موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (36 - 39)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ

غريب الكلمات :


دَابَّةٍ: الدابَّةُ هي كلُّ شيءٍ دبَّ على وجه الأرضِ، ويُستعْمَلُ في كلِّ حيوانٍ، وفي الحشراتِ أكثَر، وأصل (دبب): حركةٌ على الأرض أخَفُّ من المَشْيِ [588] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 217)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/263)، ((المفردات)) للراغب (ص: 306)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 438). .
أُمَمٌ: جمعُ أمَّة، أي: جماعة، وتُطلَق على المِلَّة، والسُّنة، والحِين، وأصل (أمم): الأَصلُ والمَرْجِع، والجماعة، والدِّين [589] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 81، 144، 202)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/21)، ((المفردات)) للراغب (ص: 87)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 83، 344). .
صُمٌّ: جمْعُ أصَمَّ، والصَّمَم فُقدانُ حاسَّة السَّمْع، وبه يُوصَفُ مَن لا يُصغي إلى الحقِّ، ولا يَقبَلُه، وأصْلُه: الصَّلابةُ، وقيل: السَّدُّ [590] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/277)، ((المفردات)) للراغب (ص: 492)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 53). .
وَبُكْمٌ: جمْع أبْكَمَ، وهو الذي يُولَدُ أخرْسَ؛ فكُلُّ أبكمَ أخرَسُ، وليس كلُّ أخرَسَ أبكَمَ، والبَكم: آفةٌ في اللِّسان مانعةٌ من الكلام، وبه يُوصَفُ مَن لا ينطقُ بالحقِّ [591] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/238)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/128)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/284)، ((المفردات)) للراغب (ص: 140)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (1/15)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 53). .

المعنى الإجمالي :


يُخبِرُ تعالى أنَّه إنَّما يستجيبُ للرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم أولئك الذين يَسمعونَ توجيهاتِه وأقوالَه سماعَ تدبرٍ وتفهُّم وتأمُّلٍ، وأمَّا الكُفَّارُ فيبعَثُهم اللهُ من قُبورهم، ثم يَعودونَ إليه؛ ليجازِيَهم على أعمالِهم.
وقال المشرِكونَ المُكَذِّبون برسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لو أُنْزِلَ على محمَّدٍ علامةٌ من عند ربِّه تدلُّ على صِدقِه. فأَمَرَ اللهُ نبيَّه أن يُخبِرَهم أنَّه تعالى قادِرٌ على أن يُنَزِّلَ تلك العلامةَ، ولكنَّه سبحانَه يُنزِّل ما تَقتضيه حِكمتُه، ولكِنَّ أكثرَهم لا يَعلمونَ حِكَم الله في أفعالِه، ولا سُننَه في خلْقِه.
ثم بيَّنَ اللهُ تعالى لخَلْقِه بعضَ آياتِه الكونيةِ؛ ومنها أنَّه ما مِن دابةٍ تَدِبُّ على الأرضِ، ولا طائرٍ يَطيرُ في السَّماءِ، إلا وهي أممٌ مماثلةٌ لكم، ما أهمَلَ ولا أغفَلَ سبحانه في اللَّوْحِ المحفوظ شيئًا، ثمَّ إلى الله تعالى يُحْشَرونَ جميعًا.
ثم يُخبِرُ تعالى أنَّ المُكَذِّبين بحُجَج اللهِ تعالى هم صمٌّ عن سَماع الحَقِّ، بُكْمٌ عن النُّطْقِ به، وهم في ظُلُماتِ الكُفْر لا يُبْصِرونَ، وأنَّ مَن يُرِدِ اللهُ إضلالَه مِن خَلْقِه أضَلَّه، ومَن يُرِدْ هدايتَه فإنَّه يَدُلُّه للسَّيرِ على الطَّريقِ المُستقيمِ المُوصِل إليه.

تفسير الآيات :


إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
هذه الآيةُ تعليلٌ لِمَا أفادَه قولُه: وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ إلى قَولِهِ: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ من تأييسٍ مِن وُلوجِ الدَّعوةِ إلى أنْفُسِهم، أي لا يستجيبُ إلَّا الذين يسمعونَ دونَ هؤلاءِ الذين حَرَمهم فائدةَ السَّمعِ، وفهمَ المسموعِ [592] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/207). .
وأيضًا لَمَّا بيَّنَ الله تعالى في الآية السابقةِ أنَّه لو شاءَ لجَمَع النَّاسَ على الهُدى، ولكنَّه لم يَشَأْ أن يَجعلَ البَشَر مَفطورينَ على ذلك، ولا أنْ يُلْجِئَهم إليه إلجاءً بالآياتِ القاسرةِ، بل اقتضَتْ حِكْمَتُه، ومضَتْ سُنَّتُه في البَشر بأنْ يكونوا مُتفاوتينَ في الاستعدادِ، عاملينَ بالاختيارِ؛ فمِنهم مَن يختار الهُدى على الضَّلالِ، ومِنهم مَن يَستحِبُّ العَمى على الهُدى- بيَّنَ لنا في هاتينِ الآيتينِ أنَّ الأَوَّلينَ هم الذين يَنظرونَ في الآياتِ، ويَعقِلونَ ما يَسمعونَ من البيِّناتِ، وأنَّ الآخَرينَ لا يَسمعونَ ولا ينظرونَ، حتى كأنَّهم من الأمواتِ [593] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/320). يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/207). ، فقال عزَّ وجلَّ:
إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ.
أي: إنَّما يستجيبُ لِدَعْوتِك- يا محمَّدُ- مَن يَعي الكلامَ بقلبِه ويَفْهَمُه، فينقادُ لك [594] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/229)، ((تفسير ابن كثير)) (3/253)، ((تفسير السعدي)) (ص: 255)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 194). .
وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ.
أي: وأمَّا هؤلاءِ الكُفَّارُ المعْرِضون عنكَ- يا محمَّدُ- فهُم أمواتُ القُلوبِ، لا تُرجَى منهم استجابةٌ؛ كموتى الأجسادِ، وسيُخْرِجهم اللهُ تعالى من قُبُورهم جميعًا يومَ القيامةِ، ثمَّ يعودونَ إليه لمجازاتِهم [595] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/229)، ((تفسير ابن كثير)) (3/253)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/207-208)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 194-195).  قال الشِّنقيطي: (وقد أجمَع مَن يُعتدُّ به من أهل العِلْم أنَّ المرادَ بالموتى في قوله: وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ: الكفارُ، ويدلُّ له مقابلةُ الموتى في قوله: وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ بالذين يَسمعون في قوله: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ...، ولو كان يُراد بالموتى مَن فارقَتْ أرواحُهم أبدانَهم لقابَلَ الموتى بما يناسِبُهم؛ كأنْ يقال: إنَّما يستجيبُ الأحياءُ، أي: الذين لم تفارِقْ أرواحُهم أبدانَهم، وكقوله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ.... ((أضواء البيان)) (6/125). .
وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (37) .
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
الآيةُ عَطْفٌ على جملة: وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ...، وهذا عَوْدٌ إلى ما جاء في أوَّلِ السُّورةِ مِن ذِكْرِ إعراضِهم عن آياتِ الله بقولِه: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ، ثم ذَكَر ما تفَنَّنوا به من المعاذيرِ من قولِهِم: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام: 8] وقوله: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا [الأنعام: 25] ، أي: وقالوا: لولا أُنزِلَ عليه آيةٌ، أي على وَفْقِ مُقْتَرحِهم، وقد اقترحوا آياتٍ مختلفةً في مجادلاتٍ عديدةٍ؛ ولذلك أجْمَلها الله تعالى هنا اعتمادًا على عِلْمِها عندَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمؤمنينَ، فقال [596] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/209). :
وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ.
أي: وقال المشركونَ المكذِّبونَ بالرَّسولِ؛ عِنادًا وتعنُّتًا: هلَّا أُنزِلَ على محمَّدٍ برهانٌ وعلامةٌ من عند رَبِّه، تدلُّ على صِدْقِه وصِحَّةِ رسالَتِه، بما لا لَبْسَ في الحقِّ مَعَهَا [597] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/231)، ((تفسير ابن كثير)) (3/253)، ((تفسير السعدي)) (ص: 255)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/199-200)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 197-198). .
كما قال تعالى: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء: 90- 93] .
قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً.
قل- يا محمَّدُ- لأولئك المشرِكين: إنَّ الله قادرٌ على أن يُنزِّلَ ما تطلبونَ؛ فليس في قُدرتِه قصورٌ عن ذلك [598] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/231)، ((تفسير ابن كثير)) (3/253)، ((تفسير السعدي)) (ص: 255)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 198). .
وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ.
أي: ولكِنَّ أكثرَ الذين يسألونَك آيةً- يا محمَّدُ- لا يدرونَ ما حِكمةُ تَرْكِ إنزالِ ذلك عليك؟ ولو عَلِموا السَّببَ لَمَا سألوك؛ فَهُم لِجَهْلِهم يَطلبونَ ما هو شرٌّ لهم من الآياتِ التي لو جاءتهم وَفْقَ ما طلبوا ثم لم يُؤْمِنوا بها، لعُوجِلوا بالعقوبةِ، وأُهْلِكوا هلاكَ استئصالٍ، كما وقَع للأُمَم السَّابقةِ؛ فهي سُنَّةُ الله التي لا تَبديلَ لها، والعادةُ التي أَجْراها القديرُ سبحانه وتعالى [599] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/231-232)، ((تفسير ابن كثير)) (3/253)، ((تفسير السعدي)) (ص: 255)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/201-204). .
قال تعالى: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء: 59] .
وقال سبحانه: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء: 4] .
وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا توعَّدَهم اللهُ بالآيةِ السَّابقةِ بأنَّهم إليه يُرجَعونَ، زاد أنْ سَجَّل عليهم جهْلَهم، فأخبَرَهم بما هو أعجَبُ ممَّا أنكروه، وهو إعلامُهم بأنَّ الحَشْرَ ليس يختصُّ بالبَشَر، بل يعُمُّ كلَّ ما فيه حياةٌ من الدوابِّ والطيرِ [600] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/523)، ((تفسير ابن عادل)) (8/124)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/325)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/214، 215). .
وأيضًا لَمَّا حكَى عن هؤلاء قولَهم: لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ولم يَعْتبروا ما نَزَل مِن الآياتِ، وأُجِيبوا بأنَّ القُدرَةَ صالحةٌ لإنزالِ آيةٍ، ونُبِّهوا على جهلهم؛ حيث فرَّقوا بين آيةٍ وآيةٍ- أُخْبِروا أنَّهم أنفُسَهم وجميعَ الحيوانِ غيرِهم متماثلونَ في تعلُّقِ القُدْرةِ الإلهيَّةِ بالجميعِ؛ فلا فرْقَ بين خَلْقِ مَن كُلِّف وما لم يُكَلَّف في تعلُّق القدرةِ بهما، فكأنَّه قِيل: القُدرةُ تعلَّقَت بالآياتِ كُلِّها مُقْتَرَحِها وغيرِ مُقترَحِها، كما تعلَّقَت بخَلْقِكم، وخَلْقِ سائرِ الحيوان، فالإمكانُ هو الجامِعُ بين كُلِّ ذلك؛ ولذلك قال تعالى: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ، يعني في تَعَلُّقِ القُدرةِ بإيجادِها كتعلُّقها بإيجادِكم، وكذلك الآياتُ [601] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/505). .
وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم.
أي: كلُّ ما يَدِبُّ في الأرض، وكلُّ ما يَطيرُ في جَوِّ السَّماءِ بجَناحَيهِ، على اختلافِ أنواعِها كلِّها، إنَّما هي أجناسٌ وأصنافٌ مُصَنَّفةٌ مِثْلُكم أيُّها الناسُ؛ خلقْناها كما خلقْناكم، ورزقْناها كما رزقناكم، ويَعْرِف بعضُها بعضًا كما تَعرفونَ، ويَتزاوجونَ ويتناسلون، ولها آجالٌ محدَّدة، وهي أنواعٌ تختلفُ أيضًا في أحجامِها، وألوانِها، ولُغاتها، وقُدراتها، وغير ذلك؛ كما هو واقعٌ بينكم [602] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/232، 237)، ((تفسير السعدي)) (ص: 255)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/207-211)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 202-203). ونسَب الشنقيطيُّ هذا المعنى المذكورَ إلى أكثرِ العلماءِ، وقال أيضًا: (ومما يكونُ من تلك المماثلةِ: أن الجميعَ يُحْشَرُونَ إلى اللَّهِ، كما قال هنا: ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ وَنَصَّ على ذلك في سورة التكويرِ في قولِه: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: 5]). ((العذب النمير)) (1/210-211). .
مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ.
أي: ما أهمَلْنا ولا أغفَلْنا في اللَّوحِ المحفوظِ شيئًا من الأشياءِ، بل جميعُ الأشياءِ صغيرِها وكبيرِها، حتى أصناف الدوابِّ وغيرها؛ مُثبَتةٌ في اللَّوحِ المحفوظِ على ما هي عليه، والجميعُ عِلْمُهم عندَ الله تعالى، لا يَنسَى واحدًا منها مِن رِزقه وتَدبيرِه [603] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/232، 234)، ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (9/39)، ((تفسير ابن كثير)) (3/253-254)، ((تفسير السعدي)) (ص: 255-256)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 206). .
كما قال سبحانه: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود: 6] .
ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.
أي: إنَّ كلَّ دابَّة وكُلَّ طائرٍ محشورٌ إلى الله تعالى بعد انقضاء هذه الحياةِ الدُّنيا، وكذلك جميعُ الأُمَم تُحْشَر وتُجمَع إلى الله يومَ القيامةِ، فيُجازيهم بعَدْلِه وإحسانِه سبحانه [604] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/232، 233، 236)، ((تفسير السعدي)) (ص: 256)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/218)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 207). .
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (39).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ الله تعالى مِن حالِ الكُفَّار أنَّهم بَلَغُوا في الكُفْر إلى حيث كانت قلوبُهُم قد صارت مَيِّتةً عن قَبولِ الإيمانِ بقوله: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ- ذكر هذه الآيةَ تقريرًا لذلك المعنى [605] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/530). .
 وأيضًا لَمَّا ذَكَرَ تعالى في قولِه: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ في كَونِها دالَّةً على كَونِها تحت تدبيرِ وتقديرِ حكيمٍ قدير، وفي أنَّ عنايةَ اللهِ محيطةٌ بهم، ورَحْمَتَه واصلةٌ إليهم- قال بَعدَه: والمكَذِّبونَ لهذه الدَّلائلِ والمُنْكِرون لهذه العجائب صُمٌّ لا يَسمعونَ كلامًا البتَّةَ، بُكْمٌ لا يَنطقون بالحَقِّ، خائِضونَ في ظُلُماتِ الكُفرِ، غافلونَ عن تأمُّلِ هذه الدلائلِ [606] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/530). .
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ.
أي: إنَّ المكَذِّبينَ بِحُجَج الله وأدِلَّتِه، لا يَسمعون الحَقَّ، ولا ينطقونَ به، وهُم في ظُلُماتِ الكُفْر، لا يُبْصرونَ، فلا يَعْتبرونَ ولا يهتدون [607] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/237 - 238)، ((تفسير ابن كثير)) (3/255)، ((تفسير السعدي)) (ص: 256)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/220- 221)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 210). .
مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.
أي: مَن يَشَأِ اللهُ تعالى إضلالَه مِن خَلْقِه أَضَلَّه، ومَن يَشَأِ اللهُ تعالى هدايَتَه، فإنَّه يَهدِيه إلى الطَّريقِ المستقيم الذي لا عِوَج فيه، فهو سبحانه المُنْفَردُ بالهِدايةِ والإضلالِ، بِحَسَب ما يَقتضيه فَضْلُه وحِكْمَتُه [608] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/238)، ((تفسير السعدي)) (ص: 256)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 210-212). .

الفوائد التربوية :


1- يُستَفاد مِن قَولِه تعالى: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ أنَّه كلَّما صار الإنسانُ أَسْمعَ لكلامِ الله ورسولِهِ صارت استجابتُه أقوى، وذلك مأخوذٌ من القاعدةِ المعروفةِ (أنَّ ما عُلِّقَ على وَصْفٍ فإنَّه يزدادُ قُوَّةً بِحَسَب هذا الوَصْفِ الذي عُلِّقَ عليه الحُكْم) [609] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 195). .
2- أنَّ الإنسانَ يجِبُ أن يَعرِفَ قَدْرَ نَفْسِه؛ فهو بالنِّسبةِ لعَظَمةِ الله- عزَّ وجلَّ- كالنَّملةِ؛ لقوله: أُمَمٌ أَمْثَالُكُم إذَن لا تترفَّعْ ولا تتعالَ؛ فما أنتَ إلَّا مِثلُ هذه الدوابِّ بالنِّسبةِ لعظمةِ الله عزَّ وجلَّ، وإن كانَ الله عزَّ وجلَّ قال: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء: 70] ، أي: لم يُفَضِّلْ بني آدَمَ على ما خَلَقَ اللهُ، بل على كثيرٍ مِمَّا خَلَقَ الله [610] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 208). .
3- قوله تعالى: أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ فيه تَنبيهٌ للمُسْلمين على الرِّفقِ بالحيوانِ؛ فإنَّ الإخبارَ بأنَّها أُمَمٌ أمثالُنا تنبيهٌ على المشاركةِ في المخلوقيَّةِ وصفاتِ الحيوانيَّة كلِّها [611] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/218). .
4- قَوْله تعالى: ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ فيه إشارةٌ إلى التَّحذيرِ من الاعتداءِ على الحيواناتِ بما نهى الشَّرْعُ عنه من تَعذِيبها، وإذا كان يُقْتَصُّ لبَعضِها من بعضٍ وهي غيرُ مُكَلَّفةٍ، فالاقتصاصُ مِن الإنسانِ لها أَوْلى بالعَدْلِ [612] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/218). .
5- يُستَفادُ من قوله: مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أنَّ مَن شاءَ الله هِدايتَه اهتدَى، وأنَّ مَن شاء إضلالَه ضَلَّ، ويتفرَّعُ على هذا أنْ يلجَأَ الإنسانُ إلى ربِّهِ تبارك وتعالى بطَلَبِ الهِدايةِ والاستعاذَةِ من الغَوَايةِ؛ لأنَّ الأمرَ بِيَدِ الله [613] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 211). .

الفوائد العلمية واللطائف :


1- قولُه تعالى: وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ فيه قدرةُ الله عزَّ وجلَّ الكاملةُ، وذلك ببعثِ الموتَى، فإنَّهم يُبْعَثونَ كُلُّهم في لحظةٍ واحدةٍ، والدَّليلُ قَوْلُ الله عزَّ وجلَّ: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: 13- 14] وقوله: إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: 53] ، وقال عزَّ وجلَّ: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: 50]، وليس البَعثُ كالإحياءِ يكون شيئًا فشيئًا، يخرجُ المخلوقُ صغيرًا ثم ينمو حتى يتكاملَ [614] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 196). .
2- الإتيانُ بفعل النُّزول في قولِه تعالى: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يدلُّ على أنَّ الآيةَ المسؤولةَ مِن قَبيل ما يأتي مِن السَّماء، مثلُ قولِهم: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام: 8] ، وقولهم: وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ [الإسراء: 93] ، ونحو ذلك [615] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/209). .
3- في قولِه تعالى: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ طَلَبُهم للآيَةِ والآياتِ- مع وُجُودِ القرآنِ وما فيه من الآياتِ البَيِّناتِ- سَبَبُه محاولةُ تَعجيزِ الرَّسولِ، لا كَوْنُه هو الدَّليلَ الذي يرونَه مُوصِلًا إلى المدلولِ، وقد قال تعالى لرَسولِهِ في هذه السورة: وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [616] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/324). [الأنعام: 7] .
4- استكبارُ هؤلاءِ وترَفُّعُهم؛ حيثُ قالوا: مِنْ رَبِّهِ، ولم يقولوا: (مِنْ رَبِّنَا)، ولم يقولوا: (مِنَ الله)، كأنَّهم في جانبٍ، واللهُ تعالى ورسولُه صلَّى الله عليه وعلى آلِه وسلَّم في جانبٍ آخَرَ [617] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 199). .
5- انتصارُ اللهِ عزَّ وجلَّ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فإنَّه دافَعَ عنه حِينما قالوا: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ولا شكَّ أنَّ هذا يُشكِّلُ عبئًا على الرَّسولِ عليه الصَّلاة والسَّلام؛ فاللهُ تعالى يُجيبُ عنه انتصارًا له؛ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً [618] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 199، 200). .
6- قوله: إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً فيه إثباتُ قُدرةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وهذه القُدرةُ قدرةٌ كاملةٌ، لا يَلْحَقُها شيءٌ من العَجْزِ؛ لقولِ الله تبارَك وتعالَى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: 44] ، فلِكمالِ عِلْمِه وقُدرَتِه لا يُعْجِزُه شيءٌ؛ لأنَّ العجزَ عن الشَّيءِ سَبَبُه إمَّا الجهلُ وإمَّا الضَّعفُ، فاللهُ عليمٌ قديرٌ، وهذه القدرةُ تتعلَّقُ بكلِّ شيءٍ؛ فهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ [619] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 200). .
7- أنَّ أفعالَ الله عزَّ وجلَّ مقرونةٌ بمشيئتِه؛ بمعنى: أنَّ ما لم يَشَأْ لم يكُنْ، وإنْ كان قادرًا عليه؛ لقوله: قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً، يعني: ولكنَّه لم يَشَأْ [620] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 201). .
8- قولُه تعالى: وَلِكَنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ تَنبيهٌ على أنَّ فيهم مَن يَعلَمُ ذلك، ولكنَّه يُكابِرُ، ويُظْهِرُ أنَّه لا يَتِمُّ عنده الاستدلالُ إلَّا على نحوِ ما اقترحوه [621] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/212). .
9- خَصَّ ما في الأرضِ بالذِّكْرِ دون ما في السَّماء في قوله: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ وإنْ كان ما في السَّماءِ مخلوقًا له؛ لأنَّ الاحتجاجَ بالمُشاهَد أظهَرُ وأَوْلى ممَّا لا يُشاهَد [622] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/419)، ويُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/125). .
10- المقصودُ من قوله: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ الدَّلالةُ على كمالِ قُدرةِ الله تعالى، وشُمُولِ عِلْمِه، وسَعَةِ تَدبيرِه؛ ليكون كالدليلِ على أنَّه قادِرٌ على أن يُنَزِّلَ آيةً، وهي التي ذَكَرَها في الآيةِ التي تَسْبِقُها مباشرةً في قوله عزَّ وجلَّ: قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [623] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/419) .
11- في قوله: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ حصْرُ الحيوانِ في هاتين الصِّفتينِ، وهما: إمَّا أن يَدِبَّ، وإما أن يطيرَ، ولكنْ قد يقول قائلٌ إنَّ هناك مِن الحيوانات ما لا يدخلُ في هذينِ القِسْمينِ؛ مثل: حِيتانِ البَحرِ، وسائرِ ما يَسبَحُ في الماءِ، ويَعيش فيه؛ والجوابُ: أنَّها لا يَبعُدُ أنْ تُوصَفَ بأنَّها دابَّةٌ؛ مِن حيثُ إنَّها تدِبُّ في الماء؛ أو هي كالطَّيرِ؛ لأنَّها تسبحُ في الماءِ كَسَبْح الطيرِ في الهواء، إلَّا أنَّ وَصْفَها بالدَّبِّ أقربُ إلى اللُّغة مِن وَصْفِها بالطَّيَرانِ [624] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/124). .
12- لم يُبَيِّنِ اللهُ لنا وَجهَ المماثلة بين أنواعِ الأمم المختلفةِ في قوله: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ؛ لأجل أنْ نَستعمِلَ حواسَّنَا وعُقولَنا في البَحْثِ المُوصِل إلى ذلك [626] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/329). .
13- أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لم يُهمِلْ شيئًا في اللَّوحِ المحفوظ، فكلُّ شيءٍ كَتَبَه؛ لقوله: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ولأنَّ الله تعالى أمَرَ القَلَمَ أن يكتبَ ما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ [627] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 209). ، فالكتابُ الأَوَّل قد حوى جميعَ الكائناتِ، وهذا أحدُ مراتِبِ القضاءِ والقَدَر؛ فإنَّها أربعُ مراتِبَ: عِلْمُ الله الشامِلُ لجميعِ الأشياء، وكتابُه المحيطُ بجميع الموجوداتِ، ومشيئتُه وقُدرتُه النافِذَةُ العامَّة لكلِّ شيءٍ، وخَلْقُه لجميعِ المخلوقاتِ، حتى أفعال العباد [628] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 255). .
14- قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ جَمْعُ الظُّلماتِ جارٍ على الفَصيح مِن عَدَمِ استعمالِ الظُّلْمة مُفردًا. وقيل: للإشارةِ إلى ظُلْمةِ الكُفْرِ، وظُلْمةِ الجَهْل، وظُلمةِ العناد [630] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/219). ، ولعلَّ اللهَ جَمَعَها إشارةً إلى أنَّ المُكَذِّبَ لا يَنتفعُ ببصرٍ ولا ببصيرةٍ؛ وذلك أنَّهم لَمَّا لم يَنتفعوا بحياتِهم ولا بأسماعِهم ولا نُطْقِهم ولا أبصارِهم ولا عُقُولِهم- كان كلُّ ذلك منهم عَدَمًا [631] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/108). .

بلاغة الآيات :


1- قوله: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
- السِّينُ والتَّاءُ في قولِه: يَسْتَجِيبُ زائدتانِ للتَّأكيدِ [632] وقيل: إنما قال: يَسْتَجِيبُ ولم يقُل: يُجِيبُ، لأنَّ هناك فرقًا بينهما؛ فقوله: يَسْتَجِيبُ فيه قَبولٌ لِمَا دُعِيَ إليه، وليس كذلك في (يُجيب)؛ لأنه قد يُجِيبُ بالمخالفةِ؛ كقَولِ القائلِ: أتوافِقُ في هذا المَذْهَب أم تخالِفُ؟ فيقول المجيب: أُخالِفُ. يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/120). ، ومفهومُ الحَصر بـإِنَّمَا مُؤْذِنٌ بإعمالِ مَنطوقِه الذي يُومِئُ إلى إرجاءٍ بعد تأييسٍ بأنَّ الله جعل لقومٍ آخرينَ قلوبًا يفقهون بها، وآذانًا يسمعون بها؛ فأولئك يستجيبونَ [633] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/207). .
- قوله: وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
على القَولِ بأنَّ قولَه: وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ مُقابلٌ لقولِه: الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، أي: وأَمَّا المُعرِضون عنك فهُم مِثلُ الموتَى فلا يَستجيبون؛ فيكون حَذَفَ مِن الكلامِ ما دَلَّ عليه السِّياقُ؛ فإنَّ الذي لا يَسمَعُ قد يكونُ فُقدانُ سَمْعِه مِن عِلَّةٍ كالصَّمم، وقد يكونُ مِن عَدَمِ الحياةِ، وحَسُنَ عطْفُ جملةِ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ على جملةِ: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، وتَضمَّن عطْفُها تَعريضًا بأنَّ هؤلاءِ كالأمواتِ لا تُرجَى منهم استجابةٌ، وتَخلَّصَ إلى وَعيدِهم بأنَّه يَبعثُهم بَعدَ موتِهم، أي: لا يُرجَى منهم رُجوعٌ إلى الحَقِّ إلى أن يُبعَثوا، وحينئذٍ يُلاقُون جَزاءَ كُفرهم، ويكونُ قولُه: ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ زيادةً في التهديدِ والوعيدِ. ويجوزُ أنْ يكونَ الوقفُ عِندَ قولِه تعالى: يَبْعَثُهُمُ اللهُ وتمَّ التمثيلُ هنالك، ويكون قولُه: ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ استِطرادًا تَخلَّصَ به إلى قَرْعِ أسماعِهم بإثباتِ الحَشْرِ الذي يقَعُ بعدَ البعثِ الحقيقيِّ [634] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/207- 208). .
- وفيه: تَمثيلٌ لاختِصاصِه تعالى بالقُدرةِ على تَوفيقِهم للإيمانِ، باختِصاصِه تعالى بالقُدرةِ على بَعْثِ الموتَى مِن القُبورِ [635] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/130). .
2- قوله: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً
- لَوْلَا حرف تحضيضٍ بمعنى (هَلَّا)، والتحضيضُ هنا لقَطْعِ الخَصْمِ وتعجيزِه [636] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/209). .
- وتَنكيرُ آيَةً في قولِه تعالى: قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً؛ للتفخيمِ والتَّهويلِ [637] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/130). .
- وفي التعرُّضِ لعنوانِ ربوبِيَّتِه تعالى له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في قوله: مِنْ رَبِّهِ إشعارٌ بالعِليَّة، بطريقِ التعريضِ بالتهكُّمِ من جِهَتِهِم [638] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/130). .
- وإظهارُ الاسمِ الجليلِ اللَّهَ في قوله: قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ- حيثُ لم يقُلْ: (قُلْ إنَّهُ قادرٌ)-؛ لتربيةِ المهابة، مع ما فيه مِن الإشعارِ بِعِلَّةِ القدرةِ الباهرةِ [639] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/130). .
- وقوله: قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً مُستعملٌ في معناه الكِنائيِّ، وهو انتفاءُ أن يُريد اللهُ تعالى إجابةَ مُقْتَرَحِهم؛ لأنَّه لَمَّا أرسَلَ رسولَه بآياتٍ بيِّناتٍ حصل المقصودُ من إقامةِ الحُجَّةِ على الذين كفروا، فلو شاء لزادَهم من الآياتِ؛ لأنَّه قادِرٌ [640] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/210). .
3- قوله: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
- قوله: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ كلامٌ مستأنَفٌ مَسُوقٌ لبيانِ كمالِ قُدرَتِه عزَّ وجلَّ، وشمولِ عِلْمِه، وسَعَةِ تدبيرِه؛ ليكونَ كالدَّليلِ على أنَّه تعالى قادِرٌ على تنزيلِ الآيةِ [641] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/131). .
- وزيادةُ مِنْ لتأكيدِ الاستِغراقِ [642] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/131). .
- وقوله: فِي الْأَرْضِ صِفةٌ قُصِد منها إفادةُ التَّعميمِ والشُّمولِ؛ بذِكر اسمِ المكانِ الذي يَحوي جميعَ الدوابِّ، وهو الأرضُ، وكذلك وصف طَائِرٍ بقوله: يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ قُصِدَ به الشُّمولُ والإحاطةُ؛ لأنَّه وَصْفٌ آيِلٌ إلى معنى التوكيدِ؛ لأنَّ مَفادَ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ أنَّه طائِرٌ، كأنه قيل: ولا طائرٌ ولا طائرٌ، والتوكيدُ هنا يُؤكِّد معنى الشُّمولِ الذي دلَّتْ عليه مِن الزَّائدة في سِياقِ النَّفيِ، فحصَل من هذينِ الوصفينِ تقريرُ معنى الشُّمولِ الحاصلِ مِن نَفْي اسْمَيِ الجنسينِ، ونكتةُ التوكيدِ أنَّ الخَبَرَ لغرابَتِه عندهم، وكَونِه مَظِنَّةَ إنكارِهم- أنَّه حقيقٌ بأنْ يؤكَّدَ؛ ففائدةُ زِيادةِ قوله: فِي الْأَرْضِ مع أنَّها لا تكونُ إلَّا في الأرضِ، وقوله: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ: زيادةُ التعميمِ والإحاطةِ، والتأكيدُ، كأنَّه قيل: وما مِن دابَّةٍ قطُّ في جميع الأرَضينَ السَّبْعِ، وما مِن طائرٍ قطُّ في جوِّ السَّماء من جميعِ ما يطير بجناحَيْه إلَّا أمَمٌ أمثالُكم، محفوظةٌ أحوالُها، غيرُ مُهْمَلٍ أمْرُها [643] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/21)، يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/524)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 166)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/215- 216). وقال ابنُ عاشور: (ووقَع في «المفتاح» في بحث إتْباع المسنَدِ إليه بالبيانِ: أنَّ هذين الوَصفَينِ في هذه الآيةِ؛ للدَّلالةِ على أنَّ القَصدَ مِن اللَّفظين الجنسُ لا بعضُ الأفراد، وهو غيرُ ما في «الكشَّاف»، وكيف يُتوهَّم أنَّ المقصودَ بعضُ الأفراد ووجودُ (مِن) في النَّفْي نصٌّ على نفْي الجِنسِ دُونَ الوحدةِ؟! وبهذا تعلمُ أنْ ليس وصفُ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ واردًا لرفْعِ احتمالِ المجازِ في طَائِرٍ كما جَنَح إليه كثيرٌ من المفسِّرين، وإن كان رفْعُ احتمالِ المجازِ من جملة نُكَتِ التوكيدِ اللفظيِّ إلَّا أنَّه غيرُ مُطَّرد، ولأنَّ اعتبارَ تأكيدِ العموم أَوْلى، بخلافِ نحو قولهم: نظرتُه بعَيني، وسمعتُه بأذني). ، والغَرضُ في ذِكْر ذلك: الدَّلالةُ على عِظَمِ قُدرَتِه، ولُطْفِ عِلْمِه، وسَعَةِ سُلطانِه، وتدبيرِه تلك الخلائقَ المتفاوِتةَ الأجناسِ، المتكاثِرَةَ الأصنافِ، وهو حافظٌ لِمَا لها وما عليها، مُهَيمِنٌ على أحوالِها، لا يشغَلُه شأنٌ عن شَأْنٍ، وأنَّ المُكَلَّفينَ ليسوا بمخصوصينَ بذلك دونَ من عداهم مِن سائِرِ الحيوانِ [644] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/21). .
- وذِكْرُ الطَّائِرِ بعد ذِكْر الدَّابَّةِ تخصيصٌ بعدَ تَعميمٍ، وذِكْرُ بعضٍ من كُلٍّ، وصار مِن بابِ التَّجريدِ؛ كقوله: وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ بعد ذِكْر الملائكةِ، وإنَّما جُرِّد الطائِرُ؛ لأنَّ تصرُّفَه في الوجودِ دون غيره من الحيوانِ أبلغُ في القُدرةِ، وأدَلُّ على عِظَمِها من تَصَرُّفِ غيره من الحيوان في الأرضِ؛ إذ الأرضُ جِسمٌ كثيفٌ يُمْكِنُ تصرُّفُ الأجرامِ عليها، والهواءُ جِسْمٌ لطيفٌ لا يُمكِنُ عادةً تَصَرُّفُ الأجرامِ الكثيفةِ فيها إلَّا بباهِرِ القُدرةِ الإلهيَّة [645] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/501). .
- وعبَّر بقولِه سبحانه: إِلَّا أُمَمٌ بالجَمْعِ، مع إفرادِ الدابَّةِ والطَّائرِ؛ لأنَّه لَمَّا كان قولُه: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ دالًّا على معنى الاستغراقِ، ومُغْنيًا عن أنْ يُقال: وما مِنْ دوابَّ ولا طيورٍ، حُمِلَ قولُه: إِلَّا أُمَمٌ على المعنى- الذي هو الجَمْعُ [646] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/21)، ((تفسير الرازي)) (12/524). .
- قوله: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
- قوله: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ جملةٌ مُعتَرِضَةٌ مُقَرِّرةٌ لِمَضْمونِ ما قبلها من بيانِ سَعَةِ عِلْمِ الله تعالى، وعَظيمِ قُدْرَتِه [647] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/131)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/217). .
- وقولُه تعالى: ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ الضميرُ في يُحْشَرُونَ عائدٌ إلى الأممِ المذكورةِ، وفيه رَدُّ الضَّميرِ بصِيغةِ ضَميرِ العُقلاءِ، على الطيورِ والدوابِّ وهي ليسَتْ من العقلاءِ؛ وذلك لأنَّه لَمَّا شَبَّهَهُمْ بالعُقلاءِ، وقال: أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ سوَّغَ ذلك أن يَبْنِيَ عليهم ضَميرَ العقلاءِ، وقد تقررَ في فَنِّ العربيةِ: أنَّ غيرَ العاقلِ كُلَّمَا شُبِّهَ بالعاقلِ جرَى عليه في الضَّمائرِ ونوعِ الصِّيَغِ ما يَجري على العاقلِ، ونظيرُه في القرآنِ قولُه تعالى في رُؤْيَا يوسفَ: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ قال: رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف: آية 4] فَجُمِعَ جمعَ المذكرِ السَّالمِ المختصَّ بالعقلاءِ؛ لأنها لَمَّا اتَّصَفَتْ بالسُّجودِ أَشْبَهَتِ العقلاءَ من هذه الحيثيَّةِ، فَجَرَتْ عليها صيغةُ العقلاءِ [648] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/218). .
4- قوله: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
- قوله: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ فيه تمثيلٌ لحالِهم في ضَلالِ عقائِدِهم، والابتعادِ عن الاهتداءِ، بحالِ قومٍ صُمٍّ وبُكْمٍ في ظلامٍ؛ فالصَّمَمُ يَمْنَعُهم مِن تلقِّي هُدَى مَن يَهْدِيهم، والبَكَمُ يمنعُهُم مِن الاستِرشادِ ممَّن يمرُّ بهم، والظلامُ يمنعُهم من التبصُّر في الطريقِ أو المنفَذِ المُخْرِج لهم من مَأْزِقِهم [649] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/218). .
- وقوله: صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ جاء قوله: فِي الظُّلُمَاتِ كنايةً عن عَمَى البَصيرةِ، فهو كقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة: 18-171] ، لكن قوله: فِي الظُّلُمَاتِ أبلغُ مِن قوله: عُمْيٌ؛ إذ جُعِلت الظُّلماتُ ظرفًا لهم [650] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/505). قال ابن عاشور: (وإنَّما ِقيل: فِي الظُّلُمَاتِ ولم يُوصَفوا بأنَّهم عُمي، كما في قوله: عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا [الإسراء: 97] ؛ ليكونَ لبعضِ أجزاءِ الهيئةِ المشبَّهةِ بها ما يَصلُحُ لشَبَهِ بعضِ أجزاءِ الهيئةِ المُشبَّهة؛ فإنَّ الكفرَ الذي هم فيه، والذي أصارَهم إلى استمرارِ الضلالِ، يُشبه الظلماتِ في الحيلولةِ بين الداخلِ فيه، وبين الاهتداءِ إلى طريقِ النجاةِ). ((تفسير ابن عاشور)) (7/218). .
- وقوله: صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ فيه مناسبةٌ حسنةٌ، حيث عَطَف هنا بين صُمٌّ وَبُكْمٌ بالواو، بَينما وردتْ في سُورةِ البقرة في مَوضعينِ بدون العطفِ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة: 18-171] ، والحِكمةُ في ذلك: أنَّ تَرْكَ العطفِ في آيتَيِ البقرةِ لبيانِ أنَّ هذه الصِّفاتِ لاصقةٌ بالموصوفينَ بها، مجتمعةً في آنٍ واحدٍ، والأُولى منهما في المختومِ على قُلُوبِهم، الميؤوسِ من إيمانِهم من المنافقينَ وغَيْرِهم، والثانيةُ في المقَلِّدينَ الجامدينَ، وكُلٌّ منهما لا يستمعُ لدعوةِ الحَقِّ عند تلاوةِ القرآنِ وغيرِه، ولا يَسألُ الرَّسولَ ولا غيرَه من المؤمنين عما يَحوك في قَلْبِه، ويجول في ذِهْنه من الكُفْر والشَّكِّ، ولا ينطقُ بما عساه يَعْرِف من الحقِّ، ولا يستدلُّ بآياتِ الله المرئِيَّةِ في نفسه، ولا في الآفاقِ، فكأنَّه أصمُّ أبكمُ أعمى في آنٍ واحد، وأمَّا هذه الآيةُ التي في الأنعام فهي في مُشْركي مكَّةَ، ولم يكونوا كلُّهم من المختومِ على قلوبِهم، الميؤوسِ من إيمانِهم، ولا من المقَلِّدينَ الجامدين الذين لا ينظرونَ في شيءٍ من الآياتِ الإلهيَّة المنَزَّلَة والمُكوَّنة، بل كان منهم الجامدُ على التقليدِ، والإعراضِ عن سماعِ القرآنِ حتى كأنَّه أصمُّ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا [سورة لقمان: 7]، ومنهم من يسمعُ ويعلمُ أنَّها الحقُّ، ولكنَّه لا ينطِقُ بما يعلم عنادًا، فهذان فريقانِ منفصلانِ، عُطِفَ أحدُهما على الآخر؛ لبيانِ هذا الانفصالِ [651] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/338). .
- قوله: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ استئنافٌ بيانيٌّ لأنَّ حالَهُم العجيبةَ تُثيرُ سؤالًا، وهو أن يقولَ قائلٌ: ما بالُهم لا يهتدونَ مع وضوحِ هذه الدلائلِ البَيِّناتِ؟! فأُجيبَ بأنَّ اللهَ أضَلَّهم فلا يهتدونَ، وأنَّ الله يُضِلُّ مَن يشاء، ويَهدي مَن يشاءُ؛ فدَلَّ على أنَّ هؤلاءِ المكَذِّبينَ الضالِّينَ هم ممَّن شاءَ اللهُ إضلالَهم على طَريقةِ الإيجازِ بالحَذْفِ؛ لظهورِ المحذوفِ [652] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/219). .
- وقوله: عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ معنى عَلَى الاستعلاءُ، وهو استعلاءُ السائرِ على الطريقِ؛ فالكلام تمثيلٌ لحالِ الذي خَلَقه الله فمَنَّ عليه بعقلٍ يَرْعَوي مِن غَيِّه، ويُصْغي إلى النصيحةِ؛ فلا يقعُ في الفسادِ، فاتَّبَع الدِّينَ الحَقَّ- بحالِ السَّائِرِ في طريقٍ واضحةٍ لا يتحيَّرُ، ولا يُخطِئُ القصدَ، ومستقيمةٍ لا تطوحُ به في طُولِ السَّيْرِ. وهذا التمثيلُ أيضًا صالحٌ لتَشبيهِ كلِّ جُزءٍ من أجزاءِ الهيئةِ المشبَّهةِ بجزءٍ من أجزاءِ الهيئةِ المشبَّه بها [653] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/220). .