موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (33 - 35)

ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ

غريب الكلمات :


يَجْحَدُونَ: أي: يُنكِرونَ بألسِنَتِهم وهم مُستَيقِنونَ بقُلوبِهم، والجُحُود: نفْيُ ما في القلبِ إثباتُه، وإثباتُ ما في القلبِ نَفْيُه، وأصلُ (جحد): يدلُّ على قلَّةِ الخيرِ [517] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 27، 28)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/425)، ((المفردات)) للراغب (ص: 187). .
ولَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ: أي: لا مُغَيِّر لكَلماتِ الله، والتَّبديلُ: جَعْلُ شَيءٍ مَكانَ آخَرَ، وأصلُ (بدل): قِيامُ شَيءٍ مقامَ الشَّيءِ الذَّاهب [518] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/224)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/210)، ((المفردات)) للراغب (ص: 111)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 95)، ((تفسير القرطبي)) (7/71) (10/389). .
نَبَأ: النبأُ هو الخبَرُ الذِي له شَأنٌ، وفائدةٌ عظيمةٌ، ويحصُلُ به عِلمٌ أو غَلَبَةُ ظنٍّ، وأصل (نبأ): الإتيانُ من مكانٍ إلى مكانٍ؛ وسُمِّي الخبرُ نبأً؛ لانتقالِه من مكانٍ إلى مكانٍ [519] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/461)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/385)، ((المفردات)) للراغب (ص: 788-789). .
نَفَقًا: أي: سَرَبًا ومَنفذًا في الأرضِ، وأصل (نفق): يدلُّ على إخفاءِ شَيءٍ وإغماضِه [520] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 461)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/454)، ((المفردات)) للراغب (ص: 819)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 156)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 915). .
سُلَّمًا: أي: مِصْعَدًا، أو ما يُتَوصَّل به إلى الأمكِنَة العاليةِ، فيُرجى به السَّلامةُ، وقيل: سببًا؛ وسُمِّيَ سُلَّمًا؛ لتسليمِه إلى المَقْصِد [521] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 275)، ((المفردات)) للراغب (ص: 424)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 190)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 520). .

المعنى الإجمالي :


يقولُ اللهُ تعالى لنَبِيِّه محمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّه يعلَمُ أنَّ ما يقولُه المُشْركونَ يُورِثُه الحُزنَ، وأخبَرَه أنَّهم لا يكذِّبونَه في حقيقةِ الأَمْر، بل هم يَعْلمونَ أنَّه صادِقٌ، ولكنَّ الظَّالمينَ يُنْكِرون آياتِ اللهِ عنادًا.
ثم يُخبِرُ اللهُ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه قد حصَل التَّكذيبُ لرُسُلٍ مِن قَبلِه، فقابلوا التكذيبَ والأذى بالصَّبرِ حتى أتاهم نصْرُ اللهِ تعالى، ولا أحَدَ بإمكانه أن يُغَيِّرَ كلماتِ الله التي كتَبَها مِن وَعْدِه لرَسولِه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ومَن معه بالنَّصرِ والظَّفَرِ، ثم ذكَّرَه اللهُ تعالى أنَّه جاءه مِن قَصَصِ الرُّسُل قبله، وأنَّ عاقبتَهم كانت النصرَ والظَّفَرَ.
ثم يقولُ اللهُ تعالى لنبيِّه محمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنْ كان شَقَّ عليك إعراضُ هؤلاء المشركينَ عن تَصديقِك، فإنِ استطعْتَ أن تتَّخِذَ نفَقًا تنفُذُ به إلى باطنِ الأرض، أو مِصْعَدًا تَرْقَى به إلى السَّماءِ، فتأتِيَهم بحُجَّةٍ وبُرهانٍ على صِدقِك؛ فلْتَفْعل ذلك، ولو شاءَ الله تعالى لجَمَع أولئك المكذِّبينَ على الهُدَى، ثم نهى اللهُ نبيَّه أنْ يكونَ من الجاهلينَ الذين لا يَعْرِفون حَقائِقَ الأمورِ، ولا سُنَنَ اللهِ في خَلْقِه، فيعْظُمَ عليه إعراضُهم، ويَحْزَنَ لعدمِ إيمانِهم.

تفسير الآيات :


قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ (33).
مناسبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا تكرَّر في هذه السُّورةِ أمْرُ اللهِ تعالى رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بمقاوَلَةِ الكفَّار، وذلك بتلقينِه لفْظَ (قل..، قل..)، وأطال في الحَثِّ على مُجادَلَتِهم، وختَم بما يَقتضي سَلْبَهم العقْلَ، مع تكريرِ الإخبارِ بأنَّ المَقضِيَّ بخَسارتِه منهم لا يُؤمنونَ لآيةٍ من الآيات، وكان مِن المعلومِ أنَّهم حالَ إسماعِهم ما أَمَر به لا يَسكتونَ؛ لِمَا عندَهم من عظيمِ النَّخْوة، وشماخَةِ الكِبْر، وقُوَّة الجُرأة، وأنَّه لا جوابَ لهم إلَّا التَّبعةُ والبذاءةُ، كما هو دَأْب المعانِد المغلوبِ، وأنَّ ذلك يَحزُنُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لِمَا جُبِل عليه من الحَياءِ والشَّهامَةِ والصِّيانَةِ والنَّزاهَة- كان الحالُ محتاجًا إلى التَّسْلِيَة [522] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/94). ، فقال تعالى:
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ.
أي: قدْ عَلِمْنا أنَّ ما يقولُه المُشركون [523] ومِن ذلك قولُهم: إنَّه كذَّاب، أو شاعِر، أو ساحِر، أو كاهن، أو هذا الذي جئتَ به أساطيرُ الأولين، أو لا نقبَلُ دِينَك، أو يَقترحون الآياتِ تعنُّتًا، أو يقولون: لله البناتُ، أو نحن نعبُد ما عبَد آباؤُنا...إلخ. يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/176)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 172). ، يُورِثُك الحُزْنَ يا محمَّدُ [524] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/219)، ((تفسير ابن كثير)) (3/250)، ((تفسير السعدي)) (ص: 254-255)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/177-178)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 172). .
كما قال عزَّ وجلَّ: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ [الحجر: 97] .
وقال سبحانه: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [هود: 12] .
وقال تعالى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف: 6] .
فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ.
أي: فلا تظُنَّنَّ أنَّ ما يقولونَه صادرٌ عن شَكٍّ واشتباهٍ في صِدْقِك، وصِدْقِ ما جئتَ به؛ فهُم يَعلمون في قرارةِ أنْفُسِهم أنَّك صادقٌ، وأنَّ ما جئتَ به هو الحقُّ [525] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/220)، ((التسعينية)) لابن تيمية (2/670)، ((تفسير ابن كثير)) (3/250-251)، ((تفسير السعدي)) (ص: 255)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 172). .
وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ.
أي: ولكِنَّ هؤلاءِ الكُفَّارَ يُنْكِرونَ- عنادًا منهم بسببِ ظُلْمِهم- الأدِلَّةَ والبراهينَ التي هي الحقُّ مِن عندِ اللهِ تبارَكَ وتعالَى [526] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/223)، ((تفسير ابن كثير)) (3/251)، ((تفسير السعدي)) (ص: 255)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 173). .
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا أزالَ الله تعالى الحُزْنَ عن قلبِ رَسولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في الآيةِ السَّابقةِ؛ بأنْ بَيَّنَ أنَّ تكذيبَ رسولِه يَجري مَجرَى تَكذيبِ اللهِ تعالى- ذَكَرَ في هذه الآيةِ طريقًا آخرَ في إزالةِ الحُزْنِ عن قلْبِه، وذلك بأنْ بيَّنَ أنَّ سائِرَ الأُمَم عاملوا أنبياءَهم بِمِثْل هذه المعامَلَةِ، وأنَّ أولئك صَبَروا على تَكذيبِهم وإيذائِهم حتَّى أتاهم النَّصْرُ والفَتْحُ والظَّفَرُ؛ فوجَب أن يَقْتديَ بهم في هذه الطريقةِ [527] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/517)، ((تفسير ابن عادل)) (8/114)، ((تفسير أبي حيان)) (4/490). ؛ فقال:
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا.
أي: ولقد كذَّبَ الكفارُ رُسُلًا مِن قَبْلِك- يا محمَّدُ- قد أرسَلَهم اللهُ تعالى إلى أقوامِهم، فصَبَروا على ما نالَهم من التَكذيبِ والأذى البليغِ، ومَضَوْا في دَعْوتِهم وجِهادِهم، حتى أتاهم نَصْرُ اللهِ سبحانه، فإنْ يُكَذِّبْك- يا محمَّدُ- هؤلاءِ المشركونَ مِن قومِك، فلا يَحزُنْك ذلك، واصبِرْ على تَكذيبِهم إيَّاك وما تَلْقَى منهم من مَكروهٍ في ذاتِ الله عزَّ وجلَّ، كما صَبَروا [528] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/224)، ((تفسير ابن كثير)) (3/252)، ((تفسير السعدي)) (ص: 255)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 176-178). .
وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ.
أي: ولا أحَدَ يَستطيعُ أنْ يُغيِّر كلماتِ الله تعالى التي كتَبَها، والتي أنزَلَها إلى نبيِّه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، مِن وَعْدِه المؤمنينَ بالنَّصْرِ والظَّفَر على مَن خالَفَهم [529] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/224)، ((تفسير ابن كثير)) (3/252)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 178).  اختار ابنُ جريرٍ أنَّ المُرادَ بِكَلماتِ اللهِ تعالى: ما أنزَلَه إلى نبِيِّه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، مِنَ الوَعدِ بالنَّصرِ على أعدائِه. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/224). واختار ابنُ عاشورٍ أنَّ المرادَ بكَلِماتِ اللهِ تعالى: ما أوحاه اللهُ سُبحانه إلى عمومِ رُسُلِه مِنَ الوَعدِ بالنَّصرِ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/202). وقال ابنُ عثيمين: (وكلماتُه: هي وحيُه الذي أنزَلَه على الرُّسُلِ، وكذلك هي كلماتُه القَدَريَّةُ التي يكون بها النَّصرُ لأنبيائِه، والخِذلانُ لأعدائِه،  ولا يَرِدُ على هذا ما جاء به النَّسْخُ؛ لأنَّ مُبَدِّلَ الحُكمِ المنسوخِ هو اللهُ عزَّ وجَلَّ، والآيةُ تدُلُّ على أنَّه لا أحَدَ يُبدِّلُ كَلِماتِ اللهِ، أمَّا اللهُ تبارك وتعالى، فله أن يُبَدِّلَ؛ كما قال عَزَّ وجَلَّ: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة: 106] ، وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [النحل: 101] ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 178-179). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: 171- 173] .
وقال تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: 21] .
وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ.
أي: ولقدْ جاءَك- يا محمَّدُ- مِن قَصَص وأخبارِ مَن كان قبلك من الرُّسُل، كيف نُصِرُوا على مَن كذَّبَهم مِن قَوْمِهم؛ فلك فيهم أُسْوةٌ، وفي أخبارِهم تَثبيتٌ لفؤادِك، واطمئنانٌ لقَلْبِك [530] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/224)، ((تفسير ابن كثير)) (3/252)، ((تفسير السعدي)) (ص: 255). .
كما قال تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود: 120] .
وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا سلَّى اللهُ تعالى نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما هو في غايةِ الكِفايةِ في التَّسْليةِ؛ أخبره بأنَّه لا حِيلةَ له غيرُ الصَّبرِ؛ فإنَّه لا سبيلَ إلى إيمانِ هؤلاء الجاحدينَ إلا بمشيئةِ الله وإرادتِه [531] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/100)، ((التفسير الوسيط)) لطنطاوي (5/68). قال ابنُ عاشورٍ عن هذه الآيةِ: (عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فإنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم كان يَحزُنُه ما يَقولونه فيه مِنَ التَّكْذيبِ به وبالقرآنِ، حُزْنًا على جَهْلِ قَوْمِه بقَدْرِ النَّصيحَةِ، وإنكارِهِم فَضيلَةَ صاحِبِها، وحُزْنًا من جَرَّاءِ الأسَفِ عليهم من دَوامِ ضَلالِهم شفقةً عليهم، وقد سَلَّاه اللَّه تعالى عن الحُزْنِ الأَوَّلِ بقولِه: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وسَلَّاه عن الثَّاني بقولِه: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ... الآيَةَ) .((تفسير ابن عاشور)) (7/203) ، فقال تعالى:
وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ.
أي: وإنْ كان عَظُم وشَقَّ عليك- يا محمَّد- إعراضُ هؤلاءِ المشركينَ عنك، وانصرافُهم عن تصديقِك فيما جئْتَهم به من الحَقِّ؛ لِحِرْصِك عليهم، ومَحبَّتِك لإيمانِهم [532] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/225)، ((تفسير ابن كثير)) (3/252)، ((تفسير السعدي)) (ص: 255)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 187). .
فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ.
أي: فإنْ قدرْتَ- يا محمَّدُ- على أنْ تتَّخِذَ سِرْدابًا تنفُذُ به إلى باطِنِ الأرض، أو تطلُب مِصْعَدًا تصعَدُ به كالدَّرَجِ إلى السَّماءِ؛ لتأتِيَهم بعَلامةٍ وبرهانٍ على صِدْقِك، وصِحَّةِ قولِك؛ فافعلْ ذلك [533] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/225-226)، ((تفسير السعدي)) (ص: 255)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 187). .
وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ.
أي: ولو شاءَ اللهُ تعالى لجَمَع أولئك المكذِّبينَ على طَريقِ الاستقامةِ؛ فهو القادِرُ على ذلك سبحانه، ولكنَّه لم يَفعَلْ؛ وَفقًا لِمَا تَقتضيه حِكمَتُه سبحانه وتعالى؛ فلا تكونَنَّ- يا محمَّدُ- مِن الذين لا يَعرفونَ حَقائِقَ الأمورِ، وسُنَنَ اللهِ تعالى في خَلْقه، فيَكْبُرَ عليك إعراضُهم، وتَحْزَنَ لعدمِ إيمانِهم [534] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/228)، ((تفسير ابن كثير)) (3/253)، ((تفسير السعدي)) (ص: 255)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 188-189). .
كما قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: 99] .

الفوائد التربوية :


1- قوله: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا فيه التسليةُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإرشادٌ له إلى سُنَّتِه تعالى في الرُّسُل والأُمَم، أو هي تذكيرٌ بهذه السُّنَّة، وما تتضمَّنه مِن حُسْن الأُسْوةِ، وقد ثبت بالتَّجارِبِ أنَّ التأسِّيَ يُهَوِّنُ المُصابَ، ويُفيدُ شيئًا من السَّلوةِ؛ فالإنسانُ إذا عَلِم أنَّ غَيرَه قدْ أصابَه ما أصابَه هانَ عليه الأمْرُ، ويَنبغي لنا أيضًا أنْ نتأسَّى ونتسلَّى أيضًا بما جرَى للرُّسُل عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ فنَصبِرَ على أذَى مَن يقومُ أمامَ دَعوتِنا، والعاقبةُ للمُتَّقين [535] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/224 )، ((تفسير الشربيني)) (1/418)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/315)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 180- 181). .
2- يُؤخَذ من قولِه تعالى: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ أنَّه ينبغي للدُّعاةِ أن يتسَلَّوْا برسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فإذا سَمِعوا ما يَكرهونَ من هؤلاءِ المكذِّبينَ المعاندينَ، فلْيَتَسلَّوْا به ويقولوا في أنفُسِهم وبألسِنَتِهم: إنَّ الله تعالى عالِمٌ بما تقولون وسيُجازيكم [536] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 174، 175). .
3- قوله تعالى: فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا فيه أنَّ فَرَج الله عزَّ وجلَّ يأتي مع شِدَّةِ الكَرْب؛ فكلَّما اشتدَّ الكَرْبُ، فاعلَمْ أنَّه دنا الفَرَجُ [538] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 181). .
4- أفاد قوله تعالى: حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا أنَّه لا يُرجى النَّصرُ إلَّا مِن عندِ الله؛ لأنَّه قال: حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا، ولم يَقُلْ: حتى نَصَرَهم فلانٌ أو فلان، لهذا جعل النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم يُناشِدُ ربَّه النَّصْرَ، في عريشٍ له، يومَ بَدْرٍ؛ حتى نصَره اللهُ- والحمدُ لله- فلا يُطلَبُ النصرُ إلَّا من الله، حتَّى في المجادلةِ العِلميَّة لا يُطلبُ النصرُ مِن المُوافِق، أو غيره، بل يُطلَبُ النَّصرُ مِن اللهِ، وإذا وصَلَ الإنسانُ إلى الحقِّ، فلْيَطلبْ مِن الله تعالى أنْ يَنصُرَه، أو يطلبْ مِن اللهِ تعالى أنْ يَهديَه صِراطَه المستقيمَ [539] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 181، 182). .
5- يُستَفاد من قوله تعالى: كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ أنَّ الإنسانَ يَنبغي له ألَّا يَهُونَ عليه إعراضُ النَّاسِ، بل يكونُ كبيرًا في نفْسِه، لكنْ لا تَعصُّبًا لِمَا هو عليه، ولكنْ من أجْلِ مَصلحةِ الآخرينَ [540] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 190). .
6- أنَّ الهدايةَ والضَّلالةَ بيَدِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لقوله: وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى [541] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 191). .
7- في قولِه تعالى: وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى بيانُ حِكمةِ الله عزَّ وجلَّ في جَعْلِ الناس صِنْفينِ: مؤمنينَ وكافرينَ، وهذا أمرٌ لا بدَّ منه؛ لأنَّه لولا الكُفرُ لم يُعْرَفْ فضلُ الإيمانِ، ولولا الإيمانُ لم يُعرَفْ قُبحُ الكُفْرِ، فإنْ لم يكُن هناك أشياءُ متضادَّةٌ ما عُرِف فَضْلُ الأشياءِ المحمودة، ثم إنَّه لولا اختلافُ النَّاسِ في الإيمانِ والكُفْر ما قامتْ رايةُ الجهادِ؛ لأنَّهم كلَّهم إمَّا مؤمنونَ وإمَّا كافرون؛ فمن يجاهدُ؟! فلولا هذا الاختلافُ ما قام الأمرُ بالمعروفِ والنَّهْيُ عن المنُكَر؛ لأنَّ النَّاسَ سيكونون كلُّهم إمَّا على مُنكرٍ وإمَّا على معروفٍ، لولا هذا الاختلافُ ما قامتِ الدَّعوةُ إلى الله- عزَّ وجلَّ-؛ لأنَّهم إنْ كانوا مؤمنينَ كلُّهم لم يَحتاجوا إلى دعوةٍ، وإنْ كانوا كافرينَ ما دُعُوا، إذَن فَمِنَ الحِكْمةِ أنَّ الله جعل الخَلْقَ صِنفينِ [542] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 192). .

الفوائد العلمية واللطائف :


1- قولُه تعالى: لَيَحْزُنُكَ فيه حِرْصُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ على هِدايةِ الخَلْقِ، وأنَّه يَحْزُنُه إعراضُ النَّاسِ عن دِينِ اللهِ [543] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 174). .
2- في قوله: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ليس نهيًا عن الحُزنِ- في حدِّ ذاتِه-؛ إذ لا شكَّ أنَّ الحُزنَ عندَ وقوعِ ما يَسوءُ مِن طَبْع البَشَرِ، الذي لا يُقدَرُ على الانفكاكِ عنه، فالنَّهيُ عنه- إذن- إنَّما هو نهيٌ عمَّا يَنشأُ عنه من الاسترسالِ المؤدِّي إلى الجَزَع المؤدِّي إلى عدَم الصَّبر، ونِسيانِ ما يُعزِّي؛ فهو من النَّهْيِ عن السَّبَب؛ للمبالغةِ في النَّهيِ عن المُسَبِّب [544] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/94). .
3- في قوله تعالى: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ أنَّ الجحْدَ بآياتِ الله كُفْرٌ، ولو استيقَنَها الإنسانُ ما دام جَحَدها، وإنْ كان مؤمنًا بها في قَلْبِه؛ فإنَّه يَكفُر؛ لأنَّ أحكامَ الدُّنْيا تَجري على الظَّاهِر، فنحن نُكَفِّرُ مَن أظهَرَ الكُفرَ وإنْ كان مؤمنًا بقَلبِه، ونَسْكُتُ عمَّن أظْهَر الإسلامَ، ولو كان كافرًا بقَلْبِه؛ لأنَّ هذه هي أحكامُ الدُّنيا التي أوجبَها اللهُ عزَّ وجلَّ؛ إذ إنَّنا لا نعلَمُ ما في قلوبِ النَّاسِ [545] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 175). .
4- قوله تعالى: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ظاهِرُه يَقتضي أنَّهم لا يُكذِّبون محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولكنَّهم يَجحدونَ بآياتِ الله، واختَلَفوا في كيفيَّةِ الجَمْعِ بين هذينِ الأمرينِ على وجوه:
الوجه الأوَّل: أنَّ القَوْمَ ما كانوا يُكَذِّبونه في السِّرِّ، ولكنَّهم كانوا يُكذِّبونَه في العلانِيَة، ويَجْحدون القرآنَ والنُّبوَّةَ.
الوجه الثاني: أنَّهم لا يقولون: إنَّك أنتَ كذَّاب؛ لأنَّهم جرَّبوك الدَّهْرَ الطَّويلَ، والزَّمانَ المديدَ وما وجَدُوا منك كذِبًا البتَّةَ، وسَمَّوْكَ بالأمينِ؛ فلا يقولون فيك: إنَّك كاذبٌ، ولكنْ جَحَدوا صِحَّةَ نبوَّتِك ورسالتِك؛ إمَّا لأنَّهم اعتقدوا أنَّ محمَّدًا عرَضَ له نوعُ خبلٍ ونُقصان؛ فلأجْلِه تخيَّل مِن نفْسِه كونَه رسولًا مِن عند الله، وبهذا التقدير: لا ينسبونَه إلى الكَذبِ، أو لأنَّهم قالوا: إنَّه ما كذَبَ في سائرِ الأمور، بل هو أمينٌ في كلِّها إلَّا في هذا الوجهِ الواحدِ.
الوجه الثَّالث: أنَّه لَمَّا ظهرتِ المعجزاتُ القاهرةُ على وَفْقِ دعواه، ثم إنَّ القوم أصرُّوا على التكذيبِ، فاللهُ تعالى قال له: إنَّ القَوْمَ ما كذَّبوك، وإنَّما كذَّبوني. وليس المقصودُ منه نفيَ تكذيبِه، بل المقصودُ تعظيمُ الأمرِ، وتفخيمُ الشَّأن، كقولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: 10] .
والوجه الرَّابع: أنْ يُقال: المرادُ من قوله: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ أي: لا يَخصُّونَك بهذا التَّكذيبِ؛ بل يُنْكرونَ دَلالةَ المُعْجِزة على الصِّدْق مطلقًا، وهو المرادُ من قوله: وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ، والمرادُ أنَّهم يقولونَ في كلِّ مُعجزةٍ: إنَّها سِحْرٌ، ويُنْكرون دَلالةَ المُعجزةِ على الصِّدقِ على الإطلاقِ، فكان التقديرُ: إنَّهم لا يُكَذِّبونك على التَّعيينِ، بل القومُ يُكذِّبون جميعَ الأنبياءِ والرُّسُل، واللهُ أعلم [546] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/518، 519). .
5- في قوله تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ سؤالٌ: ما الحِكْمَةُ من إرسالِ الرُّسُل مع تكذيبِهم؟
والجوابُ: أنَّ ذلك لإقامةِ الحُجَّةِ عليهم، أي: على المُكذِّبين؛ لأنَّ هؤلاء المكَذِّبين لو لم يَأتِهم رسولٌ لقالوا: ربَّنا لولا أرسلْتَ إلينا رسولًا، ولو لم يأْتِهم رسولٌ لكان لهم حُجَّةٌ؛ ولهذا قال الله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ إلى قوله تعالى: رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل [547] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 179، 180). [النساء: 163-165] .
6- في قوله: حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا بِشارةٌ للرَّسولِ مؤكِّدةٌ للتَّسليةِ بأنَّه سَينصُره على المكذِّبين الظَّالمينَ مِن قَومِه، وعلى كُلِّ من يكذِّبُه ويُؤْذيه من أمَّة البَعْثَة، وإيماءٌ إلى حُسْنِ عاقبة الصَّبر؛ فمَن كان أصبَرَ كان أجدَرَ بالنَّصْرِ، إذا تساوتْ بين الخَصْمينِ سائرُ أسبابِ الغَلَب والقَهْر [548] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/316). .
7- يُستَفاد من إضافةِ الكَلِمات إلى الاسْمِ الأجَلِّ الأَعظَمِ في قوله: وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ الشعورُ بعلَّة القَطعِ بأنَّه لا مبدِّلَ لها؛ لأنَّ المُبَدِّلَ لكلماتِ غيرِه لا بُدَّ أن تكون قُدرَتُه فوق قُدْرَتِه، وسلطانُه أعْلَى من سلطانِه [549] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/316). .
8- أنَّه لا أحَدَ يبدِّلُ كلماتِ الله؛ فإذا قدَّر اللهُ النَّصرَ، فلا أحَدَ يمنَعُه، وإذا قدَّرَ الخِذلان فلا أحَدَ يمنعه؛ أمَّا الكلماتُ الكونيَّةُ فعدمُ المُبَدِّل لها ظاهرٌ؛ لأنَّ الكلماتِ الكونيَّةَ لا بدَّ أن تقعَ، كن فيكون، ولا أحدَ يَستطيعُ أنْ يُبدِّلها، فإذا قال اللهُ تعالى: (كُنْ) لنُزولِ المَطَرِ نَزَل، ولا أحد يمنَعُه، وإذا قال: (كُنْ) لامتناعِ المَطَرِ امتنعَ، ولا أحدَ يُنْزِله. أمَّا الكلماتُ الشَّرعيَّة فمِنَ النَّاسِ مَن يُبَدِّلها، لكنَّ تبديلَه هذا باطلٌ، والباطِلُ لا وجودَ له شرعًا؛ قال تعالى: وَلَا مُبَدِّلَ لَكَلِمَاتِ اللهِ [550] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 182). .
9- قوله تعالى: لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ فيه تَطْمينٌ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنَّ اللهَ تعالى ينصرُه، كما نصَر مَن قبلَه من الرُّسُل [551] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/202). .
10- يُستَفادُ من قوله: وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ بيانُ شِدَّةِ حِرصِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على هِدايَتِهم، بأنَّه لو قَدَرَ على أنْ يتَكَلَّفَ النُّزُولَ إلى تَحتِ الأرضِ أو فوقَ السَّماءِ فيأتِيَهم بما يُؤمنون به؛ لفَعَلَ [552] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/100)، ((تفسير الشربيني)) (1/418). .
11- أنَّ الله سبحانه وتعالى قد يُبَيِّن الشَّيءَ المستحيلَ بِضَرْب مَثَلٍ له، دون أن يذكُرَه بعَينِه؛ وجْهُه أنَّ اللهَ قال: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ، يعني: فافْعَلْ، بدلًا من أن يقول: وإنْ كان كبُر عليك إعراضُهم فإنَّهم لن يؤمنوا، ولأنَّ هذا هو المتوقَّع، لكنَّ الله تعالى ضرب مثَلًا حتى يكون مُقْنِعًا للرَّسولِ عليه الصَّلاة والسَّلام ولغيره أيضًا [553] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 190، 191). .
12- يُستَفاد من قولِه تعالى: فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أنَّه لا بدَّ لكلِّ نبيٍّ من آيةٍ، وهذا مِن حِكمةِ الله عزَّ وجلَّ، أرأيتَ لو جاء رجلٌ في غيرِ هذه الأُمَّة، وادَّعى أنَّه رسولٌ، وقال: أنا رسولٌ ومنهجي كذا، وعقيدتي كذا، وعبادتي كذا، فأطيعوني بدون أيِّ آيةٍ، هل يكونُ هذا منَ الحِكمةِ؟ الجوابُ: لا، ومَن كَذَّبَه فهو معذورٌ، وإلَّا لكان كلُّ كاذبٍ دجَّالٍ يدَّعِي أنَّه نبيٌّ، وربَّما يدَّعي أنَّه ربٌّ، فالآياتُ فيها نصرٌ للرُّسُل، ورحمةٌ بالمُرْسَل إليهم؛ حتى يُؤمِنوا عن يقينٍ [554] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 191). .
13- يُستَفاد من قَولِه تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللهُ إثباتُ مرتبةٍ مِن مراتبِ الإيمانِ بالقَدَرِ، وهي المشيئةُ، وأنَّ اللهَ تعالى قد شاءَ جميعَ أفعالِ عِبادِه، ومراتِبُ القَدَر أربعةٌ، وهي: العِلْم، والكِتابةُ، والمشيئةُ، والخَلْق [555] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 191). .
14- في قولِه تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى قد يَستشكِلُ بعضُهم أنَّه ما دُمْنا نقول: إنَّ الكُفْر بمشيئةِ الله، وأنَّ الله عزَّ وجلَّ بحِكْمته قَسَّم النَّاسَ إلى قِسْمينِ؛ أفلا يقولُ الكافِرُ إنَّ في هذا ظلمًا لي؟
والجوابُ: لا، ليس ظلمًا، وليس له أنْ يَحتجَّ بالقَدَر على ما هو فيه؛ وذلك للآتي:
أولًا: أنَّ مَنْعَ اللهِ الكافرَ مِن الإيمان ليس ظلمًا؛ لأنَّ هذا حقُّه تعالى وفضلُه، وفضلُ اللهِ يُؤتِيه مَن يشاءُ.
ثانيًا: لا حُجَّةَ للكافِر ولا للعاصي على كُفره ومَعْصِيَتِه بقَدَر اللهِ تعالى؛ لأنَّه يُقْدِمُ على ذلك باختيارِه، من غيرِ أنْ يَعلمَ أنَّ الله تعالى قَدَّرَه عليه؛ إذ لا يَعلمُ أحدٌ بقَدَر اللهِ إلَّا بعد وقوعِ مَقدورِه؛ فكيف يصِحُّ الاحتجاجُ بحُجَّةٍ لا يعلمُها المحتَجُّ حين إقدامِه على ما اعتذرَ بها عنه؟!
ثالثًا: إنْ كان حقًّا محتجًّا بالقدَرِ؛ فلماذا لم يُقْدِمْ على الطَّاعةِ مُقدِّرًا أنَّ الله تعالى قد كتَبَها له؛ فإنَّه لا فَرْقَ بينها وبين المعصِيَةِ في الجَهلِ بالمقدورِ قبلَ صُدُور الفِعْل منه؟! ولهذا لَمَّا أخْبَر النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الصَّحابةَ بأنَّ كُلَّ واحدٍ قد كُتِبَ مَقْعَدُه من الجنَّة ومَقْعَدُه من النَّار، قالوا: أفلا نَتَّكِلُ، ونَدَعُ العملَ؟ قال: ((اعْمَلوا؛ فكُلٌّ ميَسَّرٌ لِما خُلِقَ له)) [556] ينظر ما أخرجه البخاري (4949)، ومسلم (2647). .
رابعًا: أنَّ هذا الكافرَ أو العاصِي إذا أرادَ سفرًا، وكان له طَريقانِ؛ أحدُهما مَخُوفٌ وصعبٌ، والآخَر آمِنٌ سَهْلٌ، فإنَّه سيسلُك الآمِنَ، ولا يُمكن أن يَسلُكَ الأوَّلَ ويقول: إنَّه مُقدَّرٌ، وإلَّا لعُدَّ مَجنونًا؛ فلِمَ يَسلكُ- إذنْ- طريقَ الكفر والمعاصي ثم يحتجُّ بالقدَرِ [557] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 192، 193). ؟!
15- شِدَّة الخِطابِ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في قوله تعالى: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ،  فيه سرٌّ لطيفٌ، وهو تبعيدُ جنابِه الكريمِ عن الحِرصِ على ما لا يكونُ، والجزعِ في مواطِنِ الصَّبرِ، ممَّا لا يليقُ إلَّا بالجاهِلين، وهذا النهيُ لا يَقتضي إقدامَه على مِثلِ هذه الحالةِ كما أنَّ قوله: وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ [الأحزاب: 48] لا يدلُّ على أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أطاعَهم وقَبِلَ دِينَهم، والمقصود: أنَّه لا يَنبغي أن يَشتدَّ تحسُّرُك على تَكذيبهم، ولا يجوزُ أن تجزعَ مِن إعراضِهم عنك؛ فإنَّك لو فعلتَ ذلك قرُبَ حالُك مِن حالِ الجاهلِين [558] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/521)، ((تفسير القاسمي)) (4/349)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 189)، وينظر أيضًا: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/101). .

بلاغة الآيات :


1- قوله: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
- استئنافٌ ابتدائيٌّ مسُوقٌ لتسليَةِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن الحُزْن الذي يَعتريهِ ممَّا حُكِيَ عن الكَفَرة من الإصرارِ على التَّكذيبِ، والمبالغَةِ فيه، ببيانِ أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بمكانةٍ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ [559] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/126)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/196). .
- وقَدْ هنا تُفيدُ التَّحقيقَ للخَبَرِ الفِعليِّ نَعْلَمُ؛ فإنَّ (قَدْ) في تَحقيقِ الجُملةِ الفِعليَّةِ بمنزلةِ (إنَّ) في تَحقيقِ الجُملةِ الاسميَّةِ، ومعنى التَّحقيقِ مُلازِمٌ له، سواءٌ كان مدخولُه ماضيًا أو مضارعًا على الأَصَحِّ [560] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/488-487)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/603-601)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/197-196). ، والقاعدةُ: أنَّ (قد) إذا دخَلَتْ على المضارعِ المسنَدِ إلى اللهِ تعالى، فهي للتَّحقيقِ دائمًا [561] يُنظر: ((قواعد التفسير)) للسبت (1/395). .
- قوله: نَعْلَمُ عَبَّر بالمضارِعِ؛ لأنَّ المرادَ الاتِّصافُ بالعِلْم واستمرارُه، مِن غيرِ نظَرٍ إلى الزَّمانِ، وعَدَل عن الماضِي؛ لئلَّا يُظَنَّ الاختصاصُ به، فالمرادُ تحقُّقُ التجدُّد؛ لتعلُّقِ العِلْم بتجدُّدِ الأقوالِ [562] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/94)، ((تفسير ابن عادل)) (8/111). .
- وقوله تعالى: الَّذِي يَقُولُونَ، أي: أقوالُهم الدالَّةُ على عدَمِ تَصديقِهم الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، كما دلَّ عليه قولُه بعده: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ؛ فعَدَل سبحانه عن ذِكْر اسْمِ التَّكذيبِ ونَحْوه إلى اسمِ الموصولِ وصِلَتِه، فقال: الَّذِي يَقُولُونَ ولم يَقُلْ: (تَكذيبُهم)؛ تَنزيهًا للرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عن ذِكْر هذا اللَّفْظِ الشَّنيعِ في جانبِه؛ تلطُّفًا معه، والَّذِي يَقُولُونَ هو قولهم: ساحرٌ، مجنونٌ، كاذبٌ، شاعرٌ؛ فعَدَلَ عن تفصيلِ قولهم إلى إجمالِه؛ إيجازًا، أو تحاشيًا عن التَّصريحِ به في جانَبِ المنزَّهِ عنه [563] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/198). .
- والفاءُ في قوله: فَإِنَّهُمْ يَجوزُ أنْ تكونَ للتَّعليلِ، والمعلَّل محذوفٌ دلَّ عليه قوله: قَدْ نَعْلَمُ، أي: فلا تَحْزَنْ؛ فإنَّهم لا يُكذِّبونك، أي: لأنَّهم لا يُكذِّبونك. ويجوزُ كونُها الفَصيحةَ [564] الفاءُ الفصيحة: هي التي يُحذَف فيها المعطوفُ عليه، مع كونِه سببًا للمعطوفِ مِن غيرِ تقديرِ حرفِ الشَّرط. وقيل: سُميت فصيحةً؛ لأنَّها تفصحُ عن المحذوفِ، وتفيدُ بيانَ سببيته، سواء أكان المحذوفُ شرطًا أم غير شرطٍ، وقال بعضُهم: هي داخلةٌ على جملة مسببةٍ عن جملةٍ غيرِ مذكورةٍ، نحو قولِه تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ [البقرة: 60] أي: ضرَب فانفجرتْ. يُنظر: ((معجم القواعد العربية)) للدقر (1/453). ، والتقديرُ: فإنْ كان يَحزنُك ذلك لأجْلِ التكذيبِ فإنَّهم لا يُكذِّبونك. ويجوزُ أنْ تكونَ للتفريعِ على قَدْ نَعْلَمُ، أي: فعِلْمُنا بذلك يتفرَّعُ عليه أنَّا نُثبِّتُ فؤادَك، ونشرَحُ صدرَك بإعلامِك أنَّهم لا يكذِّبونك، وأنْ نُذكِّرَك بسُنَّة الرُّسُلِ مِن قبلِك، ونُذكِّرك بأنَّ العاقبةَ هي نصرُك- كما سبَق في عِلم اللهِ [565] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/198). .
- قوله: وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ فيه استدراكٌ [566] الاستدراك: هو رفع توهُّمٍ يتولَّد من الكلامِ السَّابق رفعًا شَبيهًا بالاستثناء، وهو معنى (لَكِنْ)، وهو من البَديع، ويُشترَطُ فيه زيادةُ نُكتةٍ طريفةٍ على معنى الاستدراكِ؛ لتُحسِّنَه وتُدخلَه في البديع، وإلَّا فلا يُعدُّ منه؛ وهو قِسمان: قسمٌ يَتقدَّم الاستدراكَ تَقريرٌ وتوكيدٌ؛ إمَّا لفظًا أو معنًى لِمَا أخبرَ به المتكلِّم، وقِسمٌ لا يتقدَّمه ذلك. يُنظر: ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (2/238)، ((أنوار الربيع في أنواع البديع)) لصدر الدين المدني (1/79). لدَفْع أن يُتَوَهَّمَ من قولِه: فَإِنَّهُمْ لَا يُكْذِّبُونَكَ أنَّهم لم يَصدُرْ منهم أصْلُ التَّكذيبِ، مع أنَّ الواقِعَ خِلافُ ذلك؛ فاستدرَكَ عليه بأنَّهم يَجْحَدونَ بآياتِ الله، فيَظْهَر حالُهم كحالِ مَن يَنْسُب الآتيَ بالآياتِ إلى الكَذِب، وما هُم بمكَذِّبينَ في نُفوسِهم [567] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/199). .
- وفيه: إقامَةُ الظَّاهِرِ مَقامَ المُضْمَر- حيثُ عدَل عن الإضمارِ (ولكنَّهم) إلى قولِه: ولكنَّ الظَّالِمِينَ-؛ للإسهابِ في ذمِّهم، وللتَّصْريحِ بلَفْظِ الظُّلْم وتَسْمِيَتِهم به؛ ليكونَ سِمةً يَتميَّزونَ بها؛ زيادةً في تأكيدِ ذَمِّهم، وللدَّلالةِ على أنَّ الظُّلْم هو الحامِلُ لهم على الجُحُود، وإعلامًا بأنَّ شأنَ الظالمِ الجَحدُ بالحُجَّة، وتَسجيلًا عليهم بالرُّسوخِ في الظُّلْم- الذي جُحودُهم هذا فَنٌّ من فُنونِه- وأنَّ هذا الظلم سَجيَّتُهم [568] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/19)، ((تفسير البيضاوي)) (2/160)، ويُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/114)، ((تفسير أبي السعود)) (3/127)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/199). .
- وفي قوله: بِآيَاتِ اللَّهِ الالتفاتُ إلى الاسمِ الجليلِ لتربيةِ المهابَةِ، واستعظامِ ما أقْدَموا عليه من جحودِ آياته تعالى، وإيرادُ الجحودِ في مَوْرِد التكذيبِ؛ للإيذانِ بأنَّ آياتِه تعالى مِنَ الوضوحِ بحيث يشاهِدُ صِدْقَها كلُّ أحدٍ [569] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/127). .
- وقوله: بِآيَاتِ اللَّهِ متعلِّقٌ بـ يَجْحَدُونَ وتقديمُه عليه؛ للقَصْرِ ولإفادةِ الحَصْرِ، كأنَّ المعنى: (وَلَكنَّ الظَّالمينَ لا يَجحدون إلَّا بآياتِ اللهِ)، وإلَّا فهم يَعترفونَ بأشياءَ كثيرةٍ إلَّا آياتِ اللهِ؛ فإنَّهم لا يَعتَرِفون بها [570] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/127)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 173). .
- وأيضًا قدِّمَ قوله: بِآيَاتِ اللَّهِ على قولِه: يَجْحَدُونَ؛ لتناسُبِ رؤُوسِ الآياتِ [571] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 173). .
- وفي هذه الآيةِ احتباكٌ؛ حيث حُذِفَ مِن الجملة الأولى سببُ الحُزنِ، وهو التَّكذيبُ؛ لدَلالةِ الثانية عليه، وحُذِفَ مِن الثَّاني النهيُ عن المسبِّبِ؛ لدَلالةِ الأولى عليه [572] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/96). وذكَر ابنُ عاشور وجهًا آخرَ فقال: (... فيكونُ في الآيةِ احتباكٌ. والتقديرُ: فإنَّهم لا يكذِّبونك ولا يكذِّبون الآياتِ، ولكنَّهم يجحدون بالآياتِ، ويجحدون بصدقِك، فحذَف مِن كلٍّ لدلالةِ الآخرِ). ((تفسير ابن عاشور)) (7/200). .
2- قوله تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ
- قوله: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ تصديرُ الكلامِ بلام القَسَم في قوله: وَلَقَدْ لتأكيدِ الخَبَر بتنزيلِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ منزلةَ مَن ذُهِلَ طويلًا عن تكذيبِ الرُّسُلِ؛ لأنَّه لَمَّا أحْزَنَه قولُ قَومِه فيه، كان كمن بَعُد عِلمُه بذلك [573] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/201). .
- وفيه افتنانٌ في تسليتِه عليه الصَّلاة والسَّلام؛ فإنَّ عمومَ البليَّةِ ربما يُهوِّنُ أمرَها بعضَ تهوينٍ، وإرشادٌ له عليه الصَّلاةُ والسلام إلى الاقتداءِ بمن قبلَه من الرُّسُل الكرامِ عليهم الصَّلاة والسَّلام في الصَّبرِ على ما أصابَهم من أُمَمِهم من فنونِ الأَذِيَّة، وعِدَةٌ ضمنيَّةٌ له عليه الصَّلاة والسَّلام بمِثل ما مُنِحوه من النَّصْر [574] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/127). .
- وتنكيرُ قوله: رُسُلٌ وتنوينُه؛ للتَّفخيمِ والتكثيرِ [575] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/127). .
- قوله: حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا فيه التفاتٌ بديعٌ من ضميرِ الغَيبةِ إلى ضَميرِ المتكَلِّمِ؛ إذ قبله: بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ، ولو جرى الكلامُ على نَسَقِه لقيل: (نَصْرُه)، وفائدةُ هذا الالتفات- بالإضافَةِ إلى تطريةِ الكلامِ وتنويعِه-: إبرازُ الاعتناءِ بشأنِ النَّصْر، وأنَّه أضاف النَّصْرَ إلى ضميرِ المتكلِّم المُشْعِر بالعَظَمة، المُتَنَزَّل فيه الواحِدُ منزلَةَ الجمعِ، والحافِز على وجوب مداومَةِ الجهاد [576] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/490)، ((تفسير أبي السعود)) (3/128)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (3/101). .
- وأيضًا إضافةُ النَّصرِ إلى ضَميرِ العَظَمة تُشْعِر بعظَمَة شأنِهِ، وتشيرُ إلى كونِه من الآياتِ المؤَيِّدَة لرُسُلِه [577] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/316). .
- قوله: وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ اعتراضٌ مُقَرِّر لِمَا قبله من إتيانِ نَصْرِه إيَّاهم [578] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/128). .
- والالتفاتُ إلى الاسم الجليل اللَّه؛ للإشعارِ بعلَّةِ الحُكم؛ فإنَّ الألوهيَّةَ من موجِباتِ ألَّا يُغالبَه أحدٌ في فعلٍ من الأفعالِ، وأنه لا يقعَ منه تعالى خُلْفٌ في قولٍ من الأقوالِ [579] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/128). .
- قوله: وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ جملةٌ قَسميَّة جِيءَ بها لتحقيقِ ما مُنِحوا من النَّصْرِ، وتأكيدِ ما في ضِمْنِه من الوَعْد لرسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أو لتقريرِ جميعِ ما ذُكِر من تكذيبِ الأُمَمِ، وما ترتَّب عليه مِن الأمورِ [580] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/128)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير أبي حيان)) (4/491). .
3- قوله: وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ
- قوله: وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ... كلامٌ مستأنَفٌ مسوقٌ لتأكيدِ إيجابِ الصَّبرِ المستفادِ من التَّسْليَةِ ببيانِ أنَّه أمْرٌ لا محيدَ عنه أصلًا [581] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/128). .
- وتقديم الجارِّ والمجرورِ عَلَيْكَ؛ للاهتمامِ بالمقدَّم، والتشويقِ إلى المؤخَّر [582] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/129). .
- قوله: فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ تنكير بِآيَةٍ؛ للتَّفخيمِ [583] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/129). .
- قوله: نَفَقًا فِي الْأَرْضِ: فِي الْأَرْضِ صفةً لـنَفَقًا؛ لإفادةِ المبالغةِ في العُمْقِ، مع استحضارِ الحالةِ، وتَصويرِ حالةِ الاستطاعةِ؛ إذ مِن المعلومِ أنَّ النَّفَقَ لا يكون إلَّا في الأرضِ [584] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/205). .
- قوله: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ تذييلٌ مفرَّعٌ على ما سَبَق.
- وأكَّد اللهُ تعالى الكلامَ في قوله: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ليَعْلَمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه قد حتَّمَ اللهُ بافتراقِهم، فيَسْكُن إلى ذلك، ويُخالِف ما جُبِلَ عليه من شِدَّةِ الشَّفَقةِ عليهم [585] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/100-101). .
- وعَدَل عن الأَمْرِ بالعِلْمِ- حيثُ لم يَقُلْ (فاعْلَمْ)-؛ لأنَّ النَّهيَ عن الجَهلِ يَتضمَّنُه؛ فيتقَرَّرُ في الذِّهن مرَّتينِ؛ ولأنَّ في النهي عن الجَهْل بذلك تحريضًا على استحضارِ العلمِ به، كما يُقال للمُتعَلِّم: لا تَنْسَ هذه المسألةَ [586] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/207). وقال ابنُ عاشور: (وليس في الكلامِ نَهيٌ عن شيءٍ تلبَّسَ به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كما توهَّمَه جمْعٌ من المفسِّرين، وذهَبوا فيه مذاهِبَ لا تَسْتبين)، وينظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (12/521)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/101)، ((تفسير القاسمي)) (4/349). .
- ولم يقلْ (لا تكُنْ جاهلًا) بل مِن قومٍ ينُسَبون إلى الجهلِ، تعظيمًا لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم؛ بأن لم يُسنِدِ الجهلَ إليه؛ للمبالغةِ في نفيِه عنه [587] ينظر: ((تفسير القاسمي)) (4/349). .