلى أجرامٍ حَسَنةٍ مُضيئةٍ نَيِّرةٍ... وقال بعضُ أهل العِلمِ: إنَّ ما يُوزَنُ أصحابُ الأعمالِ). ((العذب النمير)) (3/72-74). وقال أيضًا: (الأحاديثُ النَّبويَّةُ، وظواهِرُ القرآنِ العَظيمةُ، وسائِرُ المُسلِمينَ -إلَّا مَن شَذَّ- كُلُّها مُتَّفِقةٌ على أنَّه ميزانٌ حَقيقيٌّ له لِسانٌ وكِفَّتانِ). ((العذب النمير)) (3/79). وقال ابن أبي العز: (ثَبَت وزنُ الأعمالِ والعاملِ وصحائِفِ الأعمالِ، وثَبَت أنَّ الميزانَ له كِفَّتانِ. واللهُ تعالى أعلمُ بما وراءَ ذلك مِن الكيفيَّاتِ). ((شرح الطحاوية)) (2/613). وقال الشنقيطي: (اللَّامُ في قَولِه: لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فيها أوجهٌ مَعروفةٌ عند العلماء: منها: أنَّها للتَّوقيتِ، أي: الدَّلالةِ على الوَقتِ... ومنها: أنَّها لامُ «كي»، أي: نَضعُ الموازينَ القِسطَ؛ لأجْلِ يومِ القيامةِ، أي: لحِسابِ النَّاسِ فيه حِسابًا في غايةِ العدالةِ والإنصافِ. ومنها: أنَّها بمعنى «في»، أي: نضعُ الموازينَ القِسطَ في يومِ القيامةِ. والكوفيونَ يقولونَ: إنَّ اللامَ تأتي بمعنى في، ويقولونَ: إنَّ مِن ذلك قَولَه تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ أي: في يومِ القيامةِ، وقَولَه تعالى: لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ [الأعراف: 187] أي: في وَقتِها، ووافقهم في ذلك ابنُ قُتيبةَ من المتقَدِّمين، وابنُ مالكٍ من المتأخِّرين). ((أضواء البيان)) (4/160). .
كما قال تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ [الأعراف: 8، 9].
فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا.
أي: فلا يَظلِمُ اللهُ نفْسًا يومَ القيامةِ بالنَّقصِ مِن حَسَناتِها، أو بمُعاقَبتِها بغيرِ ذَنبِها، أو بالزِّيادةِ في سَيِّئاتِها [485] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/285)، ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (1/136)، ((تفسير السعدي)) (ص: 524). .
كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 40].
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ سيُخَلِّصُ رَجُلًا مِن أُمَّتي على رُؤوسِ الخلائِقِ يومَ القيامةِ، فيَنشُرُ عليه تِسعةً وتِسعينَ سِجِلًّا، كلُّ سِجِلٍّ مِثلُ مَدِّ البَصرِ [486] مَدِّ البَصَرِ: أي: مِقدار ما يمتَدُّ إليه بصَرُ الإنسانِ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3531). ، ثمَّ يقولُ: أتُنكِرُ مِن هذا شيئًا؟ أظلَمَك كَتَبَتي الحافِظونَ؟ فيقولُ: لا يا رَبِّ، فيقولُ: أفلَك عُذرٌ؟ فيقولُ: لا يا رَبِّ، فيقولُ: بلى، إنَّ لك عندنا حَسَنةً، فإنَّه لا ظُلمَ عليك اليومَ، فتُخرَجُ بطاقةٌ فيها: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُه ورَسولُه، فيقولُ: احضُرْ وَزْنَك، فيقولُ: يا رَبِّ، ما هذه البِطاقةُ مع هذه السِّجِلَّات؟! فقال: إنَّك لا تُظلَمُ، فتُوضَعُ السِّجِلاتُ في كفَّةٍ، والبِطاقةُ في كفَّةٍ، فطاشت [487] فطاشَت: أي: خَفَّت. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3532). السِّجِلاتُ، وثَقُلَت البطاقةُ؛ فلا يَثقُلُ مع اسمِ اللهِ شَيءٌ )) [488] أخرجه الترمذي (2850)، وابن ماجه (4300)، وأحمد (2/213) (6994)، والحاكم (1/46). قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ غريب. وصحَّحه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (135): وهو كما قالا. وقال أحمد شاكر في ((تحقيق المسند)) (11/176): إسناده صحيح. .
وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا.
أي: وإن كان الَّذي للعبدِ مِن عملِ الحسناتِ، أو عليه مِن السَّيِّئاتِ وَزنَ حَبَّةٍ مِن خَردلٍ، جِئْنا بها لِتُوزنَ في الميزانِ [489] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/286)، ((تفسير القاسمي)) (7/198)، ((تفسير السعدي)) (ص: 524). .
كما قال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: 49].
وقال سُبحانَه: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7، 8].
وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ.
أي: وكفَى بنا عالِمينَ بأعمالِ العِبادِ، حافِظينَ لها، مُثبِتينَ لها في الكِتابِ، عالِمينَ بمقاديرِها ومقاديرِ ثوابِها وعِقابِها واستِحقاقِها، مُوصِلينَ للعامِلينَ جَزاءَها، ولن نَظلِمَهم شيئًا؛ فليس في الحِسابِ أحدٌ مِثلُنا [490] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/287)، ((تفسير القرطبي)) (11/294)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/430)، ((تفسير السعدي)) (ص: 524)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/87). قال ابنُ عاشور: (التقدير: وكفى النَّاسَ نحنُ في حالِ حِسابِهم. ومعنى: كفاهم نحن حاسِبينَ: أنَّهم لا يتطَلَّعونَ إلى حاسِبٍ آخَرَ يَعدِلُ مِثلَنا. وهذا تأمينٌ للنَّاسِ مِن أن يُجازَى أحَدٌ منهم بما لا يَستَحِقُّه، وفي ذلك تحذيرٌ مِن العذابِ، وترغيبٌ في الثوابِ). ((تفسير ابن عاشور)) (17/87). .
كما قال تعالى: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: 25- 26].

الفوائد التربوية:


قَولُ الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ، أي: الأصمُّ لا يَسمَعُ صَوتًا؛ لأنَّ سَمْعَه قد فسَدَ وتعَطَّل، وشَرْطُ السَّماعِ معَ الصَّوتِ أن يُوجَدَ محَلٌّ قابِلٌ لذلك، كذلك الوَحيُ سَبَبٌ لحياةِ القُلوبِ والأرواحِ، وللفِقهِ عن اللهِ، ولكِنْ إذا كان القَلبُ غَيرَ قابِلٍ لسَماعِ الهُدى، كان بالنِّسبةِ للهُدى والإيمانِ بمَنزلةِ الأصَمِّ بالنِّسبةِ إلى الأصواتِ [491] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:524). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قولُه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا في ذلك تبشيرٌ للمؤمنينَ بما يفتحُ الله عليهم [492] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/434). .
2- قولُ الله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ إنْ قيل: الميزانُ واحِدٌ [493] قال ابنُ كثير: (الأكثَرُ على أنَّه إنَّما هو ميزانٌ واحِدٌ). ((تفسير ابن كثير)) (5/345). ويُنظر: ((تفسير القنوجي)) (8/333)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/159). وفي الحديث: ((كلِمتانِ خفيفتانِ على اللِّسانِ، ثَقيلتانِ في الميزانِ)). أخرجه البخاري (6406)، ومسلم (2694)، مِن حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه. ، فما وجهُ الجَمعِ؟
فالجوابُ مِن أوجهٍ:
الأول: أنَّه ميزانٌ واحدٌ، وأُطْلِق عليه اسمُ الجمعِ تفخيمًا له، فالعَربُ قد تُوقِعُ لفظَ الجَمعِ على الواحِدِ تفخيمًا له. وتُطْلِقُ الجمعَ، وتريدُ المفردَ كعكسِه.
الثاني: أنَّه إِنَّما جُمِع باعتبارِ تَعَدُّدِ الأعمالِ الموزونةِ فيه وكثرتِها، وكثرةِ الأشخاصِ العاملينَ، الموزونةِ أعمالُهم.
الثالث: أنَّ الموازينَ جمعُ موزونٍ، والموزونُ هو الحسناتُ والسيئاتُ، وجمعُ (الموزونِ) على (موازينَ) جمعٌ قياسيٌّ مُطَّرِدٌ، وعلى هذا فلا سؤالَ ولا إشكالَ.
الرابع: أنَّه يُنصَبُ لكُلِّ عبدٍ مِيزانٌ [494] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/464)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/76)، ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (8/499). .
3- في قَولِه تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ دَلالةٌ على إثباتِ الوَزنِ يومَ القيامةِ [495] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (3/57). ، وأنَّ وجودَ الموازينِ حَقيقةٌ، وقد جاءت الأحاديثُ الكثيرةُ بالأسانيدِ الصَّحيحةِ في هذا البابِ [496] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/149). .
4- إن قيل: قَولُ الله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، ظاهرُه يناقض قولَه تعالى في الكفارِ: فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥]؟
والجوابُ على ذلك مِن وجهينِ:
الأوَّل: أنَّه ليس هذا على أن لا توزنَ أعمالُ الكفارِ، بل تُوزنُ لكنَّ أعمالَهم شَائِلَةٌ [497] شائِلةٌ: أي: خَفيفةٌ، مِن قَولِهم: شال الميزانُ: إذا خَفَّت إحدى كِفَّتَيه فارتفَعَت. يُنظر: ((المصباح المنير)) للفيومي (1/328). ، وموازينَهم خفافٌ، قد نَصَّ الله تعالَى على ذلك فقال: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ إلى قولِه: فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ، فأَخبَر عزَّ وجلَّ أَنَّ هؤلاءِ المكذِّبين بآياتِه خفَّت موازينُهم، والمكذِّبون بآيَاتِ الله عزَّ وَجلَّ كفارٌ بلا شكٍّ [498]  يُنظر: ((الفصل في الملل والأهواء والنحل)) لابن حزم (4/54). ، فمعنَى الآيةِ: لا نُثقِّلُ مَوازينَهم يومَ القيامةِ؛ لأنَّه ليس لهم حَسَناتٌ [499] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/429)، ((تفسير ابن كثير)) (5/202). .
الثاني: أنَّ معنى الآيةِ: لا يُعتَدُّ بهم، ولا يكونُ لهم عندَ الله قَدْرٌ ومَنزِلةٌ [500]  يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (14/166، 167)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 146). ، فلا يُكرِمُهم ولا يُعظِّمُهم [501] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/149)، ((تفسير الشربيني)) (2/507). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ تَسليةٌ للرَّسولِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن استهزائِهم به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في ضِمْنِ الاستعجالِ، وعِدَةٌ ضِمْنيةٌ بأنَّه يُصيبُهم مثْلُ ما أصاب المُستهزئينَ بالرُّسلِ السَّالفةِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ [502] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/118)، ((تفسير البيضاوي)) (4/52)، ((تفسير أبي حيان)) (7/432)، ((تفسير أبي السعود)) (6/68)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/73). .
       - قولُه: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فيه التَّصديرُ بالقسَمِ؛ لزِيادةِ تَحقيقِ مَضمونِه. وتَنوينُ الرُّسلِ للتَّفخيمِ والتَّكثيرِ [503] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/68). .
       - قولُه: فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ قُدِّمَ قولُه: بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ على فاعلِهِ الَّذي هو قولُه تعالى: مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ؛ للمُسارَعةِ إلى بَيانِ لُحوقِ الشَّرِّ بهم [504] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/68). .
       - ومَا في قولِه: فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ إمَّا موصولةٌ مُفيدةٌ للتَّهويلِ، والضَّميرُ المجرورُ عائدٌ إليها، والجارُّ مُتعلِّقٌ بالفِعْلِ، وتَقديمُه عليه لرِعايةِ الفواصلِ، أي: فأحاطَ بهم الذي كانوا يَستهزئونَ به حيثُ أُهْلِكوا لأجْلِه. وإمَّا مَصدريَّةٌ؛ فالضَّميرُ المجرورُ راجعٌ حينئذٍ إلى جِنْسِ الرَّسولِ المدلولِ عليه بالجَمْعِ، ولعلَّ إيثارَه على الجمْعِ للتَّنبيهِ على أنَّه يَحِيقُ بهم جَزاءُ استهزائِهم بكلِّ واحدٍ واحدٍ منهم عليهم السَّلامُ، لا جزاءُ استهزائِهم بكلِّهم من حيثُ هو كلٌّ فقطْ، أي: فنزَلَ بهم جَزاءُ استهزائِهم -على وَضْعِ السَّببِ مَوضِعَ المسبَّبِ؛ إيذانًا بكَمالِ المُلابَسةِ بينهما-، أو عينُ استهزائِهم إنْ أُرِيدَ بذلك العذابُ الأُخرويُّ، بِناءً على تَجسُّمِ الأعمالِ يومَ القيامةِ [505] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/68). .
2- قوله تعالى: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ
       - الاستفهامُ في قولِه: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ استفهامُ تَقريعٍ وتَبْكيتٍ وتَوبيخٍ، أي: لا يَكْلَؤُهم منه أحدٌ؛ فكيف تَجْهَلون ذلك؟! تَنبيهًا لهم إذا نَسُوا نِعَمَه [506] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/433)، ((تفسير أبي السعود)) (6/69)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/73). .
       - وذِكْرُ اللَّيلِ والنَّهارِ لاستيعابِ الأزمنةِ؛ كأنَّه قيل: مَن يَكْلَؤُكم في جَميعِ الأوقاتِ [507] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/69)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/74). ؟ وقيل: إنما ذُكِر اللَّيلُ والنَّهارُ؛ لأنَّ لكُلِّ واحدٍ مِن الوَقتَينِ آفاتٍ تختَصُّ به [508] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/147). ، وتَقديمُ اللَّيلِ؛ لِمَا أنَّ الدَّواهِيَ أكثَرُ فيه وُقوعًا، وأشدُّ وَقْعًا [509] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/69)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/74). .
       - وفي لَفْظِ الرَّحْمَنِ تَنبيهٌ على أنْ لا كالِئَ غيرُ رَحمتِه العامَّةِ [510] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/52)، ((تفسير أبي السعود)) (6/69)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/73). . وقيل: خَصَّ هاهنا اسمَ (الرَّحمنِ) بالذِّكرِ؛ تلقينًا للجَوابِ، حتى يقولَ العاقِلُ: أنت الكالئُ يا إلهَنا لكلِّ الخلائِقِ برَحمتِك [511] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/146). .
       - قولُه: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ فيه إضرابٌ بـ (بَلْ)، وهو ارتقاءٌ مِن التَّقريعِ المَجْعولِ للإصلاحِ إلى التَّأْييسِ مِن صَلاحِهم بأنَّهم عن ذِكْرِ ربِّهم مُعرِضونَ. وفي تَعليقِ الإعراضِ بذِكْرِه تعالى، وإيرادِ اسمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَميرِهم المُنبئِ عن كَونِهم تحتَ مَلكوتِه وتَدبيرِه وتَربيتِه تعالى: دَلالةٌ على كَونِهم في الغايةِ القاصيةِ مِنَ الضَّلالةِ والغَيِّ [512] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/69)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/74). .
       - قولُه: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ فيه الْتِفاتٌ؛ حيث أعرَضَ عنهم من طَريقِ الخطابِ إلى طَريقِ الغَيبةِ؛ لأنَّ ما وُجِّهَ إليهم مِن إنكارِ أنْ يَكلَأَهم أحدٌ مِن عَذابِ اللهِ جعَلَهم أحرياءَ بالإعراضِ عنهم [513] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/75). .
3- قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ
       - قولُه: أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا (أَمْ) مُنقطِعةٌ وما فيها من مَعْنى (بلْ) للإضرابِ، والانتقالِ عمَّا قبْلَه إلى تَوبيخِهم باعتمادِهم على آلهتِهم، وإسنادِهم الحِفْظَ إليها، والهمزةُ لإنكارِ أنْ يكونَ لهم آلِهَةٌ تَقدِرُ على ذلك. وفي تَوجيهِ الإنكارِ والنَّفيِ إلى وُجودِ الآلهةِ الموصوفةِ بما ذُكِرَ منَ المنْعِ: دَلالةٌ على سُقوطِها عن مَرْتبةِ الوُجودِ فضْلًا عن رُتْبةِ المنْعِ [514] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/1588)، ((تفسير البيضاوي)) (4/52)، ((تفسير أبي حيان)) (7/433)، ((تفسير أبي السعود)) (6/69)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/74). . وإنَّما خُولِفَ في هذا الإضرابِ بأنْ أتى بـ(أَمْ) المُتضمِّنةِ للهمزةِ و(بَلْ)؛ ليُؤْذِنَ بالاهتمامِ، وأنَّ الجُملةَ مُستطردةٌ بينَ الإضرابينِ بـ(بَلْ) [515] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/352). .
       - قولُه: لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ استئنافٌ مُقرِّرٌ لِمَا قبْلَه من الإنكارِ، ومُوضِّحٌ لبُطلانِ اعتقادِهم [516] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/69). . وضَميرُ يَسْتَطِيعُونَ عائدٌ إلى آَلِهَةٌ، أُجْرِيَ عليهم ضَميرُ العُقلاءِ؛ مُجاراةً لِمَا يُجْرِيه العرَبُ في كَلامِهم [517] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/74). .
4- قوله تعالى: بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ
       - قولُه: أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا فيه تَقريعٌ على إحالتِهم نصْرَ المُسلِمينَ، وعَدِّهم تأْخيرَ الوعْدِ به دَليلًا على تَكذيبِ وُقوعِه حتَّى قالوا: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الأنبياء: 38]؛ تَهكُّمًا وتَكذيبًا [518] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/76). .
       - ولمَّا أنذَرَهم بما سيَحُلُّ بهم في قولِه تعالى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ إلى قولِه تعالى: مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأنبياء: 39- 41]، فرَّعَ على ذلك كلِّه بقولِه: أَفَلَا يَرَوْنَ ... استفهامًا تَعجُّبيًّا مِن عدَمِ اهتدائِهم إلى أماراتِ اقتِرانِ الوعْدِ بالموعودِ، استِدلالًا على قُرْبِه بحُصولِ أماراتِه [519] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/76). . وقيل: الفاءُ في أَفَلَا يَرَوْنَ لعطْفِ الجُملةِ على مُقدَّرٍ، وفي أَفَهُمُ على المذكورِ، والهمزةُ الثَّانيةُ مُكرَّرةٌ مُقْحمةٌ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه؛ لتَأْكيدِ التَّقريرِ على سَبيلِ التَّعكيسِ، أي: أفلا يَنظُرون كيف نَغلِبُهم ونَنقُصُ من أطْرافِ أرْضِهم، فهم الغالِبونَ أمْ نحنُ [520] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/352). ؟!
       - وفائدةُ قولِه: نَأْتِي الْأَرْضَ تَصويرُ ما كان اللهُ يُجْرِيه على أيدي المُسلِمينَ، وأنَّ عساكِرَهم وسراياهم كانت تَغْزو أرضَ المُشرِكينَ وتأْتيها غالِبةً عليها، ناقِصةً مِن أطْرافِها [521] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/119)، ((تفسير البيضاوي)) (4/52)، ((تفسير أبي حيان)) (7/434)، ((تفسير أبي السعود)) (6/70). .
       - وأسنَدَ سُبحانه الضَّميرَ إلى نفْسِه نَأْتِي؛ تَعظيمًا للمُسلِمين الَّذين أجْرَى على أيديهم الانتصارَ العظيمَ، وافتتاحَ البلادِ والأمصارِ؛ فأصْلُه: تأْتي جُيوشُ المُسلِمين، ولكنَّه أسنَدَ الإتيانَ إلى نفْسِه؛ تَنويهًا بقدْرِ المُجاهِدين، وتَعظيمًا لِما أتَوا به من جلائلِ الأعمالِ، وناهِيكَ بمَن يَعمَلُ عمَلًا يَنسِبُه اللهُ إلى نفْسِه [522] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/321). .
       - قولُه: أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ هذه الجُملةُ مُفرَّعةٌ على جُملةِ التَّعجُّبِ من عدَمِ اهتدائِهم إلى هذه الحالةِ. والاستفهامُ إنكاريٌّ، أي: فكيف يَحْسَبون أنَّهم غَلَبوا المُسلِمين، وتمكَّنوا مِن الحُجَّةِ عليهم؟! أو كأنَّه قِيلَ: أبَعْدَ ظُهورِ ما ذُكِرَ ورُؤيتِهم له يُتَوهَّمُ غلَبتُهم؟! وفيه تَقريعٌ وتوبيخٌ؛ حيث لم يَعْتَبِروا بما يَجْري عليهم [523] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/434)، ((تفسير أبي السعود)) (6/70)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/77). .
       - واختيارُ الجُملةِ الاسميَّةِ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ دونَ الفعليَّةِ؛ لدَلالةِ الاسميَّةِ بتَعريفِ جُزأَيها على القصْرِ، أي: ما هم الغالِبونَ، بلِ المُسلِمون الغالِبونَ؛ إذ لو كان المُشرِكون الغالبينَ لَمَا كان عدَدُهم في تَناقُصٍ، ولَمَا خلَتْ بلْدتُهم من عدَدِ كثيرٍ منهم [524] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/77). .
5- قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ
       - قولُه: قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ استئنافٌ ابتِدائيٌّ، مقصودٌ منه الإتيانُ على جَميعِ ما تقدَّمَ مِن استعجالِهم بالوعْدِ، تَهكُّمًا بقولِه تعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ [525] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/77). [الأنبياء: 38]. وقد عُقِّبَ به أمْرُ اللهِ رسولَه أنْ يُخاطِبَهم بتَعريفِ كُنْهِ دَعوتِه، وهي قَصْرُه على الإنذارِ بما سيَحُلُّ بهم في الدُّنيا والآخرةِ؛ إنذارًا مِن طَريقِ الوحيِ المُنزَّلِ عليه مِن اللهِ تعالى وهو القُرآنُ؛ فالكلامُ قصْرُ مَوصوفٍ على صِفةٍ، وقَصْرُه على المُتعلِّقِ بتلك الصِّفةِ تبَعًا لمُتعلِّقِه؛ فهو قائمٌ مَقامَ قَصْرينِ [526] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/78). .
       - ولمَّا أُرِيدَ أنْ ينتقلَ مِن عذابِ الاستئصالِ إلى عَذابِ النَّارِ، وهو قولُه: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ ... الآيةَ، وُسِّطَ بينهما ما هو مُهِمٌّ بشأْنِه مِن حديثِ الوحيِ، وهو قولُه تعالى: قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ تَوكيدًا؛ لِيُتَخلَّصَ منه إليه [527] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/353). .
       - وقولُه: وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ إمَّا تتمَّةُ الكلامِ المُلقَّنِ، تَذييلٌ له بطَريقِ الاعتراضِ، قد أُمِرَ عليه السَّلامُ بأنْ يقولَه لهم؛ تَوبيخًا وتَقريعًا وتَسجيلًا عليهم بكَمالِ الجَهلِ والعِنادِ، واللَّامُ في الصُّمُّ للجِنْسِ المُنتظِمِ للمُخاطَبينَ انتظامًا أوَّلِيًّا أو للعهْدِ. وإمَّا مِن جِهَتِه تعالى؛ كأنَّه قِيلَ: قُلْ لَهُم ذلك وأنت بمَعزِلٍ مِن إسماعِهم [528] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/70)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/78). .
       - قولُه: وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ؛ قال: إِذَا مَا يُنْذَرُونَ مع أنَّ الصُّمَّ لا يَسْمَعون دُعاءَ المُبشِّرِ، كما لا يَسْمعونَ دُعاءَ المُنذِرِ؛ إذِ اللَّامُ في الصُّمُّ إشارةٌ إلى هؤلاء المُنذَرينَ كائنةٌ للعهْدِ لا للجِنْسِ -على قولٍ-، والأصْلُ: (ولا يَسْمعون إذا ما يُنْذَرونَ)؛ فوضَعَ الظَّاهِرَ مَوضِعَ المُضمَرِ؛ للدَّلالةِ على تَصامِّهم وسَدِّهم أسماعَهم إذا أُنْذِروا، أي: هم على هذه الصِّفةِ مِن الجُرأةِ والجَسارةِ على التَّصامِّ مِن آياتِ الإنذارِ [529] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/119)، ((تفسير البيضاوي)) (4/52)، ((تفسير أبي حيان)) (7/434)، ((تفسير أبي السعود)) (6/70)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/321). .
       - والتَّعريفُ في الصُّمُّ للاستغراقِ -على القولِ بأنَّ اللامَ للجنسِ-، ودخَلَ في عُمومِه المُشرِكونَ المُعرِضون عن القُرآنِ، وهم المقصودُ مِن سَوقِ التَّذييلِ؛ ليَكونَ دُخولُهم في الحُكْمِ بطَريقةِ الاستدلالِ بالعُمومِ على الخُصوصِ، وتَقييدُ عدَمِ السَّماعِ بوقْتِ الإعراضِ عندَ سَماعِ الإنذارِ لتَفظيعِ إعراضِهم عنِ الإنذارِ؛ لأنَّه إعراضٌ يُفْضي بهم إلى الهَلاكِ، فهو أفظَعُ من عدَمِ سَماعِ البِشارةِ أو التَّحديثِ، ولأنَّ التَّذييلَ مَسوقٌ عَقِبَ إنذاراتٍ كثيرةٍ. واخْتِيرَ لفْظُ الدُّعاءِ؛ لأنَّه المُطابِقُ للغرَضِ؛ إذ كان النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ داعيًا كما قال: أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [530] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/78، 79). [يوسف: 108].
       - وفيه مُناسبةٌ حَسَنةٌ؛ حيث قال هنا: وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ [الأنبياء: 45]، وفي سُورةِ (النَّملِ) و(الرُّومِ) قال: لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [النمل: 80]، [الروم: 52]؛ فخُتِمَتِ الأُولى بقولِه: إِذَا مَا يُنْذَرُونَ، وخُتِمَتْ آيتَا (النَّملِ) و(الرُّومِ) بقولِه: إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ؛ ووجْهُه: أنَّ آيةَ (الأنبياءِ) قد تقدَّمَها أمْرُ النَّبيِّ عليه السَّلام بخِطابِ حاضِرِيه، وإنْذارِهم بما أُوحِيَ إليه، وإعلامِهم بأنَّ إنْذارَه إيَّاهم لا يُجْدي عليهم؛ تَسليةً له عليه السَّلامُ، وإعْلامًا بما سبَقَ لهم أزَلًا، فقال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ، ثمَّ قال لهم: وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ [الأنبياء: 45]؛ فأعْلَمَهم بإعلامِ اللهِ تعالى بأنَّهم صُمُّوا عن سَماعِه، ومُنِعوا ثَمرتَه من الإجابةِ لِمَا سبَقَ عليهم، فقيل: إِذَا مَا يُنْذَرُونَ، أي: أنَّهم وقْتَ إنْذارِهم مَمنوعونَ عن السَّمعِ، كما ورَدَ قبْلَ آيتيِ (النَّملِ) و(الرُّومِ) قولُه تعالى: فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [الروم: 52]؛ إلْحاقًا لحالِ المُخاطَبينَ بهم في عدَمِ الجَدْوى عليهم، ناسَبَ ذلك قولُه: إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ؛ فوضَحَ التَّناسُبُ في نِظامِ هذه الآياتِ، وأنَّ العكْسَ لا يُناسِبُ [531] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/347، 348). .
6- قولُه تعالى: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ بَيانٌ لسُرعةِ تأثُّرِهم من مَجِيءِ نفْسِ العذابِ إثْرَ بَيانِ عدَمِ تأثُّرِهم من مَجِيءِ خبَرِه على نهْجِ التَّوكيدِ القَسَميِّ [532] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/70). ، وأكَّدَ الشَّرطَ بلامِ القسَمِ؛ لتَحقيقِ وُقوعِ الجَزاءِ [533] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/79). .
       - قولُه: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ في المَسِّ والنَّفحةِ ثلاثُ مُبالَغاتٍ؛ الأُولى: ذِكْرُ المَسِّ وإسنادُه إلى النَّفحةِ دونَ فِعْلٍ آخَرَ، والمَسُّ أقَلُّ شَيءٍ، بل هو شَيءٌ رَقيقٌ جِدًّا؛ فكيف إذا انثالَ [534] انثال: أي: صُبَّ واستُفرِغَ. يُنظر: ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)) للقاضي عياض (2/4). عليهم؟! الثَّانيةُ: ما في النَّفحةِ من معنى القِلَّةِ والنَّزارةِ، وتَنكيرُها. الثَّالثةُ: بِناءُ المرَّةِ مِن النَّفحِ، فمصدَرُ المرَّةِ يأْتي على (فَعْلَةٍ)، أي: نَفحةٌ واحدةٌ لا ثانِيَ لها تَكْفي لتَشتيتِ أمْرِهم، وتَوهينِ كِيانِهم، وتَصدُّعِ صُفوفِهم؛ فكيف إذا عُزِّزَت بثانيةٍ أو ثالثةٍ [535] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/119)، ((تفسير البيضاوي)) (4/53)، ((تفسير أبي حيان)) (7/435)، ((تفسير أبي السعود)) (6/70)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/80)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/322). ؟!
7- قوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ
       - قولُه: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ يجوزُ أنْ تكونَ الواوُ عاطفةً هذه الجُملةَ على جُملةِ: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا؛ لِمُناسَبةِ قولِهم: إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ، ولبَيانِ أنَّهم مُجازونَ على جَميعِ ما أسْلَفوهُ من الكُفْرِ وتَكذيبِ الرَّسولِ، بَيانًا بطَريقِ ذِكْرِ العُمومِ بعْدَ الخُصوصِ في المُجازينَ، فشابَهَ التَّذييلَ؛ من أجْلِ عُمومِ قولِه تعالى: فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، وفي المُجازَى عليه؛ من أجْلِ قولِه: وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا. ويجوزُ أنْ تكونَ الواوُ للحالِ مِن رَبِّكَ في مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ، وتكونَ نونُ المُتكلِّمِ المُعظِّمِ الْتِفاتًا لمُناسَبةِ الجزاءِ للأعمالِ؛ ولذلك فرَّعَ عليه قولَه تعالى: فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [536] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/80، 81). .
       - في قولِه: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ وُصِفَتِ الموازينُ بالقِسْطِ مُبالَغةً، كأنَّها في أنفُسِها قِسْطٌ. أو على حَذْفِ المُضافِ، أي: ذواتِ القِسْطِ. ويجوزُ أنْ يكونَ مَفعولًا لأجْلِه، أي: لأجْلِ القِسْطِ [537] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/120)، ((تفسير البيضاوي)) (4/53)، ((تفسير أبي حيان)) (7/435)، ((تفسير أبي السعود)) (6/71)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/84). .
       - قولُه: فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا فُرِّعَ على وَضْعِ الموازينِ تَفريعَ العِلَّةِ على المعلولِ، أو المعلولِ على العِلَّةِ. والظُّلمُ: ضِدُّ العدْلِ، ولذلك فُرِّعَ نَفْيُه على إثباتِ وَضْعِ العدْلِ. ووُقوعُ لفظةِ شَيْئًا في سِياقِ النَّفيِ دَلَّ على تأْكيدِ العُمومِ، أي: شيئًا مِن الظُّلمِ، ووُقوعُه في سِياقِ النَّفيِ دَلَّ على تأْكيدِ العُمومِ مِن فِعْلِ تُظْلَمُ الواقعِ أيضًا في سِياقِ النَّفيِ، أي: لا تُظْلَمُ بنَقْصٍ من خيرٍ اسْتحقَّتْه، ولا بزيادةِ شَيءٍ لم تَستحِقَّه. وهذه الجُملةُ كلمةٌ جامعةٌ لمَعانٍ عِدَّةٍ مع إيجازِ لفْظِها؛ فنُفِيَ جِنْسُ الظُّلمِ، ونُفِيَ عن كلِّ نفْسٍ، فأفاد أنْ لا بَقاءَ لظُلْمٍ بدونِ جَزاءٍ [538] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/85). .
       - قولُه: وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ فيه توعُّدٌ، وهو إشارةٌ إلى ضَبْطِ أعمالِهم مِن الحسابِ، وهو العَدُّ والإحصاءُ. وقيل: هو كِنايةٌ عن المُجازاةِ [539] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/436). .
       - وضَميرُ الجمْعِ في قولِه: حَاسِبِينَ مُراعًى فيه ضَميرُ العَظمةِ من قولِه تعالى: بِنَا، والباءُ مَزيدةٌ للتَّوكيدِ [540] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/87). .