موسوعة التفسير

سورةُ النَّحلِ
الآيات (78-83)

ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ

غريب الكلمات:


مُسَخَّرَاتٍ: أي: مُذَلَّلاتٍ، وأصلُ (سخر): يدُلُّ على استِذلالٍ [939] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/144)، ((المفردات)) للراغب (ص: 402)، ((تفسير القرطبي)) (10/152). .
تَسْتَخِفُّونَهَا: أي: يَخِفُّ عليكم حَمْلُها، وأصلُ (خفف): يُخالِفُ الثِّقَلَ والرَّزانةَ [940] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/317)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/154)، ((البسيط)) للواحدي (13/155)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي. .
ظَعْنِكُمْ: أي: سَفَرِكم وتَرْحالِكم، وأصلُ (ظعن): يدُلُّ على الشُّخوصِ مِن مكانٍ إلى مكانٍ [941] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 247)، ((تفسير ابن جرير)) (14/317)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/465)، ((تفسير القرطبي)) (10/153)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 596). .
وَأَوْبَارِهَا: جمعُ وبرٍ، وهو للإبلِ كالصوفِ للغنمِ، وهو خاصٌّ بالإبلِ [942] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/81)، ((المفردات)) للراغب (ص: 852)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 198)، ((تفسير ابن كثير)) (4/591)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/225). .
أَثَاثًا: أي: مَتاعَ البَيتِ، وأصلُه: مِن الكَثرةِ والاجتِماعِ؛ اجتِماعِ بَعضِ المَتاعِ إلى بَعضٍ حتى يَكثُرَ، كالشَّعرِ الأثيثِ، وهو الكثيرُ المُلتَفُّ [943] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/318)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/8)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 262)، ((فتح القدير)) للشوكاني (3/221). .
أَكْنَانًا: أي: مَواضِعَ تَستَكِنُّونَ بها، كالكُهوفِ والأسرابِ وغَيرِها، وأصلُ (كنن): يدُلُّ على سَترٍ وصَونٍ [944] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/321)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/123)، ((المفردات)) للراغب (ص: 727)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 262). .
سَرَابِيلَ: أي: جميعَ ما يُلبَسُ على البَدَنِ، كالقُمُصِ والدُّروعِ وغيرِها [945] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/321)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 264)، ((المفردات)) للراغب (ص: 406)، ((تفسير ابن عطية)) (3/412)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 262). .
بَأْسَكَمْ: أي: شِدَّةَ الطَّعنِ والضَّربِ والرَّميِ في الحَربِ، وأصلُ (بأس): يدلُّ على الشِّدَّةِ [946] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص:248)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/328)، ((البسيط)) للواحدي (13/162)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 249). .

المعنى الإجمالي:


يخاطبُ اللهُ تعالى عبادَه معدِّدًا أنواعًا مِن نعمِه عليهم، فيقولُ: واللهُ أخرَجَكم- أيُّها النَّاسُ- مِن بُطونِ أمَّهاتِكم لا عِلمَ لكم بشَيءٍ، وجعَلَ لكم السَّمعَ والأبصارَ والقُلوبَ؛ لعَلَّكم تَشكُرونَ اللهَ، وتُفرِدونَه عزَّ وجَلَّ بالعبادةِ.
ثم ساق الله تعالى دَليلًا آخَرَ على وحدانيتِه، وكَمالِ قُدرتِه، فقال تعالى: ألم يَنظُروا إلى الطَّيرِ مُذَلَّلاتٍ للطَّيَرانِ في الهَواءِ بين السَّماءِ والأرضِ بأمرِ اللهِ تعالى؟ ما يُمسِكُهنَّ في الجوِّ، ويمنعُهنَّ مِن الوُقوعِ غيرُه سُبحانَه، إنَّ في ذلك لَدَلالاتٍ على وحدانيَّةِ اللهِ تعالى، لِقَومٍ يُؤمِنونَ.
ثمَّ ساق الله تعالى ألوانًا مِن النِّعمِ، منها ما يتعلَّقُ بنعمةِ المسكنِ، فقال: واللهُ سُبحانَه جعَلَ لكم مِن بُيوتِكم راحةً واستقرارًا، تأوُونَ إليها، وتَستَتِرونَ بها، وجعَلَ لكم مِن جُلودِ الأنعامِ خيامًا يَخِفُّ عليكم حَمْلُها وَقتَ تَرْحالِكم وحِلِّكم، وجعَلَ لكم مِن أصوافِ الغَنَمِ، وأوبارِ الإبِلِ، وأشعارِ المَعْزِ، أثاثًا لبُيوتِكم، ومتاعًا تتمَتَّعونَ به إلى أجلٍ مُسمًّى.
 ثمَّ ذكَر الله تعالى نعمةَ الظِّلالِ والجبالِ واللباسِ فقال: والله جعَلَ لكم ما تَستَظِلُّون به مِن الأشجارِ وغَيرِها، وجعَلَ لكم مِن الجبالِ مغاراتٍ وكُهوفًا تَلجَؤونَ إليها عندَ الحاجةِ، فهي تحميكم مِن الحَرِّ والبَردِ، والأمطارِ والأعداءِ، وجعَلَ لكم ثيابًا تَقيكم الحَرَّ، وجعَلَ لكم مِن الحديدِ دروعًا وغيرَها تقيكم الطَّعنَ في حُروبِكم وتدفَعُ عنكم ضَرَرَ السِّلاحِ، كما أنعَمَ اللهُ عليكم بهذه النِّعَمِ يُتِمُّ نِعمَتَه عليكم؛ لتَخضعوا لأمرِ اللهِ وَحْدَه، ولا تُشرِكوا به شَيئًا في عبادتِه.
ثم قال تعالى مسليًا نبيَّه: فإنْ أعرَضوا عنك- يا مُحمَّدُ- بعدَ ما رأَوا مِن الآياتِ، فما عليك إلَّا البلاغُ الواضِحُ لِما أُرسِلتَ به، ولا لومٌ عليك ولا عتابٌ.
 ثمَّ بيَّن الله تعالى موقفَ المشركينَ مِن نعمِ الله، فقال: يَعرِفُ هؤلاءِ المُشرِكونَ نِعمةَ الله عليهم ثمَّ يَجحَدونَها، وأكثَرُهم كافِرون.

تفسير الآيات:


وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى أمْرَ السَّاعةِ، وأنَّها كائِنةٌ لا محالةَ، فكان في ذلك دَلالةٌ على النَّشأةِ الآخرةِ، وتقَدَّمَ وَصفُ الكافرينَ بانتفاءِ العِلمِ؛ ذكَرَ تعالى النَّشأةَ الأُولَى، وهي إخراجُهم مِن بُطونِ أمَّهاتِهم غيرَ عالِمينَ شَيئًا، تنبيهًا على وقوعِ النَّشأةِ الآخِرةِ، ثمَّ ذكَرَ تعالى امتِنانَه عليهم بجَعلِ الحواسِّ التي هي سبَبٌ لإدراكِ الأشياءِ والعِلمِ [947] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/574). .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا انقضى توبيخُ المُشرِكينَ على إيمانِهم بالباطِلِ، وكُفرانِهم بالحَقِّ وما استتبَعَه، وختَمَ بأمرِ السَّاعةِ؛ عطَفَ على قَولِه تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ما هو مِن أدلَّةِ السَّاعةِ، وكمالِ القُدرةِ والفِعلِ بالاختيارِ مِن النَّشأةِ الأولى [948] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/221). .
وأيضًا فإنَّها عَودٌ إلى إكثارِ الدَّلائِلِ على انفرادِ اللهِ بالتصَرُّفِ، وإلى تَعدادِ النِّعَمِ على البشَرِ، عطفًا على جملةِ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا بعدما فصَلَ بينَ تَعدادِ النِّعَمِ بما اقتضاه الحالُ مِن التذكيرِ والإنذارِ [949] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/231). .
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا.
أي: واللهُ أخرَجَكم- أيُّها النَّاسُ- بقُدرتِه وعِلمِه مِن بُطونِ أمَّهاتِكم أطفالًا جاهِلينَ، لا عِلمَ لكم بشَيءٍ من أمورِ الدُّنيا والآخرةِ [950] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/315)، ((البسيط)) للواحدي (13/152)، ((تفسير النيسابوري)) (4/294)، ((تفسير الشربيني)) (2/252)، ((تفسير الشوكاني)) (3/218). .
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
أي: وخلَقَ لكم السمعَ الذي به تَسمَعونَ، والأبصارَ التي بها تُبصِرونَ، والأفئِدةَ [951] قال ابن عاشور: (الأفئدةُ: جمعُ الفُؤادِ، وأصلُه القَلبُ، ويُطلَقُ كثيرًا على العَقلِ، وهو المرادُ هنا). ((تفسير ابن عاشور)) (14/232). التي بها تَعقِلونَ؛ كي تَشكُروا اللهَ على ما رزَقَكم، وتَستَعمِلوها في طاعتِه، فتَعبُدوه وَحْدَه ولا تَعصُوه [952] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/315)، ((تفسير ابن كثير)) (4/590)، ((تفسير السعدي)) (ص: 445)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/232). قال ابنُ الجوزي: (قال المفسِّرون: ومقصودُ الآيةِ: أنَّ الله تعالى أبان نِعَمَه عليهم؛ حيث أخرجَهم جُهَّالًا بالأشياءِ، وخلَقَ لهم الآلاتِ التي يتوصَّلونَ بها إلى العِلمِ). ((تفسير ابن الجوزي)) (2/575). .
أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ هذا دَليلٌ آخَرُ على كَمالِ قُدرةِ اللهِ تعالى وحِكمتِه؛ فإنَّه لولا أنَّه تعالى خلَقَ الطَّيرَ خِلقةً معها يُمكِنُه الطَّيرانُ، وخلَقَ الجَوَّ خِلقةً معها يُمكِنُ الطَّيرانُ فيه- لَمَا أمكَنَ ذلك؛ فإنَّه تعالى أعطى الطيرَ جناحًا يَبسُطُه مَرَّةً، ويَكسِرُه أخرى، مِثلَ ما يَعمَلُه السَّابِحُ في الماءِ، وخلَقَ الهواءَ خِلقةً لطيفةً رقيقةً، يَسهُلُ بِسَبَبِها خَرقُه والنَّفاذُ فيه، ولولا ذلك لَمَا كان الطَّيرانُ مُمكِنًا [953] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/252). .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى مدارِكَ العِلمِ الثَّلاثةَ: السَّمعَ، والنَّظَر، والعَقلَ، والأوَّلانِ مُدرَكُ المَحسوسِ، والثَّالِثُ مُدرَكُ المَعقولِ؛ اكتفَى مِن ذِكرِ مُدرَكِ المحسوسِ بذِكرِ النَّظَرِ، فإنَّه أغرَبُ لِمَا يُشاهَدُ به مِن عَظيمِ المخلوقاتِ على بُعدِها المُتَفاوِتِ، كمُشاهَدتِه النَّيِّراتِ التي في الأفلاكِ. وجعَلَ هنا مَوضِعَ الاعتبارِ والتعَجُّبِ الحَيوانَ الطَّائِرَ، فإنَّ طَيرانَه في الهواءِ مع ثِقَلِ جِسمِه مِمَّا يُعجَبُ منه ويُعتبَرُ به. وتضَمَّنَت الآيةُ أيضًا ذِكرَ مُدرَكِ العَقلِ في كَونِه لا يَسقُطُ؛ إذ ليس تحتَه ما يَدعَمُه، ولا فَوقَه ما يتعَلَّقُ به، فيُعلَمُ بالعَقلِ أنَّه له مُمسِكٌ قادِرٌ على إمساكِه، وهو الله تعالى، كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ [الفاتحة: 19]، فانتظَمَ في الآيةِ ذِكرُ مُدرَكِ الحِسِّ ومُدرَكِ العَقلِ [954] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/575). .
أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ.
أي: ألم يَنظُرُوا [955] ممَّن ذهب إلى أنَّ الآيةَ تنبيهٌ للنَّاسِ: ابنُ كثير، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/590)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/234). وخصَّهم ابنُ جرير، ومكي بالمشركينَ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/316)، ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكي بن أبي طالب (6/4057). إلى الطُّيورِ التي ذلَّلَ اللهُ لها الطَّيرانَ بأجنِحَتِها في الهواءِ بينَ السَّماءِ والأرضِ [956] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/316)، ((البسيط)) للواحدي (13/153)، ((تفسير ابن كثير)) (4/590). .
مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ.
أي: ما يُمسِكُ الطُّيورَ في الجوِّ إلَّا اللهُ بقُدرتِه [957] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/316)، ((تفسير البغوي)) (3/90)، ((تفسير ابن كثير)) (4/590). .
كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ [الملك: 19].
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
أي: إنَّ في تَسخيرِ اللهِ الطُّيورَ للطَّيرانِ في جوِّ السَّماءِ- حيث خلَقَها اللهُ تعالى خِلقةً تَصلُحُ معها للطَّيرانِ، وخلَقَ هذا الهواءَ اللَّطيفَ بحيث يُمكِنُ الطيرانُ فيه، مع إمساكِها في الهواءِ على خلافِ طَبْعِها- لَعَلاماتٍ ودَلالاتٍ على وحدانيَّةِ اللهِ تعالى، وكَمالِ قُدرتِه، وحِكمتِه وعِلْمِه، لِقَومٍ يُؤمِنونَ باللهِ ورُسُلِه [958] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/316)، ((تفسير القرطبي)) (10/152)، ((تفسير البيضاوي)) (3/236)، ((تفسير السعدي)) (ص: 445). .
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80)  .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى ما مَنَّ به عليهم مِن خَلْقِهم، وما خلَقَ لهم مِن مدارِكِ العِلمِ؛ ذكَرَ ما امتَنَّ به عليهم ممَّا يَنتَفِعونَ به في حياتِهم من الأمورِ الخارجةِ عن ذَواتِهم مِنَ البُيوتِ التي يَسكُنونَها، مِن الحَجَرِ والمَدَرِ والأخشابِ وغَيرِها [959] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/576). ، فقال تعالى:
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا.
أي: واللهُ جعَل لكم- أيُّها النَّاسُ- مِن بُيوتِكم- كالتي مِن الحَجَرِ والمَدَرِ والخَشَبِ- مساكِنَ لكم تَستَقِرُّونَ فيها، وتأوُونَ إليها، وتَستَتِرونَ بها، وتقيكم الحَرَّ والبَردَ، وغوائِلَ السِّباعِ والهَوامِّ، وتنتَفِعونَ بها في غيرِ ذلك [960] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/317)، ((تفسير السمرقندي)) (2/284)، ((تفسير ابن كثير)) (4/591)، ((تفسير السعدي)) (ص: 445)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/237-238). .
  وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا
أي: وجعَلَ لكم- أيُّها النَّاسُ- خِيامًا مِن جُلودِ الأنعامِ، أو مِمَّا يَنبُتُ عليها مِن صُوفٍ وشَعرٍ ووَبَرٍ [961] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/317)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (1/153)، ((تفسير ابن كثير)) (4/591)، ((تفسير السعدي)) (ص: 445). .
تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ.
أي: تَجِدونَ الخِيامَ خَفيفةَ الحَملِ والنَّقلِ في تَرْحالِكم، وفي حِلِّكم [962] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/317)، ((تفسير ابن كثير)) (4/591)، ((تفسير السعدي)) (ص: 445)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/238-239). قال ابن عاشور: (أي: خَفيفةُ المَحمَلِ حينَ تَرحَلونَ؛ إذ يَسهُلُ نَقضُها مِن مواضِعِها، وطَيُّها وحَمْلُها على الرَّواحِلِ، وحين تُنيخونَ إناخةَ الإقامةِ في الموضِعِ المُنتَقَلِ إليه، فيَسهُلُ ضَربُها وتَوثيقُها في الأرضِ). ((تفسير ابن عاشور)) (14/238). .
وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ.
أي: واللهُ جعَلَ لكم مِن أصوافِ الغَنَمِ وأوبارِ الإبِلِ وأشعارِ الماعِزِ أثاثًا [963] قال ابنُ كثير: (أَثَاثًا أي: تتَّخِذون منه أثاثًا، وهو المال. وقيل: المتاعُ. وقيل: الثيابُ، والصحيحُ أعَمُّ من هذا كلِّه؛ فإنَّه يُتَّخَذُ من الأثاث البُسُطُ والثيابُ وغير ذلك، ويُتَّخَذُ مالًا وتجارةً). ((تفسير ابن كثير)) (4/591). وقال السعدي: (وهذا شامِلٌ لكُلِّ ما يُتَّخَذُ منها؛ مِن الآنيةِ والأوعيةِ والفُرُشِ والألبِسةِ والأجِلَّةِ، وغيرِ ذلك). ((تفسير السعدي)) (ص: 445). وقال ابن عاشور: (والأَثاثُ- بفتح الهمزة- اسمُ جمعٍ للأشياء التي تُفرَشُ في البيوت من وسائِدَ وبُسُطٍ وزرابيَّ، وكلُّها تُنسَجُ أو تُحشى بالأصواف والأشعار والأوبار، والمتاع أعمُّ مِن الأثاثِ). ((تفسير ابن عاشور)) (14/239). تتَّخِذونَه لبُيوتِكم، وبَلاغًا تتبلَّغونَ وتَستَمتِعونَ به إلى أجَلٍ [964] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/318، 319)، ((تفسير ابن كثير)) (4/591)، ((تفسير السعدي)) (ص: 445)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/238). قيل: معنى إِلَى حِينٍ: أي: إلى انقضاءِ آجالِهم بالموتِ. وممَّن ذهب إلى ذلك: ابنُ جريرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/319). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباس، ومجاهدٌ، وقتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/319)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/576). وقيل: المرادُ: إلى وقتٍ غيرِ معينٍ، بحسبِ كلِّ إنسانٍ في فقدِ ذلك. وممن ذهب إلى هذا المعنى: ابنُ عطيةَ، والقرطبي، والبقاعي. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/412)، ((تفسير القرطبي)) (10/159)، ((نظم الدرر)) (11/226). قال ابن عطية: (قَولُه: إِلَى حِينٍ يريدُ به وقتًا غيرَ مُعيَّنٍ، وهو بحسَبِ كُلِّ إنسانٍ، إمَّا بموتِه، وإمَّا بفقد تلك الأشياءِ التي هي أثاثٌ). ((تفسير ابن عطية)) (3/412). وقال ابن كثير: (قولُه: إِلَى حِينٍ أي: إلى أجَلٍ مُسمًّى ووقتٍ معلومٍ). ((تفسير ابن كثير)) (4/591). قال الزمخشري: (إِلَى حِينٍ إلى أن تقضُوا منه أوطارَكم، أو إلى أن يَبلَى ويفنَى، أو إلى أن تموتوا). ((تفسير الزمخشري)) (2/625). ويُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/576). .
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى ما مَنَّ به عليهم ممَّا سبَقَ ذِكرُه، وكانت بِلادُهم غالِبًا عليها الحَرُّ؛ ذكَرَ امتِنانَه عليهم بما يَقيهم الحَرَّ مِن خَلقِ الأجرامِ التي لها ظِلٌّ، كالشَّجرِ وغَيرِه مِمَّا يَمنَعُ مِن أذَى الشَّمسِ [965] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/577). .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى ما يخُصُّ النَّاسَ؛ أتبَعَه ما يُشارِكونَ فيه سائِرَ الحيواناتِ، فقال تعالى [966] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/226). :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا.
أي: واللهُ جعَلَ لكم ممَّا خلَقَ مِن الأشجارِ والسَّحابِ والجِبالِ والبُيوتِ وغَيرِها [967] قال ابن عطية: (قولُه: مِمَّا خَلَقَ يعُمُّ جميعَ الأشخاصِ المُظِلَّةِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/412). وقال ابن تيمية: (فالظِّلالُ يعُمُّ جَميعَ ما يُظِلُّ مِن العُرُشِ والفساطيطِ والسُّقوفِ، مِمَّا يَصطَنِعُه الآدميُّونَ). ((مجموع الفتاوى)) (15/220). ظِلالًا تستظلُّون بها من حرارة الشَّمس [968] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/320)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 615)، ((تفسير ابن عطية)) (3/412)، ((تفسير السعدي)) (ص: 446). قال ابنُ عطية: (نِعَمٌ عَدَّدَها اللهُ عليهم بحسَبِ أحوالِهم وبلادِهم، وأنَّها الأشياءُ المُباشِرةُ لهم؛ لأنَّ بلادَهم مِن الحرارةِ وقَهرِ الشَّمسِ بحيثُ للظِّلِّ غَناءٌ عَظيمٌ، ونَفعٌ ظاهِرٌ). ((تفسير ابن عطية)) (3/412). .
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا.
أي: وجعل لكم مِن الجِبالِ مَغاراتٍ وحُصونًا تَحمِيكم مِن الحَرِّ والبَردِ، والأمطارِ والأعداءِ [969] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/321)، ((تفسير ابن كثير)) (4/591)، ((تفسير السعدي)) (ص: 446). قال ابن تيمية: (فَرقٌ بين الظِّلالِ والأكنانِ؛ فإنَّ الظِّلالَ يكونُ بالشَّجرِ ونحوِه مِمَّا يُظِلُّ ولا يَكُنُّ، بخلافِ ما في الجِبالِ مِن الغِيرانِ؛ فإنَّه يُظِلُّ ويَكُنُّ). ((مجموع الفتاوى)) (16/160-161). .
وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ.
أي: وجعَلَ لكم ثِيابًا تَدفَعُ عنكم ضَرَرَ الحَرِّ [970] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/321)، ((تفسير الشوكاني)) (3/221)، ((تفسير السعدي)) (ص: 446). .
وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ.
أي: وجعَلَ لكم ثِيابًا- كالدُّروعِ وغَيرِها- تدفَعُ عنكم وقتَ الحَربِ ضَرَرَ السِّلاحِ [971] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/321)، ((تفسير ابن كثير)) (4/591)، ((تفسير الشوكاني)) (3/221)، ((تفسير السعدي)) (ص: 446)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/240)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/420). قال ابنُ عاشور: (وإضافتُه [أي: البأس] إلى الضَّميرِ على معنى التَّوزيعِ، أي: تقي بعضَكم بأسَ بَعضٍ، كما فُسِّرَ به قولُه تعالى: وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [سورة الأنعام: 65]). ((تفسير ابن عاشور)) (14/240). .
كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ.
أي: كما أعطاكم اللهُ هذه النِّعَمَ، فكذلك يُتِمُّ نِعمَتَه عليكم بما تحتاجونَ إليه في دينِكم ودُنياكم؛ لتُخلِصوا له العِبادةَ، وتَخضَعوا له، وتَنقادوا لأمْرِه؛ لِما تَرَونَ مِن كَثرةِ إحسانِه بما لا يَقدِرُ عليه غيرُه، ولِتَكونَ تلك النِّعَمُ عَونًا لكم على طاعتِه سُبحانَه [972] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/322)، ((تفسير ابن كثير)) (4/591)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/227)، ((تفسير السعدي)) (ص: 446). .
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82).
أي: فإنْ أعرَضَ المُشرِكونَ- يا مُحمَّدُ- عن دَعوتِك بعدَ هذا البَيانِ والامتنانِ، والتَّذكيرِ بالنِّعَم والإحسانِ، فلم يُؤمِنوا بك ويَستَجيبوا لك؛ فما عليك مِن لَومٍ ولا عِتابٍ؛ إذ ليس عليك إلَّا تَبليغُهم ما أرسَلَك اللهُ به تبليغًا واضِحًا، وقد أدَّيتَه إليهم، وليس عليك هدايتُهم ولا حِسابُهم [973] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/324)، ((تفسير القرطبي)) (10/161)، ((تفسير ابن كثير)) (4/591)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/228)، ((تفسير الشوكاني)) (3/222)، ((تفسير السعدي)) (ص: 446). .
يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83).
أي: يَعرِفُ المُشرِكونَ نِعَمَ اللهِ عليهم، ثم يَجحَدونَها، فلا يَشكُرونَ اللهَ عليها، ويَنسُبونَها إلى غَيرِه، ويُشرِكونَ به في عبادتِه [974] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 248)، ((تفسير ابن كثير)) (4/592)، ((تفسير الشوكاني)) (3/222)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/242)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/420). وممَّن اختار هذا القول: ابن قتيبة، وابن كثير، والشوكاني، وابن عاشور، والشنقيطي. يُنظر: المصادر السابقة. وممن قال بنحو هذا القَولِ مِن السَّلَفِ: ابنُ السائب، ومجاهد في رواية عنه، وعبد الله بن كثير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/326)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/577). وقيل: المعنى: يعرف المشركون نعمةَ الله عليهم بإرسالِ محمَّدٍ عليه الصلاة والسلام، ثمَّ يجحدون نبوَّتَه، وأكثرُهم الجاحدون نبوَّتَه مع عِلمِهم بصدقِه. وممن اختار هذا المعنى: ابن جرير، والزجاج. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/326، 327)، ((معاني القرآن)) للزجاج (3/216). وممن قال بهذا القول من السلف: مجاهد، والسدِّي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/325)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/577). قال ابن القيم: (وقالت طائفةٌ: النعمةُ هاهنا محمدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإنكارُها: جحدُهم نبوَّتَه. وهذا يُروى عن مجاهد والسدِّي، وهذا أقرب إلى حقيقة الإنكارِ؛ فإنَّه إنكارٌ لِما هو أجلُّ النِّعَمِ أن تكونَ نِعمةً). ((شفاء العليل)) (ص: 36). ، وأكثرُهم الكافرون [975] قال الشوكاني: (وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ أي: الجاحدون لنِعَمِ الله، أو الكافرون بالله، وعبَّرَ هنا بالأكثر عن الكلِّ، أو أراد بالأكثر العقلاءَ دون الأطفالِ ونحوِهم، أو أراد كُفرَ الجحودِ، ولم يكن كفرُ كُلِّهم كذلك، بل كان كفرُ بعضِهم كفرَ جهلٍ، وكفرُ بعضِهم بسببِ تكذيبِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، مع اعترافهم بالله وعدَمِ الجَحدِ لربوبيَّتِه). ((تفسير الشوكاني)) (3/222). .

الفوائد التربوية:


1- قال الله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ هذا الصُّنعُ باعِثٌ على شُكرِ اللهِ بتَوحيدِه، ونَبذِ الإشراكِ؛ فإنَّ الإنعامَ يَبعَثُ العاقِلَ على الشُّكرِ؛ لهذا قال تعالى عَقِبَه: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [976] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/231). .
2- قَولُ اللهِ تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ خَصَّ هذه الأعضاءَ الثَّلاثةَ؛ لِشَرَفِها وفَضلِها، ولأنَّها مِفتاحٌ لكُلِّ عِلمٍ، فلا وَصَلَ للعبدِ عِلمٌ إلَّا مِن أحَدِ هذه الأبوابِ الثَّلاثةِ، وإلَّا فسائِرُ الأعضاءِ والقُوى الظَّاهِرةِ والباطنةِ هو الذي أعطاهم إيَّاها، وجعَلَ يُنَمِّيها فيهم شيئًا فشيئًا إلى أن يَصِلَ كُلُّ أحدٍ إلى الحالةِ اللَّائقةِ به؛ وذلك لأجلِ أن يَشكُروا اللهَ، باستعمالِ ما أعطاهم مِن هذه الجوارِحِ في طاعةِ اللهِ، فمَنِ استعمَلَها في غيرِ ذلك كانت حُجَّةً عليه، وقابَلَ النِّعمةَ بأقبَحِ المُقابَلةِ [977] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 445). .
3- أخبَرَ سُبحانَه أنَّ الشُّكرَ هو الغايةُ مِن خَلقِه وأمْرِه، بل هو الغايةُ التى خلَقَ عَبيدَه لأجْلِها وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فهذه غايةُ الخَلقِ، وغايةُ الأمرِ [978] يُنظر: ((عدة الصابرين)) لابن القيم (ص: 119). .
4- المقصودُ مِن قَولِ اللهِ تعالى: وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ الوَعظُ بأنَّهم صائِرونَ إلى زَوالٍ يَحولُ دونَ الانتفاعِ بها؛ لِيَكونَ النَّاسُ على أُهْبةٍ واستعدادٍ للآخِرةِ، فيَتَّبِعوا ما يُرضي اللهَ تعالى، كما قال تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا [980] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/239). [الأحقاف: 20].

الفوائد العلمية واللطائف:


1- الأصلُ في الإنسانِ الجَهلُ، وهو ما يدُلُّ على نَقصِه؛ حيث كان ذلك هو الأصلَ فيه؛ قال الله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا، ثمَّ قال عزَّ وجلَّ: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ، فبَيَّنَ طُرُقَ العِلمِ: السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وبهما الإدراكُ، ووَالْأَفْئِدَةَ وبها الوعيُ والحِفظُ [981] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- الفاتحة والبقرة)) (2/165). . وبما أنَّ الأصلَ في النَّاسِ الجَهلُ- استدلالًا بهذه الآيةِ- فلا يجوزُ استِفتاءُ رَجُلٍ غيرِ مَشهورٍ بالعِلمِ، حتى يُبحَثَ عن عِلمِه، ومَن ادَّعى جَهلَ شَيءٍ كان القَولُ قَولَه؛ لِمُوافقَتِه للأصلِ [982] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:163). .
2- في ضِمنِ قَولِه تعالى: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ إثباتُ النُّطقِ؛ لأنَّ مَن لم يسمَعْ لم يتكَلَّمْ، وإذا وُجِدَت حاسَّةُ السَّمعِ وُجِدَ النُّطقُ [983] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/151). .
3- السَّمعُ والبَصَرُ، هاتان الحاسَّتانِ هما الأصلُ في العِلْمِ بالمعلوماتِ التي يمتازُ بها الإنسانُ عن البَهائمِ؛ ولِهذا يَقرُنُ اللهُ تعالى بينهما وبينَ الفُؤادِ في مواضِعَ مِن كِتابِه؛ مِن ذلك قَولُه تعالى: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ [984] يُنظر: ((الرد على المنطقيين)) لابن تيمية (ص: 96). ، فهما أعظَمُ آلاتِ الإدراكِ؛ إذ بهما إدراكُ أهَمِّ الجُزئيَّاتِ، وهما أقوى الوَسائِلِ لإدراكِ العُلومِ الضَّروريَّةِ [985] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/232). .
4- قَولُ اللهِ تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ فيه جوازُ الانتفاعِ بجلودِ الأنعامِ [986] عامةُ أهلِ العلمِ على تقييدِ قولِه: جُلُودِ الْأَنْعَامِ بجلودِ الأنعامِ المذكَّاةِ، أو بما بعدَ الدِّباغِ. يُنظر: ((تيسير البيان لأحكام القرآن)) لابن نور الدين (3/391). ، والانتفاعِ بصوفِ الغنمِ، ووبرِ الإبلِ، وشعرِ المعزِ والبقرِ [987] يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/149)، ((أحكام القرآن)) لابن الفرس (3/249)، ((الإكليل)) للسيوطي (ص:163). .
5- مِن الدَّليلِ على خَلقِ أعمالِ العِبادِ قَولُه تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ فأخبَرَ أنَّه هو الذي جعَلَ السَّرابيلَ، وهي الدُّروعُ والثِّيابُ المصنوعةُ، ومادَّتُها لا تُسَمَّى سرابيلَ إلَّا بعدَ أن تُحيلَها صَنعةُ الآدميِّينَ وعَمَلُهم، فإذا كانت مَجعولةً لله فهي مخلوقةٌ له تعالى، بجُملَتِها وصُورتِها، ومادَّتِها وهيئاتِها [988] يُنظر: ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 54- 55). .
6- قَولُ اللهِ تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ فيه سؤالٌ: ما معنى قَولِه تعالى: وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ مع أنَّه كان كُلُّهم كافرينَ؟
الجوابُ مِن وجهينِ:
الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ كَلِمةِ (أكثَر) وكَلِمة (الكافِرون) أنَّ الذين وُصِفوا بأنَّهم الكافِرونَ هم غالِبُ المُشرِكينَ لا جَميعُهم، فيُحمَلُ المُرادُ بالغالبِ على دَهماءِ المُشرِكينَ؛ فإنَّ مُعظَمَهم بُسَطاءُ العُقولِ، بُعَداءُ عن النَّظَرِ، فهم لا يشعُرونَ بنِعمةِ الله، فإنَّ نِعمةَ اللهِ تقتضي إفرادَه بالعبادةِ. فكان إشراكُهم راسِخًا، بخلافِ عُقَلائِهم وأهلِ النَّظَرِ؛ فإنَّ لهم ترَدُّدًا في نُفوسِهم، ولكِنْ يَحمِلُهم على الكُفرِ حُبُّ السِّيادةِ في قَومِهم، وقد تقَدَّمَ قَولُه تعالى فيهم: وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [المائدة: 103]، وهم الذين قال الله تعالى فيهم في الآيةِ الأخرى: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [989] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/243). [الأنعام: 33]. أو: لأنَّه كان فيهم مَن لم تقُمْ عليه الحُجَّةُ مِمَّن لم يَبلُغْ حَدَّ التَّكليفِ، أو كان ناقِصَ العَقلِ مَعتوهًا، فأراد بالأكثَرِ البالِغينَ الأصِحَّاءَ. أو: يكون المرادُ بالكافِرِ: الجاحدَ المعانِدَ، وحينَئذٍ يكونُ قد قال: وَأَكْثَرُهُمْ؛ لأنَّه كان فيهم مَن لم يكُنْ مُعانِدًا، بل كان جاهِلًا بصِدقِ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما ظهَرَ له كونُه نبيًّا مِن عندِ الله.
الثاني: أنَّه ذكَرَ الأكثَرَ، والمرادُ الجميعُ؛ لأنَّ أكثرَ الشَّيءِ يقومُ مَقامَ الكُلِّ، فذِكرُ الأكثَرِ كذِكْرِ الجَميعِ، وهذا كقولِه تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [990] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/255). [لقمان: 25].
7- في قَولِه تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا اجتماعُ الضِّدَّيْنِ في القلبِ؛ فجَمَعَ بين المعرفةِ والإنكارِ، وهذا كما يجتَمِعُ في الشَّخصِ الواحدِ خَصلةُ إيمانٍ وخَصلةُ كُفْرٍ، وخَصلةُ فُسوقٍ وخَصلةُ عَدالةٍ [991] يُنظر: ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (2/207). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
- قولُه: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ فيه تقديمُ المجرورِ لَكُمْ على المَنْصوباتِ؛ للإيذانِ مِن أوَّلِ الأمرِ بكَوْنِ المجعولِ نافِعًا لهم، ولِتَشويقِ النَّفسِ إلى المؤخَّرِ؛ لِيَتمكَّنَ عِندَ وُرودِه عليها فَضْلَ تَمكُّنٍ [992] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/132). .
- واقتَصَر على السَّمعِ والأبصارِ مِن بينِ الحواسِّ؛ لأنَّهما أهَمُّ، ولأنَّ بهما إدراكَ دَلائلِ الاعتقادِ الحقِّ [993] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/234). . وتقديمُ السَّمعِ على البصَرِ؛ لِمَا أنَّه طريقُ تَلقِّي الوحيِ، أو لأنَّ إدراكَه أقدَمُ من إدراكِ البصَرِ، وإفرادُه باعتبارِ كونِه مصدرًا في الأصلِ [994] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/132). .
- وجمَع (الأبصار والأفئدة) ولم يَجمعِ (السَّمعَ)، والحِكمةُ في ذلك هي: أنَّ السَّمع قوَّةٌ واحدةٌ، ولها فِعلٌ واحدٌ؛ فالإنسانُ لا يضبطُ في زمانٍ واحدٍ كلامين، والأذنُ مَحلُّ السَّمعِ ولا اختيارَ لها فيه؛ فإنَّ الصوتَ مِن أيِّ جانبٍ كان يَصِلُ إليه، ولا قُدرةَ لها على تَخصيصِ القُوَّةِ بإدراكِ البعضِ دونَ البَعضِ. وأما الإبصارُ فمَحلُّه العينُ ولها فيه شِبهُ اختيارٍ؛ فإنها تتحرَّكُ إلى جانبٍ مرئيٍّ دون آخَرَ، وكذلك الفؤادُ محلُّ الإدراكِ وله نوعُ اختيارٍ يلتفتُ إلى ما يُريدُ دون غَيرِه [995] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/142). . وقيل: جَمَعَ (الأبصارَ والأفئِدةَ) دونَ السَّمعِ؛ لأنَّ التَّفاوُتَ فيهما أكثَرُ مِن التَّفاوُتِ فيه، بما لا يَعلَمُه إلَّا اللهُ تعالى [996] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/222). . وقيل: جمَع الأبصارَ والأفئدةَ باعتبارِ تعدُّدِ أصحابِها، وأمَّا إفرادُ السَّمعِ فجَرَى على الأصلِ في إفرادِ المصدرِ؛ لأنَّ أصْلَ السَّمعِ أنَّه مَصدرٌ. وقيل: الجمعُ باعتبارِ المُتعلَّقاتِ؛ فلمَّا كان البصرُ يَتعلَّقُ بأنواعٍ كثيرةٍ مِن الموجوداتِ وكانتِ العقولُ تُدرك أجناسًا وأنواعًا، جُمِعَا بهذا الاعتبارِ، وأُفرِدَ السمعُ؛ لأنَّه لا يَتعلَّقُ إلَّا بنوعٍ واحدٍ، وهو الأصواتُ [997] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/104). .
2- قوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ موقِعُ هذه الجملةِ مَوقِعُ التَّعليلِ والتَّدليلِ على عَظيمِ قُدرةِ اللهِ وبَديعِ صُنعِه وعلى لُطفِه بالمخلوقاتِ، فإنَّه لَمَّا ذَكَر مَوهِبةَ العقلِ والحواسِّ الَّتي بها تَحصيلُ المنافِعِ، ودَفعُ الأضرارِ- نبَّه النَّاسَ إلى لُطفٍ يُشاهِدونه أَجْلى مُشاهَدةٍ لأضعَفِ الحيَوانِ، بأنَّ تَسخيرَ الجوِّ للطَّيرِ وخَلْقَها صالِحةً لأنْ تُرفرِفَ فيه بدُونِ تَعليمٍ هو لُطفٌ بها، اقْتَضاه ضَعفُ بُنيانِها؛ إذ كانَت عادِمةَ وَسائلِ الدِّفاعِ عن حَياتِها، فجعَل اللهُ لها سُرعةَ الانتقالِ معَ الابتعادِ عن تَناوُلِ ما يَعْدو عليها مِن البشَرِ والدَّوابِّ. فلأَجْلِ هذا الموقِعِ لم تُعطَفِ الجملةُ على الَّتي قَبْلَها؛ لأنَّها ليس في مَضمونِها نِعمةٌ على البشَرِ، ولكنَّها آيةٌ على قُدرةِ اللهِ تعالى وعِلْمِه، بخِلافِ نَظيرتِها في سورةِ (المُلكِ): أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ [الملك: 19]، فإنَّها عُطِفَت على آياتٍ دالَّةٍ على قُدرةِ اللهِ تعالى؛ ولذلك المعنى عُقِّبَت هذه الآيةُ وَحْدَها بجُملةِ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [998] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/232). .
- قولُه: أَلَمْ يَرَوْا... الاستِفْهامُ إنكاريٌّ، معناه: إنكارُ انْتِفاءِ رؤيتِهم الطَّيرَ مُسخَّراتٍ في الجوِّ بتَنْزيلِ رُؤيتِهم إيَّاها مَنزِلةَ عدَمِ الرُّؤيةِ؛ لانْعِدامِ فائدةِ الرُّؤيةِ مِن إدراكِ ما يَدُلُّ عليه المَرْئيُّ مِن انفرادِ اللهِ تعالى بالإلهيَّةِ [999] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/235). .
- قولُه: مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ فيه مُناسَبةٌ حسَنةٌ، حيث قال في سورةِ (المُلكِ): مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ [الملك: 19]؛ فورَد في الأولى: مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ وفي الثَّانيةِ: إِلَّا الرَّحْمَنُ، قيل في وجهِ ذلك: إنَّ آيةَ سورةِ (المُلكِ) لَمَّا انطَوَتْ على ذِكْرِ حالَينِ للطَّائرِ مِن صَفِّ جَناحَيه وقَبْضِهما، وهما حالَتان يَستريحُ إليهِما الطَّائرُ، فتارةً يَصُفُّ جَناحَيه كأنَّه لا حرَكةَ به، وتارَةً يَقبِضُهما إلى جنبَيْه حتَّى يُلزِقَهما بهِما، ثمَّ يَبسُطُهما ويَقبِضُهما مُوالاةً بسُرعةٍ كما يَفعَلُ السَّابِحُ، فناسَب هذا الإنعامَ منه تعالى وُرودُ اسْمِه الرَّحمنِ. أمَّا آيةُ (النَّحلِ) فلَم يَرِدْ فيها ذِكرُ هذه الاستراحةِ، فقيل هنا: مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ، وتَناسَب ذلك، ولم يُناسِبْ عَكسُ الوارِدِ [1000] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/305-306). .
- وجملةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ مُستأنَفةٌ استِئْنافًا بَيانيًّا؛ لأنَّ الإنكارَ على المشرِكين عدَمَ الانتفاعِ بما يرَوْنه مِن الدَّلائلِ يُثيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السَّامعِ: أكان عدَمُ الانتفاعِ بدَلالةِ رُؤيةِ الطَّيرِ عامًّا في البشَرِ؟ فيُجابُ بأنَّ المؤمِنين يَستدِلُّون مِن ذلك بدَلالاتٍ كثيرةٍ. والتَّأكيدُ بـ (إنَّ) مُناسِبٌ لاستفهامِ الإنكارِ على الَّذين لم يَرَوْا تلك الآياتِ؛ فأُكِّدَت الجملةُ الدَّالَّةُ على انتِفاعِ المؤمِنين بتلك الدَّلالةِ؛ لأنَّ الكلامَ مُوجَّهٌ للَّذينَ لم يَهْتَدوا بتِلك الدَّلالةِ؛ فهُم بمَنْزلةِ مَن يُنكِرُ أنَّ في ذلك دَلالةً للمُؤمِنين؛ لأنَّ المشرِكين يَنظُرون بمِرْآةِ أنفُسِهم [1001] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/235- 236). .
- قولُه: لَآيَاتٍ فيه جمْعُ الآياتِ؛ لأنَّ في الطَّيرِ دَلائِلَ مُختلِفةً: مِن خِلْقةِ الهواءِ، وخِلْقةِ أجسادِ الطَّيرِ مُناسِبةً للطَّيَرانِ في الهواءِ، وخَلْقِ الإلهامِ للطَّيرِ بأن يَسبَحَ في الجوِّ، وبأن لا يَسقُطَ إلى الأرضِ إلَّا بإرادتِه [1002] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/236). ؛ ولِمَا في ذلك مِن الآياتِ: خِفَّةِ الطَّائرِ الَّتي جعَلها اللهُ فيه لأنْ يَرتفِعَ بها، وثِقَلِه الَّذي جعَله فيه لأنْ يَنزِلَ، والفَضاءِ الَّذي بينَ السَّماءِ والأرضِ، والإمساكِ الَّذي للهِ تعالى، أو جَمَع باعتبارِ ما في هذه الآيةِ والَّتي قَبْلَها [1003] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/576). .
- قولُه: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ خُصُّوا بالذِّكرِ؛ لأنَّهم هم الَّذين ينتَفِعون بالاعتبارِ، ويتفَكرونَ فيما جُعِلَت آيةً عليه، وأمَّا غَيرُهم فإنَّ نظَرَهم نظَرُ لَهوٍ وغَفلةٍ، وأيضًا لِتَضمُّنِ الآيةِ أنَّ المسخِّرَ والممسِكَ لها هو اللهُ، فهو إخبارٌ منه تعالى ما يُصدِّقُ به إلَّا المؤمِنُ [1004] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/252)، ((تفسير أبي حيان)) (6/576) )، ((تفسير السعدي)) (ص: 445). ، وكذلك خُصَّتِ الآياتُ بالمؤمنينِ؛ لأنَّهم بِخُلقِ الإيمانِ قد أَلِفوا إعمالَ تَفْكيرِهم في الاستدلالِ على حقائقِ الأشياءِ، بخِلافِ أهلِ الكُفرِ، فإنَّ خُلقَ الكُفرِ مَطْبوعٌ على النُّفْرةِ مِن الاقتداءِ بالنَّاصِحينَ وعلى مُكابَرةِ الحقِّ [1005] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/236). .
3- قوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ
- قولُه: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا... فيه تقديمُ لَكُمْ على ما سيَأتي مِن المجرورِ والمنصوبِ؛ للإيذانِ مِن أوَّلِ الأمرِ بأنَّه لِمَصلَحتِهم ومنفَعتِهم، ولِتَشويقِ النَّفسِ إلى وُرودِه [1006] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/132). .
- وفي هذه الآيَةِ ترتيبٌ بديعٌ، حيث ذكَر أوَّلًا ما غالِبُ البيوتِ عليه؛ مِن كونِها لا تُنقَلُ، بل يَنتقِلُ النَّاسُ إليها. ثمَّ ذكَر ثانيًا ما منَّ به علَينا مِن المتَّخَذِ مِن جُلودِ الأنعامِ، وهو ما يَنتقِلُ مِن القِبابِ والخِيامِ والفَساطيطِ الَّتي مِن الأَدَمِ، أو ذكَرَ أوَّلًا البيوتَ على طَريقِ العُمومِ، ثمَّ ذكَر بُيوتَ الجُلودِ خُصوصًا تَنْبيهًا على حالِ أكثَرِ العربِ؛ فإنَّهم لانْتِجاعِهم إنَّما بُيوتُهم مِن الجُلودِ [1007] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/576). .
- قوله: وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ، اقتَصَر على هذه الثَّلاثةِ؛ لأنَّ بلادَهم لم تكُنْ بِلادَ قُطنٍ وكَتَّانٍ وحريرٍ، واندرَجَت في قَولِه بعدَ ذلك: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [1008] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/577). ، وإنَّما عدَّد عليهم ما أنعَم به عليهم، وخُوطبوا فيما عرَفوا بما فهِموا، وما قام مَقامَ هذه، وناب منابَها فيدخلُ في الاستعمالِ والنعمةِ مدخلَها [1009] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/154). .
4- قوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ
- قولُه: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا فذكَر الجبالَ، ولم يذكُرِ السَّهلَ؛ لأنَّهم كانوا أصحابَ جِبالٍ، ولم يكونوا أصحابَ سَهلٍ، فذكَرَ لهم نِعَمَه التي تختَصُّ بهم، وأيضًا: فذِكْرُ أحدِهما يدُلُّ على الآخَرِ [1010] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/160). .
- قولُه: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ، أي: والبَرْدَ، وإنَّما حَذَفه؛ لِدَلالةِ ضِدِّه عليه، وخَصَّ الحرَّ بالذِّكرِ؛ لأنَّ الخِطابَ بالقرآنِ أوَّلَ ما وقَع بالحِجازِ، والوِقايةُ مِن الحَرِّ أهَمُّ عندَ أهلِه [1011] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/625)، ((تفسير أبي حيان)) (6/577)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 312). .
وقيل: حُذِفَ الآخَرُ للعِلمِ به. ويُقالُ: هذا مِن بابِ التَّنبيهِ؛ فإنَّه إذا امتَنَّ عليهم بما يقي الحَرَّ فالامتِنانُ بما يقي البَرْدَ أعظَمُ؛ لأنَّ الحَرَّ أذًى؛ والبَردَ بُؤسٌ، والبَردُ الشَّديدُ يَقتُلُ، والحَرُّ قَلَّ أن يقَعَ فيه هكذا، فإنَّ بابَ التَّنبيهِ والقياسِ كما يكونُ في خِطابِ الأحكامِ يكونُ في خِطابِ الآلاءِ، وخِطابِ الوَعدِ والوَعيدِ.
وقيل: إنَّه قد تقَدَّمَ ذِكرُ وقايةِ البَردِ في أوَّلِ السُّورةِ بقَولِه تعالى: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [النحل: 5] فيُقالُ: لمَ فَرَّقَ هذا؟ فيُقالُ- واللهُ أعلَمُ: المذكورُ في أوَّلِ السُّورةِ النِّعَمُ الضَّروريَّةُ التي لا يقومونَ بدُونِها: مِن الأكلِ وشُربِ الماءِ القَراحِ (الصافي الخالص)، ودَفعِ البَردِ، والرُّكُوبِ الذي لا بُدَّ منه في النُّقلةِ، وفي آخِرِها ذكَرَ كمالَ النِّعَمِ: من الأشْرِبةِ الطَّيِّبةِ، والسُّكونِ في البُيوتِ، وبيوتِ الأَدمِ، والاستِظلالِ بالظِّلالِ، ودَفعِ الحَرِّ والبَأسِ بالسَّرابيلِ، ففي الأوَّلِ الأُصولُ، وفي الآخِرِ الكَمالُ؛ ولهذا قال: كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [1012] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/218-219). .
- قولُه: كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ تَذييلٌ لِمَا ذكَر مِن النِّعمِ [1013] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/237). .
5- قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ تفريعٌ على جملةِ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ، وقَع اعتِراضًا بينَ جُملةِ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ، وجُملةِ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، وقد حوَّل الخِطابَ عنهم إلى خِطابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو نوعٌ مِن الالْتِفاتِ، فيه الْتفاتٌ مِن أسلوبٍ إلى أسلوبٍ، والْتِفاتٌ عمَّن كان الكلامُ مُوجَّهًا إليه بتَوجيهِ الكلامِ إلى شَخصٍ آخَرَ، والمعنى: كذَلك يُتِمُّ نِعمَتَه علَيكم لِتُسلِموا، فإن لم يُسْلِموا فإنَّما عليك البَلاغُ، والمقصودُ: تَسْليةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على عدَمِ استِجابَتِهم [1014] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/578)، ((تفسير أبي السعود)) (5/133). .
- قولُه: فَإِنْ تَوَلَّوْا يَحتمِلُ أن يَكونَ ماضِيًا، أي: فإن أعرَضوا عن الإسلامِ، ويَحتمِلُ أن يَكونَ مُضارِعًا، أي: فإن تتَولَّوْا، وحُذِفَت التَّاءُ، ويكونَ جارِيًا على الخِطابِ السَّابقِ، والماضي على الالتفاتِ [1015] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/578)، ((تفسير أبي السعود)) (5/133). .
- وفي قولِه: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ذكَر سبَبَ العُذرِ وهو البَلاغُ؛ لِيَدُلَّ على المسبَّبِ؛ فالتَّقديرُ: فإن تَولَّوْا فلم يَقبَلوا مِنك فقد تَمهَّد عُذرُك بعدَما أدَّيتَ ما وجَب عليك مِن التَّبليغِ [1016] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/626). ، والقصرُ إضافيٌّ، أي: ما علَيك إلَّا البلاغُ لا تَقْليبُ قُلوبِهم إلى الإسلامِ، أوْ: لا تَولِّي جَزائِهم على الإعراضِ، بل علَينا جَزاؤُهم، وجُعِل هذا جَوابًا لجُملةِ فَإِنْ تَوَلَّوْا مِن إقامةِ السَّببِ والعِلَّةِ مَقامَ المسبَّبِ والمعلولِ، وتقديرُ الكلامِ: فإنْ تَولَّوْا فلا تَقْصيرَ ولا مُؤاخَذةَ عليك؛ لأنَّك ما عليك إلَّا البَلاغُ [1017] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/237- 238). .
6- قوله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ إخبارٌ عنهم على سَبيلِ التَّقْريعِ والتَّوبيخِ [1018] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/578). ، وهو استئنافٌ لبيانِ أنَّ تَولِّيَهم وإعراضَهم عن الإسلامِ ليس لِعَدمِ مَعرفتِهم بما عدَّد مِن نِعَمِ اللهِ تعالى أصلًا؛ فإنَّهم يَعرِفونها ويَعترِفون أنَّها مِن اللهِ تعالى [1019] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/134). ، ولأنَّ تَولِّيَهم عن الإسلامِ مع وَفْرةِ أسبابِ اتِّباعِه يُثيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السَّامعِ: كيف خَفِيَت عليهم دَلائلُ الإسلامِ؟ فيُجابُ بأنَّهم عرَفوا نِعمةَ اللهِ، ولكنَّهم أعرَضوا عنها إنكارًا ومُكابَرةً [1020] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/242). .
- قولُه: ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا معنى (ثُمَّ) هنا: للدَّلالةِ على أنَّ إنكارَهم مُستبعَدٌ بعدَ حُصولِ المعرفةِ؛ لأنَّ حقَّ مَن عرَف النِّعمةَ أن يَعترِفَ لا أن يُنكِرَ [1021] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/626)، ((تفسير أبي حيان)) (6/578). ؛ فـ (ثمَّ) للتَّراخي الرُّتْبيِّ، كما هو شأنُها في عَطْفِ الجُمَلِ؛ فهو عطفٌ على جملةِ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ، وكأنَّه قيل: ويُنكِرونها؛ لأنَّ (ثمَّ) لَمَّا كانت للعطفِ اقتَضَتِ التَّشريكَ في الحكمِ، ولَمَّا كانت للتَّراخي الرُّتبيِّ زال عنها مَعْنى المُهْلةِ الزَّمانيَّةِ الموضوعةِ هي له؛ فبَقِي لها معنى التَّشريكِ، وصارت المهلةُ مُهلةً رُتبيَّةً؛ لأنَّ إنكارَ نعمةِ اللهِ أمرٌ غريبٌ [1022] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/242). .