موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (7 - 11)

ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ

غريب الكلمات :


قِرْطَاسٍ: أي: صَحيفةٍ، أو ورقٍ، أو ما يُكتَب فيه، والجمعُ قَراطيس [122] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 150)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 385)، ((المفردات)) للراغب (ص: 666)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 741). .
يُنْظَرُونَ: أي: يُؤخَّرونَ، وأصل (نظر): تأمُّل الشيءِ ومُعاينتُه [123] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/444)، ((المفردات)) للراغب (ص: 812، 813)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (1/31). .
وَلَلَبَسْنَا: أي: ولخَلَطْنا عليهم، أو أَضللْناهم بما ضلُّوا به قبلَ أن يُبعث المَلكُ، وأصل اللَّبْس: سَترُ الشَّيء، والمخالطةُ والمداخلةُ أيضًا [124] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 151)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/230)، ((المفردات)) للراغب (ص: 735)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 93)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 802). .
فَحَاقَ: أي: أحاطَ ونزَل وأصاب، وأصل (حيق): نزولُ الشَّيءِ بالشَّيء [125] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 187)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/125)، ((المفردات)) للراغب (ص: 266)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 93). .
عَاقِبَةُ: العاقبةُ تختصُّ بالثَّواب إذا أُطلقتْ، وقد تُستعمَلُ- إذا أُضيفتْ- في العُقوبةِ، أو ما يُؤدِّي إليه السَّببُ المتقدِّم، وأصل (عقب): يدلُّ على تأخيرِ شيءٍ، وإتيانِه بعدَ غيرِه [126] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/77)، ((المفردات)) للراغب (ص: 575)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 129). .

مشكل الإعراب :


قوله: ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
كَيْفَ: اسمُ استفهامٍ، في محلِّ نصْبٍ، خبَرٌ لـكَانَ، وهو مقدَّمٌ عليها وجوبًا؛ لأنَّ للاستفهامِ صَدْرَ الكلامِ.
وعَاقِبةُ: مرفوعةٌ؛ اسمُ كَانَ، ولم يُؤَنَّثْ فِعلُها-حيث لم يَقُل: (كانَتْ)-؛ لأنَّ العاقبة بمَعنى المصيرِ أو المعاد، أو المآل والمنتَهى، ولأنَّ تأنيثَها غيرُ حقيقيٍّ.
 والجُملةُ الاستفهاميةُ كَيْفَ كَانَ... في مَحَلِّ نَصْبٍ على إسقاطِ حرفِ الجرِّ؛ إذ التقديرُ: ثم انظُروا في كذا؛ لأنَّ كَيْفَ مُعلِّقةٌ للفِعلِ انْظُرُوا عن العملِ؛ لأنَّ معنى النَّظَر هنا التفكُّرُ والتدبُّرُ [127] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/246)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/483)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/401). .

المعنى الإجمالي :


يُخبِرُ اللهُ تعالى أنَّه لو أَنزَلَ على نبيِّه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كلامًا، مكتوبًا في أوراقٍ، فتأكَّد الكفَّارُ منه، حتى إنَّهم لَمَسوه بأيديهم، لاستمرُّوا في عِنادِهم، وقالوا: ما هذا إلَّا سِحرٌ واضحٌ، ولاستمرُّوا في تَعنُّتِهم، وقالوا: هلَّا أُنزِلَ مع محمَّدٍ أحدُ الملائكةِ، يكون مُصدِّقًا له ومعاوِنًا، فردَّ اللهُ تعالى عليهم بأنَّه لو أنْزَل ملَكًا- كما سألوا- لجاءَهم العذابُ عاجلًا، إنْ لم يُؤمِنوا، ولن يُمهَلوا حتَّى يتوبوا.
ثم بيَّن تعالى أنَّه لا جَدْوى من إرسالِ الملَك إليهم؛ لأنَّه لو أَرْسَل ملَكًا يَشهدُ بتصديقِ النبيِّ، ويأمُرُهم باتِّباعِه، لجَعَلَه على هيئة بَشرٍ؛ ليتمكَّنوا مِن رُؤيتِه، ومِن سماعِ كلامِه الذي يُبلِّغُه عن اللَّه، ويَحصُلَ الانتفاعُ به؛ ولأنَّهم لا يَقدِرون على رؤيةِ الملَك على صورتِه، وفي حالِ كان على شكلِ بشرٍ، فسَيلتَبِسُ عليهم أمْرُه، كما لَبَسوا على أنفسِهم في قَبول رِسالةِ الرَّسولِ البَشريِّ، واستبعدوا أن يكونَ الرسولُ بشرًا مثلَهم.
ثمَّ خاطَب اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُبيِّنًا له أنَّه قد سُخِر واستُهزِئ برُسلٍ من قبلِه، فعاقبَهم الله جزاءَ تلك السُّخرية برُسُلِه عليهم السَّلام، وقال له: قلْ لهؤلاء الذين كذَّبوا بك- يا محمَّد: امشُوا في الأرض، واطَّلِعوا على آثارِ الأُمم الماضيةِ التي كذَّبتْ رُسلَها، ثمَّ انظروا كيف كانتْ عاقبتُهم، وما الذي حلَّ بهم مِن الهلاكِ، وخرابِ الدِّيار، فخُذوا من ذلِك العِظةَ والعِبرةَ.

تفسير الآيات :


وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (7).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا أَخبرَ اللهُ عزَّ وجلَّ عنهم أنَّهم كذَّبوا بكلِّ ما جاءَهم من آيةٍ، تَبِع ذلك إخبارٌ فيه مُبالغةٌ مُضمَّنةٌ أنَّه لو جاءَهم أعظمُ ممَّا جاء، لكذَّبوا أيضًا [128] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/269). ، فقال تعالى:
وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ.
أي: وهُم لشِدَّة عِنادِهم، ومُكابَرتِهم للحقِّ، لو أَنزلتُ عليك- يا محمَّد- كلامًا [129] اختار ابنُ جريرٍ أنَّه القرآنُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/158)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/141). مكتوبًا في صَحيفةٍ، يُعايِنونَه، ويَلمَسونَه بأيديهم، بما يَرفَعُ عنهم كلَّ شكٍّ ورِيبة [130] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/158)، ((تفسير ابن عطية)) (2/269)، ((تفسير ابن كثير)) (3/241)، ((تفسير السعدي)) (ص: 251)، ((تفسير ابن عثيمين-سورة الأنعام)) (ص: 44). .
لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ.
أي: فلو وقَعَ ذلك لقالَ الكفَّارُ ظُلمًا وعِنادًا: ما هذا إلَّا سِحرٌ ظاهرٌ، سَحَرْتَنا به [131] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/158-159)، ((تفسير ابن كثير)) (3/241)، ((تفسير السعدي)) (ص: 251). !
كما قال تعالى مُخبِرًا عن مكابرتِهم للمحسوسات: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر: 14-15].
وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ (8) .
وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ.
أي: وقالوا أيضًا تَعنُّتًا: هلَّا أُنزِلَ مع محمَّدٍ مَلَكٌ يكون مُصدِّقًا له ومعاوِنًا [132] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/160)، ((تفسير ابن كثير)) (3/241)، ((تفسير السعدي)) (ص: 251)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 51). ؟
كما قال تعالى: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا [الفرقان: 7].
وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ.
أي: قال اللهُ تعالى: ولو أَنْزَلنا مَلَكًا على ما سألوا، لجاءَهم العذابُ عاجلًا، إنْ لم يُؤمنوا، ولنْ يُمهَلوا حتَّى يتوبوا [133] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/160)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 345)، ((تفسير ابن كثير)) (3/241)، ((تفسير السعدي)) (ص: 251)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأنعام)) (ص: 51-52). .
كما قال تعالى: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ [الحجر: 6-8].
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (9).
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً.
أي: ولو أَنزَلْنا على هؤلاءِ رسولًا ملَكيًّا، يَشهَدُ بتصديقِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويَأمُرُهم باتِّباعه، لجَعَلْناه على هَيئةِ رجُلٍ مِن البَشرِ؛ لِتُفْهَم مُخاطبتُه، ويَحصُل الانتفاعُ بالأخْذِ عنه؛ لأنَّهم لا يَقدِرون على رؤيةِ الملَك في صُورتِه [134] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/162)، ((الرد عى المنطقيين)) لابن تيمية (ص: 539)، ((تفسير ابن كثير)) (3/241)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 52). .
وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ.
أي: وإذا تَشكَّل بصورةٍ بَشريَّةٍ، فسَيلتبِس عليهم أمْرُه، لا يَدْرونَ أمَلَكٌ هو أمْ إنسيٌّ، كما لَبَسوا على أنفسِهم في قَبول رسالةِ الرَّسول البشريِّ؛ فلا جَدْوى إذنْ من إرسالِ ملَكٍ [135] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/163-164)، ((تفسير ابن كثير)) (3/241-242)، ((تفسير السعدي)) (ص: 251)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/145-146). .
وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (10).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا كان بعضُ الأقوامِ يقولون على سبيلِ الاستهزاءِ: إنَّ رَسولَ اللهِ يجبُ أنْ يكون ملَكًا من الملائكةِ؛ وكان يَضيقُ قلبُ الرسولِ عندَ سَماعِه ذلك؛ ذَكَر أنَّه قد استُهزِئ برُسُلٍ مِن قَبلِه؛ ليصيرَ سببًا للتخفيفِ عن قلبِه عليه الصَّلاة والسَّلام؛ لأنَّ ممَّا يُخفِّف عن القلبِ، المشاركةَ في سببِ المحنةِ والغمِّ؛ فكأنَّه قيل له: إنَّ هذه الأنواعَ الكثيرةَ من سوءِ الأدبِ، التي يُعاملونك بها، قد كانت موجودةً في سائرِ القُرون مع أنبيائِهم؛ فلستَ أنت فريدًا في هذا الطَّريقِ [136] ينظر: ((تفسير الرازي)) (12/487). .
وأيضًا لَمَّا كانوا في قولهم: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ قاصِدين التعجيزَ والاستهزاءَ معًا؛ لأنَّهم ما قالوه إلَّا عن يقينٍ منهم أنَّ ذلك لا يكونُ، ابتَدأَ الردَّ عليهم بإبطالِ ظاهرِ كَلامِهم بقولِه: وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ، ثم ثَنَّى بتهديدِهم على ما أرادوه منَ الاستهزاءِ، والمقصودُ مع ذلك تهديدُهم بأنَّهم سيَحيقُ بهم العذابُ، وأنَّ ذلك سُنَّةُ اللهِ في كلِّ أمَّةٍ استهزأتْ برسولٍ لها [137] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/146) 147). ، فقال تعالى:
وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ.
أي: قد سَخِرَت أممٌ برُسُلٍ مِن قبلِك- يا مُحمَّد [138] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/165)، ((تفسير السعدي)) (ص: 251). .
فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ.
أي: فحَلَّ بهؤلاءِ الساخرينِ العذابُ؛ جزاءً لهم بسببِ سُخريتِهم برُسلِهم عليهم السَّلام [139] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/165-166)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 55). .
قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)  .
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذكَر تعالى ما حلَّ بالمكذِّبين المسْتَهْزئين، حين قال: فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وكان المخاطَبون بذلِك أُمَّةً أُمِّيَّة، لم تَدرُسِ الكُتبَ، ولم تُجالسِ العلماءَ- أُمِروا بالسَّير في الأرضِ، والنَّظرِ فيما حلَّ بالمكذِّبين؛ ليعتبروا بذلك، ويتظافَرَ مع الإخبارِ الصَّادقِ الحسُّ؛ فللرؤيةِ مِن مزيدِ الاعتبارِ ما لا يكونُ بغيرِها [140] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/445). ، فقال سبحانه:
قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ.
أي: قلْ- يا محمَّدُ- لهم: جُولوا في بلادِ المكذِّبين برُسلِهم، أمثالِكم؛ لتطَّلِعوا على آثارِهم [141] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/166)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 59). .
ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ.
أي: ثمَّ انظُروا إلى ما حلَّ بهم مِن البَوار، وخرابِ الدِّيار، وفَكِّروا في أنفُسِكم؛ كيف أَعْقَبهم تكذيبُهم ذلك الهلاكَ، وخِزيَ الدنيا وعارَها؛ فاعْتَبِروا، واحْذَروا أنْ يَحيقَ بكم مثلُ ما حاقَ بهم [142] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/166-167)، ((تفسير ابن كثير)) (3/242)، ((تفسير السعدي)) (ص: 251)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 59-61). .
كما قال اللهُ تبارَك وتعالَى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الصافات: 137- 138].

الفوائد التربوية :


1- أنَّ المعاصيَ سببٌ للعقوبة؛ لقوله: مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون، وأنَّ العقوبةَ بقَدْرِ العملِ؛ ولذلك عبَّر بقوله: بِهِ عنها، وهذا مِن عَدلِ الله عزَّ وجلَّ، أمَّا المثوبةُ فالحسنةُ بعَشْر أمثالِها إلى سبعِ مِئةِ ضِعفٍ إلى أضعافٍ كثيرة [143] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 59). .
2- الأمرُ بالسَّيرِ في الأرضِ للاعتبار، سواءٌ كان بالبصائرِ أو بالأبصار؛ لقوله: سِيرُوا فِي الأَرْضِ، ويتفرَّع على هذه الفائدةِ: أنَّه يَنبغي أن نَقرأَ تاريخَ الأُمم السَّابقة، وأفضلُ ما نَقرؤُه منه هو القرآنُ وصحيحُ السُّنة؛ لأنَّ مِن الأحاديثِ الضعيفةِ أو الموضوعةِ عن الأُمم السَّابقة ما لا يُحْصيه إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ، والعِبْرَةُ بالصَّحيحِ، وما أكثرَ الأحاديثَ التي فيها الأخبارُ عن الأمم السَّابقة [144] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 61). .
3- فضلُ الاعتبارِ، وأنَّه أمرٌ مطلوبٌ؛ لقوله: انْظُرُوا، وسواءٌ أكان الاعتبارُ بِمَن انتقمَ الله منهم أو بمَن أثابهم، فإنْ كان بمَنِ انتقمَ الله منهم، فالإنسانُ يَحذَر، وإنْ كان ممَّن أثابهم، فالإنسانُ يَرْغَب، وفي هذه الآيةِ الاعتبارُ بمَن انتقمَ اللهُ منه [145] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 61). .

الفوائد العلمية واللطائف :

1- قوله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا... فيه بيانُ أنَّ هؤلاءِ المكذِّبين لن يُؤمِنوا ولو جاءتْهم كلُّ آيةٍ؛ لأنَّ مِن أعظمِ الآيات أنْ يُنَزَّل الكتابُ يُشاهدونَه بقرطاسٍ ويَلمَسونَه؛ ومع ذلِك لو نَزَل هكذا سيُنْكرونَه، ويَدَّعُون أنَّه سِحرٌ واضحٌ قدْ سُحِروا به [147] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 46، 47). .
2- فائدةُ زِيادةِ لَمْسِ القِرطاسِ بأَيديهم في قوله: فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ تحقيقُ القِراءةِ على قُربٍ، أي: فقَرؤوه وهو بأيديهم، لا بَعيدٌ عنهم [148] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/260). .
3- قوله تعالى: لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا... فيه بيانُ عِلمِ اللهِ تبارَك وتعالَى بما سيكونُ لو كان؛ لأنَّه عَلِمَ ماذا سيكونُ قولُ هؤلاءِ، لو نزَلَ عليهم الكتابُ في قِرطاسٍ [149] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 49). .
4- قوله تعالى: وَقالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، فيه دليلٌ على تعنُّتِ المكذِّبين للرُّسل، وتفنُّنِهم في المكابرةِ والعِناد؛ تصلُّبًا في شِركِهم وإصرارًا عليه؛ فهذه الاقتراحاتُ لم تكن طلبًا للبُرهان؛ إنَّما كانت وسيلةً من وسائلِ الإعناتِ، وأسلوبًا من أساليبِ التعنُّت، وخُطةً للمُماحكةِ والمعاندةِ؛ فإنَّهم كانوا كما قال اللهُ سبحانه عنهم في الآيةِ السَّابقةِ: وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [150] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/146)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 52). .
5- أنَّ المكذِّبين للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُقِرُّون بالملائكةِ؛ لقوله: وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [151] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 52). .
6- في قوله تعالى: وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ أنَّ الله ما كان ليُظهرَ آياتِه عن اقتراحِ الضالِّين؛ إذ ليس الرسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بصدَد التصدِّي لرَغباتِ النَّاسِ، مِثلَما يتصدَّى الصانعُ أو التاجر، ولو أُجيبت رغباتُ بعضِ المقتَرِحين لرامَ كلُّ مَن عُرِضت عليه الدعوةُ أنْ تَظهرَ له آيةٌ حسَبَ مُقْتَرحِه، فيصير الرسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُضيِّعًا مدَّةَ الإرشادِ، وتلتفُّ عليه النَّاسُ التفافَهم على المشَعْوذينَ، وذلك يُنافي حرمةَ النُّبوةِ، ولكنَّ الآياتِ تأتي عن مَحضِ اختيارٍ مِن اللهِ تعالى دونَ مسألةٍ [152] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/144، 145). .
7- في قوله تعالى: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ بيانُ رَحمةِ الله ولُطْفه بعِباده؛ حيثُ أَرسلَ إليهم بَشرًا منهم يكونُ الإيمانُ بما جاءَ به عن عِلمٍ وبصيرةٍ وغيبٍ؛ لأنَّه لو أرْسَل ملَكًا برِسالتِه، لكان الإيمانُ لا يَصدُر عن معرفةٍ بالحقِّ، ولكان إيمانًا بالشَّهادة، الذي لا ينفَعُ شيئًا وحْدَه، هذا إنْ آمنوا، والغالبُ أنَّهم لا يُؤمنونَ بهذه الحالةِ، فإذا لم يُؤمنوا قُضِي الأمرُ بتعجيلِ الهلاكِ عليهم، وعدمِ إنظارِهم؛ لأنَّ هذه سُنَّةُ الله فيمَن طلَب الآياتِ المقترَحَةَ، فلم يُؤمِنْ بها [153] ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 251). .
8- قال تعالى: وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ، الفائدةُ في كلمة ثُمَّ التنبيهُ على أنَّ عدَم الإنظارِ أشدُّ من قضاءِ الأمْرِ؛ لأنَّ مفاجأةَ الشِّدَّة أشدُّ من نفْس الشِّدَّة [154] ينظر: ((تفسير الرازي)) (12/487). .
9- يُستفادُ من قولِه: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا أنَّ البَشرَ لا قُوَّةَ لهم على رُؤيةِ الملَكِ في صورتِه، وإنَّما رآه الأفرادُ مِن الأنبياءِ عليهم السَّلام؛ لأنَّ اللهَ تعالى أقْدَرَهم على ذلك [155] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/412). .
10- الحِكمةُ في قوله تعالى: وَلَوْ جَعلناه مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا أمور:
أحدُها: أنَّ الجِنسَ إلى الجنسِ أَمْيَلُ.
ثانيها: أنَّ البشرَ لا يُطيقُ رؤيةَ الملَك.
ثالثها: أنَّ طاعاتِ الملائكةِ قويَّةٌ فيَستحقرون طاعةَ البَشر، وربَّما لا يَعذِرونَهم في الإقدامِ على المعاصِي.
رابعها: أنَّ النُّبوَّةَ فضلٌ من الله عزَّ وجلَّ؛ فيختصُّ بها مَن يشاءُ مِن عِبادِه [156] ينظر: ((تفسير الرازي)) (12/487). .
11- قوله تعالى: لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا فيه دليلٌ على إمكانِ تَمثيل الملائكةِ بصُورة البَشرِ، وهو صحيحٌ واقعٌ بالنَّقْل المُتواتِر [157] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/443). .
12- حِكمةُ الله تبارَك وتعالى في إرْسالِ الرُّسلِ مِن البَشر كما في قوله تعالى: لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا؛ من أجْل الرُّكونِ إليهم وقَبولِهم، بل إنَّ اللهَ تبارك وتعالى يَجعَلُ الرُّسُلَ من أوساطِ الأقوامِ وأشرافِهم وأفاضلِهم، حتى يَحْتَموا بهم، ولا يضرُّ أن يَجعلَ اللهُ تبارك وتعالى للرُّسُلِ مَن يَحميهم من أقوامِهم، ويدلُّ لذلك قولُ قومِ شعيبٍ له: وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ [هود: 91]؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ الإنسانَ إذا كان من القومِ صار له شأنٌ كبيرٌ وهَيْبةٌ [158] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 53). .
13- في قوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا... حُسنُ المحاجَّة في القرآنِ الكريمِ، وهو أنَّه لو جاءَ الأمرُ على اقتراحِ هؤلاءِ لم يكُن على ما اقْتَرحوه، أي: لم يكُن ملَكًا؛ لعدم المناسبةِ بين الرسولِ والمُرسَلِ إليهم، فإذا كان رجلًا عادَ اللَّبسُ والاقتراحُ الذي اقتَرحوه؛ لقوله: وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [159] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 54). .
14- أنَّ السُّخريةَ والاستهزاءَ بالرُّسلِ موجِبٌ للعِقاب؛ لقوله: فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [162] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 57). .

بلاغة الآيات :


1- قوله: وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ... جملةٌ مُستأنفَةٌ سِيقتْ بطريقِ تلوينِ الخِطابِ؛ لبيان شِدَّة شَكيمتِهم في المكابرةِ، وما يتفرَّعُ عليها من الأقاويلِ الباطلةِ إثرَ بيانِ إعراضِهم عن آياتِ اللهِ تعالى، وتَكذيبِهم بالحقِّ واستحقاقِهم بذلك لنُزولِ العذابِ [164] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/112). .
- قوله: فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ فيه تأكيدُ المعلومِ بالمحسوسِ، أو تأكيدُ المعقولِ بالمحسوسِ؛ حيث قال: فِي قِرْطَاسٍ، وقال: فَلَمَسُوهُ؛ لأنَّ هذا تأكيدٌ بشَيءٍ محسوسٍ يُنظَر إليه أنَّه في قِرطاسٍ، ويُلمَس باليدِ [165] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 50). .
- وجاءَ تخصيصُ اللَّمسِ؛ لأنَّ التَّزويرَ لا يقعُ فيه؛ فلا يُمْكنُهم أن يقولوا: إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا، ولأنَّ الثِّقةَ باللَّمْس أقْوى؛ لأنَّ البَصرَ قد يُخدَع بالتخيُّل [166] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/36)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/260). .
- وفي تقييدِه اللَّمْسَ بالأيدي- مع أنَّ اللَّمْس لا يكونُ إلَّا بها- إطنابٌ؛ حتى يَجتمعَ لهم إدراكُ الحاسَّتينِ: حاسَّةِ البَصَرِ وحاسَّة اللَّمْس، وفيه كذلك تأكيدٌ لمعنى اللَّمْسِ؛ لرَفْعِ احتمال أن يكونَ المرادُ به (التأمُّل)، كما في قوله: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا [الجن: 8]، أي: تفحَّصْنا، ففيه زِيادةُ تعيُّنٍ، ودفْع احتمالِ التجوُّز [167] ينظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/155)، ((تفسير أبي السعود)) (3/112)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/142)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (3/69-70). . وقيَّد اللَّمس بالأيدي أيضًا؛ للإفصاحِ عن مُنْتهى ما اعْتِيد مِن مُكابرتِهم، ووقاحتِهم في الإنكارِ والتكذيبِ [168] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/142). .
2- قوله: لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا فيه إظهارٌ في موضِع الإضمارِ- حيث أظهرَ الموصولَ في موضِع ضميرِه، فقال: الَّذِينَ كَفَرُوا ولم يقُل: (لقالوا)- وذلك للتنصيصِ على اتِّصافِهم بما في حيِّز الصِّلة من الكُفْر [169] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/112). ، ومِن فوائد الإظهارِ في موضعِ الإضمارِ: القياسُ، بمعنى: أنَّ كلَّ مَن قال قولهم فهو كافرٌ؛ لأنَّه لو قال: (لقالوا) لن نَستفِيدَ أنَّ مَن قال مِثلَ قولهم يكون كافرًا بالنصِّ، فإذا كان هذا الوصفُ ظاهرًا قِسْنَا عليه كلَّ ما ماثَلَه، أو كلَّ مَن اتَّصف بهذا الوصفِ [170] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 48، 49). .
3- قوله: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ فيه بناءُ الفِعل الأوَّل في الجوابِ للفاعِل أَنْزَلْنَا الذي هو نونُ العَظَمَة، مع كونِه في السُّؤال مَبنيًّا للمفعول أُنْزِلَ؛ لتهويلِ الأمرِ، وتربيةِ المهابةِ، وبناءُ الثاني (قُضِيَ) للمفعولِ للجَرْيِ على سَنن الكبرياءِ [171] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/113). .
4- قوله: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ تصديرُ الجملةِ بلامِ القَسمِ وحرْفِ التحقيقِ (قد) في وَلَقَدِ، يدلُّ على تأكيدِ الخَبَر [172] مِن فوائدِ تَوكيدِ الجُملة بأنواعِ المؤكِّدات- مع أنَّ خبرَ الله تعالى صِدقٌ، سواءٌ اقترن بالقَسَم وأدوات التوكيدِ أو لا-: أنَّ القرآن الكريم جاءَ باللِّسان العربيِّ، واللسانُ العربيُّ يحسُن فيه التأكيدُ إذا اقتضتِ الحالُ ذلك؛ ومنها: أنَّ تأكيدَ اللهِ له بالقسَمِ يدلُّ على أهميَّته، وأنَّه من الأمورِ التي لا بدَّ أن يَقبَلها الإنسانُ ويُصدِّقَ بها، ومنها: أنَّه قد يُراد به دفْعُ إنكارِ مَن أنكرَ مدلولَ الخبر؛ ككونِ اللهِ عزَّ وجلَّ يُؤكِّدُ قيامَ الساعةِ بالمؤكِّدات الكثيرة لردِّ إنكارِ المكذِّبين. ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 55). ؛ وإظهارِ كمالِ الاعتناءِ بمضمونِ الجملةِ [173] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/147). .
- وقوله: بِرُسُلٍ التنكيرُ والتنوينُ للتَّفخيمِ والتَّعظيمِ والتَّكثيرِ [174] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/114)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/268). .
5- قوله: فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
- قوله: بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مُتعلِّق بقوله: فَحَاقَ، وتَقديمُه على فاعِله الذي هو مَا؛ للمُسارَعَةِ إلى بَيانِ لُحوقِ الشرِّ بهم [175] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/114). .
- و(ما) في قوله: مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ موصولةٌ بمعنى (الذي)، وهي مُفيدةٌ للتهويلِ، والجارُّ والمجرور بِهِ عائدٌ إليها، ومتعلِّقٌ بالفِعل يَسْتَهْزِئُونَ، وتقديمُه عليه لرِعايةِ الفواصِل، وللاهتمامِ به، أي: فأحاطَ بهم الذي كانوا يَستهزِئون به [176] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/114)، وينظر أيضًا: ((تفسير ابن عاشور)) (7/148). .