موسوعة التفسير

سورةُ النَّحلِ
الآيات (73-77)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ

غريب الكلمات:


أَبْكَمُ: هو الذي يُولَدُ أخرَسَ، فالخرسُ ملازمٌ له منذُ ولادتِه، وكلُّ أبكمَ أخرسُ، وليس كلُّ أخرسَ أبكمَ، والبَكَمُ: آفَةٌ في اللِّسانِ مانِعةٌ من الكلامِ [876] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 128)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/284)، ((المفردات)) للراغب (ص: 140)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 15)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/227). .
كَلٌّ: أي: ثقيلٌ، عالةٌ على غَيرِه، وأصلُه مِن الغِلَظِ الذي هو نَقيضُ الحِدَّةِ، يقالُ: كَلَّ السِّكينُ كُلولًا: إذا غَلُظَت شَفْرتُه فلم يَقطَعْ [877] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 247)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 391)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/121)، ((البسيط)) للواحدي (13/146)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/219). .
كَلَمْحِ : اللمحُ: النظرُ بسرعةٍ، واللَّمْحُ أيضًا: لمعانُ البرقِ، وأصلُ (لمح): يدلُّ على لمعِ شيءٍ [878] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/314)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/209)، ((تفسير القرطبي)) (10/150)، ((المفردات)) للراغب (ص: 746). .

مشكل الإعراب:


قوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ
شَيْئًا: في نَصْبِه ثلاثةُ أوجُهٍ، أحدُها: أنَّه نائبٌ عن المَصدَرِ منصوبٌ على المفعوليَّةِ المُطلَقةِ، أي: ما لا يَملِكُ لهم شَيئًا مِن المِلكِ، لا قليلًا ولا كثيرًا. والثاني: أنَّه منصوبٌ على المفعوليَّةِ بـ  رِزْقًا أي: ما لا يملِكُ لهم أن يَرزُقَهم شيئًا. الثالث: أنَّه مَنصوبٌ على البَدَليَّةِ مِن رِزْقًا، أي: ما لا يَملِكُ لهم شيئًا مِن الرِّزقِ [879] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/803)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (2/8)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/266)، ((شرح ألفية ابن مالك)) للشاطبي (4/216)، ((تفسير الألوسي)) (7/430)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (14/355). .

المعنى الإجمالي:


يخبرُ الله تعالى أنَّ المُشرِكينَ يَعبُدُون أصنامًا لا تَملِكُ أن تُعطيَهم شيئًا مِن الرِّزقِ؛ لا مِن السَّماءِ كالمطَرِ، ولا مِن الأرضِ كالزَّرعِ، ولا يَقدِرونَ على شَيءٍ، فهذه صفةُ آلهتِهم، فكيف يعبدونَها مع اللهِ؛ لذا قال سبحانه: فلا تجعَلوا- أيُّها النَّاسُ- لله أندادًا وأمثالًا مِن خَلْقِه، تُشرِكونَهم معه في العبادةِ، إنَّ اللهَ يَعلَمُ، وأنتم لا تَعلَمونَ.
ثمَّ ساق الله تعالى مثلينِ يدُلَّانِ على وحدانيتِه وقدرتِه، وعلى بُطلانِ الشِّركِ، فقال تعالى مبيِّنًا المثلَ الأوَّلَ: ضرَبَ اللهُ مثَلًا عبدًا مَملوكًا لا يَملِكُ شيئًا، ورجلًا آخَرَ حُرًّا، له مالٌ حَلالٌ رزَقَه اللهُ إيَّاه، يَملِكُ التصَرُّفَ فيه، ويُعطي منه في السِّرِّ والعَلَنِ، فهل يستوي هذان الرَّجُلانِ؟ فكذلك اللهُ الخالِقُ المالِكُ المتصَرِّفُ؛ لا يَستوي مع خَلقِه وعَبيدِه، فكيف تُسَوُّونَ بينهما؟! الحمدُ للهِ وَحدَه؛ فهو المُستَحِقُّ للحَمدِ والثَّناءِ، بل أكثَرُ المُشرِكينَ لا يَعلَمونَ أنَّ الله وَحْدَه هو المُستحِقُّ للعبادةِ والحَمدِ.
ثم قال تعالى مبيِّنًا المثلَ الثاني: وضرَبَ اللهُ مثَلًا آخَرَ: رَجُلينِ: أحدُهما أخرَسُ أصَمُّ لا يَعقِلُ ولا يَقدِرُ على مَنفعةِ نَفسِه أو غيرِه، وهو عِبءٌ ثقيلٌ على مَن يَلي أمْرَه ويَعولُه، إذا أرسَلَه مولاه لقضاءِ أمرٍ، لا ينجَحُ، ولا يعودُ عليه بخَيرٍ؛ ورجُلٌ آخَرُ سَليمُ الحَواسِّ، يَنفَعُ نَفسَه وغَيرَه، يأمُرُ بالإنصافِ، وهو على طريقٍ واضحٍ لا عِوَجَ فيه، فهل يستوي هذان الرَّجُلانِ؟! فكيف تُسَوُّون بين الصَّنَمِ الأبكَمِ الأصمِّ وبين اللهِ القادِرِ القائِمِ بالقِسطِ، المُنعِمِ بكُلِّ خَيرٍ؟!
ولله سُبحانَه وتعالى عِلْمُ ما غاب في السَّمَواتِ والأرضِ، وما أمرُ القيامةِ في سُرعةِ مَجيئِها إلَّا كنَظرةٍ سَريعةٍ بالبَصَرِ، بل هو أسرَعُ من ذلك، إنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ.

تفسير الآيات:


وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّها تَبيينٌ لِقَولِه تعالى: أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ [النحل:72] ، نعى عليهم فَسادَ نَظَرِهم في عبادةِ ما لا يُمكِنُ أن يقَعَ منه ما يَسعَى عابِدُه في تَحصيلِه منه، وهو الرِّزقُ، ولا هو في استطاعتِه [880] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/565). .
وأيضًا فإنَّ اللهَ تعالى لَمَّا شَرَح الدَّلائِلَ الدَّالَّةَ على صِحَّةِ التَّوحيدِ، وأتبَعَها بذِكرِ أقسامِ النِّعَمِ العَظيمةِ؛ أتبَعَها بالرَّدِّ على عَبَدةِ الأصنامِ [881] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (12/120)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (20/245). .
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا.
أي: ويَعبُدُ المُشرِكونَ مِن دُونِ اللهِ أصنامًا ومَعبوداتٍ لا تَملِكُ أن تَرزُقَهم شَيئًا؛ لا مَطَرًا مِن السَّماءِ ولا نباتًا مِنَ الأرضِ [882] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/305)، ((تفسير القرطبي)) (10/146)، ((تفسير ابن كثير)) (4/588)، ((تفسير السعدي)) (ص: 445)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/417). .
وَلَا يَسْتَطِيعُونَ.
أي: ولا تَقدِرُ الأصنامُ والمَعبوداتُ مِن دُونِ اللهِ أن تَرزُقَ عابِديها شَيئًا؛ فليس لهم أيُّ نَوعٍ مِن أنواعِ الاستطاعةِ أصلًا [883] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/305)، ((تفسير القرطبي)) (10/146)، ((تفسير ابن كثير)) (4/588)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/213). قال السعدي: (غيرُ المالِكِ للشَّيءِ ربَّما كان له قُوَّةٌ واقتدارٌ على ما ينفَعُ مَن يتَّصِلُ به، وهؤلاء لا يَملِكونَ ولا يَقدِرونَ!). ((تفسير السعدي)) (ص: 445). .
فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (74).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
بعدَ أن بيَّنَ اللهُ تعالى ضَعفَ هذه المعبوداتِ الباطلةِ وعَجزَها؛ رتَّب على ذلك ما هو كالنتيجةِ له، فقال [884] يُنظر: ((تفسير المراغي)) (14/114). :
فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ.
أي: فلا تَجعَلوا لله أندادًا وأمثالًا مِن مَخلوقاتِه؛ فإنَّه سُبحانَه لا مِثْلَ له، ولا نَظيرَ [885] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/305)، ((تفسير القرطبي)) (10/146)، ((تفسير ابن كثير)) (4/588)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/418). .
كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] .
وقال سُبحانَه: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 4] .
   إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
أي: فلا تَضرِبوا لله الأمثالَ؛ لأنَّ اللهَ يَعلَمُ حقائِقَ الأشياءِ، وأنَّه لا شريكَ له، ولا مثيلَ له، ولا يخفَى عليه شيءٌ مِن أعمالِكم، وأنتم- أيُّها المُشرِكونَ- لا تَعلَمونَ ذلك، فتَقَعونَ بجَهلِكم في الشِّركِ به سُبحانَه [886] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/306)، ((تفسير ابن كثير)) (4/588)، ((تفسير أبي السعود)) (5/129)، ((تفسير القاسمي)) (6/390). قال ابن الجوزي: (في قوله: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ أربعةُ أقوال: أحدها: يعلمُ ضربَ المثَلِ، وأنتم لا تعلمون ذلك، قاله ابن السَّائبِ. والثاني: يعلمُ أنَّه ليس له شريكٌ، وأنتم لا تعلمون أنَّه ليس له شريكٌ، قاله مقاتل. والثالث: يعلم خطأَ ما تضرِبون من الأمثال، وأنتم لا تعلمون صوابَ ذلك من خطَئِه. والرابع: يعلمُ ما كان ويكون، وأنتم لا تعلمونَ قَدْرَ عظَمَتِه حين أشركتُم به ونسبتُموه إلى العجزِ عن بعثِ خَلقِه). ((تفسير ابن الجوزي)) (2/572). .
ثم أكَّدَ اللهُ تعالى إبطالَ مَذهَبِ عَبَدةِ الأصنامِ بهذا المثالِ، فقال تعالى [887] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/246). :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا قال سُبحانَه: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أي: بالمعلوماتِ التي مِن جُملَتِها كيف يَضرِبُ الأمثالَ، وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ؛ عَلَّمَهم سُبحانَه كيف تُضرَبُ الأمثالُ [888] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/216). ، فقال:
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا.
أي: بيَّن اللهُ مثلًا لنَفسِه- تعالى- وللأصنامِ؛ كعَبدٍ مَملوكٍ عاجزٍ، لا يَملِكُ شَيئًا، فلا يَقدِرُ على شيءٍ مِنَ المالِ، ولا مِن أمْرِ نَفْسِه ورجُلٍ حُرٍّ غَنيٍّ آتاه اللهُ رِزقًا واسِعًا طيِّبًا، يَملِكُ التصرُّفَ فيه، فيُنفِقُ منه دائمًا في السرِّ والعَلانِيَةِ؛ إحسانًا منه إلى الآخَرينَ [889] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/410)، ((تفسير القرطبي)) (10/146)، ((تفسير البيضاوي)) (3/234)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/80) و (10/115)، ((تفسير ابن جزي)) (1/432)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/124)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/215)، ((تفسير السعدي)) (ص: 445). وممن اختار هذا المعنَى المذكورَ: ابنُ عطيةَ، والقرطبي، والبيضاوي، وابنُ تيميةَ، وابنُ جزي، وابنُ القيِّمِ، والسعدي. يُنظر: المصادر السابقة. وممن قال بنحوِ ذلك مِن السلفِ: مجاهدٌ، والسدي. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/573). وقيل: المعنى: ضرَب الله مثلًا للكافرِ والمؤمنِ، فالكافرُ لا يعملُ بطاعةِ الله، ولا ينفقُ مِن مالِه شيئًا في سبيلِ الله، فلا خيرَ عندَه؛ لخِذلانِ الله له، كعبدٍ مملوكٍ ذليلٍ عاجزٍ، لا يقدرُ على شيءٍ فينفقه، والمؤمنُ العاملُ بطاعةِ الله، المنفقُ مالَه في سبيلِه كحرٍّ رزَقه الله رزقًا حسنًا فهو ينفقُ مِن مالِه سرًّا وعلانيةً. وممَّن اختار هذا المعنى: مقاتلُ بنُ سليمانَ، وابنُ جريرٍ، والبغوي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/478)، ((تفسير ابن جرير)) (14/307)، ((تفسير البغوي)) (3/89). وممن قال بنحوِ ذلك مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ، وقتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/307)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/573). قال ابن القيم: (فالمثَلُ الأوَّلُ ما ضربه الله سُبحانَه لنفسه وللأوثانِ؛ فالله سُبحانَه هو المالكُ لكُلِّ شيءٍ، ينفِقُ كيف يشاءُ على عبيده سرًّا وجهرًا وليلًا ونهارًا، يمينُه ملأى لا يغيضُها نفقةٌ، سحَّاءُ اللَّيلَ والنهارَ، والأوثانُ مملوكةٌ عاجِزةٌ لا تقدِرُ على شيءٍ، فكيف يجعلونَها شُرَكاءَ لي ويعبدونَها من دوني مع هذا التفاوُتِ العظيمِ والفَرقِ المُبين؟! هذا قول مجاهد وغيره. وقال ابن عباس: هو مثَلٌ ضربه الله للمؤمِنِ والكافر، ومَثَلُ المؤمن في الخير الذي عنده، ثمَّ رزَقَه منه رزقًا حسنًا، فهو ينفِقُ منه على نفسِه وعلى غيره سرًّا وجهرًا، والكافِرُ بمنزلة عبدٍ مملوكٍ عاجزٍ، لا يقدِرُ على شيءٍ؛ لأنه لا خير عنده، فهل يستوي الرجلان عند أحدٍ مِن العقلاء؟! والقولُ الأولُ أشبه بالمراد؛ فإنَّه أظهَرُ في بطلان الشرك، وأوضَحُ عند المخاطب، وأعظَمُ في إقامة الحُجَّة، وأقربُ نسبًا بقوله: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ * فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، ثم قال: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، ومن لوازم هذا المثَلِ وأحكامِه: أن يكون المؤمنُ الموحِّدُ كمن رزقه منه رزقًا حسنًا، والكافرُ المشرِكُ كالعبد المملوك الذي لا يقدِرُ على شيءٍ، فهذا مما نبَّه عليه المثَلُ وأرشد إليه، فذكره ابن عباسٍ منبِّهًا على إرادته، لا أنَّ الآية اختصَّت به، فتأمَّلْه؛ فإنك تجده كثيرًا في كلام ابن عباس وغيرِه من السَّلفِ في فهم القرآن، فيُظنُّ أنَّ ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيرُه، فيحكيه قوله). ((إعلام الموقعين)) (1/124). ويُنظر: ((معاني القرآن)) للنحاس (4/91، 92)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/573). .
هَلْ يَسْتَوُونَ.
أي: هل يستوي العَبدُ والحُرُّ الموصوفان بما تقَدَّمَ مِن الصِّفاتِ؟ فكذلك اللهُ الذي له المُلْكُ وبِيَدِه الرِّزقُ، المتصَرِّفُ في مُلكِه كما يشاءُ؛ لا يستوي مع المَعبوداتِ العاجزةِ التي لا تَملِكُ شيئًا، ولا قُدرةَ لها على شَيءٍ، وأنتم تتَّخِذونَها شُرَكاءَ لله تعالى في عبادتِه، فكيف تُسَوُّونَ بينهما [890] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (2/77)، ((تفسير الشوكاني)) (3/217)، ((تفسير الألوسي)) (7/432). وعلى المعنى الآخرِ للآيةِ يكونُ معنى قولِه تعالى: هَلْ يَسْتَوُونَ: فكذلك لا يستوي الكافرُ العاملُ بمعاصي الله، المخالفُ أمرَه، والمؤمنُ العاملُ بطاعتِه. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/307). ؟!
الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
أي: الحَمدُ الكامِلُ الخالِصُ لله المُنعِمِ المُستَحِقِّ لعبادةِ خَلقِه وشُكرِهم، دونَ ما يُعبَدُ مِن دُونِه؛ إذ لا نِعمةَ لتلك المَعبوداتِ على أحدٍ حتى تُحمَدَ عليها، ولكنَّ أكثَرَ [891] قال القرطبي: (ذكَرَ الأكثَرَ وهو يريدُ الجميع، فهو خاصٌّ أريدَ به التَّعميمُ. وقيل: أي: بل أكثَرُ الخَلقِ لا يَعلَمونَ؛ وذلك أنَّ أكثَرَهم المُشرِكون). ((تفسير القرطبي)) (10/148). ويُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (14/309). المُشرِكينَ لا يَعلَمونَ أنَّ الله وَحْدَه هو المُستحِقُّ للعبادةِ والشُّكرِ؛ فهم يَعبُدونَ ويَحمَدونَ غَيرَه لجَهلِهم [892] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/309)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/573)، ((تفسير القرطبي)) (10/148). .
كما قال تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنبياء: 24] .
وقال سُبحانَه: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: 29] .
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76).
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ .
أي: وضرَبَ اللهُ لكم مثلًا لنَفسِه- تعالى- وللأصنامِ التي تُعبَدُ مِن دونِه؛ كرَجُلَينِ أحَدُهما لا يَنطِقُ، ولا يَسمَعُ، ولا يَعقِلُ، عاجِزٌ لا يَقدِرُ على فِعلِ شَيءٍ مِن جَلبِ نَفعٍ، أو دَفْعِ ضُرٍّ، فكذلك الأصنامُ لا تَسمَعُ، ولا تَنطِقُ، ولا تَعقِلُ شَيئًا؛ فهي مصنوعةٌ مِن خَشَبٍ ونُحاسٍ وغَيرِ ذلك [893] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/309)، ((تفسير البغوي)) (3/89)، ((تفسير القرطبي)) (10/149)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/124)، ((تفسير ابن كثير)) (4/588، 589). .
وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ.
أي: وهو مع عدَمِ نُطقِه وعَجزِه ثَقيلٌ على مَن يلي أمْرَه ويَعولُه، فكذلك الصَّنَمُ ذو كُلفةٍ ومَشَقَّةٍ على من يَعبُدُه؛ حيثُ يَقومُ بحَملِه، ووَضْعِه، وخِدْمتِه [894] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 247)، ((تفسير الزمخشري)) (2/623)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/43)، ((تفسير ابن كثير)) (4/589). .
أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ.
أي: أينما يُرسِلْه مَولاه في عمَلٍ لِيَعمَلَه لا ينجَحْ فيه، فهو لا يأتي بخَيرٍ، ولا يَقضي حاجةً؛ لعَجزِه وعدَمِ فَهمِه لِما يُقالُ له، وعَدَمِ قُدرتِه على التَّعبيرِ عمَّا يُريدُ؛ فكذلك الصَّنَمُ لا يَعقِلُ ما يُقالُ له، ولا يَنطِقُ بشَيءٍ، فلا يأتي بخيرٍ، أو يقضي حاجةً [895] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (13/147)، ((تفسير القرطبي)) (10/150)، ((تفسير ابن كثير)) (4/589)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/228). .
هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .
أي: هل يستوي هذا الأبكَمُ الكَلُّ على مَولاه الذي لا يأتي بخيرٍ حيثما توجَّهَ، ومَن هو ناطقٌ متكلِّمٌ قادِرٌ يأمُرُ بالحقِّ والقِسطِ، ويدعو إليه، وهو في نفسِه- مع ما ذُكِرَ مِن نَفعِه العامِّ- على طريقِ الحقِّ لا يَنحَرِفُ عنه، عامِلٌ بما يأمُرُ به، ويدعو إليه، ولا يتوجَّهُ إلى مطلَبٍ إلَّا ويبلُغُه بأقرَبِ سَعيٍ وأسهَلِه، فهو عادِلٌ في أقوالِه، مُستقيمٌ في أفعالِه؟! فإذا امتنَعَ التَّساوي بين هذين الصِّنفَينِ المَذكورَينِ، فكذلك يمتنِعُ التَّساوي بينَ الله سُبحانَه العادِلِ الذي يأمُرُ بالعَدلِ، وهو قائِمٌ بالقِسطِ على صراطٍ مُستقيمٍ، وبينَ ما يَجعَلونَه شُرَكاءَ له [896] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/310)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/80)، (14/178)، ((تفسير ابن كثير)) (4/589)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/220)، ((تفسير الشوكاني)) (3/218)، ((تفسير القاسمي)) (6/391). .
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا ذكَرَ في الآيةِ الأولى مَثَلَ الكُفَّارِ بالأبكَمِ العاجِزِ، ومَثَلَ نَفسِه تعالى بالذي يأمُرُ بالعَدلِ، وهو على صِراطٍ مُستقيمٍ، ومعلومٌ أنَّه يَمتَنِعُ أن يكونَ آمِرًا بالعَدلِ، وأن يكونَ على صراطٍ مُستقيمٍ إلَّا إذا كان كامِلًا في العِلمِ والقُدرةِ- ذكَرَ في هذه الآيةِ بَيانَ كَونِه كامِلًا في العِلمِ والقُدرةِ [897] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/250). .
وأيضًا لَمَّا تمَّ هذانِ المَثَلانِ الدَّالَّانِ على تَمامِ عِلمِه وشُمولِ قُدرتِه؛ عطَفَ على قَولِه تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ التصريحَ بتمامِ عِلمِه، وشُمولِ قُدرتِه [898] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/220). ، فقال تعالى:
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
أي: ولله وَحْدَه مُلْكُ ما غاب عن عِبادِه في السَّمَواتِ والأرضِ، وهو العالِمُ بكُلِّ شَيءٍ مِن الغُيوبِ سُبحانَه، دونَ الآلهةِ التي تُعبَدُ مِن دُونِه، ودونَ كُلِّ مَن سواه، لا يَملِكُ ذلك أحَدٌ غَيرُه، ولا اطِّلاعَ لأحدٍ على شَيءٍ مِن الغَيبِ إلَّا أن يُطلِعَه اللهُ عليه [899] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/314)، ((تفسير ابن عطية)) (3/411)، ((تفسير ابن كثير)) (4/589). .
وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ.
أي: وما أمرُ قيامِ السَّاعةِ في سُرعةِ وُجودِها، وبَعثِ الخَلقِ وسُهولتِه إلَّا كنَظرةٍ سَريعةٍ مِن البَصَرِ [900] قال ابن كثير: (أي: فيكونُ ما يريدُ كطَرفِ العَينِ). ((تفسير ابن كثير)) (4/589). أو [901] قال الواحدي: (معنى «أَوْ» في قَولِه تعالى: أَوْ هُوَ أَقْرَبُ أنَّ أمْرَها يكونُ على إحدى مَنزِلَتينِ: إمَّا لَمحِ البَصرِ، وإمَّا أقرَبَ، فأدخَلَ «أَوْ» لشَكِّ المُخاطَبِ؛ أي: كونُوا في تقديرِ سُرعةِ كَونِها على هذا الشَّكِّ، وهذا معنى قولِ قُطرُب: أراد أن يطوِيَه عنَّا، وقيل: إنَّ «أَوْ» هاهنا بمنزلةِ «بل»). ((البسيط)) (13/151). وقال الألوسي: (قال ابنُ عطيةَ: هي للشكِّ على بابِها، على معنى أنَّه لو اتفقَ أن يقفَ على أمرِها شخصٌ مِن البشرِ لكانت مِن السرعةِ بحيثُ يشكُّ هل هو كلمحِ البصرِ أو أقربُ. وتعقَّبه في «البحر» أيضًا بأنَّ الشكَّ بعيدٌ؛ لأنَّ هذا إخبارٌ مِن الله تعالى عن أمرِ الساعةِ، والشكُّ مستحيلٌ عليه سُبحانَه، أي: فلا بدَّ أن يكونَ ذلك بالنسبةِ إلى غيرِ المتكلِّم، وفي ارتكابِه بعدٌ، ويدلُّ على أنَّ هذا مرادُه تعليلُه البعدَ بالاستحالةِ، فليس اعتراضُه مما يقضي منه العجبُ كما توهَّم. وقال الزجَّاج: هي للإبهامِ. وتُعُقِّب بأنَّه لا فائدةَ في إبهامِ أمرِها في السرعةِ، وإنَّما الفائدةُ في إبهامِ وقتِ مجيئِها. وأُجِيب بأنَّ المرادَ أنَّه يستبهمُ على مَن يشاهدُ سرعتَها هل هي كلمحِ البصرِ أو أقل، فتدبر. والمأثورُ عن ابنِ جريجٍ أنَّها بمعنى «بل»، وعليه كثيرون). ((تفسير الألوسي)) (7/436). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/411)، ((تفسير أبي حيان)) (6/573). ومما يُقوِّي القولَ بأنَّها على بابِها للشكِّ أنَّ العربَ تُخرجُ الكلامَ المتيقَّنَ في صورةِ المشكوكِ لأغراضٍ متعددةٍ، منها: أن يكونَ ذلك بناءً على تصوُّرِ المخاطَبِ وظنِّه. يُنظر: ((قواعد التفسير)) للسبت (1/286). هي أسرَعُ مِن ذلك [902] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/314)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/574)، ((تفسير القرطبي)) (10/150)، ((تفسير ابن جزي)) (1/432)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/418). .
قال تعالى: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: 50].
وقال عزَّ وجلَّ: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان: 28] .
إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
أي: إنَّ اللهَ قادِرٌ على كلِّ شَيءٍ، ولا يُعجِزُه شَيءٌ، ومن ذلك قدرتُه على إقامةِ السَّاعةِ، والمجيءِ بها في أسرعِ ما يكونُ؛ فهو سبحانَه يقولُ للشَّيءِ: كُنْ. فيَكونُ [903] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/314)، ((تفسير السمرقندي)) (2/284)، ((تفسير الشوكاني)) (3/218). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ الفائِدةُ في لَفظةِ يَسْتَطِيعُونَ أنَّ مَن لا يَملِكُ شَيئًا قد يكونُ مَوصوفًا باستطاعةِ أن يتَمَلَّكَه بطريقٍ مِن الطُّرُقِ، فبَيَّنَ تعالى أنَّ هذه الأصنامَ لا تَملِكُ، وليس لها أيضًا استطاعةُ تَحصيلِ المُلْك وذلك على أحدِ أوجُهِ التَّفسيرِ [904] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/245- 246). .
2- قال الله تعالى: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ فلا يَحِلُّ لأحدٍ أن يعتَقِدَ أنَّ اللهَ تبارك وتعالى مُماثِلٌ لأحدٍ مِن المَخلوقينَ؛ ولا أنَّ أحدًا مُماثِلٌ للهِ تعالى [905] يُنظر: ((شرح كتاب الحج من صحيح البخاري)) لابن عثيمين (2/42). .
3- التَّعبيرُ بنَفيِ التَّمثيلِ- في الأسماءِ والصِّفاتِ- أَولى مِن التَّعبيرِ بنَفيِ التَّشبيهِ؛ وذلك لأمورٍ:
أولًا: أنَّه المُوافِقُ لِلَفظِ القُرآنِ في قَولِه تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] ، و فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ، ولم يَقُلْ: «ليس كشِبْهِه شَيءٌ»، ولا قال: «فلا تَضرِبوا للهِ الأشباهَ».
ثانيًا: أنَّ التَّشبيهَ صار وصْفًا يختَلِفُ النَّاسُ في فَهمِه؛ فعند بَعضِ النَّاسِ إثباتُ الصِّفاتِ يُسمَّى تَشبيهًا، ويُسَمُّونَ مَن أثبَتَ صِفةً لله مُشَبِّهًا!
ثالثًا: أنَّ نَفيَ التَّشبيهِ على الإطلاقِ بين صِفاتِ الخالِقِ وصِفاتِ المَخلوقِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه ما مِن صِفَتينِ ثابِتَتينِ إلَّا وبينهما اشتِراكٌ في أصلِ المعنى، وهذا الاشتِراكُ نَوعٌ مِن المُشابَهةِ؛ فالعِلمُ مثلًا: للإنسانِ عِلمٌ، وللرَّبِّ سُبحانَه عِلمٌ، فاشتَرَكا في أصلِ المعنى، لكِنْ لا يَستَويانِ، أمَّا التَّمثيلُ فيَصِحُّ أن تنفِيَه نَفيًا مُطلقًا [906] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (1/180)، ويُنظر أيضًا: ((بيان تلبيس الجهمية)) لابن تيمية (6/487)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (3/166). !
4- قال الله تعالى: هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. قَولُه: هَلْ يَسْتَوُونَ إنَّما جُمِعَ الضَّميرُ وإن تقَدَّمَه اثنانِ؛ لأنَّ المُرادَ: جِنسُ العَبيدِ والأحرارِ المدلولِ عليهما بـ عَبْدًا وبـ (مَنْ رَزَقْنَاهُ). وقيل: على الأغنياءِ والفُقَراءِ المدلولِ عليهما بهما أيضًا. وقيل: اعتبارًا بمعنى مَنْ فإنَّ معناها جمعٌ، فراعَى معناها بعدَ أنْ راعى لَفظَها [907] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (12/122). . وقيل: جَمَعَه نظرًا إلى أنَّ أقَلَّ الجَمعِ اثنانِ [908] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 311). .
5- قال الله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ لَمَّا كان الجوابُ قَطعًا: لا، وعُلِمَ أنَّ الفاضِلَ ما كان مِثالًا له سُبحانَه؛ عُلِمَ أنَّ مَن سَوَّى بينهما أو فعَلَ ما يَؤُولُ إلى التَّسويةِ أجهَلُ الجَهَلةِ، فثَبَت مَضمونُ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ وأنَّ غَيرَه تعالى لا يُساوي شيئًا، فثَبَت بلا رَيبٍ أنَّه المختَصُّ بالمَثَلِ الأعلى، فعبَّرَ عن ذلك بقَولِه تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [909] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/216). .
6- في قَولِه تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ جُعِلَ نفيُ صفةِ الكَلامِ مُوجِبًا لبُطلانِ الإلهيَّةِ، وهذا أمرٌ معلومٌ بالفِطَرِ والعُقولِ السَّليمةِ والكُتُبِ: أنَّ فاقِدَ صِفاتِ الكَمالِ لا يكونُ إلهًا، ولا مُدَبِّرًا، ولا ربًّا، بل هو مَذمومٌ مَعيبٌ ناقِصٌ، ليس له الحَمدُ لا في الأُولى، ولا في الآخرةِ، وإنَّما الحَمدُ في الأُولى والآخِرةِ لِمَن له صِفاتُ الكَمالِ، ونُعوتُ الجَلالِ، التي لأجْلِها استحَقَّ الحَمدَ [910] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/50). .
7- قَولُه تعالى: هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ بيَّنَ أنَّ التَّفضيلَ إنَّما يكونُ بالكَلامِ المتضَمِّنِ للعَدلِ، وبالعَمَلِ المُستقيمِ، وإلَّا فإنَّ مجرَّدَ الكلامِ والعَمَلِ قد يكونُ مَحمودًا، وقد يكونُ مَذمومًا؛ فالمحمودُ هو الذي يَستَحِقُّ صاحِبُه الحمدَ، فلا يستوي هذا والعاجزَ عن الكَلامِ والفِعلِ [911] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/80). .
8- قال الله تعالى: وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ السَّاعةُ هي الوَقتُ الذي تقومُ فيه القيامةُ، سُمِّيَت ساعةً؛ لأنَّها تَفجَأُ الإنسانَ في ساعةٍ فيَموتُ الخَلقُ بصَيحةٍ واحدةٍ [912] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/250). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ عَطفٌ على جُملتَيِ التَّوبيخِ، وهو مَزيدٌ مِن التَّوبيخِ؛ فإنَّ الجُملَتَينِ المعطوفَ عليهِما أفادَتَا تَوبيخًا على إيمانِهم بالآلهةِ الباطلةِ، وكُفرِهم بنِعْمةِ المعبودِ الحقِّ، وهذه الجُملةُ المعطوفةُ أفادَتِ التَّوبيخَ على شُكرِ ما لا يَستحِقُّ الشُّكرَ؛ فإنَّ العبادةَ شُكرٌ، فهُم عبَدوا ما لا يَستحِقُّ العبادةَ، ولا بِيَدِه نِعمةٌ، وهو الأصنامُ؛ لأنَّها لا تَملِكُ ما يَأتيهم مِن الرِّزقِ لاحْتِياجِها، ولا تَستطيعُ رِزقَهم لِعَجزِها؛ فمُفادُ هذه الجملةِ مُؤكِّدٌ لِمُفادِ ما قَبلَها مع اختِلافِ الاعتبارِ بمُوجِبِ التَّوبيخِ في كِلْتَيهِما [913] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/221). ويُنظر أيضًا: ((تفسير أبي حيان)) (6/565)، ((تفسير أبي السعود)) (5/128). .
- قولُه: مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ فيه التَّعبيرُ عن الأصنامِ بصيغةِ مَا وهي لغيرِ أُولي العِلمِ، ثمَّ قال: وَلَا يَسْتَطِيعُونَ والجمعُ بالواوِ والنُّونِ مُختصٌّ بأُولي العلمِ؛ وذلك لأنَّه عبَّر عنها بلفظِ مَا؛ اعتِبارًا لِمَا هو الحقيقةُ في نفسِ الأمرِ، وذكَر الجمعَ بالواوِ والنُّونِ اعتِبارًا لِمَا يَعتقِدون فيها أنَّها آلهةٌ؛ فأُجرِيَتْ عليها صيغةُ جمعِ العُقَلاءِ؛ مُجاراةً لاعتِقادِهم أنَّها تَعقِلُ وتَشفَعُ وتَستجيبُ [914] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/246)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/222). .
- وأفرَد يَمْلِكُ نَظرًا إلى لفظِ مَا، وجَمَع يَسْتَطِيعُونَ نَظرًا إلى مَعناها، كما قال تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [915] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 310). [الزخرف: 12-13] .
- وقولُه: شَيْئًا مُبالَغةٌ في المنفيِّ، أي: ولا يَملِكون جُزءًا قَليلًا مِن الرِّزقِ [916] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/221). .
- قوله: وَلا يَسْتَطِيعُونَ يجوزُ أن يكونَ عطفًا على لَا يَمْلِكُ، وأن يكونَ مُستأنفًا للإخبارِ عن حالِ الآلهةِ، ومفعولُ يَسْتَطِيعُونَ محذوفٌ، هو ضميرُ المِلْكِ، أي: لا يستطيعون أن يملِكوا ذلك ولا يُمكِنُهم، فالكلامُ تتميمٌ لسابِقِه، وفيه من الترقِّي ما فيه، فلا يكونُ نفيُ استطاعةِ المِلكِ بعد نفيِ مِلكِ الرِّزقِ غيرَ مُحتاجٍ إليه.
وإن جُعِلَ المفعولُ ضَميرَ الرِّزقِ يكونُ هذا النفيُ تأكيدًا لِما قبلَه.
وقيل: حُذِف مفعولُ يَسْتَطِيعُونَ لقَصدِ التَّعْمِيمِ، أي: لا يستطيعونَ شَيئًا.
ويجوزُ أن يكونَ الفِعلُ مُنزَّلًا منزلةَ اللازمِ، فيكونَ المرادُ نفيَ الاستطاعةِ عنهم مطلقًا، فالمعنى أنَّهم أمواتٌ لا قُدرةَ لهم أصلًا، فيكونَ تذييلًا للكلامِ السَّابقِ [917] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/621)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص310 )، ((تفسير الألوسي)) (7/430)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/222). .
2- قوله تعالى: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
- قولُه: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ تفريعٌ على جميعِ ما سبَق مِن الآياتِ والعِبَرِ والمِنَنِ؛ إذْ قد استَقامَ مِن جَميعِها انفرادُ اللهِ تعالى بالإلهيَّةِ، ونَفيُ الشَّريكِ له فيما خلَق وأنعَم، وبالأولَى نفيُ أن يكونَ له ولَدٌ؛ فلا جَرَمَ استَتَبَّ للمَقامِ أن يُفرَّعَ على ذلك زجرُ المشرِكين عن تَمثيلِهم غيرَ اللهِ باللهِ في شيءٍ مِن ذلك، وأن يُمثِّلوه بالموجوداتِ [918] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/222). .
- وفي قولِه: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ... الْتِفاتٌ إلى الخِطابِ؛ للإيذانِ بالاهتمامِ بشَأنِ النَّهيِ، أي: لا تُشرِكوا به شيئًا. والتَّعبيرُ عن ذلك بضَربِ المثَلِ؛ للقَصدِ إلى النَّهيِ عن الإشراكِ به تعالى في شأنٍ مِن الشُّؤونِ؛ فإنَّ ضرْبَ المثَلِ مَبْناه تشبيهُ حالةٍ بحالةٍ، وقِصَّةٍ بقِصَّةٍ، أي: لا تُشبِّهوا بشأنِه تعالى شأنًا مِن الشُّؤونِ [919] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/128). .
- قولُه: فَلَا الفاءُ للدَّلالةِ على تَرتُّبِ النَّهيِ على ما عَدَّد مِن النِّعَمِ الفائضةِ عليهم مِن جِهَتِه سُبحانَه [920] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/129). .
- قولُه: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ تعليلٌ للنَّهيِ المذكورِ، وهو النَّهيُ عن الشِّركِ، ووعيدٌ على المنهيِّ عنه، وتنبيه على أنَّ جهلَهم هو الذي أوقَعهم في تلك السخافاتِ مِن العقائدِ، وأنَّ الله إذ نهاهم وزجَرهم عن أن يشبِّهوه بما شبَّهوه إنَّما نهاهم لعلمِه ببطلانِ اعتقادِهم [921] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/223). . ويجوزُ أن يُرادَ: فلا تَضرِبوا للهِ الأمثالَ؛ إنَّ اللهَ يَعلَمُ كيف يَضرِبُ الأمثالَ، وأنتُم لا تَعلَمون [922] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/622)، ((تفسير أبي السعود)) (5/129). . وقيل غيرُ ذلك.
3- قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أعقَب زَجْرَهم عن أن يُشبِّهوا اللهَ بخَلقِه، أو أن يُشبِّهوا الخلقَ بربِّهم بتمثيلِ حالِهم في ذلك بحالِ مَن مَثَّل عبدًا بسيِّدِه في الإنفاقِ، فجُملةُ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا... مُستأنَفةٌ استئنافًا بيانيًّا ناشِئًا عن قولِه تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ [النحل: 73] ، فشبَّه حالَ أصنامِهم في العجزِ عن رزقِهم بحالِ مملوكٍ لا يَقدِرُ على تَصرُّفٍ في نفسِه، ولا يَملِكُ مالًا، وشبَّه شأنَ اللهِ تعالى في رزقِه إيَّاهم بحالِ الغَنيِّ المالِكِ أمْرَ نفسِه بما شاء مِن إنفاقٍ وغيرِه، ومعرفةُ الحالَين المشبَّهتَين يَدُلُّ عليها المَقامُ، والمقصودُ نفيُ المماثَلةِ بينَ الحالَتَينِ، فكيف يَزعُمون مُماثَلةَ أصنامِهم للهِ تعالى في الإلهيَّةِ؟! ولذلك أُعقِب بجُملةِ: هَلْ يَسْتَوُونَ، وذيَّل هذا التَّمثيلَ بقولِه: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [923] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/223- 224). .
- قولُه: عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ فائدةُ ذِكْرِه مَمْلُوكًا بعدَ قولِه: عَبْدًا الاحترازُ عن الحُرِّ؛ فإنَّه عبدٌ للهِ تعالى، وليس مَملوكًا لغيرِه، وفائدةُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ بعدَ قولِه: مَمْلُوكًا الاحترازُ عن المأذونِ له، والمكاتَبِ؛ لقُدرتِهما على التَّصرُّفِ استِقلالًا [924] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/622)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 311). ؛ فوصَف عَبْدًا هنا بقولِه: مَمْلُوكًا تأكيدًا للمَعْنى المقصودِ، وإشعارًا لِمَا في لفظِ (عبدٍ) مِن معنى المملوكيَّةِ المقتضِيَةِ أنَّه لا يتَصرَّفُ في عمَلِه تَصرُّفَ الحُرِّيَّةِ [925] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/223). .
- قولُه: وَمَنْ رَزَقْنَاهُ فيه الْتِفاتٌ إلى التَّكلُّمِ؛ للإشعارِ باختلافِ حالَيْ ضَرْبِ المثَلِ والرِّزقِ [926] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/129). .
- في قولِه: فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا الفاءُ لِتَرتيبِ الإنفاقِ على الرِّزقِ، كأنَّه قيل: ومَن رزَقْناه مِنَّا رِزقًا حسَنًا فأنفَق. وإيثارُ ما عليه النَّظْمُ الكريمُ مِن الجملةِ الاسميَّةِ الفعليَّةِ الخَبرِ؛ للدَّلالةِ على ثَباتِ الإنفاقِ، واستِمْرارِه التَّجدُّديِّ [927] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/129). . وفُرِّعَت جملةُ فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ على الَّتي قَبلَها دونَ أن تُجعَلَ صِفةً للرِّزقِ؛ للدَّلالةِ على أنَّ مَضمونَ كِلْتا الجُملَتَينِ مَقصودٌ لِذاتِه كَمالٌ في مَوصوفِه؛ فكَونُه صاحِبَ رِزقٍ حسَنٍ كَمالٌ، وكونُه يتَصرَّفُ في رزقِه بالإعطاءِ كمالٌ آخَرُ، وكِلاهُما بضِدِّ نَقائِصِ المملوكِ الَّذي لا يَقدِرُ على شيءٍ من الإنفاقِ، ولا ما يُنفَقُ مِنه. وجعَل المسنَدَ فِعلًا يُنْفِقُ؛ للدَّلالةِ على التَّقوِّي، أي: يُنفِقُ إنفاقًا ثابتًا. وجعَل الفِعلَ مُضارِعًا؛ للدَّلالةِ على التَّجدُّدِ والتَّكرُّرِ، أي: يُنفِقُ ويَزيدُ [928] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/224- 225). .
- قولُه: سِرًّا وَجَهْرًا حالانِ مِن ضميرِ يُنْفِقُ، وهما مَصْدَرانِ مُؤوَّلانِ بالصِّفةِ، أي: مُسِرًّا وجاهِرًا بإنفاقِه، والمقصودُ مِن ذِكرِهما: تعميمُ الإنفاقِ، كنايةً عن استِقْلالِ التَّصرُّفِ، وعدَمِ الوِقايةِ مِن مانعٍ إيَّاه عن الإنفاقِ [929] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/225). .
- وفي قولِه: سِرًّا وَجَهْرًا تقديمُ السِّرِّ على الجهرِ؛ للإيذانِ بفَضلِه عليه. والعُدولُ عن تَطبيقِ القَرينَتَينِ بأن يُقالَ: (وحُرًّا مالِكًا للأموالِ)- مع كونِه أدَلَّ على تَبايُنِ الحالِ بينَه وبينَ قَسِيمِه- لِتَوخِّي تحقيقِ الحقِّ بأنَّ الأحرارَ أيضًا تحتَ رِبْقةِ عُبوديَّتِه سُبحانَه وتَعالى، وأنَّ مالِكيَّتَهم لِمَا يَملِكونه ليسَت إلَّا بأن يَرزُقَهم اللهُ تعالى إيَّاه مِن غيرِ أن يكونَ لهم مَدخَلٌ في ذلك [930] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/129). .
- وجملةُ: هَلْ يَسْتَوُونَ بيانٌ لجُملةِ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا، فبيَّن غرَضَ التَّشبيهِ بأنَّ المثَلَ مُرادٌ منه عدَمُ تَساوي الحالَتَينِ؛ لِيَستدِلَّ به على عدَمِ مُساواةِ أصحابِ الحالةِ الأُولى لِصاحِبِ الصِّفةِ المشبَّهةِ بالحالةِ الثَّانيةِ. والاستِفْهامُ مُستعمَلٌ في الإنكارِ [931] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/225). .
- وجملةُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مُعترِضةٌ بينَ الاستِفْهامِ المفيدِ للنَّفيِ في هَلْ يَسْتَوُونَ وبينَ الإضرابِ بـ (بل) الانتقاليَّةِ في بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، والمقصودُ مِن هذه الجملةِ: أنَّه تبيَّن مِن المثَلِ اختِصاصُ اللهِ بالإنعامِ، فوجَب أن يَختَصَّ بالشُّكرِ، وأنَّ أصنامَهم لا تَستحِقُّ أن تُشكَرَ، وجيءَ بهذه الجملةِ البَليغةِ الدَّلالةِ، المفيدةِ انحِصارَ الحَمدِ في مُلكِ اللهِ تعالى، وهو إمَّا حَصرٌ ادِّعائيٌّ؛ لأنَّ الحمدَ إنَّما يَكونُ على نِعمةٍ، وغيرُ اللهِ إذا أنعَم فإنَّما إنعامُه مَظهَرٌ لِنِعمةِ اللهِ تعالى الَّتي جَرَتْ على يدَيْه، وإمَّا قصرٌ إضافيٌّ، قصرَ إفرادٍ للرَّدِّ على المشرِكين؛ إذ قسَّموا حَمْدَهم بيْنَ اللهِ وبينَ آلِهَتِهم [932] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/225). .
- قولُه: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ فيه إسنادُ نَفْيِ العلمِ إلى أكثَرِهم؛ لأنَّ مِنهم مَن يَعلَمُ الحقَّ ويُكابِرُ؛ استِبْقاءً للسِّيادةِ، واستِجْلابًا لِطاعةِ دَهْمائِهم؛ فهذا ذَمٌّ لأكثَرِهم بالصَّراحةِ، وهو ذمٌّ لأقَلِّهم بوَصْمةِ المكابَرةِ والعِنادِ بطَريقِ التَّعريضِ [933] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/226). .
4- قوله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَمثيلٌ ثانٍ للحالَتَينِ بحالَتَينِ باختلافِ وجْهِ الشَّبَهِ، وقد قرَنَ في التَّمثيلِ هنا حالَ الرَّجُلَينِ ابتِداءً، ثمَّ فَصَّل في آخِرِ الكلامِ مع ذِكْرِ عدَمِ التَّسويةِ بينَهما بأسلوبٍ مِن نَظْمِ الكلامِ بَديعِ الإيجازِ؛ إذ حُذِف مِن صدْرِ التَّمثيلِ ذِكْرُ الرَّجلِ الثَّاني؛ للاقتصارِ على ذِكْرِه في استِنْتاجِ عدَمِ التَّسويةِ؛ تَفنُّنًا في المخالَفةِ بينَ أسلوبِ هذا التَّمثيلِ، وأسلوبِ سابِقِه الَّذي في قولِه تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا...، ومِثلُ هذا التَّفنُّنِ مِن مَقاصِدِ البُلَغاءِ؛ كَراهيةً للتَّكريرِ؛ لأنَّ تَكريرَ الأسلوبِ بمَنزِلةِ تَكريرِ الألفاظِ [934] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/227). . وقيل: ومُقابِلُه رجلٌ موصوفٌ بما يُقابِلُ تلك الصِّفاتِ مِن النُّطقِ والقدرةِ والكفايةِ، ولكنَّه حذَفَ المقابِلَ؛ لِدَلالةِ مُقابِلِه عليه [935] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/571). .
5- قوله تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
- قولُه: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ اللَّامُ فيه لامُ المِلْكِ، والإخبارُ بأنَّ الأشياءَ الخَفيَّةَ والعوالِمَ الَّتي لا تَصِلُ إلى مُشاهَدتِها حواسُّ المخلوقاتِ الأرضيَّةِ مِلكٌ للهِ؛ يَقتَضي بطَريقِ الكِنايةِ أيضًا أنَّه عالِمٌ بها. وتقديمُ المجرورِ وَلِلَّهِ أفاد الحَصْرَ، أي: له لا لغيرِه، ولامُ المِلْكِ أفادَتِ الحصرَ؛ فيكونُ التَّقديمُ مُفيدًا تأكيدَ الحَصْرِ، أو هو للاهتِمامِ [936] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/22). .
- ووجهُ الشَّبَهِ هو كونُ لَمْحِ البصَرِ مَقدورًا بدونِ كُلفةٍ؛ لأنَّ لَمْحَ البصَرِ هو أمكَنُ وأسرَعُ حرَكاتِ الجَوارِحِ؛ فهو أيسَرُ وأسرَعُ مِن نقلِ الأرجُلِ في المشيِ، ومِن الإشارةِ باليَدِ. ويجوزُ أن يكونَ وجْهُ الشَّبهِ السُّرعةَ، أي: سُرعةَ الحُصولِ عندَ إرادةِ اللهِ، أي: ذلك يَحصُلُ فجأةً بدونِ أَماراتٍ، كقولِه: لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [الأعراف: 187] ، والمقصودُ: إنذارُهم وتحذيرُهم مِن أن تَبْغَتَهم السَّاعةُ؛ لِيُقلِعوا عمَّا هم فيه مِن وقتِ الإنذارِ [937] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/230). .
- قولُه: أَوْ هُوَ أَقْرَبُ (أو) للإضرابِ الانتقاليِّ- على قولٍ-؛ إضرابًا عن التَّشبيهِ الأوَّلِ بأنَّ المشبَّهَ أقوى في وجهِ الشَّبهِ من المشبَّهِ به؛ فالمتكلِّمُ يُخيِّلُ للسَّامِعِ أنَّه يُريدُ تَقْريبَ المعنى إليه بطَريقِ التَّشبيهِ، ثمَّ يُعرِضُ عن التَّشبيهِ، بأنَّ المشبَّهَ أقْوى في وجهِ الشَّبهِ وأنَّه لا يَجِدُ له شَبيهًا، فيُصرِّحُ بذلك، فيَحصُلُ التَّقريبُ ابتِداءً ثمَّ الإعرابُ عن الحقيقةِ ثانيًا. ثمَّ المرادُ بالقُربِ في قولِه تعالى: أَقْرَبُ على الوجهِ الأوَّلِ في تفسيرِ لَمْحِ البصَرِ: هو القُربُ المكانيُّ؛ كنايةً عن كَونِه في المقدوريَّةِ بمنزِلةِ الشَّيءِ القريبِ التَّناوُلِ، كقولِه تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: 16] ، وعلى الوجهِ الثَّاني في تفسيرِه يَكونُ القُربُ قُربَ الزَّمانِ، أي: أقرَبُ مِن لَمْحِ البصَرِ حِصَّةً، أي: أسرَعُ حُصولًا [938] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/229). .