موسوعة التفسير

سورةُ فُصِّلَت
الآيات (40-46)

ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ

غريب الكلمات:

يُلْحِدُونَ: أي: يَجُورونَ فيها عن الحَقِّ ويَميلونَ، وأصلُ (لحد): يدُلُّ على مَيلٍ عن الاستِقامةِ [626] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 249)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 532)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/236)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 199)، ((تفسير القرطبي)) (10/178). .
مُرِيبٍ: أي: مُوقِعٍ للتُّهمةِ، والرِّيبةُ: التُّهمةُ، وهي ظنُّ السوءِ، فهي قِسمٌ مِن الشَّكِّ، والرِّيبةُ: قَلَقُ النَّفْسِ، وانتفاءُ الطُّمأْنينةِ، وأصلُ (ريب): يدُلُّ على شَكٍّ [627] يُنظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (15/182)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/463)، ((البسيط)) للواحدي (2/37)، ((تفسير البغوي)) (4/185)، ((تفسير الشوكاني)) (2/ 576)، ((مفردات القرآن)) للفراهي (ص: 358). .

المعنى الإجمالي:

يقولُ تعالى مهدِّدًا ومتوعِّدًا الَّذين يُلحِدونَ في آياتِه: إنَّ الَّذين يَميلونَ في آياتِ اللهِ عن الحَقِّ لا يَخفَونَ عليه سُبحانَه وتعالى.
ثمَّ يُبيِّنُ سبحانَه الفَرقَ الكبيرَ بيْنَ عاقبةِ المؤمنينَ وعاقبةِ الكافرينَ، فيقولُ: أفمَن يُلْقَى في النَّارِ فيُعذَّبُ فيها خَيرٌ أمْ مَنْ يأتي آمِنًا يومَ القيامةِ مِن عَذابِ اللهِ؟! اعمَلوا -أيُّها المُشركِونَ- ما شِئتُم؛ إنَّ اللهَ بما تَعمَلونَ بَصيرٌ.
ثمَّ يقولُ تعالى مهدِّدًا أيضًا: إنَّ الَّذين كَفَروا بالقُرآنِ لَمَّا جاءَهم لَخاسِرونَ، وإنَّ هذا القُرآنَ لكِتابٌ عزيزٌ مُمتَنِعٌ عن الخَلقِ أن يَقولوا مِثلَه، أو يَغلِبوا حُجَجَه، ليس للبُطلانِ إليه مِن سَبيلٍ، وهو تَنزيلٌ مِن حَكيمٍ يَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به، حَميدٍ مُنَزَّهٍ -سُبحانَه- عن النَّقائِصِ والعُيُوبِ، مَحمودٍ على ذلك.
ثمَّ يُسلِّي اللهُ تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم عمَّا أصابَه مِن أعدائِه، فيقولُ: ما يُقالُ لك -يا مُحمَّدُ- إلَّا ما قد قِيلَ للرُّسُلِ مِن قَبْلِك. إنَّ ربَّك لَذُو مَغفِرةٍ للتَّائِبينَ، وذو عِقابٍ مُؤلمٍ للمُصِرِّينَ على الكُفرِ والعِصيانِ.
 ثمَّ يرُدُّ سُبحانَه على بعضِ الشُّبهاتِ الَّتي أثاروها حوْلَ القرآنِ الكريمِ، فيقولُ: ولو جعَلْنا هذا القُرآنَ بغَيرِ العَربيَّةِ لَقال كُفَّارُ قُرَيشٍ: لولا بيَّنَ اللهُ لنا آياتِ كِتابِه بِلُغَتِنا؛ لِنَعقِلَ ما فيه! ولو أنزَلْنا هذا القُرآنَ بغَيرِ العَربيَّةِ لَقال كُفَّارُ قُرَيشٍ مُتعَجِّبينَ: أقُرآنٌ أَعجَميٌّ ورَسولٌ عَرَبيٌّ؟!
ثمَّ يأمُرُ اللهُ تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يرُدَّ عليهم، فيقولُ: قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: هذا القُرآنُ للمُؤمِنينَ هُدًى وشِفاءٌ لهم مِن أمراضِ القُلوبِ والأبدانِ.
ثمَّ يُبيِّنُ موقفَ الكافرينَ مِن القرآنِ، فيقولُ: والَّذين لا يُؤمِنونَ في آذانِهم ثِقْلٌ؛ فلا يَنتَفِعونَ بسَماعِ الحَقِّ، والقُرآنُ عليهم عَمًى؛ فلا يُبصِرونَ الحَقَّ الَّذي فيه، ولَا يَهْتدونَ به، أولئك كأنَّهم لعَمَى قلوبِهم عن فَهمِ ما أُنْزِل في القرآنِ، وعدمِ انتِفاعِهم به- يُنادَونَ مِن مَوضعٍ بعيدٍ منهم، فهُم لا يَسمعونَ النِّداءَ، ولا يَفهمونَه.
ثمَّ يُبيِّنُ اللهُ تعالى -تسليةً لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّ النَّاسَ صنَعوا معه كما صنَعوا معَ موسى عيه السَّلامُ، فيقولُ: ولقد آتَيْنا موسى التَّوراةَ، فاختَلَف قَومُه فيها؛ فآمَنَ بها بَعضُهم، وآخَرونَ مِنهم لم يُؤمنِوا بها، ولولا كَلِمةٌ سبَقَت مِن رَبِّك -يا مُحمَّدُ- بتأخيرِ عذابِهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى، لَأهلَكَهم اللهُ في الحالِ، وإنَّهم لَفي شَكٍّ منه مُوقِعٍ في القَلَقِ والاضطِرابِ.
ثمَّ يُبيِّنُ اللهُ سبحانَه سُنَّةً مِن سُنَنِه الَّتي لا تتخلَّفُ، مقرِّرًا كمالَ عدلِه، فيقولُ: مَن عَمِل صالِحًا فعَمَلُه لِنَفْسِه، ومَن عَمِل سُوءًا فعِقابُ إساءتِه على نَفْسِه، وما ربُّك -يا مُحمَّدُ- بظَلَّامٍ لعِبادِه!

تفسير الآيات:

إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا بَيَّن أنَّ الدَّعوةَ إلى دينِه أعظَمُ المناصِبِ وأشرَفُ المراتِبِ، ثمَّ بيَّنَ أنَّ الدَّعوةَ إنَّما تَحصُلُ بذِكرِ دلائِلِ التَّوحيدِ والعَدلِ، وصِحَّةِ البَعثِ والقيامةِ- عاد إلى تهديدِ مَن يُنازِعُ في تلك الآياتِ، ويُحاوِلُ إلقاءَ الشُّبُهاتِ فيها؛ فقال [628] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/568). :
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا.
أي: إنَّ الَّذين يَميلُونَ في آياتِ اللهِ عن الحَقِّ -كأن يُكَذِّبوا بها، أو يَسخَروا منها، أو يُحَرِّفوا مَعانيَها عن الصَّوابِ- لا يَخفَونَ على اللهِ تعالى؛ فهو مُطَّلِعٌ عليهم، وسَوفَ يُجازيهم على إلحادِهم، فيُلقِيهم في النَّارِ يَومَ القيامةِ [629] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/440، 442)، ((تفسير القرطبي)) (15/366)، ((تفسير ابن كثير)) (7/183)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/198، 199)، ((تفسير السعدي)) (ص: 750 )، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 221-225). قال ابن عاشور: (الآياتُ تَشملُ الدَّلائِلَ الكَونيَّةَ... وتَشملُ الآياتِ القَوليَّةَ). ((تفسير ابن عاشور)) (24/304). ويُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 221، 222). .
أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
أي: أفمَن يُلقَى في النَّارِ فيُعَذَّبُ فيها خَيرٌ أمْ مَن يأتي يومَ القيامةِ آمِنًا مِن عَذابِ اللهِ؛ لِكَونِه آمَنَ بآياتِه ولم يُلحِدْ فيها؟ أيَسْتوي هذا وهذا؟ لا يَستَويانِ [630] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/442)، ((تفسير ابن كثير)) (7/183)، ((تفسير السعدي)) (ص: 750). .
اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا تَبيَّنَ الحَقُّ مِن الباطِلِ، والطَّريقُ المُنجِي مِن عَذابِ الله مِن الطَّريقِ المُهلِكِ، قال [631] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 750). :
اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ.
أي: اعمَلوا -أيُّها المُشرِكونَ- ما شِئتُم بعدَ أن عَلِمْتُم عَدَمَ استِواءِ المعذَّبِ في النَّارِ والآمِنِ منها [632] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/442)، ((تفسير القرطبي)) (15/366)، ((تفسير ابن كثير)) (7/183). قال ابنُ عطية: (قَولُه تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وعيدٌ في صيغةِ الأمرِ بإجماعٍ مِن أهلِ العِلمِ). ((تفسير ابن عطية)) (5/19). .
إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
أي: إنَّ اللهَ بما تَعمَلونَ بَصيرٌ، لا يَخفَى عليه -سُبحانَه- شَيءٌ مِن أعمالِكم، وسيُجازيكم عليها [633] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/442)، ((تفسير القرطبي)) (15/366)، ((تفسير ابن كثير)) (7/183)، ((تفسير السعدي)) (ص: 750). .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه أعقَبَ تَهديدَهم على الإلحادِ في آياتِ اللهِ على وَجهِ العُمومِ، بالتَّعرُّضِ إلى إلحادِهم في آياتِ القُرآنِ [634] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/305). .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ.
أي: إنَّ الَّذين كَفَروا بالقُرآنِ حينَ جاءَهم: هم الخاسِرونَ الأذَلُّونَ الأسفَلونَ [635] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/443، 452، 453)، ((تفسير النسفي)) (3/238)، ((تفسير القرطبي)) (15/367)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/202)، ((تفسير السعدي)) (ص: 750)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/307، 308)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 242، 243). قال الماوَرْدي: (الذِّكْرُ هنا: القُرآنُ، في قَولِ الجَميعِ). ((تفسير الماوردي)) (5/185). ويُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/309). .
وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا بالَغ في تهديدِ الَّذينَ يُلْحِدونَ في آياتِ القرآنِ؛ أتْبَعه ببيانِ تعظيمِ القرآنِ [636] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/568). .
وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ.
أي: وإنَّ هذا القُرآنَ لَكِتابٌ عزيزٌ أعزَّه اللهُ وحَفِظَه مِن الباطِلِ، ومِن كُلِّ تَبديلٍ وتَحريفٍ، ومُمتَنِعٌ عن الخَلقِ أن يَقولوا مِثْلَه، أو يَغلِبوا حُجَجَه [637] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/443)، ((تفسير القرطبي)) (15/367)، ((تفسير ابن كثير)) (7/183)، ((تفسير السعدي)) (ص: 750)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/308). .
لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان مِن مَعاني العِزَّةِ أنَّه مُمتَنِعٌ بمَتانةِ رَصفِه، وجَزالةِ نَظْمِه، وجَلالةِ مَعانيه: مِن أن يَلحَقَه تَغييرٌ ما؛ بيَّن ذلك بقَولِه [638] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/201). :
لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ.
أي: ليس للبُطلانِ مِن سَبيلٍ إلى القُرآنِ [639] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/183)، ((تفسير السعدي)) (ص: 750). قال الماوَرْدي: (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ فيه ثلاثةُ أوجُهٍ: أحَدُها: لا يأتيه الباطِلُ مِن كِتابٍ قَبْلَه، ولا يأتيه مِن كِتابٍ بعدَه. قاله قَتادةُ. الثَّاني: لا يأتيه الباطِلُ مِن أوَّلِ التَّنزيلِ، ولا مِن آخِرِه. الثَّالِثُ: لا يأتيه الباطِلُ في إخبارِه عمَّا تقَدَّمَ، ولا في إخبارِه عمَّا تأخَّر. قاله ابنُ جُرَيجٍ. ويحتمِلُ رابعًا: ما بيْنَ يديه: لَفظُه. وما خَلْفَه: تأويلُه. فلا يأتيه الباطِلُ في لَفظٍ ولا تأويلٍ). ((تفسير الماوردي)) (5/185، 186). ويُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (4/54). وممَّن قال بالوَجهِ الأوَّلِ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والفَرَّاءُ، وجلال الدين المحلي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/745)، ((معاني القرآن)) للفراء (3/19)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 636). وممَّن قال بالوجهِ الثَّالثِ: ابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 245). قال ابن عثيمين: (هذا القرآنُ الكريمُ ليس فيه شيءٌ مِن الكذبِ؛ لا في الإخبارِ عمَّا مضَى... ولا في الإخبارِ عمَّا يُستقبَلُ... وإن شئتَ اعكسْ فقُلْ: ما بيْنَ يديه هو المُستقبَلُ، وما خَلْفَه هو الماضي). ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 245). وقيل: معنى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ: لا يستطيعُ ذو باطِلٍ بكَيدِه تَغييرَه وتَبديلَ شَيءٍ مِن معانيه، ومعنى وَلَا مِنْ خَلْفِهِ: لا يَستطيعُ المُبطِلُ إلحاقَ ما ليس منه فيه. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: ابنُ جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/445). وقيل: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ معناه: ليس فيما تقَدَّمَه مِن الكُتُبِ ما يُبطِلُ شَيئًا منه. وقوله: وَلَا مِنْ خَلْفِهِ أي: ليس يأتي بعدَه مِن نظَرِ ناظرٍ وفكرةِ عاقلٍ ما يُبطِلُ أشياءَ منه، فالمرادُ باللَّفظِ على الجملةِ: لا يأتيه الباطلُ مِن جهةٍ مِن الجهاتِ. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: ابنُ عطية، والثعالبي. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (5/19)، ((تفسير الثعالبي)) (5/143). ويُنظر أيضًا: ((تفسير القاسمي)) (8/343). وقيل: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أي مِن جهةِ الظَّاهرِ، مثل ما أخبَر به عمَّا كان قبْلَه، وَلَا مِنْ خَلْفِهِ مِن جهةِ العِلمِ الباطنِ، مثل عِلمِ ما لم يشتهِرْ مِن الكائنِ والآتي، سواءٌ كان حُكمًا أو خبرًا؛ لأنَّه في غايةِ الحَقِّيَّةِ والصِّدقِ، فالحاصلُ أنَّه لا يأتيه مِن جهةٍ مِن الجهاتِ؛ لأنَّ ما قُدَّامَ أوضحُ ما يكونُ، وما خَلْفَ أخفى ما يكونُ، فما بيْنَ ذلك مِن بابِ الأَولى. قاله البِقاعي. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/201). .
كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9].
تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
أي: تَنزيلٌ مِن حَكيمٍ يَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه الصَّحيحِ اللَّائقِ به، ومِن حَميدٍ بالِغِ الإحاطةِ بأوصافِ الكَمالِ، مُنَزَّهٍ عن كُلِّ نَقصٍ وعَيبٍ، مَحمودٍ على ذلك [640] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/445)، ((تفسير ابن كثير)) (7/183)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/202)، ((تفسير السعدي)) (ص: 750). وذكَر ابنُ عثيمينَ أنَّ حَمِيدٍ بمعنى فاعلٍ وبمعنى مفعولٍ، فهو محمودٌ وهو أيضًا حامدٌ، فالله تعالى يُثني كثيرًا على المؤمنينَ وعلى الرُّسلِ وعلى مَن شاء مِن عبادِه. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 248). ويُنظر تفصيلُ الكلامِ عن اسمِ (الحميد) (ص: 492). .
مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا هَدَّد المُلْحِدينَ في آياتِ اللهِ، ثمَّ بَيَّنَ شَرَف آياتِ اللهِ، وعُلُوَّ دَرَجةِ كِتابِ اللهِ؛ رَجَع إلى أمرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأن يَصبِرَ على أذى قَومِه، وألَّا يَضيقَ قَلبُه بسَبَبِ ما حكاه عنهم في أوَّلِ السُّورةِ مِن أنَّهم قالوا: قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ إلى قَولِه: فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [641] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/569). [فصلت: 5].
مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ.
أي: ما يُقالُ لك -يا مُحمَّدُ- إلَّا ما قد قِيلَ للرُّسُلِ الَّذين بُعِثوا مِن قَبْلِك [642] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/445)، ((تفسير ابن كثير)) (7/183)، ((تفسير السعدي)) (ص: 751). قال الماوَرْدي: (قَولُه عزَّ وجَلَّ: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ فيه وَجهانِ؛ أحَدُهما: ما يقولُ المُشرِكونَ لك إلَّا ما قالَه مَن قَبْلَهم لأنبيائِهم: إنَّه ساحِرٌ أو مجنونٌ. قاله قَتادةُ. الثَّاني: ما تُخبَرُ إلَّا بما يُخبَرُ الأنبياءُ قَبْلَكَ بـ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ. حكاه ابنُ عيسى، وقاله الكَلْبيُّ). ((تفسير الماوردي)) (5/186). وممَّن ذهب إلى المعنى الأوَّلِ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ جرير، والزَّجَّاجُ، والثعلبي، ومكِّي، والسمعاني، والسعدي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/745)، ((تفسير ابن جرير)) (20/445)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/388)، ((تفسير الثعلبي)) (8/298)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (10/6535)، ((تفسير السمعاني)) (5/55)، ((تفسير القرطبي)) (15/367)، ((تفسير السعدي)) (ص: 751). وممَّن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السَّلفِ: قَتادةُ، والحسَنُ، والسُّدِّيُّ، وأبو صالحٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/446)، ((تفسير ابن الجوزي)) (4/54)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (7/332). وممَّن اختار القولَ الثَّانيَ: الغَزْنَوي. يُنظر: ((باهر البرهان)) للغزنوي (2/1278). وذكر ابنُ عاشور أن في الآيات تفسيرَينِ؛ الأوَّل: أنَّ ما يقولُه المشركونَ في القرآنِ والنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو دأبُ أمثالِهم المعانِدينَ مِن قبْلِهم، فالمعنى أنَّه قد تشابهتْ قلوبُ المكذِّبين فكانت مقالاتُهم مُتماثِلةً. والثَّاني: أنَّ المعنى: ما قُلْنا لك إلَّا ما قُلْناه للرُّسلِ مِن قبْلِك، فأنت لم تكنْ بِدْعًا مِن الرُّسلِ فيَكونَ لقَومِك بعضُ العُذرِ في التَّكذيبِ، ولكنَّهم كذَّبوا كما كذَّب الَّذين مِن قبْلِهم. وحمَل الآيةَ على كِلا المعنيَينِ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/310). .
إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ.
أي: إنَّ ربَّك -يا مُحمَّدُ- لَذُو سَترٍ عَظيمٍ على ذُنوبِ عِبادِه التَّائِبينَ، وتَجاوُزٍ عن مُؤاخَذتِهم بها [643] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/446)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (10/6536)، ((تفسير ابن كثير)) (7/183)، ((تفسير السعدي)) (ص: 751)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 255). .
كما قال تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ [الرعد: 6].
وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ.
أي: وهو ذو عِقابٍ مُؤلمٍ لِمَن أصَرَّ على كُفرِه ومَعاصيه، ولم يَتُبْ مِن ذُنوبِه قبْلَ مَوتِه [644] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/446)، ((تفسير ابن كثير)) (7/183)، ((تفسير السعدي)) (ص: 751). .
كما قال تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [الرعد: 6].
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذَكَر تعالى المُلْحِدينَ في آياتِه وأنَّهم لا يَخفَونَ عليه، والكافِرينَ بالقُرآنِ وما دَلَّ على تَعنُّتِهم وما ظَهَر مِن تَكذيبِهم، وقَولِهم: هلَّا أُنزِلَ بلُغةِ العَجَمِ! فقال: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا أي: لم يَترُكُوا الاعتِراضَ، ولَقالوا: لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ [645] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/312). .
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ.
أي: ولو جعَلْنا القرآنَ بلُغةٍ أُخرى غيرِ العَرَبيَّةِ لَقالَ كُفَّارُ قُرَيشٍ: هلَّا بيَّنَ اللهُ لنا آياتِ كِتابِه بلُغتِنا العَرَبيَّةِ؛ حتى نَعقِلَ ما فيه [646] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/446)، ((تفسير القرطبي)) (15/368)، ((تفسير ابن كثير)) (7/183)، ((تفسير السعدي)) (ص: 751)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/314، 315). ؟
أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
1- قِراءةُ أَعْجَمِيٌّ بهَمزةٍ واحِدةٍ على الخَبَرِ. قيل: المعنى: لولا فُصِّلَت آياتُه فكان بَعضُها أعجَميًّا تَفهَمُه العَجَمُ، وبَعضُها عَربيًّا يَفهَمُه العَرَبُ. وقيل: المعنى: أنَّهم يَقولونَ مُتعَجِّبينَ: عُجمةٌ وإعرابٌ! إنَّ هذا لَشاذٌّ. وقيل: القراءتانِ بمعنًى واحِدٍ؛ لأنَّ الاستِفهامَ مُقدَّرٌ [647] قرأ بها قُنْبُلٌ عن ابن كثير، وهشامٌ عن ابن عامر، ورُوَيسٌ عن يعقوبَ، باختلافٍ عنهم. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (1/366). ويُنظر لِمعنى هذه القراءةِ: ((معانى القرآن)) للأخفش (2/509)، ((تفسير ابن عطية)) (5/20)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (9/530، 531). .
2- قِراءةُ أَأَعْجَمِيٌّ بهَمزَتينِ على الاستِفهامِ. قيل: المعنى: يقولونَ مُتعَجِّبينَ: أقُرآنٌ أعْجَميٌّ ورَسولٌ عَرَبيٌّ؟! وقيل: معناه: أبَعضُه أَعجَميٌّ وبَعضُه عَرَبيٌّ [648] قرأ بها الباقون، وهم على أصولِهم في البَدَلِ، وبَيْنَ بيْنَ، وإدخالِ الألِفِ بيْن الهمزتينِ وعَدَمِه. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (1/366). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 390)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/352، 353)، ((تفسير ابن عطية)) (5/20)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (9/530، 531). ؟!
أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ.
أي: لو أُنزِلَ القُرآنُ بغَيرِ اللُّغةِ العَرَبيَّةِ لَقال كُفَّارُ قُرَيشٍ مُتعَجِّبينَ ومُنكِرينَ: أقُرآنٌ أَعجَميٌّ ورَسولٌ عَرَبيٌّ؟! كيف يَنزِلُ كَلامٌ أَعجَميٌّ على مُخاطَبٍ عَرَبيٍّ لا يَفهَمُه [649] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 390)، ((تفسير ابن جرير)) (20/446)، ((تفسير القرطبي)) (15/369)، ((تفسير ابن كثير)) (7/184)، ((تفسير السعدي)) (ص: 751)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/314)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 259). وممَّن ذهب إلى هذا المعنى المذكورِ: ابنُ قُتَيْبةَ، وابنُ جرير، والقرطبيُّ، وابن كثير، والسعدي، وابن عاشور، وابن عثيمين. يُنظر: المصادر السابقة. وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمةُ، ومجاهدٌ، والسُّدِّيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/447)، ((تفسير ابن كثير)) (7/184). قال القرطبي: (العَجَميُّ: الَّذي ليس مِنَ العَرَبِ كان فصيحًا أو غيرَ فَصيحٍ، والأعْجَميُّ: الَّذي لا يُفصِحُ كان مِن العَرَبِ أو مِن العَجَمِ؛ فالأعْجَمُ ضِدُّ الفَصيحِ، وهو الَّذي لا يُبِينُ كَلامَه. ويُقالُ للحَيوانِ غيرِ الناَّطقِ: أعْجَمُ، ومنه: «صلاةُ النَّهارِ عَجْماءُ»، أي: لا يُجهَرُ فيها بالقِراءةِ؛ فكانت النِّسبةُ إلى الأعجَمِ آكَدَ؛ لأنَّ الرَّجُلَ العَجَميَّ الَّذي ليس مِن العَرَبِ قد يكونُ فَصيحًا بالعَرَبيَّةِ، والعَربيَّ قد يكونُ غَيرَ فَصيحٍ؛ فالنِّسبةُ إلى الأعجَميِّ آكَدُ في البيانِ. والمعنى: أقُرآنٌ أعْجَميٌّ، ونَبيٌّ عَرَبيٌّ؟! وهو استِفهامُ إنكارٍ). ((تفسير القرطبي)) (15/368، 369). ويُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/389)، ((تفسير ابن عطية)) (5/20). ؟!
قال تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [الشعراء: 198 - 201].
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ.
أي: قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: القُرآنُ للمُؤمِنينَ هُدًى يُرشِدُهم إلى الحَقِّ، ويُعَلِّمُهم ما يَنفَعُهم، وهو شِفاءٌ لهم مِنَ الجَهلِ والشَّكِّ والشُّبُهاتِ، وأمراضِ القُلوبِ والأبدانِ [650] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/449)، ((تفسير القرطبي)) (15/369)، ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 8، 9)، ((تفسير ابن كثير)) (7/184)، ((تفسير الشوكاني)) (4/595)، ((تفسير السعدي)) (ص: 751). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 52].
وقال سُبحانَه: وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: 64]
وقال عزَّ وجلَّ: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء: 82].
وعن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه: ((أنَّ ناسًا مِن أصحابِ رَسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كانوا في سَفَرٍ، فمرُّوا بحَيٍّ مِن أحياءِ العَرَبِ، فاستَضافوهم فلمْ يُضَيِّفوهم، فقالوا لهم: هل فيكم راقٍ؛ فإنَّ سَيِّدَ الحَيِّ لَديغٌ أو مُصابٌ؟ فقال رَجُلٌ منهم: نَعَم، فأتاه فَرَقاه بفاتحةِ الكِتابِ، فبَرَأ الرَّجُلُ. فأُعطِيَ قَطيعًا مِن غَنَمٍ، فأبى أن يَقبَلَها، وقال: حتَّى أذكُرَ ذلك للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. فأتى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فذكَرَ ذلك له؛ فقال: يا رَسولَ اللهِ، واللهِ ما رَقَيْتُ إلَّا بفاتحةِ الكِتابِ، فتَبَسَّمَ وقال: وما أدراك أنَّها رُقْيةٌ؟! ثمَّ قال: خُذُوا منهم، واضرِبوا لي بسَهمٍ معكم)) [651] رواه البخاري (5007)، ومسلم (2201) واللفظ له. .
وعن عائشةَ رَضِيَ الله عنها: ((أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان إذا اشتكى يَقرأُ على نَفْسِه بالمُعَوِّذاتِ، ويَنفُثُ، فلمَّا اشتَدَّ وَجَعُه كنتُ أقرأُ عليه، وأمسَحُ عنه بيَدِه؛ رجاءَ بَرَكتِها)) [652] رواه البخاري (4439)، ومسلم (2192) واللفظ له. .
وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: ((كان رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا مَرِضَ أحَدٌ مِن أهْلِه نَفَث عليه بالمُعَوِّذاتِ)) [653] رواه مسلم (2192).
وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ.
أي: والَّذين لا يُؤمِنونَ في آذانِهم ثِقَلٌ؛ فلا يَنتَفِعونَ بسَماعِ الحَقِّ [654] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/449)، ((تفسير القرطبي)) (15/369)، ((تفسير ابن كثير)) (7/184)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/207)، ((تفسير السعدي)) (ص: 751). قال الشوكاني: (الموصولُ في قَولِه: وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ: مبتدَأٌ، وخَبَرُه: فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ، أو: الموصولُ الثَّاني عَطفٌ على المَوصولِ الأوَّلِ، و وَقْرٌ: عَطفٌ على هُدًى عنَد مَن جَوَّز العَطفَ على عاملَينِ مختلِفَينِ، والتَّقديرُ: هو للأوَّلِينَ هُدًى وشِفاءٌ، وللآخَرِينَ وَقرٌ في آذانِهم). ((تفسير الشوكاني)) (4/596). ويُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/203). قيل: المعنى: أنَّ في آذاِنهم ما يَمنَعُ عنهم سَماعَ القُرآنِ سَماعَ فَهمٍ وانتِفاعٍ، فجعَلهم بمَنزِلةِ الصُّمِّ حِينَ لم يَسمَعوا سَماعَ قَبولٍ. وممَّن ذهب إليه: ابنُ جرير، والزَّجَّاجُ، ومكِّي، والسمعاني. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/449)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/390)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (10/6539)، ((تفسير السمعاني)) (5/57). وممَّن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السَّلفِ: قَتادةُ، والسُّدِّيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/450). وممَّن ذهب إلى أنَّ المرادَ: أنَّ القُرآنَ نَفْسَه وَقرٌ في آذانِهم؛ لِقَولِه: وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى: الرازيُّ، والبيضاويُّ. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/570)، ((تفسير البيضاوي)) (5/73). .
كما قال تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: 44].
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى.
أي: والقُرآنُ على قُلوبِهم عَمًى؛ فلا يُبصِرونَ حُجَجَه عليهم، ولا يَهْتَدونَ إلى ما فيه مِن البيانِ [655] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/449)، ((تفسير ابن كثير)) (7/184)، ((تفسير السعدي)) (ص: 751). قال الشوكاني: (وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى قال قَتادةُ: عَمُوا عن القرآنِ وصَمُّوا عنه. وقال السُّدِّيُّ: عَمِيَتْ قُلوبُهم عنه. والمعنَى: وهو عليهم ذو عَمًى، أوْ وُصِفَ بالمصدَرِ للمُبالَغةِ). ((تفسير الشوكاني)) (4/596). قال الشنقيطي: (اللهُ جل وعلا يقولُ: يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ [البقرة: 20]، وفي بعضِ التَّفسيراتِ: تَكادُ أنوارُ القرآنِ تُعمي بقيَّةَ بصائرِهم، واللهُ يقولُ: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى؛ لأنَّ النُّورَ السَّاطعَ الشَّديدَ يَقضي على البصرِ الأعشَى الضَّعيفِ). ((العذب النمير)) (2/235). .
كما قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء: 82].
وقال سُبحانَه: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 124، 125].
أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ.
أي: أولئك البُعَداءُ البُغَضاءُ كأنَّهم لِعَمَى قلوبِهم عن فَهمِ ما أُنْزِل في القرآنِ مِن حُجَجِه ومَواعِظِه، وعدمِ انتِفاعِهم به- يُنادَونَ مِن مَوضِعٍ بعيدٍ منهم، فهم لا يَسمَعونَ النِّداءَ، ولا يَفهَمونَه [656] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/450)، ((تفسير القرطبي)) (15/369)، ((تفسير ابن كثير)) (7/184)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/208)، ((تفسير السعدي)) (ص: 751). ممَّن ذهب إلى المعنى المذكورِ: الثعلبيُّ، ومكِّي، والواحدي، والزمخشري، والبيضاوي، وابن القيم، والقاسمي، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (8/299)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (10/6540)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 957)، ((تفسير الزمخشري)) (4/203)، ((تفسير البيضاوي)) (5/73)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 96)، ((تفسير القاسمي)) (8/344)، ((تفسير السعدي)) (ص: 751)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 264). عن مجاهدٍ: أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ قال: (بعيدٍ مِن قلوبِهم). يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/451). وقيل: يُنادَونَ يومَ القيامةِ مِن مَكانٍ بعيدٍ منهم بأشنَعِ أسمائِهم. وممَّن حكى هذا المعنى: ابنُ جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/451). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: الضَّحَّاكُ بنُ مُزاحِمٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/451). .
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45).
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ.
أي: ولقد آتَيْنا مُوسى التَّوراةَ فاختَلَف قَومُه فيها؛ فآمَنَ بها بَعضُهم واتَّبَعوها، وآخَرونَ مِنهم لم يُؤمنِوا بها وأعرَضوا عنها، كما آمَنَ بكِتابِك قَومٌ، وكذَّبَ به قومٌ -يا مُحمَّدُ-؛ فلا تَحزَنْ مِن تكذيبِ المُشرِكينَ بما آتَيْناك مِنَ القُرآنِ [657] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/453)، ((تفسير ابن الجوزي)) (4/55)، ((تفسير القرطبي)) (15/370)، ((تفسير السعدي)) (ص: 751). ممَّن اختار أنَّ الضَّميرَ في قولِه: فِيهِ يعودُ إلى الكتابِ: البغويُّ، وابنُ الجوزي، والقرطبي، والخازن، وأبو السعود، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير البغوي)) (4/136)، ((تفسير ابن الجوزي)) (4/55)، ((تفسير القرطبي)) (15/370)، ((تفسير الخازن)) (4/90)، ((تفسير أبي السعود)) (8/17)، ((تفسير الشوكاني)) (4/597). وقيل: الضَّميرُ يعودُ إلى موسى عليه السَّلامُ. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (15/370)، ((تفسير الشوكاني)) (4/597). قال أبو حيَّان في نظيرِ هذه الآيةِ مِن سورةِ هود، الآية (110): (والظَّاهرُ عَوْدُ الضَّميرِ فيه على الكِتابِ؛ لِقُرْبِه، ويجوزُ أنْ يَعودَ على موسَى عليه السَّلامُ. ويَلْزَمُ مِن الاختلافِ في أحَدِهما الاختلافُ في الآخَرِ). ((تفسير أبي حيان)) (6/216). .
كما قال الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الجاثية: 16، 17].
وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ.
أي: ولولا كَلِمةٌ سَبَقَت مِن رَبِّك -يا مُحمَّدُ- بتأخيرِ العَذابِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، لأهلَكَهم اللهُ في الحالِ، وميَّزَ بيْنَ أهلِ الحَقِّ بنَجاتِهم، وأهلِ الباطِلِ بهَلاكِهم [658] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/453)، ((تفسير القرطبي)) (15/370)، ((تفسير ابن كثير)) (7/184، 185)، ((تفسير السعدي)) (ص: 751). والكلمةُ التي سبَقت هي تأخيرُ العذابِ إلى يومِ القيامةِ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/ 746) ((تفسير ابن جرير)) (20/ 453)، ((تفسير ابن عطية)) (5/ 21). وقال جلالُ الدينِ المحليُّ: (بتأخيرِ الحسابِ والجزاءِ للخَلائقِ إلى يومِ القيامةِ). ((تفسير الجلالين)) (ص: 636). والضَّميرُ في قولِه: بَيْنَهُمْ قيل: يعودُ إلى قومِ موسى. وقيل: يعودُ إلى هذه الأُمَّةِ. يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (3/245). قال ابن عاشور: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ... هذا مُتعلِّقٌ بالَّذين كذَّبوا بالقرآنِ مِن العربِ؛ لأنَّ قولَه: لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ يَقتضي أنَّ اللهَ أخَّر القضاءَ بيْنَهم وبيْنَ المؤمنينَ إلى أجَلٍ اقتَضَتْه حِكمتُه، فأمَّا قومُ موسى فقد قضَى بيْنَهم). ((تفسير ابن عاشور)) (24/317، 318). لكن قال ابن عثيمين: (المرادُ: القضاءُ التَّامُّ، فلا يُنافي هذا ما وقَع لآلِ فِرعونَ مِن الغرَقِ والهلاكِ لَمَّا كذَّبوا موسى). ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 272). .
كما قال تعالى: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [الكهف: 58].
وقال سُبحانَه: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا [فاطر: 45].
وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ.
أي: وإنَّهم [659] قال البيضاوي: (وَإِنَّهُمْ: وإنَّ اليهودَ، أو: الَّذين لا يُؤمِنونَ). ((تفسير البيضاوي)) (5/73). ممن اختارَ أنَّ المرادَ بقولِه تعالى: وَإِنَّهُمْ أي: المكذِّبينَ بالكتابِ، المبطلينَ من الذين اختلفوا فيه: ابن جرير، ومكي، وجلال الدين المحلي، ومحمد رشيد رضا، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/ 453)، ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكي (10/ 6541)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 636)، ((تفسير المنار)) (12/ 135)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة فصلت )) (ص: 275). ويُنظر أيضًا: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/ 746)، ((تفسير السمرقندي)) (3/ 231)، ((تفسير السمعاني)) (5/ 57)، ((تفسير ابن عطية)) (5/ 21). قال محمد رشيد رضا في نظير هذه الآية مِن سورةِ (هود) الآية (110): (الظَّاهرُ أنَّ هذا في قومِ موسَى وكتابِهم التَّوراةِ، أيْ: إنَّهم لمُرْتَكِسونَ في شَكٍّ مِن أمرِ كِتابِهم، موقِعٍ في الرَّيْبِ والاضْطِرابِ، وذَهَب بعضُ كِبارِ المُفسِّرينَ إلى أنَّه في مُشركي مَكَّةَ وأمثالِهم الَّذينَ شكُّوا في القرآنِ، وهو خطأٌ ظاهرٌ في اللَّفظِ والمعنَى والسِّياقِ، وما في معنَى الآيةِ مِنَ السُّوَرِ الْأُخْرَى، وَمِثْلُهَا فِي سورةِ «حم السَّجْدَةِ فُصِّلَتْ» بنَصِّها، وفي معناها مِن سورةِ الشُّورى مَا يُفَسِّرُ الإجمالَ في هاتينِ الآيتيْنِ ويُفَصِّلُه). ((تفسير المنار)) (12/ 135). وممَّن اختار أنَّ المرادَ بقولِه: وَإِنَّهُمْ أي: كفَّار قريشٍ: القرطبيُّ، والنسفي، والخازن، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (15/370)، ((تفسير النسفي)) (3/240)، ((تفسير الخازن)) (4/90)، ((تفسير أبي السعود)) (8/17)، ((تفسير الشوكاني)) (4/597)، ((تفسير الألوسي)) (12/382)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/317). لَفي شَكٍّ شَديدٍ منه [660] قولُه: لَفِي شَكٍّ مِنْهُ اختلَف فيه المفسِّرونَ؛  فممن اختار أن المرادَ بالضَّميرِ في قولِه: مِنْهُ: الكتابُ، أي: التَّوراةُ: مقاتلِ بنِ سُلَيمانَ، وجلال الدين المحلي، وابنِ عثيمين. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/746)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 636)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 275). قال الرَّسْعَنيُّ: (إن كان الضَّميرُ في قولِه: وَإِنَّهُمْ عائدًا إلى قومِ موسى، فيكون الضَّميرُ في مِنْهُ عائدًا إلى كتابِ موسى، ويكون ذلك حكايةَ حالٍ ماضيةٍ). ((تفسير الرسعني)) (3/245). وقال القرطبي: (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ إنْ حُمِلتْ على قومِ موسى، أي: لفي شكٍّ مِن كتابِ موسَى، فهم في شكٍّ مِن القرآنِ). ((تفسير القرطبي)) (9/ 104). وقال ابن عطية: (لَفِي شَكٍّ مِنْهُ يحتملُ أن يعودَ على موسى، أو على كتابِه). ((تفسير ابن عطية)) (5/21). وقيل: لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي: ممَّا قالوا فيه مُرِيبٍ أي: يَريبُهم قولُهم فيه ما قالوا؛ لأنَّهم قالوا بغيرِ ثَبَتٍ، وإنَّما قالوه ظَنًّا. قاله ابنُ جرير، وذكر ابنُ كثير أنَّه محتملٌ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/453، 454)، ((تفسير ابن كثير)) (7/185). وممَّن اختار أنَّ المرادَ: القرآنُ: القرطبيُّ، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (15/370)، ((تفسير أبي السعود)) (8/17)، ((تفسير الشوكاني)) (4/597)، ((تفسير الألوسي)) (12/382). وقيل: مِنْهُ أي: مِن صِدْقِك. وممَّن اختاره: البغوي، والعُلَيمي. يُنظر: ((تفسير البغوي)) (4/136)، ((تفسير العليمي)) (6/164). وقيل: مِنْهُ أي: مِن صِدقِك وكتابِك. وممَّن اختاره: الواحديُّ، وابن الجوزي، والرازي، والخازن. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (4/39)، ((تفسير ابن الجوزي)) (4/55)، ((تفسير الرازي)) (27/570)، ((تفسير الخازن)) (4/91). وقيل: مِنْهُ أي: مِن العذابِ. وممَّن اختاره: السمرقنديُّ -وقيده بقوله: (بعدَ البَعثِ)-، وابنُ أبي زَمَنين. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (3/231)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (4/157). وقال البِقاعي: (مِنْهُ أي: القضاءِ يومَ الفَصلِ). ((نظم الدرر)) (17/209). وقال ابن عاشور: (وأمَّا ضميرُ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ فهو خاصٌّ بالمشركينَ الشَّاكِّينَ في البَعثِ، والشَّاكِّينَ في أنَّ اللهَ يَنصُرُ رسولَه والمؤمنينَ). ((تفسير ابن عاشور)) (24/317). ، مُوقعٍ في القَلَقِ، ومُوجِبٍ للاضطِرابِ [661] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (4/136)، ((تفسير الرازي)) (27/570)، ((تفسير القرطبي)) (15/ 370)، ((تفسير البيضاوي)) (5/73)، ((تفسير ابن كثير)) (7/185)، ((تفسير ابن عجيبة)) (5/186)، ((تفسير الشوكاني)) (4/597)، ((تفسير السعدي)) (ص: 751). .
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا تقرَّر بما مضَى أنَّ المطيعَ ناجٍ، وتحرَّر أنَّ العاصيَ هالكٌ، كانت النَّتيجةُ مِن غيرِ تردُّدٍ: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا، كائنًا مَن كان [662] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/209). .
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ.
أي: مَن عَمِل في الدُّنيا عَمَلًا صالِحًا بإخلاصٍ لله تعالى، ومُتابَعةٍ لِشَرعِه؛ فثَوابُ ذلك العَمَلِ الصَّالحِ لِنَفْسِه، ونَفعُه له [663] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/454)، ((تفسير القرطبي)) (15/370)، ((تفسير السعدي)) (ص: 751)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 278، 279). .
كما قال تعالى: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ [الروم: 44، 45].
وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا.
أي: ومَن عَمِل سُوءًا فعِقابُ إساءتِه على نَفْسِه، لا على غَيرِه [664] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/454)، ((تفسير الرازي)) (27/570)، ((تفسير الشوكاني)) (4/597)، ((تفسير السعدي)) (ص: 751). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [يونس: 23].
وقال سُبحانَه: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ [الروم: 44].
وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
أي: وما ربُّك -يا مُحمَّدُ- بظلَّامٍ لعِبادِه؛ فلا يُعاقِبُ أحَدًا بغَيرِ ذَنْبِه، أو يَزيدُ في سيِّئاتِه أو عِقابِه، أو يَنقُصُ مِن حَسَناتِه [665] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/454)، ((عمدة الحفاظ)) للسمين الحلبي (3/11)، ((تفسير ابن عجيبة)) (5/186)، ((تفسير السعدي)) (ص: 751)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/31-33)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 281، 282). .
كما قال تعالى: وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق: 29].

الفوائد التربوية:

1- في قولِه تعالى: وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ تَسليةُ المُصابِ بذِكْرِ المُشارِكِ له؛ لأنَّ الغَرَضَ مِن الإخبارِ بأنَّ اللهَ تعالى آتى موسى عليه السَّلامُ الكِتابَ فاختُلِفَ فيه: تَسليةُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وعلى هذا فيَنبغي تسليةُ المُصابِ، ومِن ذلك تعزيةُ المصابِ بموتِ قريبٍ له أو صديقٍ -أي: تقويتُه على الصَّبرِ على المصيبةِ-، وتسليةُ المصابِ سُنَّةٌ؛ لِمَا في ذلك مِن رفْعِ أَلَمِ المصيبةِ عن أخيك المسلمِ [666] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 274). .
2- قَولُ الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا فيه حَثٌّ على فِعلِ الخَيرِ، وتَركِ الشَّرِّ، وانتِفاعُ العامِلينَ بأعمالِهم الحَسَنةِ، وضَرَرُهم بأعمالِهم السَّيِّئةِ [667] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 751). ، فإذا علِم الإنسانُ أنَّ عمَلَه لِنَفْسِه فسوف يجتهدُ فيه [668] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 282). .

الفوائد العلمية واللطائف:

1- قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا قال ابنُ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهما: (هو أن يُوضَعَ الكَلامُ على غَيرِ مواضِعِه)؛ ففيه الرَّدُّ على مَن تعاطى تَفسيرَ القُرآنِ بما لا يَدُلُّ عليه جَوهَرُ اللَّفظِ، كما يَفعَلُه الباطِنيَّةُ والاتِّحاديَّةُ، والملاحِدةُ وغُلاةُ المتصَوِّفةِ [669] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 228). وعزا أثرَ ابنِ عبَّاسٍ لابنِ أبي حاتمٍ مِن طريقِ العَوْفي. .
2- جوازُ المُفاضَلةِ بيْنَ شيئينِ بيْنَهما مِن التَّباينِ أكثرُ ممَّا بيْنَ السَّماءِ والأرضِ؛ إفحامًا للخَصْمِ، والدَّليلُ: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وهذه فائدةٌ يُنْتَبَهُ لها: أنَّ المُفاضَلةَ بيْنَ شيئينِ -التَّفاوُتُ بيْنَهما ظاهرٌ- لا يُرادُ به المُقارَنةُ! ولكنْ يُرادُ به إفحامُ الخَصمِ [670] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 228). .
3- قولُه تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فيه إثباتُ المشيئةِ للعبدِ؛ فيكونُ في ذلك رَدٌّ على الجَبْريَّةِ [671] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 229). .
4- (افْعَلْ) صيغةُ أمرٍ، وقد تَرِدُ لغيرِ ذلك؛ كالتَّهديدِ، كما في قولِه تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [672] يُنظر: ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (6/578)، ((مذكرة في أصول الفقه)) للشنقيطي (ص: 227). .
5- تخصيصُ الحُكمِ بما فيه النِّزاعُ، وإنْ كان الحُكمُ عامًّا فلَنا أنْ نُخَصِّصَ هذا الحُكمَ بمَحَلِّ النِّزاعِ؛ يُؤخَذُ هذا مِن تقديمِ المَعمولِ في بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، لا نقولُ: هذا الحَصرُ حقيقيٌّ؛ أنَّه لا يَعلَمُ عزَّ وجلَّ إلَّا بما عَمِلوا! بل يَعلَمُ كلَّ شيءٍ، لكنْ لَمَّا كان الكلامُ في عمَلِهم جاء الحُكمُ بصيغةِ الحَصرِ؛ مِن أجْلِ شِدَّةِ التَّحذيرِ، وأنَّهم لن يَفوتوا اللهَ عزَّ وجَلَّ. واللهُ أعلمُ [673] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 240). .
6- في قَولِه تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ أنَّ مَن تَمَسَّك بالقرآنِ فله العِزَّةُ؛ وجْهُه: أنَّه إذا كان القرآنُ عزيزًا؛ فلا بُدَّ أنْ يَنالَ العِزَّةَ مَن تَمَسَّك به؛ وإلَّا لَكان القرآنُ غيرَ عزيزٍ! ويدُلُّ لهذا قولُ اللهِ تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [674] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 248). [المنافقون: 8].
7- قَولُه تعالى: تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فيه أنَّ القُرآنَ كلامُ اللهِ؛ وجْهُ كَونِه كلامَ اللهِ: أنَّ القُرآنَ صِفةٌ، ليس عَينًا مُستَقِلَّةً مُنفَصِلةً، فإذا كان صِفةً وذَكَرَ اللهُ أنَّه نَزَل منه، لَزِم أنْ يكونَ كلامَه، أمَّا لو كان الشَّيءُ الَّذي ذَكَرَ اللهُ أنَّه أنزَلَه: شَيئًا مُعَيَّنًا مُنفَصِلًا عن الله؛ فهذا لا يدُلُّ على أنَّه مِن صفاتِ اللهِ تعالى، كقَولِه تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الأنعام: 99] هذا الماءُ مَخلوقٌ، وقَولِه: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: 6] الأنعامُ مخلوقةٌ؛ لأنَّها شَيءٌ مُنفَصِلٌ عن الله، وقَولِه: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد: 25] الحديدُ مَخلوقٌ [675] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 249). ويُنظر أيضًا: ((بيان تلبيس الجهمية)) لابن تيمية (6/5 - 14)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (12/117، 118). .
8- قوله تعالى: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ فيه أنَّ القرآنَ الكريمَ حقٌّ مُنْتَفٍ عنه الباطلُ مِن كلِّ وجهٍ، وهذه الصِّفةُ للقرآنِ مِن صِفاتِ النَّفيِ؛ وتضمَّنتْ بالإثباتِ أنَّه إذا انتفَى الباطلُ منه مِن كلِّ وجْهٍ مِن بيْنِ يديه ومِن خَلْفِه لَزِم مِن ذلك أنْ يكونَ حقًّا مِن كلِّ وجهٍ [676] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 248، 249). .
9- قَولُ الله تعالى: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فيه سُؤالٌ: أمَا طَعَن في القُرآنِ الطَّاعِنونَ، وتأوَّلَه المُبطِلونَ؟
الجوابُ: أنَّ اللهَ تعالى حَماه عن تعلُّقِ الباطِلِ به بأن قيَّضَ قَومًا عارَضوهم بإبطالِ تأويلِهم، وإفسادِ أقاويلِهم، فلم يُخْلُوا طَعْنَ طاعِنٍ إلَّا مَمحوقًا، ولا قَولَ مُبطِلٍ إلَّا مُضمَحِلًّا، ونحوُ هذا قَولُه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [677] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/202)، ((تفسير الشربيني)) (3/521). [الحجر: 9].
10- في قَولِه تعالى: تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ دَلالةٌ على عُلُوِّه سُبحانَه على خَلقِه، وأنَّ كلامَه نَزَلَ به الرُّوحُ الأمينُ مِن عندِه مِن أعلى مَكانٍ إلى رَسولِه [678] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (2/215). .
11- قولُه تعالى: حَكِيمٍ -بمعنى حاكمٍ- فيه أنَّه لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يُشَرِّعَ شرعًا مِن عندِه؛ لأنَّ مِن الحُكْمِ الحُكْمَ بيْنَ النَّاسِ، فالحُكْمُ إمَّا أنْ يكونَ حُكْمًا في النَّاسِ أو أنْ يكونَ حُكْمًا بيْنَ الناسِ، فلا يجوزُ لأحدٍ أنْ يَحْكُمَ بيْنَ الناسِ إلَّا بما أنزَل اللهُ؛ لأنَّ الحُكْمَ لله عزَّ وجلَّ: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام: 57]، وليس لنا أنْ نَتجاوَزَ حَدَّ اللهِ عزَّ وجلَّ في الحُكْمِ على أحدٍ بالفسقِ أو البدعةِ أو الكفرِ أو الإيمانِ وصحَّةِ العقيدةِ إلَّا بدليلٍ مِن الشَّرعِ، يعني: إلَّا إذا عَرَضنا ما عليه على الكتابِ والسُّنَّةِ؛ وإلَّا: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [679] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 250). [المؤمنون: 71].
12- أنَّ اللهَ تعالى محمودٌ -بِناءً على أنَّ حَمِيدٍ اسمُ مفعولٍ-، واللهُ عزَّ وجلَّ يُحْمَدُ على كلِّ حالٍ، فعَلَى السَّرَّاءِ واضحٌ أنه يُحمَدُ؛ لأنَّه أحْسَنَ إليك ورَأَف بك، وأمَّا على الضَّرَّاءِ فيُحمَدُ؛ لأنَّه -لا شكَّ- ما قَدَّرَ هذا إلَّا لحكمةٍ، ولأنَّ ما يَتَرَتَّبُ على هذه الضَّرَّاءِ مِن المصالحِ العظيمةِ يَقتضي أنْ يُحْمَدَ اللهُ عليها [680] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 250). .
13- أنَّ الرَّبَّ عزَّ وجلَّ كاملُ العَدْلِ؛ بحيثُ يَحْمَدُ مَن يَستحقُّ الحمدَ، كما أنَّه يُحمَدُ؛ لأنَّه أهلٌ للحمدِ؛ وهذا بِناءً على أنَّ حَمِيدٍ بمعنى حامدٍ [681] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 253). .
14- في قَولِه تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ أنَّ هذا القُرآنَ مَثانٍ؛ فإذا ذُكِرَ فيه جانبُ التَّرغيبِ ذُكِرَ معه جانِبُ التَّرهيبِ؛ لئلَّا تَطمَعَ النَّفْسُ وتَغلوَ في الطَّمعِ فتأمَنَ مِن مَكْرِ اللهِ، ولِئلَّا يَخافَ فيَقنَطَ مِن رَحمةِ اللهِ، وعلى هذا فيَكونُ سَيرُه إلى اللهِ تعالى بيْنَ الخَوفِ والرَّجاءِ؛ ولهذا قال الإمامُ أحمدُ رَحِمه اللهُ: «يَنبغي للسَّائرِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ أنْ يكونَ خَوفُه ورجاؤُه واحِدًا، فأيُّهما غَلَبَ هَلَكَ صاحِبُه» [682] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 256). ويُنظر أيضًا: ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (5/359)، ((الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف)) للمرداوي (6/10). .
15- في قَولِه تعالى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أنَّ الحُجَّةَ لا تقومُ حتَّى يَفْهَمَ الإنسانُ معنى هذه الحُجَّةِ؛ وأنَّ مُجرَّدَ البلاغِ لا يُعَدُّ حُجَّةً قائمةً حتَّى يَفْهَمَها مَن بَلَغَتْه، ولهذا قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [683] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 265). [إبراهيم: 4].
16- قال الله تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ هناك أمرٌ يَنبغي التَّفَطُّنُ له، وهو أنَّ الأذكارَ والآياتِ والأدعيةَ الَّتي يُستشفَى بها ويُرقَى بها: هي في نَفْسِها نافِعةٌ شافِيةٌ، ولكِنْ تَستدعي قَبولَ المحَلِّ، وقُوَّةَ هِمَّةِ الفاعِلِ وتأثيرِه؛ فمتى تخَلَّف الشِّفاءُ كان لِضَعفِ تأثيرِ الفاعِلِ، أو لعَدَمِ قَبولِ المُنفَعِلِ، أو لِمانعٍ قَويٍّ فيه يَمنَعُ أن يَنجَعَ فيه الدَّواءُ، كما يكونُ ذلك في الأدوِيةِ والأدواءِ الحِسِّيَّةِ؛ فإنَّ عَدَمَ تأثيرِها قد يكونُ لِعَدَمِ قَبولِ الطَّبيعةِ لذلك الدَّواءِ، وقد يكونُ لمانعٍ قَويٍّ يمنَعُ مِن اقتِضائِه أثَرَه؛ فإنَّ الطَّبيعةَ إذا أخَذَت الدَّواءَ بقَبولٍ تامٍّ كان انتِفاعُ البَدَنِ به بحَسَبِ ذلك القَبولِ، فكذلك القَلبُ إذا أخَذَ الرُّقَى والتَّعاويذَ بقَبولٍ تامٍّ، وكان للرَّاقي نَفْسٌ فَعَّالةٌ وهِمَّةٌ مُؤَثِّرةٌ في إزالةِ الدَّاءِ [684] يُنظر: ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 9). .
17- تَأمَّلْ إخبارَه سُبحانَه وتعالى عن القُرآنِ بأنَّه نَفْسَه شِفاءٌ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ، وقال عن العَسَلِ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ، وما كان نَفْسُه شِفاءً أبلَغُ مِمَّا جُعِلَ فيه شِفاءٌ [685] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/250). !
18- قولُه تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ فيه أنَّ الإنسانَ كلَّما كان أقوَى إيمانًا كان أهدَى وأشفَى، وهنا قاعدةٌ مفيدةٌ مهمَّةٌ: أنَّ كلَّ حُكْمٍ مُرتَّبٍ على وَصْفٍ فإنَّه يَقْوى بقوَّةِ ذلك الوصفِ، ويَضعُفُ بضَعفِ ذلك الوصفِ [686] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 267). .
19- في قَولِه تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أنَّ الهُدَى في القرآنِ؛ مَنِ التَمَسَه في غيرِه أو في غيرِ ما أَمَر به ضَلَّ [687] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (4/82). .
20- في قَولِه تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى الرَّدُّ على المُعتَزِلةِ والقَدَريَّةِ المُنكِرينَ أنَّ الهِدايةَ والإضلالَ بيَدِ اللهِ تعالى، وعلى زعمِهم أنَّ أفعالَ العِبادِ لا صُنْعَ لله فيها؛ لِذِكْرِ الوَقْرِ في آذانِ الكُفَّارِ، وتَحويلِ القرآنِ -الَّذي هو هُدًى للمُؤمِنينَ- عَمًى على الكافرينَ [688] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (4/84). .
21- قولُه تعالى: هُدًى وَشِفَاءٌ فيه أنَّ القرآنَ شفاءٌ مِن أمراضِ القلوبِ، وأسقامِ الأبدانِ [689] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 267). .
22- قولُه تعالى: مِنْ رَبِّكَ هذه رُبوبيَّةٌ خاصَّةٌ، وهي تُفيدُ عُلُوَّ مَنزِلةِ المَربوبِ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ، وهناك رُبوبيَّةٌ عامَّةٌ، وقد اجتمعَتِ الرُّبوبيَّتانِ -العامَّةُ والخاصَّةُ- في قولِ السَّحَرةِ مِن آلِ فرعونَ: قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: 121، 122]؛ الأُولى: «رَبِّ الْعَالَمِينَ» عامَّةٌ، والثَّانيةُ: خاصَّةٌ [690] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 275). .
23- أنَّ اللهَ تعالى يُكَنِّي عن الشَّرِّ ببناءِ الفعلِ لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُه؛ لقولِه: لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ولم يَقُلْ: «لَقَضَى بينَهم»! وهذا هو المطَّرِدُ في القرآنِ والغالِبُ، وانظرْ إلى أَدَبِ الجِنِّ حيثُ قالوا: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: 10] أدَبٌ عالٍ؛ فقالوا في الشَّرِّ: أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ ولم يُضيفوه إلى اللهِ! وفي الرُّشْدِ قالوا: أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ولم يقولوا: «أمْ أُريدَ بهم رَشَدٌ» [691] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 275). !
24- في قَولِه تعالى: وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أنَّ الإيمانَ يجِبُ ألَّا يُخالِطَه شَكٌّ، وأنَّه إذا وَرَد على القَلبِ شَكٌّ -ولو يَسيرًا- بشَرطِ ألَّا يُدافِعَه، بل يَركَنُ إليه؛ فإنَّ هذا مُحبِطٌ للإيمانِ، أمَّا لو وَرَدَ الشَّكُّ على القَلبِ وطَرَدَه وجاهدَ نَفْسَه على دَفْعِه، فهذا لا يَضُرُّه؛ ولهذا أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ النَّاسَ يتَساءلونَ مَن خَلَقَ كذا؟ مَن خَلَقَ كذا؟ حتَّى يقولوا: مَن خَلَقَ اللهَ؟ وهذا شكٌّ، ولكِنَّ الرَّسولَ أخبَرَ وقال: ((فإذا بَلَغَه فلْيَستَعِذْ باللهِ ولْيَنتَهِ)) [692] أخرجه البخاري (3276)، ومسلم (134) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، وأخبرَه الصَّحابةُ أنَّهم يَجِدونَ في نُفوسِهم ما يتعاظَمُ أحدُهم أنْ يَتَكلَّمَ به، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم [693] أخرجه مسلم (132) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. : ((ذاك صَريحُ الإيمانِ)) [694] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 276). .
25- الرَّدُّ على الجَبْريَّةِ في قَولِهم: إنَّ الظُّلمَ في حقِّ اللهِ مُحالٌ، فقَولُه تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ يُفيدُ أنَّ الظُّلمَ في حَقِّه مُمكِنٌ، وأنَّه ليس مُحالًا لِذاتِه في حَقِّ اللهِ، بل هو مُحالٌ لكَمالِ عَدْلِ اللهِ، وبهذا يَتحَقَّقُ المدْحُ -مدحُ اللهِ تعالى- بانتفاءِ الظُّلمِ عنه، أمَّا لو كان شَيئًا مُحالًا، فالمُحالُ لا يُمدَحُ به [695] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 290). .
26- قوله تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فيه إثباتُ العَدْلِ في أعلَى مقاماتِه؛ حيثُ قال: لِلْعَبِيدِ أي: لِعَبيدِه، فمعَ قدرتِه عليهم، وكونِهم ملكَه وتحتَ تصرُّفِه لا يظلمُهم، فالإنسانُ إذا قيل له: أنت لا تظلِمُ عبيدَك. كان أبلغَ في إثباتِ عدلِه مِن أنْ يُقالَ له: أنتَ لا تظلمُ النَّاسَ، وذلك لأنَّه لا سيطرةَ له عليهم [696] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 289). .

بلاغة الآيات:

1- قولُه تعالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
- قَوَلهُ: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا استِئنافٌ ابتِدائيٌّ قُصِدَ به تَهديدُ الَّذين أهْمَلوا الاستِدلالَ بآياتِ اللهِ على تَوحيدِه [697] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/304). .
- وحَرْفُ فِي مِن قَولِه: فِي آَيَاتِنَا لِلظَّرفيَّةِ؛ لِإفادةِ تَمَكُّنِ إلْحادِهم حتَّى كَأنَّه مَظروفٌ في آياتِ اللهِ حيثما كانَتْ، أو كُلَّما سَمِعوها، ومَعنى نَفيِ خَفائِهم: نَفيُ خَفاءِ إلْحادِهم، لا خَفاءِ ذَواتِهم؛ إذْ لا غَرَضَ في العِلْمِ بذَواتِهم [698] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/304). .
- قَولُه: لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا مُرادٌ به الكِنايةُ عنِ الوَعيدِ على التَّحريفِ؛ تَذكيرًا لهم بإحاطةِ عِلْمِ اللهِ بكُلِّ كائِنٍ [699] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/201)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/304). .
- والاستِفهامُ في قولِه: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَقريعٌ وتَقريرٌ، مُستَعمَلٌ في التَّنبيهِ على تَفاوُتِ المَرتَبتَيْنِ. وقيلَ: الاستِفهامُ لِلتَّقريرِ، كما يُقَرِّرُ المُناظِرُ خَصمَه على وَجهَيْنِ، أحَدُهما فاسِدٌ، يَرجو أنْ يَقَعَ في الفاسِدِ فيَتَّضِحَ جَهلُه [700] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/309)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/304)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/569). .
- وأيضًا قولُه: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَفريعٌ على الوَعيدِ في قَولِه: لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا؛ لِبَيانِ أنَّ الوَعيدَ بنارِ جَهنَّمَ تَعريضٌ بالمُشرِكينَ بأنَّهم صائِرونَ إلى النَّارِ، وبالمُؤمِنينَ بأنَّهم آمِنونَ مِن ذلك [701] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/304). .
- ونُبِّهَ بقَولِه: يُلْقَى فِي النَّارِ على مُستَقَرِّ الآمِنِ، وهو الجَنَّةُ، وبقَولِه: آَمِنًا على خَوفِ الكافِرِ، وطُولِ وَجَلِه [702] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/309). .
- وكُنِّيَ بقَولِه: يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عن أنَّ ذلك الفَريقَ مَصيرُه الجَنَّةُ؛ إذْ لا غايةَ لِلآمِنِ إلَّا أنَّه في نَعيمٍ، وهذه كِنايةٌ تَعريضيَّةٌ بالَّذين يُلحِدونَ في آياتِ اللهِ [703] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/304). .
- قولُه: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمَّا تَقدَّمَ ذِكرُ الإلحادِ، ناسَبَ أنْ يَتَّصِلَ به مِنَ التَّقريرِ مَنِ اتَّصَفَ به، ولم يَكُنِ التَّركيبُ: أمْ مَنْ يَأتي آمِنًا يَومَ القيامةِ كمَن يُلقَى في النَّارِ، كما قَدَّمَ ما يُشبِهُه في قَولِه: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [الرعد: 19]، وكما جاء في سُورةِ (القِتالِ): أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ [704] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/309). [محمد: 14].
- وفي قولِه: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قابَلَ الإلقاءَ في النَّارِ بالإتيانِ آمِنًا؛ مُبالَغةً في إحمادِ حالِ المُؤمِنينَ [705] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/72). .
- وأيضًا قولُه: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... الآيةَ، مِن الاحتِباكِ [706]  الاحتِباكُ: هو الحذفُ مِن الأوائلِ لدَلالةِ الأواخِرِ، والحذفُ مِن الأواخرِ لدَلالةِ الأوائلِ، إذا اجتمَع الحَذفانِ معًا، وله في القرآنِ نظائرُ، وهو مِن إبداعاتِ القرآنِ وعناصرِ إعجازِه، وهو مِن ألطفِ الأنواعِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/204)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (1/347). ، حيثُ حُذِفَ مُقابِلُ: (مَن يُلقى في النَّارِ) وهو: مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ، وحُذِفَ مُقابِلُ: مَنْ يَأْتِي آَمِنًا وهو: مَن يأتي خائِفًا، وهم أهلُ النَّارِ؛ فذكَرَ الإلقاءَ في النَّارِ أوَّلًا دَليلًا على دُخولِ الجنَّةِ ثانيًا، والأمْنَ ثانيًا دليلًا على الخَوفِ أوَّلًا، وسِرُّه: أنَّه ذكَرَ المقصودَ بالذَّاتِ -وهو ما وقَعَ الخوفُ لأجْلِه- أوَّلًا، والأمْنَ -الَّذي هو العَيشُ في الحقيقةِ- ثانيًا [707] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/199)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/304، 305). .
- وجُملةُ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تَذييلٌ لِجُملةِ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ... إلخ، كما دَلَّ عليه قَولُه عَقِبَه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ [فصلت: 41] الآيةَ، أيْ: لا يَخفى علينا إلْحادُهم ولا غَيرُه مِن سَيِّئِ أعمالِهم، وإنَّما خُصَّ الإلحادُ بالذِّكرِ ابتِداءً؛ لِأنَّه أشنَعُ أعمالِهم، ومَصدَرُ أسوائِها [708] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/305). .
- والأمْرُ في قَولِه: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ مُستَعمَلٌ في التَّهديدِ والوَعيدِ، أو في الإغراءِ المُكَنَّى به عنِ التَّهديدِ، وجُملةُ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَعيدٌ بالعِقابِ على أعمالِهم على وَجهِ الكِنايةِ أيضًا، وتَوكيدُه بحَرفِ (إنَّ)؛ لِتَحقيقِ مَعنَيَيْه الكِنائيِّ والصَّريحِ، وهو تَحقيقُ إحاطةِ عِلْمِ اللهِ بأعمالِهم؛ لِأنَّهم كانوا شَاكِّينَ في ذلك [709] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/72)، ((تفسير أبي حيان)) (9/309)، ((تفسير أبي السعود)) (8/15)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/305)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/569). .
- قولُه: إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، قدَّم أعمالَهم؛ تنبيهًا على الاهتمامِ بشأنِها جدًّا [710] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/200). .
2- قولُه تعالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ هو مِن ذِكرِ الخاصِّ بَعدَ العامِّ -فإلحادُهم في آياتِ القُرآنِ داخلٌ في عمومِ الإلحادِ في آياتِ اللهِ-؛ وذلك لِلتَّنويهِ بخِصالِ القُرآنِ، وأنَّه ليس بعُرضةٍ لِأنْ يُكفَرَ به، بلْ هو جَديرٌ بأنْ يُتَقبَّلَ بالاقتِداءِ والاهتِداءِ بهَدْيِه؛ فلِهذه الجُملةِ اتِّصالٌ في المَعنى بجُملةِ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا [فصلت: 40]، واتِّصالٌ في المَوقِعِ بجُملةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [711] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/305). [فصلت: 40].
- قولُه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ بَدَلٌ مِن قَولِه: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا [فصلت: 40]، وفي هذا الإبدالِ الإشعارُ بتَغليظِ مَن تَأوَّلَ القُرآنَ بالرَّأيِ الباطِلِ والهَوى الزَّائِغِ، وتَعظيمٌ لِشَأنِ القُرآنِ المَجيدِ، ونَعْيٌ على المُتَقاعِدينَ عنه، وتَسليةٌ لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن مَطاعِنِ القَومِ فيه؛ وذلك أنَّه تعالَى لَمَّا افتَتَحَ السُّورةَ بذِكرِ القُرآنِ المَجيدِ، وأنَّه آيةٌ عَظيمةٌ قاهِرةٌ، وعَقَّبَه بما بَيَّنَ عَجزَهم عنِ المُعارَضةِ بتِلكَ الشُّبهةِ الرَّكيكةِ؛ وهي أنَّ الرِّسالةَ مُنحَصِرةٌ على المَلائِكةِ لا تَتعدَّى إلى البَشَرِ، وذَكَر طَعنَهم فيه وقَولَهم: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: 26]، وذَيَّلَ المَعنى بوُجوهٍ مِنَ الاستِطراداتِ المُناسِبةِ؛ أتَى بنَوعٍ مِن مَطاعِنِهم، وهو الإلحادُ فيه؛ تَقريرًا لِلعَجزِ والانخِذالِ، وبَيانًا لِتَبكيتِهم عنِ الحُجَّةِ القاهِرةِ، وما يدُلُّ على أنَّ الإبدالَ لِلتَّعظيمِ وَضعُ قَولِه: بِالذِّكْرِ مَوضِعَ فِي آَيَاتِنَا وَضْعًا لِلمُظهَرِ مَوضِعَ المُضمَرِ مِن غَيرِ لَفظِه السَّابِقِ، وجَعلُه عِلَّةً لابتِناءِ أوصافِ الكَمالِ عليه وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ... إلى آخِرهِ [712] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/201)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/613). .
- وقيل: الأظهَرُ أنْ تَكونَ جُملةُ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ... إلخ واقِعةً مَوقِعَ التَّعليلِ لِلتَّهديدِ بالوَعيدِ في قَولِه: لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا [فصلت: 40]، والمَعنى: لِأنَّهم جَديرونَ بالعُقوبةِ؛ إذْ كَفَروا بالآياتِ، وهيَ آيةُ القُرآنِ المُؤَيَّدِ بالحَقِّ، وبشَهادةِ ما أُوصيَ إلى الرُّسُلِ مِن قَولِه. ومَوقِعُ (إِنَّ) مَوقِعُ فاءِ التَّعليلِ، وخَبَرُ (إِنَّ) مَحذوفٌ، دَلَّ عليه سِياقُ الكَلامِ، والأحسَنُ أنْ يَكونَ تَقديرُه بما تدُلُّ عليه جُملةُ الحالِ مِن جَلالةِ الذِّكرِ ونَفاسَتِه؛ فيَكونَ التَّقديرُ: خَسِروا الدُّنيا والآخِرةَ، أو سَفِهوا أنْفُسَهم، أو نَحوَ ذلك مِمَّا تَذهَبُ إليه نَفْسُ السَّامِعِ البَليغِ؛ ففي هذا الحَذفِ تَوفيرٌ للمَعاني، وإيجازٌ في اللَّفظِ يَقومُ مَقامَ عِدَّةِ جُمَلٍ، وحَذفُ خَبَرِ (إنَّ) -إذا دَلَّ عليه دَليلٌ- وارِدٌ في الكَلامِ [713] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/307). .
- وجملةُ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ جُملةٌ حاليَّةٌ مُفيدةٌ لِغايةِ شَناعةِ الكُفرِ بهِ [714] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/15، 16). .
- قولُه: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ أيْ: لا يَتطَرَّقُ إليه الباطِلُ مِن جِهةٍ مِنَ الجِهاتِ، وهي صِفةٌ أُخرى لِـ (كِتابٌ)، وقولُه تعالَى: تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ خَبرٌ لِمُبتَدأٍ مَحذوفٍ، أو صِفةٌ أُخرى لِـ (كِتابٌ) مُفيدةٌ لِفَخامَتِه الإضافيَّةِ، كما أنَّ الصِّفَتَيْنِ السَّابِقتَيْنِ مُفيدَتانِ لِفَخامَتِه الذَّاتيَّةِ، وقولُه تعالَى: لَا يَأْتِيهِ ... إلخ، اعتِراضٌ عِندَ مَن لا يُجَوِّزُ تَقديمَ غَيرِ الصَّريحِ مِنَ الصِّفاتِ على الصَّريحِ، كُلُّ ذلك لِتَأكيدِ بُطلانِ الكُفرِ بالقُرآنِ [715] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/16). .
- وقَولُه: تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ تَعليلٌ لاتِّصافِ الكِتابِ بالوَصفَيْنِ؛ فكَونُه حَكيمًا مُوجِبٌ لِأنْ يَكونَ مُنَزِّلُه مُحكِمًا مُتقِنًا رَصينًا يَغلِبُ ولا يُغلَبُ؛ فيَكونَ عَزيزًا، وكَونُه حَميدًا يَستَدعي أنْ يَكونَ كَلامُه حَقًّا لا باطِلًا عَبَثًا، يَهدي النَّاسَ إلى النِّعمةِ العُظمى [716] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/613، 614). .
- وكذلك في قَولِه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ أُجريَ على القُرآنِ سِتَّةُ أوصافٍ، ما منها واحِدٌ إلَّا وهو كَمالٌ عَظيمٌ: الوَصفُ الأوَّلُ: أنَّه ذِكرٌ، أيْ: يُذَكِّرُ النَّاسَ كُلَّهم بما يَغفُلونَ عنه مِمَّا في الغَفلةِ عنه فَواتُ فَوزِهم. الوَصفُ الثَّاني مِن مَعنى الذِّكرِ: أنَّه ذِكرٌ لِلعَرَبِ، وسُمعةٌ حَسَنةٌ لهم بيْنَ الأُمَمِ، يُخَلِّدُ لهم مَفخَرةً عَظيمةً. الوَصفُ الثَّالثُ: أنَّه كِتابٌ عَزيزٌ، والعَزيزُ: النَّفيسُ، وأصلُه مِنَ العِزَّةِ، وهي المَنَعةُ؛ لِأنَّ الشَّيءَ النَّفيسَ يُدافَعُ عنه ويُحمى عنِ النَّبذِ؛ فإنَّه بَيِّنُ الإتْقانِ وعُلُوِّ المَعاني ووُضوحِ الحُجَّةِ، ومِثلُ ذلك يَكونُ عَزيزًا، والعَزيزُ أيضًا: الَّذي يَغلِبُ ولا يُغلَبُ، وكذلك حُجَجُ القُرآنِ. الوَصفُ الرَّابِعُ: أنَّه لا يَتطَرَّقُه الباطِلُ، ولا يُخالِطُه صَريحُه ولا ضِمْنيُّه، أيْ: لا يَشتَمِلُ على الباطِلِ بحالٍ، فمُثِّل ذلك بـ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، والمَقصودُ استيعابُ الجِهاتِ تَمثيلًا لِحالِ انتِفاءِ الباطِلِ عنه في ظاهِرِه وفي تَأويلِه بحالِ طَردِ المُهاجِمِ لِيَضُرَّ بشَخصٍ يَأتيه مِن بَينِ يَدَيْه؛ فإنْ صَدَّه خدَعه فأتاهُ مِن خَلفِه، فمَعنى: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ لا يُوجَدُ فيه، ولا يُداخِلُه، وليس المُرادُ أنَّه لا يُدعَى عليه الباطِلُ. الوَصفُ الخامِسُ: أنَّه مُشتَمِلٌ على الحِكمةِ، وهي المَعرِفةُ الحَقيقيَّةُ؛ لِأنَّه تَنزيلٌ مِن حَكيمٍ، ولا يَصدُرُ عنِ الحَكيمِ إلَّا الحِكمةُ؛ فإنَّ كَلامَ الحَكيمِ يأتي مُحكَمًا مُتقَنًا رَصينًا لا يَشوبُه الباطِلُ. الوَصفُ السَّادِسُ: أنَّه تَنزيلٌ مِن حَميدٍ، والحميدُ هو المَحمودُ حمْدًا كَثيرًا، أي: مُستحِقُّ الحمْدِ الكثيرِ، فالكَلامُ المُنَزَّلُ منه يَستَحِقُّ الحَمدَ، وإنَّما يُحمَدُ الكَلامُ إذْ يَكونُ دَليلًا لِلخَيراتِ، وسائِقًا إليها، لا مَطعَنَ في لَفظِه ولا في مَعناه، فيَحمَدُه سامِعُه كَثيرًا؛ لِأنَّه يَجِدُه مَجلَبةً لِلخَيرِ الكَثيرِ، ويَحمَدُ قائِلَه لا مَحالةَ، خِلافًا لِلمُشرِكينَ. وفي إجْراءِ هذه الأوصافِ إيماءٌ إلى حَماقةِ الَّذين كَفَروا بهذا القُرآنِ، وسَفاهةِ آرائِهم؛ إذْ فَرَّطوا فيه ففَرَّطوا في أسبابِ فَوزِهم في الدُّنيا وفي الآخِرةِ؛ ولذلك جِيءَ بجُملةِ الحالِ مِنَ الكِتابِ عَقِبَ ذِكرِ تَكذيبِهم إيَّاهُ، فقالَ: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ الآياتِ [717] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/308، 309). .
3- قولُه تعالَى: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ
- قولُه: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ استِئنافٌ بَيانيٌّ جَوابٌ لِسُؤالٍ يُثيرُه قَولُه: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا [فصلت: 40]، وقَولُه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ [فصلت: 41]، وما تَخَلَّلَ ذلك مِنَ الأوصافِ، فيَقولُ سائِلٌ: فما بالُ هؤلاء طَعَنوا فيه؟ فأُجِيبَ بأنَّ هذه سُنَّةُ الأنبياءِ معَ أُمَمِهم؛ لا يُعدَمونَ مُعانِدينَ جاحِدينَ يَكفُرونَ بما جاؤوا به، وهذا تَسليةٌ لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بطَريقِ الكِنايةِ، وأمْرٌ له بالصَّبرِ على ذلك كما صَبَر مَن قَبْلَه مِنَ الرُّسُلِ بطَريقِ التَّعريضِ [718] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/16)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/309، 310)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/570). .
- قولُه: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ لِهذا الكَلامِ تَفسيرانِ؛ أحَدُهما: أنَّ ما يَقولُه المُشرِكونَ في القُرآنِ والنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو دَأبُ أمثالِهمُ المُعانِدينَ مِن قَبلِهم، فمَاصَدَقَ [719] الماصَدَق -عند المناطقةِ-: الأفرادُ الَّتي يتحقَّقُ فيها معنى الكلِّيِّ، ويقابلُه: المفهومُ، وهو: مجموعُ الصِّفاتِ والخصائصِ الموضحةِ لمعنًى كلِّيٍّ. يُنظر: ((المعجم الوسيط)) (1/511) و(2/ 704). ويُنظر أيضًا: ((ضوابط المعرفة)) لحبنكة (ص: 45، 46). مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ هو مَقالاتُ الَّذين كَذَّبوهم، أيْ: تَشابَهَتْ قُلوبُ المُكَذِّبينَ فكانَتْ مَقالاتُهم مُتَماثِلةً. التَّفسيرُ الثَّاني: ما قُلْنا لكَ إلَّا ما قُلْناه لِلرُّسُلِ مِن قَبلِكَ، فأنتَ لم تَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، فيَكونَ لِقَومِكَ بَعضُ العُذرِ في التَّكذيبِ، ولكِنَّهم كَذَّبوا كما كَذَّبَ الَّذين مِن قَبلِهم، فمَاصَدَقَ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ هو الدِّينُ والوَحيُ، وكِلا المَعنَيَيْنِ وارِدٌ في القُرآنِ؛ فيُحمَلُ الكَلامُ على كِلَيْهما، وفي التَّعبيرِ بـ (مَا) المَوصولةِ، وفي حَذفِ فاعِلِ القَولَيْنِ في قَولِه: مَا يُقَالُ وقَولِه: مَا قَدْ قِيلَ؛ نَظمٌ مَتينٌ حَمَّلَ الكَلامَ هذَيْنِ المَعنَيَيْنِ العَظيمَيْنِ [720] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/310). .
- واجتِلابُ المُضارِعِ يُقَالُ؛ لِإفادةِ تَجَدُّدِ هذا القَولِ منهم، وعَدَمِ ارعِوائِهم عنه، مع ظُهورِ ما شَأنُه أنْ يَصُدَّهم عن ذلك، واقتِرانُ الفِعلِ بـ (قَدْ)؛ لِتَحقيقِ أنَّه قد قيلَ لِلرُّسُلِ مِثلُ ما قالَ المُشرِكونَ لِلرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فهو تَأكيدٌ لِلازِمِ الخَبَرِ، وهو لُزومُ الصَّبرِ على قَولِهم، وهو مَنظورٌ فيه إلى حالِ المَردودِ عليهم؛ إذْ حَسِبوا أنَّهم جابَهوا الرَّسولَ بما لم يَخطُرْ بِبالِ غَيرِهم [721] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/310). .
- وفي قَولِه: إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ تَشبيهٌ بَليغٌ، والمَعنى: إلَّا مِثلُ ما قد قيلَ لِلرُّسُلِ [722] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/310). .
- وقولُه: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ تَسليةٌ لِلرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ووَعدٌ بأنَّ اللهَ يَغفِرُ له، كما أنَّ فيه تَهديدًا بالعِقابِ لِلمُكَذِّبينَ، ووُقوعُ هذا الخَبَرِ عَقِبَ قَولِه: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ يُومئُ إلى أنَّ هذا الوَعدَ جَزاءٌ على ما لَقيَه مِنَ الأذَى في ذاتِ اللهِ، وأنَّ الوَعيدَ لِلَّذينَ آذَوْه، وحَرفُ (إِنَّ) فيه لِإفادةِ التَّعليلِ والتَّسَبُّبِ، لا لِلتَّأكيدِ [723] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/311). .
- قولُه: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ فيه التَّرجِئةُ بالغُفرانِ، والزَّجْرُ بالعِقابِ، وهو وَعظٌ وتَهديدٌ [724] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/311). .
- وكَلِمةُ (ذو) مُؤذِنةٌ بأنَّ المَغفِرةَ والعِقابَ كِلَيْهما مِن شَأنِه تَعالى، وهو يَضَعُهما بحِكمَتِه في المَواضِعِ المُستَحَقَّةِ لِكُلٍّ منهما [725] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/311). .
- ووَصْفُ العِقابِ بأنَّه أليمٌ دُونَ وَصفٍ آخَرَ؛ لِلإشارةِ إلى أنَّه مُناسِبٌ لِمَا عُوقِبوا لِأجْلِه؛ فإنَّهم آلَموا نَفْسَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما عَصَوْا وآذَوْا [726] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/311). .
- في قَولِه: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ مُحَسِّنُ الجَمْعِ ثم التَّقسيمِ؛ فقَولُه: مَا يُقَالُ لَكَ يَجمَعُ قائِلًا ومَقولًا له، فكانَ الإيماءُ بوَصْفِ (ذو مَغفِرةٍ) إلى المَقولِ له، ووَصْفِ (ذو عِقابٍ أليمٍ) إلى القائِلينَ، وهو جارٍ على طَريقةِ اللَّفِّ والنَّشرِ المَعكوسِ [727] اللَّف والنَّشْر: هو ذِكرُ شَيئَينِ أو أشياءَ، إمَّا تفصيلًا -بالنصِّ على كلِّ واحدٍ-، أو إجمالًا -بأن يُؤتَى بلفظٍ يَشتملُ على متعدِّدٍ- ثم يذكرُ أشياءَ على عدَدِ ذلك، كلُّ واحدٍ يرجِعُ إلى واحدٍ مِن المتقدِّم، ويُفوَّضُ إلى عقلِ السامعِ ردُّ كلِّ واحدٍ إلى ما يَليقُ به؛ فاللَّفُّ يُشارُ به إلى المتعدِّدِ الذي يُؤتَى به أوَّلًا، والنشرُ يُشارُ به إلى المتعدِّدِ اللَّاحقِ الذي يتعلَّقُ كلُّ واحدٍ منه بواحدٍ مِن السَّابقِ دونَ تعيينٍ. مِثل قولِه تعالى: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى [البقرة: 111]، أي: وقالت اليهودُ: لن يدخُلَ الجنةَ إلَّا اليهودُ، وقالت النَّصارى: لن يدخُلَ الجنةَ إلَّا النَّصارى، وهذا لفٌّ ونَشْر إجمالي. واللَّفُّ المُفصَّل يأتي النشرُ اللَّاحقُ له على وجهَيْن؛ الوجهُ الأوَّل: أنْ يأتيَ النَّشرُ على وَفْقِ ترتيبِ اللَّف، ويُسَمَّى «اللَّفَّ والنشر المرتَّبَ». الوجه الآخَر: أنْ يأتيَ النَّشرُ على غيرِ تَرتيبِ اللَّفِّ، ويُسمَّى «اللَّفَّ والنشرَ غيرَ المُرتَّبِ»، وقد يُعَبَّرُ عنه بـ «اللَّف والنَّشر المُشَوَّش»، أو «المعكوس». يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 425)، ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/320)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/403). ، وقَرينةُ المَقامِ تَرُدُّ كُلًّا إلى مُناسِبِه [728] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/311). .
4- قولُه تعالَى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ
- اتِّصالُ نظْمِ الكلامِ مِن أوَّلِ السُّورةِ إلى هنا وتناسُبِ تَنقُّلاتِه بالتَّفريعِ والبيانِ والاعتراضِ والاستطرادِ يَقتضي أنَّ قولَه: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا... إلى آخِرِه تَنَقُّلٌ في دَرَجِ إثباتِ أنَّ قَصدَ الكافِرينَ العِنادُ فيما يَتَعَلَّلونَ به؛ لِيُواجِهوا إعراضَهم عن القُرآنِ والانتِفاعِ بهَدْيِه بما يَختَلِقونَه عليه مِنَ الطَّعنِ فيه، والتَّكذيبِ به، وتَكَلُّفِ الأعذارِ الباطِلةِ؛ لِيَتَسَتَّروا بذلك مِنَ الظُّهورِ في مَظهَرِ المُنهَزِمِ المَحجوجِ، فأخَذَ يَنقُضُ دَعاويَهم عُرْوةً عُروةً، وإذْ قد كانتِ المُجادَلاتُ مِن أوَّلِ السُّورةِ إلى هنا إبطالًا لِتَعلُّلاتِهم، وكان عِمادُه على أنَّ القُرآنَ عَرَبيٌّ مُفَصَّلُ الدَّلالةِ المَعروفةِ في لُغَتِهم حَسبَما ابتُدِئَ الكَلامُ بقَولِه: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت: 3]، وانتَهى هنا بقَولِه: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: 41، 42]؛ فقد نَهَضتِ الحُجَّةُ عليهم، بدَلالَتِه على صِدقِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن هذه الجِهةِ، فانتَقَلَ إلى حُجَّةٍ أُخرى عِمادُها الفَرضُ والتَّقديرُ أنْ يَكونَ قد جاءَهمُ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقُرآنٍ مِن لُغةٍ أُخرى غَيرِ لُغةِ العَرَبِ؛ ولِذلك فجُملةُ: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا مَعطوفةٌ على جُملةِ: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ [فصلت: 41]. ومَعنى الآيةِ مُتفَرِّعٌ على ما يَتضَمَّنُه قَولُه: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت: 3]، وقَولُه: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف: 110]، مِنَ التَّحدِّي بصِفةِ الأُمِّيَّةِ، أيْ: لو جِئْناهم بلَونٍ آخَرَ مِن مُعجِزةِ الأُمِّيَّةِ، فأنزَلْنا على الرَّسولِ قُرآنًا أعجَميًّا، وليس لِلرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عِلْمٌ بتلك اللُّغةِ مِن قَبلُ؛ لَقَلَبوا مَعاذيرَهم، فقالوا: لَولا بُيِّنَتْ آياتُه بلُغةٍ نَفهَمُها، وكيف يُخاطِبُنا بكَلامٍ أعجَميٍّ؟! فالكَلامُ جارٍ على طَريقةِ الفَرْضِ، كما هو مُقتَضى حَرفِ (لَوْ) الامتِناعيَّةِ. وهذا إبانةٌ على أنَّ هؤلاءِ القَومَ لا تُجْدي معهمُ الحُجَّةُ، ولا يَنقَطِعونَ عنِ المَعاذيرِ؛ لأنَّ جِدالَهم لا يُريدونَ به تَطَلُّبَ الحَقِّ، وما هو إلَّا تَعَنُّتٌ لِتَرويجِ هواهم [729] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/311، 312). .
- وقيل: قولُه: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ كَلامٌ مُستَأنَفٌ مَسوقٌ لِلرَّدِّ على تَساؤُلِهم: هلَّا أُنزِلَ القُرآنُ بلُغةِ العَجَمِ [730] يُنظر: ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/571). ؟
- والاستِفهامُ في قَولِه: أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ إنكاريٌّ مُقرِّرٌ للتَّخصيصِ [731] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/202)، ((تفسير البيضاوي)) (5/73)، ((تفسير أبي حيان)) (9/312)، ((تفسير أبي السعود)) (8/16). .
- وأُفْرِد وَعَرَبِيٌّ على تَأويلِه بجِنسِ السَّامِعِ، والمَعنى: أكِتابٌ أعجميٌّ لِسامِعينَ عَرَبٍ؟! فكانَ حَقُّ (عَرَبيٌّ) أنْ يُجمَعَ، ولكِنَّه أُفرِدَ؛ لِأنَّ مَبنى الإنكارِ على تَنافُرِ حالَتَيِ الكِتابِ والمُرسَلِ إليهم، فاعتُبِرَ فيه الجِنسُ دُونَ أنْ يُنظَرَ إلى إفرادٍ أو جَمْعٍ [732] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/202)، ((تفسير البيضاوي)) (5/73)، ((تفسير أبي حيان)) (9/312، 313)، ((تفسير أبي السعود)) (8/16)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/314)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/572). . وأيضًا في قَولِه: أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ طِباقٌ بَديعٌ [733] الطِّباق: هو الجمعُ بيْنَ مُتضادَّينِ مع مراعاةِ التَّقابُلِ؛ كالبياضِ والسَّوادِ، واللَّيلِ والنَّهارِ، وهو قِسْمانِ: لفظيٌّ، ومعنويٌّ؛ فمِنَ الطِّباقِ اللَّفظيِّ: قولُه تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا [التوبة: 82]؛ طابَقَ بيْن الضَّحِكِ والبكاءِ، والقليلِ والكثيرِ. ومِن الطِّباقِ المعنويِّ: قولُه تعالى: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [يس: 15، 16]؛ معناه: ربُّنا يَعلَمُ إنَّا لَصادِقون. ومنه: طِباقٌ ظاهرٌ، وهو ما كان وجهُ الضِّدِّيَّةِ فيه واضحًا. وطباقٌ خفيٌّ: وهو أن تكونَ الضِّدِّيَّةُ في الصُّورةِ متوهَّمةً، فتَبدو المطابقةُ خفيَّةً لِتَعلُّقِ أحدِ الرُّكنَينِ بما يُقابِلُ الآخَرَ تعلُّقَ السَّببيَّةِ أو اللُّزومِ؛ كقوله تعالى: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا [نوح: 25]؛ فإنَّ إدخالَ النَّارِ يَستلزِمُ الإحراقَ المُضادَّ للإغراقِ. ومنه: قولُه تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة: 179]؛ لأنَّ معنى القِصاصِ القتلُ، فصار القتْلُ سببَ الحياةِ. وهذا مِن أمْلَحِ الطِّباقِ وأخفاهُ. يُنظر: ((تحرير التحبير)) لابن أبي الإصبع (ص: 111)، ((عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح)) للبهاء السبكي (2/225)، ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (3/455 - 457)، ((البلاغة العربية)) لحبنكة (2/377 - 381)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (ص: 567). ، يَحتَمِلُ مَعنَيَيْنِ؛ أوَّلُهما: أنَّ الإنكارَ واقِعٌ على كَونِ القُرآنِ أعجَميًّا والرَّسولِ عَربيًّا. وثانيهما: أنَّ القُرآنَ أعجَميٌّ والمُرسَلَ إليهم أو إليه عَرَبيٌّ [734] يُنظر: ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/572). .
- وياءُ (أعجَميٌّ) في قولِه: أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ لم تُبْنَ الكَلِمةُ عليها، تَقولُ العَرَبُ: رَجُلٌ أعجَمُ، ورَجُلٌ أعجَميٌّ؛ فالياءُ لِلنِّسبةِ الدَّالَّةِ على المُبالَغةِ في الصِّفةِ، نَحوَ: أحمَريٌّ دَوَّاريٌّ، مُبالَغةً في أحمَرَ ودَوَّارٍ [735] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/312)، ((تفسير أبي السعود)) (8/16)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/314). . وحاصِلُ مَعنى الآيةِ أنَّها تُؤذِنُ بكَلامٍ مُقَدَّرٍ داخِلٍ في صِفاتِ الذِّكْرِ، وهو أنَّه بلِسانٍ عَرَبيٍّ بلُغَتِكم؛ إتمامًا لِهَديِكم، فلمْ تُؤمِنوا به وكَفَرتُم وتَعَلَّلتُم بالتَّعلُّلاتِ الباطِلةِ، فلو جَعَلْناه أعجَميًّا لَقُلتُم: هَلَّا بُيِّنتَ آياتُه لنا حتَّى نَفهَمَه [736] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/315). ؟!
- وقولُه: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ جوابٌ تَضمَّنَه قولُه: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [فصلت: 43]، أي: ما يُقالُ مِن الطَّعْنِ في القرآنِ، فجوابُه: أنَّ ذلك الذِّكرَ أو الكِتابَ للَّذين آمَنوا هُدًى وشِفاءٌ، أي: أنَّ تلك الخِصالَ العظيمةَ للقُرآنِ حَرَمَهم كُفْرُهم الانتفاعَ بها، وانتفَعَ بها المؤمِنونَ، فكان لهم هَدْيًا وشِفاءً. وهذا ناظرٌ إلى ما حَكاهُ عنهم مِن قولِهم: قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ [فصلت: 5]، فهو إلزامٌ لهم بحُكْمِهم على أنفُسِهم [737] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/315). .
- وفي قَولِه: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ تَشبيهٌ بَليغٌ؛ جَعَل القُرآنَ نَفْسَ الهُدى ونَفْسَ الشِّفاءِ، يَهديهم إلى سُبُلِ الرَّشادِ، ويَشْفيهم مِن أوْصابِ الجُنونِ والالتياثِ [738] يُنظر: ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/572). .
- وجُملةُ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ ... مَعطوفةٌ على جُملةِ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ؛ فهي مُستَأنَفةٌ استِئنافًا ابتِدائيًّا، أيْ: وأمَّا الَّذين لا يُؤمِنونَ فلا تَتَخلَّلُ آياتُه نُفوسَهم؛ لِأنَّهم كَمَن في آذانِهم وَقْرٌ دُونَ سَماعِه، وهو ما تَقدَّمَ في حِكايةِ قَولِهم: وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ [فصلت: 5]، ولِهذا الاعتِبارِ كان مَعنى الجُملةِ مُتَعلِّقًا بأحوالِ القُرآنِ مع الفَريقِ غَيرِ المُؤمِنِ، مِن غَيرِ تَكَلُّفٍ لِتَقديرِ جَعْلِ الجُملةِ خَبَرًا عنِ القُرآنِ. ويَجوزُ أنْ تَكونَ الجُملةُ خَبَرًا ثانيًا عن ضَميرِ الذِّكرِ، أيْ: القُرآنِ؛ فتَكونَ مِن مَقولِ القَولِ، وكذلك جُملةُ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [739] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/315، 316). .
- والإخبارُ عن القُرآنِ بأنَّه وَقْرٌ وعَمًى تَشْبيهٌ بَليغٌ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو عَدَمُ الانتِفاعِ به مع سَماعِ ألفاظِه [740] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/316). .
- وفي قولِه: وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أخبَرَ أنَّه عَلَيْهِمْ عَمًى يَمنَعُهم مِن إبصارِ حِكمَتِه، والنَّظَرِ في مَعانيهِ، والتَّقريرِ لِآياتِه، وجاءَ بلَفظِ عَلَيْهِمْ الدَّالِّ على استِيلاءِ العَمَى عليهم، وجاءَ في حَقِّ المُؤمِنينَ باللَّامِ الدَّالَّةِ على الاختِصاصِ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [741] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/313). .
- قولُه: وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى يَجوزُ أنْ يَكونَ ضَميرُ (هُوَ) ضَميرَ شَأنٍ؛ تَنبيهًا على فَظاعةِ ضَلالِهم، وجُملةُ عَلَيْهِمْ عَمًى خَبَرَ ضَميرِ الشَّأنِ، أيْ: وأعظَمُ مِنَ الوَقرِ أنَّ علَيهم عَمًى، أيْ: على أبصارِهم عَمًى [742] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/316). .
- وأيضًا قولُه: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى مِن الاحتِباكِ [743]  الاحتِباكُ: هو الحذفُ مِن الأوائلِ لدَلالةِ الأواخِرِ، والحذفُ مِن الأواخرِ لدَلالةِ الأوائلِ، إذا اجتمَع الحَذفانِ معًا، وله في القرآنِ نظائرُ، وهو مِن إبداعاتِ القرآنِ وعناصرِ إعجازِه، وهو مِن ألطفِ الأنواعِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/204)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (1/347). ؛ حيثُ ذكَرَ الهُدى والشِّفاءَ أوَّلًا دَليلًا على الضَّلالِ والدَّاءِ ثانيًا، وذَكَر الوَقْرَ والعَمى ثانيًا دَليلًا على السَّمْعِ والبصائرِ أوَّلًا، وسِرُّ ذلك: أنَّه ذكَرَ أمدَحَ صِفاتِ المؤمنينَ، وأذَمَّ صِفاتِ الكافرينَ؛ لأنَّه لا أحقَرَ مِن أصَمَّ أعْمَى [744] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/207). .
- والإشارةُ في قولِه: أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ إشارةٌ إلى وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ...؛ لِقَصدِ التَّنبيهِ على أنَّ المُشارَ إليهم بَعدَ تلك الأوصافِ أحْرياءُ بما سَيُذكَرُ بَعدَها مِنَ الحُكمِ مِن أجْلِها، وما في أُولَئِكَ مِن مَعنى البُعدِ مع قُربِ العَهدِ بالمُشارِ إليه؛ لِلإيذانِ ببُعدِ مَنزِلَتِه في الشَّرِّ، معَ ما فيه مِن كَمالِ المُناسَبةِ لِلنَّداءِ مِن بَعيدٍ [745] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/17)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/316، 317). .
- وفي قَولِه: يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ تَمثيلٌ لِحالِ إعراضِ الكَافِرينَ عنِ الدَّعوةِ عِندَ سَماعِها، بحالِ مَن يُنادَى مِن مَكانٍ بَعيدٍ لا يَبلُغُ إليه في مِثلِه صَوتُ المُنادي، يَعني: أنَّهم لا يَقبَلونَ الهُدَى، ولا يُرْعُونَه أسماعَهم، فمَثَلُهم في ذلك مَثَلُ مَن يُصَيَّحُ به مِن مَسافةٍ شاطَّةٍ لا يُسمَعُ مِن مِثلِها الصَّوتُ، فلا يَسمَعُ النِّداءَ، وتَقولُ العَرَبُ لِمَن لا يَفهَمُ: أنتَ تُنادَى مِن مَكانٍ بَعيدٍ، أيْ: كأنَّه يُنادَى مِن مَوضِعٍ بَعيدٍ، فهو لا يَسمَعُ النِّداءَ ولا يَفهَمُه [746] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/203)، ((تفسير البيضاوي)) (5/73)، ((تفسير أبي حيان)) (9/313، 314)، ((تفسير أبي السعود)) (8/17)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/316)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/573). .
5- قولُه تعالَى: وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ
- قولُه: وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ كَلامٌ مُستَأنَفٌ؛ مَسوقٌ لِبَيانِ أنَّ الاختِلافَ في شَأنِ الكُتُبِ عادةٌ قَديمةٌ لِلأُمَمِ، غَيرُ مُختَصٍّ بقَومِكَ [747] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/17)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/574). . وهو اعتراضٌ بتَسليةٍ لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على تَكذيبِ المُشرِكينَ وكُفرِهم بالقُرآنِ بأنَّه ليس بأوحَدَ في ذلك؛ فقد أُوتيَ مُوسى التَّوراةَ، فاختَلَف الَّذين دَعاهم في ذلك؛ فمِنهم مَن آمَنَ به، ومنهم مَن كَفَر [748] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/314)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/317). .
- قولُه: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ الكَلِمةُ السَّابِقةُ هي العِدَةُ بالقِيامةِ، وأنَّ الخُصوماتِ تُفصَلُ في ذلك اليَومِ، وهذا إشارةٌ إلى أنَّ هذا القَولَ وارِدٌ على سَبيلِ التَّخَلُّصِ إلى ذِكرِ القِيامةِ، وهو قولُه تعالَى: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ [فصلت: 47]، والتَّسليةِ لِلرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنِ اختِلافِ قَومِه في القُرآنِ، وطَعنِ الطَّاعِنينَ المُتَعنِّتينَ فيه؛ ولذلك أُتيَ بذِكرِ مُوسى عليه السَّلامُ واختِلافِ قَومِه في كِتابِه [749] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/619). .
- التَّعبيرُ عنِ الجَلالةِ بلَفظِ رَبُّكَ في قولِه: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ؛ لِمَا في مَعنى الرَّبِّ مِنَ الرَّأفةِ به، والانتِصارِ له، ولِمَا في الإضافةِ إلى ضَميرِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنَ التَّشريفِ، وكِلا الأمْرَيْنِ تَعزيزٌ لِلتَّسليةِ. ويجوزُ جَعْلُ كَلِمةِ (بَينَ) دالَّةً على أُخرى مُقَدَّرةٍ، على سَبيلِ إيجازِ الحَذفِ، والتَّقديرُ: بيْنَهم وبيْنَ المُؤمِنينَ، أيْ: بما يَظهَرُ به انتِصارُ المُؤمِنينَ؛ فإنَّه يَكثُرُ أنْ يُقالَ: بيْنَ كذا وبيْنَ كذا [750] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/318). .
- وفي قولِه: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ مُناسَبةٌ حسَنةٌ، حيثُ قالَه هنا هكذا، وقاله في سُورةِ (الشُّورى): وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ [الشورى: 14] بزِيادةِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى؛ لِمُوافَقَتِه هناك في (الشُّورَى) لسِياقِ الآيةِ، حيثُ قال في أوَّلِها: وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ، أي: القرآنُ والآياتُ الَّتي أوقعتِ العِلمَ بصِحَّةِ ما جاءَ به النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ و(مِن) لابتداءِ الغايةِ؛ فلمَّا ذَكَر مَبدَأَ كُفرِ الَّذين تَفَرَّقوا في الدِّينِ، وهو مَجِيءُ العِلْمِ بالتَّوحيدِ؛ حَسُنَ ذِكرُ النِّهايةِ الَّتي أُمْهِلوا إليها؛ ليكُونَ محدودًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ، بخِلافِ ما هنا في سُورةِ (فُصِّلت) [751] يُنظر: ((درة التنزيل)) للإسكافي (ص: 1151)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 222)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 506، 507). .
- ومُرِيبٍ تأكيدٌ لمعنَى لَفِي شَكٍّ، والمُريبُ: المُوقِعُ في الرَّيبِ، وهو مرادفُ الشَّكِّ، فوصفُ الشكِّ بالمُريبِ مِن تأكيدِ ماهيَّتِه، ولإفادةِ المبالغةِ، كقولِهم:  شعرٌ شاعرٌ، وليلٌ أليلُ، أو ليلٌ داجٍ [752] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/198) و(24/318). .
6- قولُه تعالَى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ مِن مُكَمِّلاتِ التَّسليةِ، ومِن مُناسَباتِ ذِكرِ الأجَلِ المُسَمَّى، وفيه مَعنى التَّذييلِ؛ لِأنَّ مَنْ في المَوضِعَيْنِ مُفيدةٌ لِلعُمومِ، سَواءٌ اعتُبِرتْ شَرطيَّةً أو مَوصولةً، والمَعنى: أنَّ الإمهالَ إعذارٌ لهم؛ لِيَتَدارَكوا أمْرَهم [753] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/318، 319). .
- وحَرفُ (على) مُؤذِنٌ بمُؤاخَذةٍ، وتَحَمُّلِ أعباءٍ، كما أنَّ اللَّامَ في قَولِه: فَلِنَفْسِهِ مُؤذِنٌ بالعَطاءِ [754] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/319). .
- والخِطابُ في قولِه: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ لِلرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والتَّعبيرُ عنِ الجَلالةِ بلَفظِ رَبُّكَ؛ لِمَا في مَعنى الرَّبِّ مِنَ الرَّأفةِ به، والانتِصارِ له، ولِمَا في الإضافةِ إلى ضَميرِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنَ التَّشريفِ، وكِلا الأمْرَيْنِ تَعزيزٌ لِلتَّسليةِ [755] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/319). .
- وأيضًا قولُه: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ اعتِراضٌ تَذييليٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضمونِ ما قَبْلَه [756] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/17). .
- وجاءت صِيغةُ المُبالَغةِ بِظَلَّامٍ -مع أنَّ نفْيَ المُبالَغةِ لا يَستلزِمُ نفْيَ الفِعلِ مِن أصلِه، والمرادُ بنَفْي المُبالَغةِ هو نفْيُ الظُّلْمِ مِن أصلِه-؛ لكَثرةِ العَبيدِ؛ فاللهُ جلَّ وعلَا نفَى ظُلْمَه للعبيدِ، والعبيدُ في غايةِ الكثرةِ، والظُّلمُ المنفيُّ عنهم تَستلزِمُ كَثْرتُهم كَثْرتَه؛ فناسَب ذلك الإتيانُ بصِيغةِ المُبالَغةِ؛ للدَّلالةِ على كَثرةِ المَنفيِّ التَّابعةِ لكَثرةِ العبيدِ المنفيِّ عنهم الظُّلمُ؛ إذ لو وقَع على كلِّ عبدٍ ظُلمٌ، ولو قليلًا، كان مجموعُ ذلك الظُّلْمِ في غايةِ الكَثرةِ؛ فالمرادُ بذلك نفْيُ أصْلِ الظُّلمِ عن كُلِّ عَبدٍ مِن أولئك العَبيدِ، الَّذين هم في غايةِ الكثرة، سُبحانَه وتعالى عن أنْ يَظلِمَ أحدًا شيئًا [757] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/66)، ((تفسير أبي السعود)) (2/121) و(6/97)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/31-33). .
وقيل: نفْيُ صِيغةِ المُبالَغةِ إذا دلَّتْ أدِلَّةٌ مُنفصِلةٌ على أنَّ المُرادَ به نفْيُ أصْلِ الفِعلِ؛ فلا إشكالَ؛ لقِيامِ الدَّليلِ على المرادِ، والآياتُ الدَّالَّةُ على نفْيِ الظُّلمِ مِن أصلِه عن اللهِ تعالى كثيرةٌ معروفةٌ؛ كقولِه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ... [النساء: 40]، وقولِه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس: 44]، وغيرِ ذلك من الآياتِ. أو يكون المسَوِّغُ لصِيغةِ المُبالَغةِ أنَّ عذابَه تعالَى بالِغٌ مِن العِظَمِ والشِّدَّةِ أنَّه لولا استِحقاقُ المعذَّبِينَ لذلك العذابِ بكُفرِهم ومَعاصيهم لَكان مُعذِّبُهم به ظَلَّامًا بليغَ الظُّلمِ مُتفاقِمَه، سُبحانَه وتعالى عن ذلِك عُلوًّا كَبيرًا. أو يكون المرادُ بالنَّفيِ في قولِه تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ نفْيَ نِسبةِ الظُّلمِ إليه؛ لأنَّ صِيغةَ (فَعَّال) تُستعمَلُ مُرادًا بها النِّسبةُ؛ فتُغْني عن ياءِ النَّسبِ؛ فقولُه تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أي: وما رَبُّكَ بذِي ظُلمٍ للعَبيدِ [758] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/31-33)، ((العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير)) (5/117، 118). . وقيل: صِيغةُ المُبالَغةِ (ظلَّام) تَقْتضي بظاهِرِها نَفْيَ الظُّلمِ الشَّديدِ، والمقصودُ: أنَّ الظُّلمَ مِن حَيثُ هو ظُلْمٌ أمْرٌ شَديدٌ؛ فصِيغَتْ له زِنَةُ المُبالَغةِ [759] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/210). . وقيل غيرُ ذلك [760] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/470، 471). .
- وعبَّر بـ (عبيد) دونَ (عباد)؛ لأنَّه موضعُ إشفاقٍ وإعلامٍ بضَعفٍ وعدَمِ قُدرةٍ على انتصارٍ، و(عباد) يدُلُّ على طاعةٍ وعدمِ حقارةٍ، بل إكرامٍ، هذا أغلبُ الاستعمالِ [761] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/210). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عطية)) (1/461)، ((تفسير أبي حيان)) (3/230). .
وقيل: مدلولُ (عبيد) هو مدلولُ (عباد) سواءٌ، وحَسُنَ مجيءُ (عبيد) هنا لتَواخي الفواصلِ، ألَا ترى أنَّ قبْلَه بَعِيدٍ [فصلت: 44]، وبعدَه: قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ [762] يُنظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/274، 275). [فصلت: 47].