موسوعة التفسير

سورة الزمر
الآيتان (5-6)

ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ

غريب الكلمات:

يُكَوِّرُ: تكويرُ اللَّيلِ على النَّهارِ: تَغشيتُه إيَّاه حتَّى يُذهِبَ ضَوءَه، وتكويرُ النَّهارِ على اللَّيلِ: تَغشيتُه إيَّاه حتَّى يُذهِبَ ظُلمَتَه، والتَّكويرُ في اللُّغةِ: طَرحُ الشَّيءِ بَعضِه على بَعضٍ، يُقالُ: كَوَّرَ المتاعَ، أي: ألقى بعضَه على بعضٍ. وأصلُ (كور): يدُلُّ على لَفٍّ وجَمعٍ [107] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 382)، ((تفسير ابن جرير)) (20/159)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 536)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/146)، ((تفسير القرطبي)) (15/234)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 988). .
وَسَخَّرَ: أي: ذلَّل، والتَّسخيرُ: سياقةٌ إلى الغرضِ المختصِّ قَهْرًا، وأصلُ (سخر): يدُلُّ على استِذلالٍ [108] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/144)، ((المفردات)) للراغب (ص: 402). .

المعنى الإجمالي:

يُبيِّنُ الله سُبحانَه مظاهِرَ وَحدانيَّتِه وقدرتِه، فيُخبِرُ أنَّه خَلَق السَّمَواتِ والأرضَ بالحِكمةِ والصَّوابِ، ولم يَخلُقْهما عَبَثًا ولا باطِلًا، سُبحانَه وتعالى، وأنَّه يُديرُ اللَّيلَ على النَّهارِ حتَّى يَذهَبَ ضَوؤُه، ويُديرُ النَّهارَ على اللَّيلِ حتَّى تَذهبَ ظُلمتُه، وسَخَّر سُبحانَه الشَّمسَ والقَمَرَ، كُلُّ واحدٍ منهما يَسيرُ سَريعًا لِوَقتٍ مَعلومٍ عندَ الله. ألَا إنَّ اللهَ الَّذي خلَقَ هذه المخلوقاتِ وسَخَّرها لعِبادِه هو العزيزُ الغالِبُ، الغَفَّارُ ذُنوبَ عِبادِه.
ثمَّ يقولُ تعالى: خلَقَكم اللهُ -أيُّها النَّاسُ- مِن نَفْسٍ واحِدةٍ، وهي آدَمُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثمَّ خَلَق اللهُ مِن آدَمَ زَوجَتَه، وأنزل لكم مِن الأنعامِ ثمانيةَ أزواجٍ، وهي الذُّكورُ والإناثُ مِن الإبِلِ، والبَقَرِ، والضَّأنِ، والمَعْزِ. يَخلُقُكم اللهُ في بُطونِ أمَّهاتِكم طَورًا بعدَ طَورٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ: ظُلمةِ بَطنِ الأُمِّ، وظُلمةِ الرَّحِمِ، وظُلمةِ المَشِيمةِ، ذلكم الَّذي فعَلَ كُلَّ ما تقدَّمَ هو اللهُ رَبُّكم له وَحْدَه المُلْكُ كُلُّه، لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا هو سُبحانَه، فكيف تَميلونَ عن الحَقِّ؟!

تفسير الآيتين:

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5).
مناسبة الآية لما قبلها:
لَمَّا نزَّه تعالى نفْسَه ووصَف ذاتَه بالوَحدةِ والقَهرِ؛ ذكَر ما دلَّ على ذلك مِن اختراعِ العالَمِ العُلويِّ والسُّفليِّ بالحقِّ، وتكويرِ اللَّيلِ والنهارِ، وتَسخيرِ الشَّمسِ والقَمرِ، وجَريِهما على نِظامٍ واحدٍ، واتِّساقِ أمرِهما على ما أرادَ إلى أجَلٍ مُسمًّى [109] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/184). .
وأيضًا لَمَّا طَعَن تعالى في إلهيَّةِ الأصنامِ؛ ذكَرَ عَقِيبَها الصِّفاتِ الَّتي باعتبارِها تَحصُلُ الإلهيَّةُ [110] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/423). .
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ.
أي: خَلَق اللهُ الواحِدُ القَهَّارُ السَّمَواتِ والأرضَ بالأمرِ الثَّابتِ، وبالحِكمةِ والصَّوابِ والنَّفعِ؛ خَلقًا تامًّا مُتقَنًا، لا خيالَ فيه ولا سِحرَ، ولا اختِلالَ ولا عَيبَ ولا نَقصَ؛ خَلقًا دالًّا على وَحدانيَّتِه وقَهْرِه لكُلِّ شَيءٍ [111] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (15/234)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/452)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/328)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 45-47). قال القرطبي: (أي: هو القادِرُ على الكَمالِ، المُستغني عن الصَّاحِبةِ والوَلَدِ، ومَن كان هكذا فحَقُّه أن يُفرَدَ بالعبادةِ لا أنَّه يُشرَكُ به، ونَبَّه بهذا على أنَّ له أنْ يَتعَبَّدَ العِبادَ بما شاءَ، وقد فعَلَ). ((تفسير القرطبي)) (15/234). .
كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الدخان: 38، 39].
وقال اللهُ سُبحانَه وتعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: 115].
وقال عزَّ وجلَّ: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56].
يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ.
أي: يُغشِي اللَّيلَ النَّهارَ ويُديرُه عليه حتَّى يَذهبَ ضوؤُه، ويُغشِي النَّهارَ اللَّيلَ ويُديرُه عليه حتَّى تَذهبَ ظُلمتُه، وسَخَّرهما يَجْريانِ مُتَعاقِبَيْنِ [112] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/159)، ((تفسير القرطبي)) (15/234، 235)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّة (25/193)، ((تفسير ابن كثير)) (7/86)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/452، 453)، ((تفسير الشوكاني)) (4/516)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/328، 329)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 47، 48). .
كما قال تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا [الأعراف: 54].
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى.
أي: وذلَّل اللهُ الشَّمسَ والقَمَرَ، كلَّ واحِدٍ مِنهما يَسيرُ سَريعًا في مَنازِلِه لِوَقتٍ مَعلومٍ عندَ اللهِ تعالى [113] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/160)، ((تفسير القرطبي)) (15/235)، ((تفسير ابن كثير)) (7/86)، ((تفسير السعدي)) (ص: 719)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/329). قيل: المرادُ بالأجَلِ المُسمَّى: يومُ القيامةِ. وممَّن ذهب إلى هذا القولِ: ابنُ جرير، والقرطبي، والسعدي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/160)، ((تفسير القرطبي)) (15/235)، ((تفسير السعدي)) (ص: 719)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/329). قال ابن الجوزي: (لِأَجَلٍ مُسَمًّى أي: إلى الأجَلِ الَّذي وقَّت اللهُ للدُّنيا). ((تفسير ابن الجوزي)) (4/8). وقيل: الأجَلُ المُسمَّى هو: الوَقتُ الَّذي ينتهي فيه سَيرُ الشَّمسِ والقَمَرِ إلى المنازِلِ المُرتَّبةِ لِغُروبِها وطُلوعِها. وممَّن ذهب إلى ذلك: الكَلْبيُّ، ويُروى عن ابنِ عبَّاسٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/161)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (10/6298)، ((البسيط)) للواحدي (12/285)، ((تفسير القرطبي)) (15/235). .
أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ.
أي: ألَا إنَّ اللهَ الَّذي خَلَق هذه المخلوقاتِ وسَخَّرها لعِبادِه: هو شديدُ القوَّةِ، الغالِبُ الَّذي لا يُغلَبُ، المُمتَنِعُ عليه كُلُّ عَيبٍ ونَقصٍ؛ الغَفَّارُ الَّذي يَستُرُ ذُنوبَ عِبادِه، ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها [114] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/160)، ((تفسير القرطبي)) (15/235)، ((تفسير ابن كثير)) (7/86)، ((تفسير السعدي)) (ص: 719)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 49، 50). .
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6).
مناسبة الآية لما قبلها:
أتْبَعَ اللهُ تعالى ذِكرَ الدَّلائِلِ الفَلَكيَّةِ بذِكرِ الدَّلائِلِ المأخوذةِ مِن هذا العالَمِ الأسفَلِ؛ فبدأ بذِكرِ الإنسانِ [115] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/423). ، فقال تعالى:
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
أي: خلَقَكم اللهُ -أيُّها النَّاسُ [116] ممَّن اختار أنَّ الخِطابَ هنا للنَّاسِ: ابنُ جرير، وهو ظاهرُ اختيارِ ابنِ كثير، واختاره ابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/161)، ((تفسير ابن كثير)) (7/86)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 54). وقيل: الخِطابُ للَّذِين يَدْعونَ آلهةً غيرَ اللهِ. وممَّن قال بهذا: البِقاعي. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/455). - مِن نَفْسٍ واحِدةٍ، وهي آدَمُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ [117] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/161)، ((تفسير ابن كثير)) (7/86)، ((تفسير السعدي)) (ص: 719). .
كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [الأنعام: 98].
ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا.
أي: ثمَّ خَلَق اللهُ مِن آدَمَ زَوجتَه [118] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/161)، ((بيان تلبيس الجهمية)) لابن تيمية (3/165)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/242)، ((تفسير ابن كثير)) (7/86)، ((تفسير السعدي)) (ص: 719)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/354)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 54-56). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء: 1].
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((استَوصوا بالنِّساءِ؛ فإنَّ المرأةَ خُلِقَت مِن ضِلَعٍ، وإنَّ أعْوَجَ شَيءٍ في الضِّلَعِ أعلاه، فإنْ ذهَبْتَ تُقيمُه كسَرْتَه، وإنْ ترَكْتَه لم يَزَلْ أعوَجَ؛ فاستَوصوا بالنِّساءِ )) [119] رواه البخاريُّ (3331) واللَّفظُ له، ومسلمٌ (1468). .
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ.
مناسبتها لما قبلها:
لَمَّا ذكَرَ الاستِدلالَ بخَلْقِه الإنسانَ على وُجودِ الصَّانعِ؛ ذكر عَقِيبَه الاستِدلالَ بوُجودِ الحَيوانِ عليه [120] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/424). .
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ.
أي: وأنزَلَ اللهُ لكم مِنَ الأنعامِ ثمانيةَ أزواجٍ، وهي الذُّكورُ والإناثُ مِن الإبِلِ، والبَقَرِ، والضَّأنِ، والمَعْزِ [121] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/162)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/345)، ((تفسير الماوردي)) (5/115)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 929)، ((تفسير ابن عطية)) (4/520)، ((تفسير الرازي)) (26/424)، ((تفسير الشوكاني)) (4/517). .
كما قال تعالى: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ [الأنعام: 143، 144].
يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ.
مناسبتها لما قبلها:
لَمَّا ذكَرَ خَلْقَ أبينا وأُمِّنا؛ ذكرَ ابتِداءَ خَلْقِنا [122] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 719). .
يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ.
أي: يَخلُقُكم اللهُ -أيُّها النَّاسُ [123] قيل: المرادُ: خَلقُ النَّاسِ. وممَّن نصَّ على ذلك: ابنُ جرير، وهو ظاهرُ اختيارِ ابنِ كثيرٍ، والشوكاني، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/163)، ((تفسير ابن كثير)) (7/86)، ((تفسير الشوكاني)) (4/517)، ((تفسير السعدي)) (ص: 719). وقيل: المرادُ: خَلْقُ النَّاسِ والأنعامِ. وممَّن ذهب إليه: البيضاوي، والبِقاعي، والشربيني. يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/37)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/457)، ((تفسير الشربيني)) (3/433). وقال النيسابوري: (والمقصودُ ذِكرُ تَخليقِ الحيوانِ على الإطلاقِ بعدَ ذِكرِ تخليقِ الإنسانِ والأنعامِ، إلَّا أنَّه غَلَّب أُولِي العَقلِ؛ لِشَرَفِهم). ((تفسير النيسابوري)) (5/615). - في بُطونِ أُمَّهاتِكم طَورًا بعدَ طَورٍ [124] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/163، 165)، ((تفسير الزمخشري)) (4/114)، ((تفسير ابن كثير)) (7/86)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/457)، ((تفسير السعدي)) (ص: 719)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 57). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: 12 - 14].
وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: حدَّثَنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو الصَّادِقُ المصدوقُ، قال: ((إنَّ أحَدَكم يُجمَعُ خَلْقُه في بَطنِ أمِّه أربعينَ يَومًا، ثمَّ يَكونُ عَلَقةً مِثلَ ذلك، ثمَّ يَكونُ مُضغةً مِثلَ ذلك )) [125] رواه البخاري (3208) واللَّفظُ له، ومسلمٌ (2643). .
فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ.
أي: يَخلُقُكم اللهُ في ظُلمةِ بَطنِ الأمِّ، وظُلمةِ الرَّحِمِ، وظُلمةِ المَشِيمةِ [126] قال ابن عاشور: (هي غِشاءٌ مِن جِلدٍ يُخلَقُ مع الجنينِ مُحيطًا به؛ لِيَقيَه ولِيَكونَ به استِقلالُه مِمَّا يَنجَرُّ إليه مِن الأغذيةِ في دَورتِه الدَّمَويَّةِ الخاصَّةِ به دونَ أمِّه). ((تفسير ابن عاشور)) (23/334). الَّتي تكونُ على الجَنينِ [127] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/165)، ((تفسير القرطبي)) (15/236)، ((تحفة المودود)) لابن القيم (ص: 249)، ((تفسير ابن كثير)) (7/86)، ((تفسير السعدي)) (ص: 719)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/334)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/270)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/509، 510). .
كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ [آل عمران: 5، 6].
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ.
أي: ذلكم العَليُّ العَظيمُ الَّذي فَعَل كُلَّ ما تقَدَّم ذِكرُه: اللهُ المتَّصِفُ بصِفاتِ الكَمالِ، رَبُّكم الخالِقُ الرَّازِقُ المدَبِّرُ، له وَحْدَه مُلْكُ كُلِّ شَيءٍ، والمتصَرِّفُ وحْدَه في كُلِّ شَيءٍ كما يَشاءُ سُبحانَه [128] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/167)، ((تفسير القرطبي)) (15/236)، ((تفسير ابن كثير)) (7/86)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/458)، ((تفسير السعدي)) (ص: 719)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/335، 336)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 59). .
كما قال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: 26، 27].
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
أي: لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا هو وَحْدَه لا شَريكَ له، ولا تَنبغي العبادةُ لِغَيرِه [129] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/167)، ((تفسير ابن كثير)) (7/86، 87)، ((تفسير السعدي)) (ص: 719)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 59-61). .
فَأَنَّى تُصْرَفُونَ.
أي: فمِن أيِّ جِهةٍ تَضِلُّونَ عن الحَقِّ؟! وكيف يَصرِفُكم صارِفٌ عنه بعدَ هذا البيانِ وتلك الدَّلائِلِ الوَاضِحةِ [130] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/167)، ((تفسير ابن عطية)) (4/520)، ((تفسير القرطبي)) (15/236)، ((تفسير ابن كثير)) (7/87)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/459)، ((تفسير السعدي)) (ص: 719)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/336، 337)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 61). ؟!

الفوائد التربوية:

1- قال الله عزَّ وجَلَّ: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ في قَولِه تعالى: أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ بعدَ ذِكرِ الأنواعِ الثَّلاثةِ مِن الدَّلائِلِ الفَلَكيَّةِ: أنَّ خَلْقَ هذه الأجرامِ العَظيمةِ وإن دَلَّ على كَونِه عَزيزًا -أي: كامِلَ القُدرةِ- إلَّا أنَّه غَفَّارٌ عَظيمُ الرَّحمةِ والفَضلِ والإحسانِ؛ فإنَّه لَمَّا كان الإخبارُ عن كَونِه عَظيمَ القُدرةِ يُوجِبُ الخَوفَ والرَّهبةَ، فكَونُه غَفَّارًا يُوجِبُ كَثرةَ الرَّحمةِ، وكَثرةُ الرَّحمةِ تُوجِبُ الرَّجاءَ والرَّغبةَ [131] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/423). .
2- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ في وَصفِ   الْغَفَّارُ مُناسَبةٌ لذِكرِ الأجَلِ؛ لأنَّ المَغفِرةَ يَظهَرُ أثَرُها بعدَ البَعثِ الَّذي يكونُ بعدَ الموتِ وانتِهاءِ الأجَلِ؛ تحريضًا على البِدارِ بالتَّوبةِ قبْلَ الموتِ حينَ يَفوتُ التَّدارُكُ [132] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/330). .

الفوائد العلمية واللطائف:

1- في قَولِه تعالى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ إثباتُ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرضِ، وهذه الفائدةُ يَترتَّبُ عليها: الرَّدُّ على الطَّبائِعيِّينَ والفلاسِفةِ الَّذين يَقولونَ بقِدَمِ العالَمِ، وأنَّ العالَمَ أزَليٌّ، وأنَّ هذه السَّمَواتِ ليس لها أوَّلُ، بل هي مَوجودةٌ في الأزَلِ! فهذه الآيةَ تَرُدُّ عليهم؛ لأنَّه تعالى يَقولُ: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ أي: أوجَدَها بعدَ العَدَمِ [133] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 50). .
2- قَولُه تعالى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ فيه إثباتُ كُرَويَّةِ الأرضِ، ومَعلومٌ أنَّ الليلَ والنَّهارَ يَتعاقَبانِ على الأرضِ؛ فإذا كان سَيرُهما تَكويرًا دلَّ على أنَّ الأرضَ كُرَويَّةٌ [134] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 50). قال ابنُ حزمٍ: (إنَّ أحدًا مِن أئمَّةِ المُسلِمينَ المُستَحِقِّينَ لاسمِ الإمامةِ بالعِلمِ رَضِيَ اللهُ عنهم: لم يُنكِروا تكويرَ الأرضِ، ولا يُحفَظُ لأحَدٍ منهم في دَفْعِه كَلِمةٌ، بل البراهينُ مِن القُرآنِ والسُّنَّةِ قد جاءت بتكويرِها؛ قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر: 5]، وهذا أوضَحُ بَيانٍ في تكويرِ بَعضِها على بَعضٍ، مأخوذٌ مِن كَورِ العِمامةِ، وهو: إدارتُها، وهذا نَصٌّ على تكويرِ الأرضِ ودَوَرانِ الشَّمسِ كذلك). ((الفِصَل في المِلَل والأهواء والنِّحَل)) (2/78). .
3- في قَولِه تعالى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ إثباتُ كمالِ قُدرةِ اللهِ عزَّ وجلَّ بتَكويرِ اللَّيلِ والنَّهارِ، وقد أشار اللهُ إلى ذلك في قَولِه تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [القصص: 71، 72]، ولو اجتمعَ الخَلقُ كُلُّهم على أنْ يأتوا باللَّيلِ في مَوضعِ النَّهارِ أو بالنَّهارِ في مَوضِعِ اللَّيلِ، ما استَطاعوا [135] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 50). .
4- في قَولِه تعالى: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى دَليلٌ على أنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ يَجرِيانِ جَريًا حِسِّيًّا مَكانيًّا؛ لأنَّ تَسخيرَ المتحرِّكِ بحَرَكتِه أظهرُ مِن تَسخيرِ الثَّابتِ الَّذي لا يَتحَرَّكُ [136] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (1/74). .
5- في قَولِه تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا سُؤالٌ: كيف عَطَف بـ «ثُمَّ» مع أنَّ خَلْقَ حوَّاءَ مِن آدَمَ سابِقٌ على خَلْقِنا منه؟!
الجواب من أوجه:
الأوَّلُ: أنَّ ثُمَّ هنا للتَّرتيبِ في الإخبارِ لا في الإيجادِ.
الثَّاني: أنَّ المعطوفَ مُتعَلِّقٌ بمعنى وَاحِدَةٍ، وثُمَّ عاطِفةٌ عليه لا على خَلَقَكُمْ، فمعناه: «خلَقَكم مِن نَفْسٍ واحدةٍ أُفرِدَت بالإيجادِ، ثمَّ شُفِعَت بزَوجٍ».
الثَّالثُ: أنَّه مَعطوفٌ على خَلَقَكُمْ، لكِنَّ المرادَ بخَلْقِهم خَلْقُهم يومَ أخذِ الميثاقِ، لا هذا الخَلقُ الَّذي هم فيه الآنَ بالتَّوالُدِ والتَّناسُلِ؛ وذلك أنَّ اللهَ خَلَق آدَمَ عليه السَّلامُ، ثمَّ أخرَجَ أولادَه مِن ظَهرِه كالذَّرِّ، وأخَذَ عليهم الميثاقَ، ثمَّ رَدَّهم إلى ظَهْرِه [137] يُنظَر ما أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (11191)، وأحمد (2455) من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما. والحديث جوَّد إسنادَه وقوَّاه على شرطِ مسلمٍ ابنُ كثيرٍ في ((البداية والنهاية)) (1/83)، وقال الهيثميُّ في ((مجمع الزوائد)) (7/28): (رجالُه رجالُ الصَّحيحِ)، وقال الشوكاني في ((فتح القدير)) (2/370): (إسناده لا مطعنَ فيه)، وصحَّح إسنادَه أحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (4/151)، وصحَّح الحديثَ الألبانيُّ في ((صحيح الجامع)) (1701)، ووثَّق رجالَه شعيبٌ الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (2455). ، ثمَّ خَلَق منه حوَّاءَ [138] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 493). واختار هذا القولَ ابنُ جرير، وقال: (وبذلك جاءَت الرِّوايةُ عن جماعةٍ مِن أصحابِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم). ((تفسير ابن جرير)) (20/162). واختاره أيضًا: القَصَّابُ. يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (4/6). .
الرَّابعُ: أنَّها للتَّرتيبِ في الأحوالِ والرُّتَبِ [139] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/433). .
6- في قَولِه تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ أنَّ أصلَ البشريةِ مِن آدمَ؛ وفيه ردٌّ على الفكرةِ الملحدةِ: أنَّ أصلَ الإنسانِ قِرْدٌ، وأنَّ النَّاسَ تطوَّروا مِن القرودِ إلى البشريَّةِ! ولا شكَّ أنَّ اعتقادَ ذلك كفرٌ؛ لأنَّه تكذيبٌ للقرآنِ، وقد بَيَّنَ اللهُ سُبحانَه وتعالى كيف خَلَق الإنسانَ في مواضعَ مِن القرآنِ [140] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 61)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/17)، ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (12/519). .
7- في قَولِه تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا الإشارةُ إلى أنَّ تكوينَ هذه الخليقةِ مِن زَوجَينِ؛ كما قال تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات: 49]، فكلُّ شَيءٍ مِن الخليقةِ فلا بُدَّ لتركيبِه مِن زوجَينِ؛ كالمياهِ، والهواءِ، وغيرِهما [141] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 62). .
8- في قَولِه تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ سُؤالٌ: كيف قال ذلك مع أنَّ الأنعامَ مَخلوقةٌ في الأرضِ لا مُنَزَّلةٌ مِن السَّماءِ؟!
الجواب من أوجه:
الأوَّلُ: أنَّ الأنعامَ لَمَّا كانت لا تَعيشُ إلَّا بالنَّباتِ، والنَّباتُ لا يَعيشُ إلَّا بالمطَرِ، والمطَرُ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّماءِ؛ وَصَفَها بالإنزالِ، مِن تَسميةِ المسَبَّبِ باسمِ سَبَبِ سَبَبِه.
الثَّاني: أنَّ مَعناه: «وقَضَى لكم»؛ لأنَّ قَضاءَه مُنَزَّلٌ مِن السَّماءِ مِن حيثُ كُتِبَ في اللَّوحِ المَحفوظِ.
الثَّالثُ: أنَّ المعنى «خلَقَها في الجنَّةِ، ثمَّ أنزَلَها على آدَمَ عليه السَّلامُ بعدَ إنزالِه إلى الأرضِ» [142] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 494). ، فمِنَ الممكنِ نزولُ أصلِ هذا الحيوانِ؛ كنُزولِ أصلِ الإنسانِ والجنِّ [143] يُنظر: ((بيان تلبيس الجهمية)) لابن تيمية (6/4). .
الرَّابعُ: أنَّ إطلاقَ الإنزالِ هنا بمعنى التَّذليلِ والتَّمكينِ.
الخامسُ: أن يكونَ إنزالُ الأنعامِ إنزالَها الحَقيقيَّ، أي: إنزالَ أُصولِها مِن سَفينةِ نوُحٍ؛ قال تعالى: قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [هود: 40]، فيكونُ الإنزالُ هو الإهباطَ، قال تعالى: قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ [144] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/332). [هود: 48].
السَّادسُ: أنَّ الإنزالَ هنا بمعنى الخَلْقِ؛ لأنَّها أُضيفَتْ إلى أعْيانٍ، وهي الأنعامُ [145] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 56). .
السَّابعُ: أنَّ اللهَ تعالى يُنزِلُ الماءَ مِن أصلابِ الذُّكورِ إلى بُطونِ الإناثِ، ثمَّ يُنزلُ الأجِنَّةَ مِن بطونِ الإناثِ إلى الأرضِ، ومِن المشهورِ في اللُّغةِ أنَّه يُقالُ عن ابنِ آدَمَ: أنزَل الماءَ أو المَنيَّ، فالأنعامُ يَعلو بعضُها بعضًا وهي قائمةٌ أو قاعدةٌ، وتَلِدُ وهي كذلك قائمة، فيُنزلُ اللهُ تعالى منها أولادَها، وتسميةُ ذلك إنزالًا ليس بدُونِ تسميةِ إخراجِ المَنيِّ إنزالًا، بل أبلَغُ [146] يُنظر: ((بيان تلبيس الجهمية)) لابن تيمية (6/10). .
9- في قَولِه تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ إذا نَظَرْتَ هذه العِبارةَ مع العِبارةِ عن خَلقِ الإنسانِ، وهي قَولُه تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا؛ فَهِمْتَ أنَّ الأنعامَ خُلِقَ كُلُّ ذَكَرِها وأُنثاها على انفرادِه، لا أنَّ أحدًا منها مِن صاحِبِه، وذلك أدَلُّ على إطلاقِ التَّصَرُّفِ وتَنويعِه مِمَّا لو جُعِلَ خَلْقُها مِثلَ خَلْقِ الآدَميِّ [147] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/457). .
10- في ذِكرِ هذه الظُّلُماتِ في قَولِه تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ تَنبيهٌ على إحاطةِ عِلمِ اللهِ تعالى بالأشياءِ، ونُفوذِ قُدرتِه إليها في أشَدِّ ما تكونُ فيه مِن الخَفاءِ [148] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/334). ، فقد ركَّب تعالى عِظامَ الإنسانِ بعضَها ببعضٍ، وكساها اللَّحمَ، وجعَل فيها العُروقَ والعصَبَ، وفتَح مجاريَ البَولِ والغائطِ، وفتَح العيونَ والآذانَ والأفواهَ، وفرَّق الأصابعَ، وشَدَّ رُؤوسَها بالأظفارِ، إلى غيرِ ذلك مِن غرائبِ صُنعِه وعجائبِه، وكلُّ هذا في تلك الظُّلُماتِ الثَّلاثِ -ظُلمةِ البطنِ، وظُلمةِ الرَّحِمِ، وظُلمةِ المَشِيمةِ-، لم يَحتَجْ إلى شقِّ بطنِ أمِّه وإزالةِ تلك الظُّلُماتِ، أو أن يُسَلِّطَ عليها أشعةً كهربائيةً! العِلمُ والبصرُ نافذٌ لهذا الصُّنعِ الغريبِ العجيبِ في بطنِ أمِّه: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: 6]؛ ولذا لَمَّا قال: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ، قال: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [149] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/270)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/509، 510). .
11- ذِكْرُ الرُّبوبيَّةِ بعدَ الأُلوهيَّةِ في قَولِه تعالى: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فيه إشارةٌ إلى التَّربيةِ الخاصَّةِ في حالِ الحَملِ، وإلى العنايةِ التَّامَّةِ؛ لأنَّ الحَملَ في بَطنِ أُمِّه لا يُمكِنُ لأحَدٍ أنْ يَصِلَ إليه، لا بِجَلبِ مَنفَعةٍ، ولا بِدَفعِ مَضَرَّةٍ، ولكِنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى هو الَّذي يَتولَّى العنايةَ به [150] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 59). .

بلاغة الآيتين:

1- قولُه تعالَى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ
- قولُه: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ... هذه الجُملةُ بَيانٌ لِجُملةِ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الزمر: 4]، وتَفصيلٌ لِبَعضِ أفعالِه تعالى الدَّالَّةِ على تَفَرُّدِه بما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الجَليلةِ؛ فإنَّ خَلْقَ هذه العَوالِمِ والتَّصرُّفَ فيها -على شِدَّتِها وعَظَمَتِها- يُبَيِّنُ معنى الوَحدانيَّةِ ومَعنى القَهَّاريَّةِ؛ فتَكونُ جُملةُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الزمر: 4] ذاتَ اتِّصالَينِ: اتِّصالٍ بجُملةِ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [الزمر: 4] كاتِّصالِ التَّذييلِ، واتِّصالٍ بجُملةِ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ اتِّصالَ التَّمهيدِ؛ فالقَهَّاريَّةُ المُطلَقةُ تُنافي قَبولَ الزَّوالِ المُحوِجِ إلى الولدِ، ثمَّ استدلَّ على ذلك بقولِه: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ يُغشي كلَّ واحدٍ منهما الآخَرَ كأنَّه يَلُفُّه عليه لَفَّ اللِّباسِ باللابِسِ، أو يُغيِّبُه به كما يُغيَّبُ الملفوفُ باللِّفافةِ، أو يَجعلُه كارًّا عليه كُرورًا مُتتابِعًا تَتابُعَ أكوارِ العِمامةِ. وقد انتُقِلَ مِنَ الاستِدلالِ باقتِضاءِ حَقيقةِ الإلَهيَّةِ نَفْيَ الشَّريكِ، إلى الاستِدلالِ بخَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ على أنَّه المُنفرِدُ بالخَلقِ، وأنَّه واحِدٌ لا يُشارَكُ، قَهَّارٌ لا يُغالَبُ؛ إذْ لا يَستَطيعُ شُركاؤُهم خَلْقَ العَوالِمِ [151] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/37)، ((تفسير أبي حيان)) (9/184)، ((تفسير أبي السعود)) (7/242)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/328). .
- وأيضًا قولُه: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ بَيانٌ لِكَيفيَّةِ تَصرُّفِه تَعالى فيهما بَعدَ بَيانِ خَلقِهما [152] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/242)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/328، 329). .
- واستِعمالُ التَّكويرِ هنا في قولِه: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ مِن محاسِنِ البَلاغةِ؛ فالتَّكويرُ حَقيقَتُه: اللَّفُّ واللَّيُّ، ومُثِّلَتْ به هنا هَيئةُ غِشْيانِ اللَّيلِ على النَّهارِ في جُزءٍ مِن سَطحِ الأرضِ وعَكسُ ذلك على التَّعاقُبِ بهَيئةِ كَوْرِ العِمامةِ؛ إذْ تَغشى اللَّيَّةُ اللَّيَّةَ الَّتي قَبْلَها، وهو تَمثيلٌ بَديعٌ قابِلٌ لِلتَّجزِئةِ بأنْ تُشَبَّهَ الأرضُ بالرَّأسِ، ويُشَبَّهَ تَعاوُرُ اللَّيلِ والنَّهارِ عليها بلَفِّ طَيَّاتِ العِمامةِ. قيل: ومِمَّا يَزيدُه إبداعًا إيثارُ مادَّةِ التَّكويرِ الَّذي هو مُعجِزةٌ عِلْميَّةٌ مِن مُعجِزاتِ القرآنِ؛ فإنَّ مادَّةَ التَّكويرِ جائيةٌ مِنِ اسمِ الكُرَةِ، وهي الجسمُ المستديرُ مِن جَميعِ جِهاتِه على التَّساوي، والأرضُ كُرَويَّةُ الشَّكلِ في الواقِعِ، وذلك كان يَجهَلُه العَرَبُ وجُمهورُ البَشَرِ يَومَئِذٍ، فأوْمَأ القُرآنُ إليه بوَصفِ العَرَضَينِ اللَّذَيْنِ يَعتَريانِ الأرضَ على التَّعاقُبِ، وهُما النُّورُ والظُّلمةُ، أو اللَّيلُ والنَّهارُ؛ إذْ جَعَلَ تَعاوُرَهما تَكويرًا؛ لِأنَّ عَرَضَ الكُرةِ يَكونُ كُرَويًّا تَبَعًا لِذَاتِها، فلَمَّا كان سِياقُ هذه الآيةِ لِلاستِدلالِ على الإلَهيَّةِ الحقَّةِ بإنشاءِ السَّمَواتِ والأرضِ، اختِيرَ لِلاستِدلالِ على ما يَتبَعُ ذلك الإنشاءَ مِن خَلْقِ العَرَضَيْنِ العَظيمَينِ لِلأرضِ مادَّةُ التَّكويرِ دُونَ غَيرِها؛ لِأنَّ تلك الآيةَ مَسوقةٌ لِلدَّلالةِ على سَعةِ التَّصرُّفِ في المَخلوقاتِ، فكان تَصويرُ ذلك بإغشاءِ اللَّيلِ والنَّهارِ خاصَّةً؛ لِأنَّه دَلَّ على قُوَّةِ التَّمكُّنِ مِن تَغييرِه أعراضَ مَخلوقاتِه؛ ولذلك اقتُصِرَ على تَغييرِ أعظَمِ عَرَضٍ -وهو النُّورُ- بتَسليطِ الظُّلمةِ عليه؛ لِتَكونَ هاتِه الآيةُ لِمَن يَأتي مِنَ المُسلِمينَ الَّذين يَطَّلِعونَ على عِلْمِ الهَيئةِ؛ فتَكونَ مُعجِزةً عِندَهم [153] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/328، 329). .
- وكذلك قولُه: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ يَحتَمِلُ ثَلاثةَ أوْجُهٍ مِنَ التَّشبيهِ؛ أحَدُها: أنْ يَكونَ مِن تَشبيهِ المَحسوسِ بالمَحسوسِ، ووَجهُ الشَّبَهِ أُمورٌ، ولكنْ في حُكمٍ واحِدٍ، وهو تَشبيهُ الهَيئةِ الحاصِلةِ مِن اختِلاطِ اللَّيلِ بالنَّهارِ عِندَ طُلوعِ الفَجرَيْنِ وظُهورِ الخَيطَينِ في قَولِه: فَالِقُ الْإِصْبَاحِ [الأنعام: 96]؛ بالهَيئةِ الحاصِلةِ مِن لَفِّ اللِّباسِ على اللَّابِسِ، بحيثُ لا يَطَّرِدُ اللِّباسُ في التَّستُّرِ. وثانيها: تَشبيهُ مَحسوسٍ بمَحسوسٍ، والوَجهُ واحِدٌ حَقيقةً؛ شَبَّهَ غِشيانَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ اللَّيلِ والنَّهارِ الآخَرَ في قَولِه تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ [الأعراف: 54]، وقَولِه: وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ [يس: 37]، بشَيءٍ ظاهِرٍ لَفَّ ما غَيَّبَه عن مَطامِحِ الأبصارِ. وثالِثُها: يَحتمِلُ أنْ يَكونَ تَمثيلًا؛ بأنْ يُشَبَّهَ حالةُ كُرورِ اللَّيلِ والنِّهارِ، ومَجيءِ أحَدِهما في أثَرِ بَعضٍ، وما يَتَّصِلُ بها مِنَ المَنافِعِ -كقَولِه: جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان: 62]- بحالةِ تَتابُعِ أكوارِ العِمامةِ بَعضِها عَقِيبَ بَعضٍ، وما يَتَّصِلُ بها مِنَ الحُسنِ؛ فإنَّها كالتِّيجانِ لِلعَرَبِ، وما يَحصُلُ مِنَ التَّغييرِ وتَبديلِ الأحوالِ [154] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/112، 113)، ((تفسير البيضاوي)) (5/37)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/340، 341)، ((تفسير أبي حيان)) (9/184، 185)، ((تفسير أبي السعود)) (7/242). .
- وأُوثِرَ التَّعبيرُ بالمُضارِعِ في هذه الجُملةِ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ؛ لِلدَّلالةِ على تَجدُّدِ ذلك وتَكَرُّرِه، أو لِاستِحضارِ حالةِ التَّكويرِ تَبَعًا لِاستِحضارِ آثارِها؛ فإنَّ حالةَ تَكويرِ اللهِ اللَّيلَ على النَّهارِ غَيرُ مُشاهَدةٍ، وإنَّما المُشاهَدُ أثَرُها، وتَجَدُّدُ الأثَرِ يدُلُّ على تَجَدُّدِ التَّأثيرِ [155] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/242)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/328). .
- وعُطِفتْ جُملةُ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ على جُملةٍ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ؛ لِأنَّ ذلك التَّسخيرَ مُناسِبٌ لِتَكويرِ اللَّيلِ على النَّهارِ وعَكسِه؛ فإنَّ ذلك التَّكويرَ مِن آثارِ ذلك التَّسخيرِ؛ فتلك المُناسَبةُ اقتَضَتْ عَطفَ الجُملةِ الَّتي تَضَمَّنتْه على الجُملةِ الَّتي قَبْلَها [156] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/329). .
- قولُه: كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى بَيانٌ لِكَيفيَّةِ تَسخيرِهما، أيْ: كُلٌّ منهما يَجري لِمُنتَهى دَورَتِه، أو مُنقَطَعِ حَرَكَتِه [157] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/242). .
- وقد جاء في آياتٍ أُخرى: كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى [لقمان: 29]، بحرْفِ انتهاءِ الغايةِ (إلى)، ولامُ العِلَّةِ وحرْفُ الغايةِ مُتقارِبانِ في المعنى الأصليِّ، واختِلافُ التَّعبيرِ بهما تَفنُّنٌ في الكلامِ [158] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/330). .
- قولُه: أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ استِئنافٌ ابتِدائيٌّ، وهو في مَعنى الوَعيدِ والوَعدِ؛ فإنَّ وَصْفَ الْعَزِيزُ كِنايةٌ عن أنَّه يَفعَلُ ما يَشاءُ، لا غالِبَ له، فلا تُجْدي المُشرِكينَ عِبادةُ أوليائِهم، ووَصْفَ الْغَفَّارُ مُؤْذِنٌ باستِدعائِهم إلى التَّوبةِ باتِّباعِ الإسلامِ. وفي افتِتاحِ الجُملةِ بحَرفِ التَّنبيهِ إيذانٌ بأهَمِّيَّةِ مَدلولِها الصَّريحِ والكِنائيِّ [159] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/345)، ((تفسير أبي السعود)) (7/242، 243)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/330). .
2- قولُه تعالَى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ بَيانٌ لِبَعضٍ آخَرَ مِن أفعالِ اللهِ الدَّالَّةِ على ما ذُكِرَ، وانتِقالٌ إلى الاستِدلالِ بخَلقِ النَّاسِ، وهو الخَلقُ العَجيبُ، وأُدمِجَ فيه الاستِدلالُ بخَلقِ أصلِهم، وهو نَفْسٌ واحِدةٌ تَشعَّبَ منها عَدَدٌ عَظيمٌ، وبخَلقِ زَوجِ آدَمَ لِيَتقَوَّمَ ناموسُ التَّناسُلِ. والجُملةُ يجوزُ أنْ تكونَ في مَوضعِ الحالِ مِن ضَميرِ الجلالةِ، ويجوزُ أنْ تكونَ استئنافًا ابتدائيًّا؛ تَكريرًا للاستدلالِ [160] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/37)، ((تفسير أبي السعود)) (7/243)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/331). .
- وتُرِكَ عَطْفُ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ... على خَلقِ السَّمَواتِ؛ لِلإيذانِ باستِقلالِه في الدَّلالةِ، ولِتَعلُّقِه بالعالَمِ السُّفليِّ. والبُداءةُ بخَلقِ الإنسانِ؛ لِعَراقَتِه في الدَّلالةِ؛ لِمَا فيه مِن تَعاجيبِ آثارِ القُدرةِ، وأسرارِ الحِكمةِ، وأصالَتِه في المَعرِفةِ؛ فإنَّ الإنسانَ بحالِ نَفْسِه أعرَفُ [161] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/37)، ((تفسير أبي السعود)) (7/243). .
- وعلى القَولِ بأنَّ الخِطابَ في قَولِه: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ... لِلمُشرِكينَ؛ بدَليلِ قَولِه بَعدَه: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ، فهو التِفاتٌ مِنَ الغَيبةِ إلى الخِطابِ، ونُكتَتُه: أنَّه لَمَّا أخبَرَ رَسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عنهم بطَريقِ الغَيبةِ، أقْبَلَ على خِطابِهم؛ لِيَجمَعَ في تَوجيهِ الاستِدلالِ إليهم بيْن طَريقَيِ التَّعريضِ والتَّصريحِ [162] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/331). .
- وقدْ تَقدَّمَ نَظيرُ هذه الجُملةِ في سُورةِ (الأعرافِ)، إلَّا أنَّ في هذه الجُملةِ عُطِفَ قولُه: جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا بحرْفِ (ثُمَّ) الدَّالِّ على التَّراخي الرُّتبيِّ؛ لأنَّ مَساقَها الاستِدلالُ على الوَحدانيَّةِ وإبطالِ الشَّريكِ بمَراتبِه؛ فكان خَلْقُ آدَمَ دليلًا على عَظيمِ قُدْرتِه تعالى، وخلْقُ زَوجِه مِن نفْسِه دَليلًا آخَرَ مُستقِلَّ الدَّلالةِ على عَظيمِ قُدْرتِه. فعُطِفَ بحرْفِ (ثُمَّ) الدَّالِّ في عطْفِ الجُمَلِ على التَّراخي الرُّتبيِّ؛ إشارةً إلى استِقلالِ الجُملةِ المعطوفةِ بها بالدَّلالةِ مِثلَ الجُملةِ المعطوفةِ هي عليها، فكان خلْقُ زَوجِ آدَمَ منه أدَلَّ على عَظيمِ القُدْرةِ مِن خلْقِ النَّاسِ مِن تلك النَّفْسِ الواحدةِ ومِن زَوجِها؛ لأنَّه خلْقٌ لم تَجْرِ به عادةٌ؛ فكان ذلك الخلْقُ أجلَبَ لِعَجَبِ السَّامعِ مِن خلْقِ الناسِ، فجِيءَ له بحرْفِ التَّراخي المُستعمَلِ في تَراخي المنزلةِ لا في تَراخي الزَّمنِ؛ لأنَّ زمَنَ خلْقِ زَوجِ آدَمَ سابقٌ على خلْقِ النَّاسِ. فأمَّا آيةُ (الأعرافِ) -هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف: 189]- فمَساقُها مَساقُ الامتِنانِ على النَّاسِ بنِعمةِ الإيجادِ؛ فذُكِرَ الأصْلانِ لِلنَّاسِ، مَعطوفًا أحَدُهما على الآخَرِ بحَرفِ التَّشريكِ في الحُكمِ الَّذي هو الكَونُ أصلًا لِخَلقِ النَّاسِ. وقيلَ: المَعطوفُ مُتعَلِّقٌ بمَعنى وَاحِدَةٍ؛ فـ ثُمَّ عاطِفةٌ عليه، لا على خَلَقَكُمْ، فمَعناه: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ أُفرِدَتْ بالإيجادِ، ثمَّ شُفِعتْ بزَوجٍ، فكانت هاهنا على بابِها؛ لِتَراخي الوُجودِ [163] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/113، 114)، ((تفسير البيضاوي)) (5/37)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/343)، ((تفسير أبي حيان)) (9/185)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 493)، ((تفسير أبي السعود)) (7/243)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/331)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/392). .
- وقولُه: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ بَيانٌ واستِدلالٌ آخَرُ بما خَلَقَه اللهُ تعالى مِنَ الأنعامِ، عُطِفَ على الاستِدلالِ بخَلقِ الإنسانِ؛ لِأنَّ المُخاطَبينَ بالقُرآنِ يَومَئِذٍ قِوامُ حَياتِهم بالأنعامِ، ولا تَخلو الأُمَمُ يَومَئِذٍ مِنَ الحاجةِ إلى الأنعامِ، ولم تَزَلِ الحاجةُ إلى الأنعامِ حافَّةً بالبَشَرِ في قِوامِ حياتِهم، وهذا اعتِراضٌ بيْن جُملةِ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وبيْن يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ؛ لِمُناسَبةِ أزواجِ الأنعامِ لِزَوجِ النَّفْسِ الواحدةِ. وأُدمِجَ في هذا الاستِدلالِ امتِنانٌ بما فيها مِنَ المَنافِعِ لِلنَّاسِ؛ لِمَا دلَّ عليه قولُه: لَكُمْ؛ لأنَّ في الأنعامِ مَوادَّ عظيمةً لِبَقاءِ الإنسانِ، وهي الَّتي في قولِه تعالى: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [النحل: 5- 7]، وقولِه: وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ [164] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/332). [النحل: 80].
- وفي قولِه: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ تَقديمُ الظَّرفَيْنِ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ على المَفعولِ الصَّريحِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ؛ لِلاعتِناءِ بما قُدِّمَ، والتَّشويقِ إلى ما أُخِّرَ؛ فإنَّ كَوْنَ الإنزالِ لِمَنافِعِهم وكَوْنَه مِنَ الجِهةِ العاليةِ، مِنَ الأُمورِ المُهمَّةِ المُشَوِّقةِ إلى ما أُنزِلَ لا مَحالةَ [165] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/243). .
- وخَصَّها سُبحانَه بالذِّكرِ -مع أنَّه أنزَلَ لِمَصالحِ عِبادِه مِنَ البَهائِمِ غَيرَها- لِكَثرةِ نَفعِها، وعُمومِ مَصالحِها، ولِشَرَفِها، ولاختِصاصِها بأشياءَ لا يَصلُحُ غَيرُها؛ كالأُضحِيَّةِ، والهَدْيِ، والعَقيقةِ، ووُجوبِ الزَّكاةِ فيها، واختِصاصِها بالدِّيَةِ [166] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 719). .
- وقولُه: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ استِئنافٌ مَسوقٌ لِبَيانِ كَيفيَّةِ خَلقِهم وأطوارِه المُختَلِفةِ الدَّالَّةِ على القُدرةِ الباهِرةِ، واستِدلالٌ بتَطَوُّرِ خَلْقِ الإنسانِ على عَظيمِ قُدرةِ اللهِ وحِكمَتِه ودَقائِقِ صُنعِه [167] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/243). . وقيل: هو بَيانٌ لِكَيفيَّةِ خَلقِ ما ذُكِرَ مِنَ الأناسيِّ والأنعامِ؛ إظهارًا لِمَا فيها مِن عَجائِبِ القُدرةِ، غَيرَ أنَّه غَلَّبَ أُولِي العَقلِ، أو خَصَّهم بالخِطابِ؛ لِأنَّهمُ المَقصودونَ [168] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/37). .
- والتَّعبيرُ بصِيغةِ المُضارِعِ يَخْلُقُكُمْ؛ لِإفادةِ تَجدُّدِ الخَلقِ وتَدَرُّجِه وتَكَرُّرِه، مع استِحضارِ صُورةِ هذا التَّطوُّرِ العَجيبِ استِحضارًا بالوَجهِ والإجمالِ الحاصِلِ لِلأذهانِ على حَسَبِ اختِلافِ مَراتِبِ إدراكِها [169] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/243)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/333). .
- قولُه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ذَلِكُمُ إشارةٌ إليه تعالى باعتِبارِ أفعالِه المَذكورةِ، وما فيه مِن مَعْنى البُعدِ؛ لِلإيذانِ ببُعدِ مَنزِلَتِه تعالى في العَظَمةِ والكِبرياءِ [170] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/243). . وبَعدَ أنْ أُجرِيَ على اسمِ اللهِ تعالى مِنَ الأخبارِ والصِّفاتِ القاضيةِ بأنَّه المُتصَرِّفُ في الأكْوانِ كُلِّها: جَواهِرِها وأعراضِها، ظاهِرِها وخَفيِّها، ما يُرشِدُ العاقِلَ إلى أنَّه المُنفَرِدُ بالتَّصرُّفِ، المُستَحِقُّ العِبادةَ، المُنفَرِدُ بالإلَهيَّةِ؛ أعقَبَ ذلك باسمِ الإشارةِ ذَلِكُمُ؛ لِلتَّنبيه على أنَّ اللهَ حَقيقٌ بما يَرِدُ بَعْدَه؛ مِن أجْلِ تلك التَّصرُّفاتِ والصِّفاتِ. والجُملةُ فَذلَكةٌ [171] الفَذْلكةُ: مِن فَذْلَكَ حِسابَه فَذْلَكةً، أي: أَنْهاهُ وفَرَغ منه، وذكَر مُجمَلَ ما فُصِّل أوَّلًا وخُلاصتَه. و(الفَذْلكةُ) كلمةٌ منحوتةٌ كـ (البَسملة) و (الحوقلة)، مِن قولِهم: (فذَلِكَ كذَا وكذَا عددًا). ويُرادُ بالفَذْلَكةِ النَّتيجةُ لِمَا سبَق مِن الكلامِ، والتَّفريعُ عليه، ومنها فَذْلَكةُ الحسابِ، أي: مُجمَلُ تفاصيلِه، وإنهاؤُه، والفراغُ منه، كقولِه تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ بعْدَ قولِه: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة: 196]. يُنظر: ((تاج العروس)) للزَّبِيدي (27/293)، ((كناشة النوادر)) لعبد السلام هارون (ص: 17)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (ص: 638، 639). ، ونَتيجةٌ أنتَجَتْها الأدِلَّةُ السَّابِقةُ عليها مِن قَولِه: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ [الزمر: 5]؛ ولِذلك فُصِلتْ. واسمُ الإشارةِ لِتَمييزِ صاحِبِ تلك الصِّفاتِ عن غَيرِه تَمييزًا يُفْضي إلى ما يَرِدُ بَعدَ اسمِ الإشارةِ، والمَعنى: ذلكمُ الَّذي خَلَقَ وسَخَّرَ، وأنشَأ النَّاسَ والأنعامَ، وخَلَقَ الإنسانَ أطوارًا؛ هو اللهُ؛ فلا تُشرِكوا معه غَيرَه؛ إذْ لم تَبقَ شُبهةٌ تَعذِرُ أهلَ الشِّركِ بشِركِهم [172] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/335). .
- والإتيانُ باسمِه تعالى العَلَمِ في قَولِه: ذَلِكُمُ اللَّهُ؛ لِإحضارِ المُسَمَّى في الأذهانِ باسمٍ مُختَصٍّ؛ زِيادةً في البَيانِ؛ لِأنَّ حالَ المُخاطَبينَ نُزِّلَ مَنزِلةَ حالِ مَن لم يَعلَمْ أنَّ فاعِلَ تلك الأفعالِ العَظيمةِ هو اللهُ تَعالى [173] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/335، 336). .
- ووَصْفُه بالرُّبوبيَّةِ في قَولِه: رَبُّكُمْ تَذكيرٌ لهم بنِعمةِ الإيجادِ والإمدادِ، وهو معنَى الرُّبوبيَّةِ، وتَوطِئةٌ لِلتَّسجيلِ عليهم بكُفرانِ نِعمَتِه الآتي في قَولِه: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [174] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/243)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/336). [الزمر: 7].
- وقولُه: لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فيه تَقديمُ المَجرورِ لَهُ؛ لِإفادةِ الحَصرِ الادِّعائيِّ [175]  القصرُ أو الحَصرُ في اصطِلاحِ البلاغيِّينَ هو: تَخصيصُ شَيءٍ بشَيءٍ وحصْرُه فيه، ويُسمَّى الأمرُ الأوَّلُ: مَقصورًا، والثَّاني: مقصورًا عليه؛ مثل: إنَّما زَيدٌ قائمٌ، و: ما ضرَبتُ إلَّا زيدًا. وينقسِمُ إلى قَصْرٍ حقيقيٍّ، وقصرٍ إضافيٍّ، وادِّعائيٍّ، وقصرِ قَلْبٍ؛ فالحقيقيُّ هو: أن يختصَّ المقصورُ بالمقصورِ عليه بحسَبِ الحقيقةِ والواقِعِ، بألَّا يتعدَّاه إلى غيرِه أصلًا، مِثل: لا إلهَ إلَّا اللهُ، حيثُ قُصِر وصْفُ الإلَهيَّةِ الحقِّ على موصوفٍ هو اللهُ وحْدَه، وهذا مِن قصرِ الصِّفةِ على المَوصوفِ، وهو قصرٌ حقيقيٌّ. والقصرُ الإضافيُّ: أن يكونَ المقصورُ عنه شيئًا خاصًّا، يُرادُ بالقصرِ بيانُ عدَمِ صحَّةِ ما تصوَّره بشأنِه أو ادَّعاه المقصودُ بالكلامِ، أو إزالةُ شكِّه وترَدُّدِه، إذا كان الكلامُ كلُّه منحصرًا في دائرةٍ خاصَّةٍ؛ فليس قصرًا حقيقيًّا عامًّا، وإنَّما هو قصرٌ بالإضافةِ إلى موضوعٍ خاصٍّ، يَدورُ حوْلَ احتمالَينِ أو أكثرَ مِن احتمالاتٍ محصورةٍ بعددٍ خاصٍّ، ويُستدَلُّ عليها بالقرائنِ. مِثلُ قولِه تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: 144]. والقصرُ الادِّعائيُّ: ما كان القصرُ الحقيقيُّ فيه مبنيًّا على الادِّعاءِ والمبالَغةِ؛ بتنزيلِ غيرِ المذكور منزلةَ العدَمِ، وقصْر الشَّيءِ على المذكورِ وحْدَه. وقصْرُ القَلبِ: أن يَقلِبَ المتكلِّمُ فيه حُكمَ السامعِ؛ كقولِك: ما شاعرٌ إلَّا زيدٌ، لِمَن يَعتقِدُ أنَّ شاعرًا في قبيلةٍ معيَّنةٍ أو طرَفٍ مُعَيَّنٍ، لكنَّه يقولُ: ما زيدٌ هناك بشاعِرٍ. وللقَصرِ طُرُقٌ كثيرةٌ؛ منها: القصرُ بالنَّفيِ والاستثناءِ، والقصرُ بـ (إنَّما)، والقصرُ بتقديمِ ما حَقُّه التأخيرُ، وغيرُ ذلك. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكَّاكي (ص: 288)، ((الإيضاح في علوم البلاغة)) للقزويني (1/118) و(3/6)، ((التعريفات)) للجُرْجاني (1/175، 176)، ((الإتقان)) للسيوطي (3/167)، ((جواهر البلاغة)) للهاشمي (ص: 167، 168)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (1/525).. ، أي: المُلْكُ للهِ، لا لِغَيرِه، فالإلَهيَّةُ هي المُلْكُ الحَقُّ؛ ولذلك كان ادِّعاؤُهم شُركاءَ لِلإلهِ الحَقِّ خَطَأً، فكان الحَصرُ الادِّعائيُّ لِإبطالِ ادِّعاءِ المُشرِكينَ. وجُملةُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ بَيانٌ لِجُملةِ الحَصرِ في قَولِه: لَهُ الْمُلْكُ [176] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/336). .
- والاستِفهامُ في فَأَنَّى تُصْرَفُونَ مُفَرَّعٌ على ما قَبْلَه، وهو استِفهامٌ إنكاريٌّ عن انصِرافِهم عن تَوحيدِ اللهِ تعالى، ولَمَّا كان الانصِرافُ حالةً، استُفهِمَ عنها بكَلِمةِ (أَنَّى)، الَّتي هي هنا بمَعنى (كيف) [177] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/244)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/336). .
- وفي قولِه: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ جعَلَهم مَصروفينَ عن التَّوحيدِ، ولم يَذكُرْ لهم صارفًا؛ فجاءَ بالفِعلِ المَبنيِّ لِلمَجهولِ تُصْرَفُونَ، ولم يَقُلْ لهم: فأنَّى تَنصَرِفونَ؛ نَعيًا عليهم بأنَّهم كالمَقودينَ إلى الكُفرِ غَيرِ المُستَقِلِّينَ بأُمورِهم، يَصرِفُهمُ الصَّارِفونَ، يَعني أئِمَّةَ الكُفرِ، أو الشَّياطينَ المُوَسوِسينَ لهم، وذلك إلْهابٌ لِأنْفُسِهم؛ لِيَكُفُّوا عن امتِثالِ أئِمَّتِهم الَّذين يَقولونَ لهم: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ [فصلت: 26]؛ عسَى أنْ يَنظُروا بأنْفُسِهم في دَلائِلِ الوَحدانيَّةِ المَذكورةِ لهم [178] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/336). .