موسوعة التفسير

سورةُ الحِجْرِ
الآيات (6-9)

ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ

غريب الكلمات:


مُنْظَرِينَ: أي: مُؤخَّرينَ، والإنظارُ: التَّأخيرُ [54] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/45)، ((المفردات)) للراغب (ص: 813). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ الله تعالى أنَّ المشركينَ قالوا للنبيِّ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم استهزاءً: يا من يزعُمُ نُزولَ القُرآنِ عليه، إنَّك لَمجنونٌ فيما تدعونا إليه مِن اتِّباعِك، وتَركِ ما وجَدنا عليه آباءَنا، هلَّا تأتينا بالملائِكةِ؛ لتشهَدَ على قولِك، إن كنتَ صادِقًا. فردَّ الله عليهم مقولتَهم بقولِه: لا نُنَزِّلُ الملائِكةَ إلَّا بالحَقِّ- كالوحي أو العذابِ- لا بحسَبِ اقتراحاتِهم، وما كان اللهُ لِيُمهِلَهم حين تَنزِلُ عليهم الملائِكةُ- كما اقترحوا- ويرونهم ولا يؤمنون، بل سيعذِّبُهم حينئذٍ.
أوَلم يكفِهم مِن الآياتِ هذا القرآنُ الذي نزَّله الله تعالى على نبيِّه محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، والذي تولَّى حِفظَه جلَّ وعلا.

تفسير الآيات:


وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا بالغَ اللهُ تعالى في تهديدِ الكُفَّارِ؛ ذكَرَ بعده شُبَهَهم في إنكارِ نبُوَّةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [55] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/121). .
وأيضًا فإنَّها عَطفٌ على جُملةِ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا [الحِجر: 3]، والمناسبةُ أنَّ المعطوفَ عليها تضمَّنَت انهِماكَهم في الملذَّاتِ والآمالِ، وهذه تضَمَّنَت توغُّلَهم في الكُفرِ، وتكذيبَهم الرِّسالةَ المُحمَّديَّة [56] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/16). .
وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6).
أي: وقال مُشرِكو قُريشٍ لمحمَّدٍ- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- تهكُّمًا به: يا مَن يزعُمُ أنَّ اللهَ نزَّل عليه القرآنَ، إنَّك لَمجنونٌ في دَعوتِك لنا إلى اتِّباعِك، وتَرْكِ عبادةِ الأصنامِ التي وجَدْنا عليها آباءَنا [57] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/15)، ((تفسير ابن كثير)) (4/527)، ((تفسير السعدي)) (ص: 429). .
لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7).
أي: وقالوا له: هلَّا تُحضِرُ إلينا الملائِكةَ؛ ليَشهَدوا لك على ما تَقولُ، إن كنتَ من الصَّادِقينَ في أنَّك رَسولٌ مِن عندِ اللهِ حقًّا، فإنْ لم تأتِنا بالملائكةِ، فلسْتَ بصادقٍ في دَعواك [58] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/15)، ((تفسير ابن كثير)) (4/527)، ((تفسير السعدي)) (ص: 429)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/18)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/254).  .
كما قال تعالى: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ [الأنعام: 8].
وقال سُبحانَه: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا [الفرقان: 21].
وقال تعالى حاكيًا قولَ فِرعونَ عن موسى عليه السَّلامُ: فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ [الزخرف: 53].
مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8).
مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ.
أي: ما نُنَزِّلُ الملائِكةَ إلَّا بما يحِقُّ ويجِبُ- كالوحيِ أو العذابِ، وغيرِ ذلك- تَنزيلًا مُلتَبِسًا بالحِكمةِ والمصلحةِ، لا على حسَبِ اقتراحِ الكُفَّارِ [59] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/17)، ((تفسير السمعاني)) (3/130)، ((تفسير القرطبي)) (10/4)، ((تفسير الشوكاني)) (3/147)، ((تفسير السعدي)) (ص: 429)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/255).  قال أبو حيان: (الحَقُّ هنا: العذابُ، قاله الحسنُ، أو الرِّسالةُ، قاله مجاهدٌ، أو قبضُ الأرواحِ عندَ الموتِ، قاله ابنُ السائبِ، أو القرآنُ، ذكَره الماوردي. وقال الزمخشري: إلَّا تنزُّلًا مُلتَبِسًا بالحكمةِ والمصلحةِ، ولا حكمةَ في أن تأتيَكم عِيانًا تشاهِدونَهم، ويشهدونَ لكم بصدقِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم؛ لأنَّكم حينئذٍ مصَدِّقونَ عن اضطرارٍ. وقال ابنُ عطيةَ: والظاهرُ أنَّ معناها: كما يجِبُ ويحِقُّ مِن الوحيِ والمنافعِ التي أرادَها الله تعالى لعبادِه، لا على اقتراحِ كافرٍ، ولا باختيارِ مُعتَرِضٍ). ((تفسير أبي حيان)) (6/467). ويُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/571)، ((تفسير ابن عطية)) (3/351)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/524). قال السمعاني: (الحقُّ الَّذي تنزِلُ به الملائكةُ هو الوحيُ، وقبضُ أرواحِ العبادِ، وإهلاكُ الكفَّارِ، وكتابة الأعمالِ، وما أشبهَ ذلك). ((تفسير السمعاني)) (3/130). .
وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ.
أي: ولو نزَّلنا الملائِكةَ على الكُفَّارِ- كما اقتَرَحوا- فرَأَوا الملائِكةَ عِيانًا ولم يُؤمِنوا؛ فلن يُمهِلَهم اللهُ، وسيُعَذِّبُهم في الحالِ [60] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/17)، ((تفسير ابن جزي)) (1/415، 416)، ((تفسير الخازن)) (3/49)، ((تفسير السعدي)) (ص: 429). وممَّن اختار هذا المعنى: ابنُ جريرٍ، وابنُ جُزي، والخازنُ، والسعدي. يُنظر: المصادر السابقة. وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: السُّدِّيُّ . يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (7/2258). وقيل: المعنى: ولو نزَّلنا الملائكةَ على الكفَّارِ بالعذابِ، فلن يُؤخِّرَ الله عنهم العذابَ حينَ نزولِه، ولن تُقبَلَ لهم توبةٌ. وممن اختار هذا المعنى: القرطبي، وابنُ عاشور، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/4-5)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/19)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/255). .
كما قال تعالى: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ [الأنعام: 8].
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه استِئنافٌ لإبطالِ جُزءٍ مِن كَلامِ الكافرينَ المُستَهزِئينَ به، إذ قالوا: يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ، بعدَ أن عجَّلَ كَشْفَ شُبهَتِهم في قَولِهم: لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [61] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/20). .
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9).
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ.
أي: إنَّا نحنُ نزَّلْنا القرآنَ الذي فيه الذِّكرَى والموعِظةُ والشَّرَفُ [62] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/18)، ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (6/484)، ((تفسير ابن كثير)) (4/527)، ((تفسير السعدي)) (ص: 429)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/255). قال ابنُ الجوزي: (الذِّكرُ: القرآنُ، في قولِ جميعِ المفسِّرين). ((تفسير ابن الجوزي)) (2/525). وقال الرازي: (في تسميةِ القرآنِ بالذِّكْرِ وجوهٌ: أحدُها: أنَّه كتابٌ فيه ذِكْرُ ما يحتاجُ إليه النَّاسُ مِنْ أمرِ دينِهم ودُنْياهم. وثانيها: أنَّه يذكُرُ أنواعَ آلاءِ اللَّه تعالَى ونعمائِه، ففيه التَّذكيرُ والمواعِظُ. وثالثُها: فيه الذِّكرُ والشَّرفُ لك ولقومِكَ على ما قال: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: 44]). ((تفسير الرازي)) (22/97). .
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
 وإنَّا له لحافِظونَ في حالِ إنزالِه مِن استِراقِ كلِّ شَيطانٍ رَجيمٍ، وبعدَ إنزالِه بحِفظِ ألفاظِه ومعانيه من الزِّيادةِ والنَّقصِ والتَّحريفِ [63] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/18)، ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 99)، ((تفسير ابن كثير)) (4/527)، ((تفسير السعدي)) (ص: 429)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/21)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/255). .
كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: 41-42].
وقال سُبحانه: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: 21-22].

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال تعالى: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ قد أرادوا الاستهزاءَ بوصْفِه، فأنطَقَهم اللهُ بالحقِّ فيه صرْفًا لألسنتِهم عنِ الشَّتْمِ، وهذا كما كانوا إذا شَتَموا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو هَجَوه يَدْعونَه مُذَمَّمًا [64] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/16). عن أبي هريرةَ، رضِي اللَّه عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ألا تعجبونَ كيفَ يصرِفُ اللَّهُ عنِّي شتمَ قُريشٍ ولعنَهم؟! يشتمونَ مُذَمَّمًا، ويلعنونَ مُذَمَّمًا، وأنا محمَّدٌ)). أخرجه البخاري (3533). .
2- قولُ المكذبينَ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ* لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ مِن أعظمِ الظلمِ والجهلِ، أمَّا الظلمُ فظاهرٌ؛ فإنَّ هذا تجرؤٌ على الله، وتعنُّتٌ بتعيينِ الآياتِ التي لم يختَرْها، وحصَل المقصودُ والبرهانُ بدونِها مِن الآياتِ الكثيرةِ الدالةِ على صحةِ ما جاء به، وأمَّا الجهلُ: فإنَّهم جهِلوا مصلحتَهم مِن مضرتِهم، فليس في إنزالِ الملائكةِ خيرٌ لهم، بل لا ينزلُ الله الملائكةَ إلَّا بالحقِّ الذي لا إمهالَ على من لم يَتبعْه، ويَنْقَدْ له [65]  يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 429). .
3- قوله تعالى: مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ يُفهَم منه أنَّ الله مُنظِرُهم؛ لأنَّه لم يُرِدِ استئصالَهم؛ لأنَّه أراد أن يكونَ نشرُ الدينِ بواسطتِهم، فأمهَلهم حتَّى اهتدوا، ولكنَّه أهلَك كبراءَهم ومُدبِّريهم [66]  يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/19). .
4- قَولُه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ من عادةِ المُلوكِ إذا فعلوا شيئًا، قال أحَدُهم: نحن فعَلْنا، يريدُ نفسَه وأتباعَه، ثمَّ صار هذا عادةً للمَلِكِ في خِطابِه، وإن انفرَدَ بفِعلِ الشَّيءِ، فخُوطِبَت العرَبُ بما تعقِلُ مِن كَلامِها [67] يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/525). .
5- في قَولِه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ دَلالةٌ على أنَّ العِلْمَ الذي بَعَثَ اللهُ به نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم، مَضبوطٌ ومحروسٌ [68] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (4/517). .
6- في قَولِه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ دَلالةٌ على أنَّ  اللهَ سُبحانَه تَكفَّلَ بحِفظِ كتابِه؛ فلم يتمكَّنْ أحدٌ مِن الزيادةِ في ألفاظِه، ولا مِن النَّقصِ منها [69] يُنظر: ((مجموع رسائل ابن رجب)) (2/620). ، فقد تكفَّلَ تعالى بحفْظِه في كلِّ وقْتٍ، فلا يَعْتَريه زيادةٌ ولا نُقصانٌ، ولا تحريفٌ ولا تَبْديلٌ، بخلافِ غيرِه مِن الكُتُبِ المُتقدِّمةِ؛ فإنَّه تعالى لم يتكَفَّلْ حِفْظَها، بل أخبَرَ تعالى أنَّ الرَّبانيِّينَ والأحبارَ اسْتُحْفِظُوها؛ ولذلك وقَعَ فيها الاختلافُ [70] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/467). .
7- قَولُه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ فيه أنَّ القرآنَ آيةٌ مستَمِرَّةٌ إلى يومِ القيامةِ بخلافِ الآياتِ السَّابقةِ؛ الآياتُ السَّابِقةُ مَشهودةٌ ينتَفِعُ بها المُشاهِدونَ لها، أمَّا مَن بَعدَهم فإنَّما تَصِلُ إليهم عن طريقِ الأخبارِ، ومن المعلومِ أنَّه ليس الخبَرُ كالعِيانِ، وأمَّا القُرآنُ فإنَّه بيننا نشاهِدُه ونَسمَعُه ونتلوه، فليس هو مِن طريقِ الخبَرِ عن شيءٍ مضَى، فيكونُ أعظَمَ مِن الآياتِ التي انقَضَتْ وزالَتْ، وهذا هو السِّرُّ في أنَّ القُرآنَ كان آيةً لكُلِّ النَّاسِ؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مبعوثٌ إلى جميعِ البَشَرِ [71] يُنظر ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 293). .
8- في قَولِه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ دَلالةٌ على عُلُوِّ اللهِ تعالى؛ مِن جهةِ ذِكْرِ نزولِ الأشياءِ مِن عِندِه [72] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (8/329). .
9- مَن زَعَم أنَّ القرآنَ قد حُذِفَ منه شَيءٌ، فإنَّه كافرٌ؛ لأنه مُكَذِّبٌ لِقَولِ اللهِ تعالى: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [73] يُنظر: ((شرح منظومة القواعد والأصول)) لابن عثيمين (ص: 117). .
10- قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ومِن حِفظِه أنَّ اللهَ يحفَظُ أهْلَه مِن أعدائِهم [74]  يُنظر: ((تفسير السعدي)) (429). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
- قولُه: وَقالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ نادَوا به النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على التَّهكُّمِ، وللتَّشهيرِ بالوصفِ المُنادى به؛ ويدلُّ على ما نادَوه له وهو قولُهم: إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ، وهذا الوصفُ بأنَّه الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ قالوه على جِهَةِ الاستهزاءِ والاستخفافِ، لا تسليمًا لذلك واعتقادًا له، وإشعارًا بعِلَّةِ حُكمِهم الباطلِ في قولهِم: إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ؛ لأنَّهم لا يُقِرُّون بتنزيلِ الذِّكْرِ عليه، وينسِبونَه إلى الجُنونِ؛ كما قال فِرعونُ: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء: 27]، وكيف يُقِرُّونَ بنُزولِ الذِّكْرِ عليه وينسِبونَه إلى الجُنونِ؟! [75] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/571)، ((تفسير البيضاوي)) (3/207)، (( تفسير أبي حيان)) (6/467)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/16)، ((أضواء البيان)) (2/253-254) للشنقيطي. . أو يكونُ في الكلامِ حذْفٌ، أي: يا أيُّها الَّذي تَدَّعي أنَّك نزَلَ عليك الذِّكرُ...إلخ [76] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 296). وهذا جريًا على قاعدةِ: أنَّ الخطابَ بالشيءِ قد يرِدُ في القرآنِ على اعتقادِ المخاطَبِ، دونَ ما في نفسِ الأمرِ، فقولُه الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ صحيحٌ وحقٌّ، وإن كان قائلُه منكِرًا لذلك، لكنَّه أطلَقه على حسبِ اعتقادِ مَن خاطَبه أولئك الكفَّارُ، وهو الرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم، فيكونُ محملُه هنا: أي: بحسبِ زعمِك. يُنظر: ((قواعد التفسير)) للسبت (1/284). .
- وفي قولِهم: إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ تأكيدُ الجُملةِ بـ (إنَّ) واللَّامِ؛ لقصْدِهم تحقيقَ ذلك له؛ لعلَّه يرتدِعُ عن الاستمرارِ فيه، أو لقصْدِهم تحقيقَه للسَّامعينَ حاضِري مَجالِسِهم [77] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/16). .
- وفي قولِه: نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ تقديمُ الجارِّ والمجرورِ على القائمِ مَقامَ الفاعلِ الذِّكْرُ؛ لأنَّ إنكارَهم مُتوجِّهٌ إلى كونِ النَّازلِ ذِكْرًا مِن اللهِ تعالى، لا إلى كونِ المُنزَّلِ عليه رسولَ اللهِ بعدَ تسليمِ كونِ النَّازِلِ منه تعالى، كما في قولِه تعالى: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31]؛ فإنَّ الإنكارَ هناك مُتَوجِّهٌ إلى كونِ المُنَزَّلِ عليه رسولَ اللهِ تعالى، وإيرادُ الفعْلِ على صِيغَةِ المجهولِ نُزِّلَ؛ لإيهامِ أنَّ ذلك ليس بفعْلٍ له فاعلٌ، أو لتوجيهِ الإنكارِ إلى كونِ التَّنزيلِ عليه لا إلى استنادِه إلى الفاعِلِ [78] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/67). .
2- قوله تعالى: لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
- قولُه: لَوْ مَا تَأْتِينَا رُكِّبَ قولُه: لَوْ مع قولِه: مَا- كما رُكِّبَت (لو) مع (لا)- لمعنيينِ: معنى امتناعِ الشَّيءِ لوُجودِ غيرِه، ومعنى التَّحضيضِ، والمعنى: هلَّا تأتينا بالملائكةِ يَشْهدونَ بصِدْقِك، ويُعضِّدونَك على إنذارِك، كقولِه تعالى: لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا [الفرقان: 7]، أو: هلَّا تأتينا بالملائكةِ للعقابِ على تكذيبِنا لك إنْ كنْتَ صادقًا، كما كانت تأتي الأُمَمَ المُكذِّبةَ برُسُلِها [79] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/571)، ((تفسير البيضاوي)) (3/207)، ((تفسير أبي السعود)) (5/67). .
- وجُملةُ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ استدلالٌ على ما اقتضَتْه الجُملةُ قبْلَها، باعتبارِ أنَّ المقصودَ منها تكذيبُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّ ما يصدُرُ مِن المجْنونِ مِن الكلامِ لا يكونُ جاريًا على مُطابقةِ الواقعِ؛ فأكثَرُه كذِبٌ [80] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/17). .
- قولُه: إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، أي: مِن النَّاسِ الَّذين صِفَتُهم الصِّدقُ، وهو أقوى وأبلَغُ في التَّخلُّقِ بالصِّدقِ مِن: (إنْ كنْتَ صادقًا) [81] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/17). .
3- قولُه: مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ فيه ابتداءُ الجَوابِ بإزالةِ شُبْهتِهم- إذ قالوا قبْلُ: لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ- أُرِيدَ منه إزالةُ جَهالتِهم؛ إذ سألوا نُزولَ الملائكةِ علامةً على التَّصديقِ؛ لأنَّهم وإنْ طَلَبوا ذلك بقصْدِ التَّهكُّمِ، فهم مع ذلك مُعتقِدونَ أنَّ نُزولَ الملائكةِ هو آيةُ صدْقِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكان جوابُهم مَشُوبًا بطرَفٍ مِن الأسلوبِ الحكيمِ، وهو صرْفُهم إلى تَعليمِهم المَيْزَ بينَ آياتِ الرُّسلِ وبينَ آياتِ العذابِ؛ فأراد اللهُ ألَّا يَدَّخِرَهُم هدْيًا، وإلَّا فهم أحْرِياءُ بألَّا يُجابوا [82] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/17). .
- وإِذًا حرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ، وقد وُسِّطَت هنا بينَ جُزْأَيْ جوابِها؛ رعيًا لمُناسبةِ عطْفِ جَوابِها على قولِ: مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ، وكان شأْنُ إِذًا أنْ تكونَ في صدْرِ جوابِها، وجُملتُها هي الجوابُ المقصودُ لقولِهم: لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ، وجُملةُ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ مُقدَّمةٌ مِن تأْخيرٍ؛ لأنَّها تعليلٌ للجَوابِ؛ فقُدِّمَ لأنَّه أوقَعُ في الرَّدِّ، ولأنَّه أسعَدُ بإيجازِ الجوابِ، وتقديرُ الكلامِ: لَوْما تَأْتينا بالملائكةِ إنْ كنْتَ مِن الصَّادقينَ، إذنْ ما كنْتُم مُنْظَرِينَ بالحياةِ، ولعُجِّلَ لكم الاستئصالُ؛ إذ ما تُنَزَّلُ الملائكةُ إلَّا مَصْحوبينَ بالعذابِ الحاقِّ [83] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/19). .
4- قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ في سَبْكِ هاتينِ الجُملتينِ مِن الدَّلالةِ على كَمالِ الكِبرياءِ والجَلالةِ وعلى فَخامةِ شأْنِ التَّنزيلِ ما لا يَخْفَى، وفي إيرادِ الثَّانيةِ بالجُملةِ الاسميَّةِ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ: دَلالةٌ على دَوامِ الحفْظِ [84] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/69). .
- وقولُه أيضًا: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ استئنافٌ ابتدائيٌّ؛ لإبطالِ جزءٍ مِن كلامِهم المستهزئينَ به، إذ قالوا: يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ، بعدَ أن عجَّل كشفَ شبهتِهم في قولِهم: لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ جاء نشْرُ الجَوابَينِ على عكْسِ لَفِّ المَقالَينِ [85]  اللَّف والنَّشْر: هو ذكرُ شيئين أو أشياءَ، إمَّا تفصيلًا - بالنصِّ على كلِّ واحدٍ، أو إجمالًا - بأن يُؤتَى بلفظٍ يشتملُ على متعدِّدٍ - ثم يذكرُ أشياءَ على عدَدِ ذلك، كلُّ واحدٍ يرجِعُ إلى واحدٍ مِن المتقدِّم، ويُفوَّضُ إلى عقلِ السامعِ ردُّ كلِّ واحدٍ إلى ما يَليقُ به. فاللَّفُّ يُشارُ به إلى المتعدِّدِ الذي يُؤتَى به أوَّلًا. والنشرُ يُشارُ به إلى المتعدِّدِ اللَّاحقِ الذي يتعلَّقُ كلُّ واحدٍ منه بواحدٍ مِن السَّابقِ دونَ تعيينٍ. مثل: قوله تعالى: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى [البقرة: 111]، أي: وقالت اليهودُ: لن يدخلَ الجنةَ إلا اليهودُ، وقالت النَّصارى: لن يدخُلَ الجنةَ إلَّا النَّصارى، وهذا لفٌّ ونَشْر إجمالي، واللَّفُّ المُفصَّل يأتي النشرُ اللَّاحقُ له على وجهين: الوجهُ الأوَّل: أنْ يأتيَ النَّشرُ على وفْقِ ترتيبِ اللَّف، ويُسَمَّى «اللَّفَّ والنشر المرتَّبَ». الوجه الثاني: أنْ يأتيَ النَّشرُ على غيرِ تَرتيبِ اللَّفِّ، ويُسمَّى «اللَّفَّ والنشرَ غيرَ المُرتَّبِ»، وقد يُعَبَّرُ عنه بـ«اللَّف والنَّشر المُشَوَّش»، أو «المعكوس». يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 425)، ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/320)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/403). ؛ اهتمامًا بالابتداءِ برَدِّ المَقالِ الثَّاني بما فيه مِن الشُّبْهةِ بالتَّعجيزِ والإفحامِ، ثمَّ انْتُقِل إلى رَدِّ تعريضِهم بالاستهزاءِ، وسُؤالِ رُؤْيةِ الملائكةِ، وكان هذا الجوابُ مِن نوعِ القولِ بالمُوجَبِ [86] القولُ بالموجَبِ في اصطلاحِ الأصوليين: هو تسليمُ ما جعَله المستدلُّ موجِبًا لعِلَّته مع استبقاءِ الخِلافِ، ومعنى ذلك: أن يسلمَ الخصمُ الدليلَ الذى استدلَّ به المستدلُّ، إلَّا أنَّه يقولُ: هذا الدليلُ ليس فى محلِّ النزاعِ، إنَّما هو في غيرِه؛ فيبقَى الخلافُ بينهما. ومنه قوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [المنافقون: 8]؛ فقد قال رأسُ النفاقِ ابنُ سلولَ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ من غزوة بني المصطلق لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ- يقصد نفسه- مِنْهَا الْأَذَلَّ يعني: محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابَه؛ فأجابه الله تبارك وتعالى بمُوجَب قولِه مع عدمِ تسليمِه له، فقال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ؛ فإنه لَمَّا ذكر صِفةً، وهي العزةُ، وأثبَت لها حُكمًا، وهو الإخراجُ مِن المدينةِ؛ ردَّ عليه ربُّ العِزة تبارك وتعالى بأنَّ هذه الصفةَ ثابتةٌ لكن لا لِمَن أراد ثُبوتَها له؛ فإنَّها ثابتةٌ لغيرِه، باقيةٌ على اقتضائِها للحُكمِ، وهو الإخراجُ؛ فالعزةُ موجودةٌ لكن لا له، بل للهِ ولرسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم وللمؤمنينَ. يُنظر: ((الإيضاح لقوانين الاصطلاح في الجدل والمناظرة)) لابن الجوزي (ص335)، ((تشنيف المسامع بجمع الجوامع)) للزركشي (4 /361)، (( البحر المحيط)) للزركشي (5/297)، ((شرح المحلِّي على جمع الجوامع)) (2 /316)، ((غايه الوصول شرح لب الأصول)) لزكريا الأنصاري (ص: 131)، ((المنهاج)) للباجي (ص: ١٧٣). بتقريرِ إنزالِ الذِّكْرِ على الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ مُجاراةً لظاهِرِ كلامِهم، والمقصودُ: الرَّدُّ عليهم في استهزائِهم، فأُكِّدَ الخبَرُ بـ(إنَّا) وضميرِ الفصْلِ (نحن) مع مُوافقَتِه لِمَا في الواقعِ، وفي هذا- مع التَّنويهِ بشأْنِ القُرآنِ- إغاظةٌ للمُشركينَ بأنَّ أمْرَ هذا الدِّينِ سَيتِمُّ، ويَنْتشِرُ القُرآنُ، ويبقَى على مَمَرِّ الأزمانِ، وهذا مِن التَّحدِّي؛ ليكونَ هذا الكلامُ كالدَّليلِ على أنَّ القُرآنَ مُنَزَّلٌ مِن عندِ اللهِ آيةً على صِدْقِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّه لو كان مِن قولِ البشَرِ أو لم يكُنْ آيةً، لَتَطرَّقَتْ إليه الزِّيادةُ والنُّقصانُ، ولاشتمَلَ على الاختلافِ [87] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/20 - 22). .
- قولُه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ فيه توكيدُ أنَّه هو المُنَزِّلُ على القطْعِ والبَتاتِ، وهو رَدٌّ لإنكارِهم واستهزائِهم؛ ولذلك أكَّدَه مِن وُجوهٍ وقرَّرَه بقولِه: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [88] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/572)، ((تفسير البيضاوي)) (3/207). ، فلمَّا قالوا على سبيلِ الاستهزاءِ: يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، رَدَّ عليهم بأنَّه هو المُنَزِّلُ عليه، فليس مِن قِبَلِه ولا قِبَلِ أحدٍ، بل هو اللهُ تعالى الَّذي بعَثَ به جبريلَ عليه السَّلامُ إلى رسولِه، وأكَّدَ ذلك بقولِه: إِنَّا نَحْنُ بدُخولِ (إنَّ) وبلفظِ (نحن)، وهو تأكيدٌ لاسمِ (إنَّ)، ثمَّ قال: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [89] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/467). .
- قولُه: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، أي: مِن كلِّ ما لا يليقُ به؛ فيدخُلُ فيه تكذيبُهم له واسْتِهزاؤهم به دُخولًا أوَّليًّا؛ فيكونُ وعيدًا للمُستهزِئينَ [90] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/68). .
- واتَّصَلَ قولُه: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ بقولِه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ؛ لأنَّه قد جعَلَ ذلك دليلًا على أنَّه مُنَزَّلٌ مِن عندِه آيةً؛ لأنَّه لو كان مِن قولِ البشَرِ أو غيرَ آيةٍ، لَتطرَّقَ عليه الزِّيادةُ والنُّقصانُ كما يتطَرَّقُ على كلِّ كلامٍ سِواه [91] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/572)، ((تفسير البيضاوي)) (3/207). .