موسوعة التفسير

سورة هود
الآيات (40-44)

ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ

غريب الكلمات:


التَّنُّورُ: هو الكانونُ (الموْقِدُ) الذي يُخبَزُ فيه [468] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/401)، ((لسان العرب)) لابن منظور (4/95)، ((تاج العروس)) للزبيدي (10/294) (36/67). .
مَجْرَاهَا: أي: مَسيرُها، وأصلُ (جري): يدلُّ على انسياحِ شَيءٍ [469] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 204)، ((تفسير ابن جرير)) (12/413)،  ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/448)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 234). .
وَمُرْسَاهَا: أي: رُسُوُّها، وانتهاءُ سَيرِها، وأصلُ (رسو): يدلُّ على ثباتٍ [470] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 204)، ((تفسير ابن جرير)) (12/415)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/394)، ((تاج العروس)) للزبيدي (19/459). .
مَعْزِلٍ: أي: مكانٍ مُنقَطعٍ، وأصلُ (عزل): يدلُّ على تَنحيةٍ وإمالةٍ [471] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/307)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 162). .
سَآوِي: أي: أَرجِعُ وألجأُ، وأصلُ (أوى): يدلُّ على تَجمُّعٍ [472] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/151)، ((المفردات)) للراغب (ص: 103)، ((تفسير القرطبي)) (9/39). .
أَقْلِعِي: أي: أمسِكي عن المَطَر، وأصلُ (قلع): يدلُّ على انتزاعِ شَيءٍ مِن شَيءٍ [473] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/419)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/21)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 162)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 160). .
وَغِيضَ الْمَاءُ: أي: غارَ في الأرضِ ونضَبَ، وأصلُ (غيض): يدلُّ على نُقصانٍ في شَيءٍ وقِلَّةٍ [474] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 204)، ((تفسير ابن جرير)) (12/419)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 145)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/405). .
الْجُودِيِّ: هو اسمُ جَبَلٍ [475] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 204)، ((تفسير ابن جرير)) (12/419، 422)، ((المفردات)) للراغب (ص: 211)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 162). .

مشكل الإعراب:


قولُه تعالى: قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ
إِلَّا مَنْ رَحِمَ في هذا الاستثناءِ وَجهانِ؛ أحدهما: أنَّه مُنقَطِعٌ، ومَنْ رَحِمَ بمعنى (المرحوم)، أي: لكِنْ مَن رَحِمَه اللهُ مَعصومٌ. وعليه فـ مَنْ فِي مَحلِّ نصبٍ على الاستِثناءِ المُنقَطِع. الثاني: أنَّه استِثناءٌ متَّصِلٌ، ومَن رَحِم بمعنى (الرَّاحِم)، وهو اللهُ تعالى، أي: لا عاصِمَ إلَّا الرَّاحمُ؛ فـ مَنْ فِي مَوضِع رفعٍ على البدَلِ من محلِّ عَاصِمَ. وقيل: إنَّ عَاصِمَ بمعنى (معصوم)، أي: لا معصومَ إلَّا المرحومُ. والاستثناءُ متَّصِلٌ أيضًا. وخبرُ لا محذوفٌ تقديرُه (مانِعٌ)، وكلٌّ مِن الْيَوْمَ ومِنْ أَمْرِ اللهِ متعلِّقٌ بالخبرِ المحذوفِ، والتَّقديرُ: لا عاصِمَ مانِعٌ اليومَ مِن أَمرِ اللهِ [476] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/366)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/700)، ((تفسير أبي حيان)) (6/158-159)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (6/332-333). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى: حتى إذا جاء أمرُنا بإهلاكِ قومِ نوحٍ، كما وَعدْنا نوحًا بذلك، ونبَعَ الماءُ بقُوَّةٍ مِن التنُّورِ- وهو المكانُ الذي يُخبَزُ فيه- علامةً على مجيءِ العَذابِ؛ قُلنا لنوحٍ: احمِلْ في السَّفينةِ مِن كُلِّ نَوعٍ مِن أنواعِ المَخلوقاتِ ذكرًا وأُنثَى، واحمِلْ فيها أهلَ بَيتِك إلَّا مَن سبَق عليهم القَولُ بالعذابِ، واحمِلْ فيها مَن آمن معك مِن قَومِك، وما آمن معه إلَّا قليلٌ.
وقال نوحٌ لِمن آمن معه: اركبُوا في السَّفينةِ، باسمِ اللهِ يكونُ جَريُها على وجهِ الماءِ، وباسمِ اللهِ يكونُ مُنتهَى سَيرِها ورُسُوُّها، إنَّ ربِّي لَغفورٌ رحيمٌ.
ثمَّ وصَف الله تعالى جريانَ السفينةِ، فقال: وهي تجري بهم في موجٍ يعلو ويرتَفِعُ حتى يصيرَ كالجبالِ، ونادى نوحٌ ابنَه- وكان في ناحيةٍ بعيدةٍ عن السفينةِ- فقال له: يا بُنَيَّ اركبْ معنا في السَّفينةِ، ولا تكُنْ مع الكافرينَ باللهِ فتَغرقَ.
فقال له ابنُه: سألجأُ إلى جبلٍ أتحصَّنُ به من الماءِ، فيَمنَعُني من الغَرَقِ، فأجابه نوحٌ: لا مانعَ اليومَ مِن أمرِ اللهِ وقَضائِه الذي قد نزل بالخَلقِ من الغَرَقِ والهلاكِ إلَّا الرَّاحِمُ، وهو اللهُ تعالى، وحال الموجُ المُرتَفِعُ بين نوحٍ وابنِه، فكان من المُغرَقينَ الهالكينَ، وقال اللهُ للأرضِ- بعد هلاكِ قَومِ نُوحٍ: يا أرضُ اشرَبي ماءَك، ويا سَماءُ أمسِكي عن المَطَر، وغار الماءُ ونَضَب، وقُضِيَ أمرُ اللهِ بهَلاكِ قَومِ نُوحٍ، ونجاةِ المؤمنينَ، ورَسَت السَّفينةُ على جَبَلِ الجُوديِّ، وقيل: هلاكًا وبُعدًا للقَومِ الظَّالمينَ.

تفسير الآيات:


حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40).
حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ.
أي: حتى إذا جاء أمرُ الله بعذابِ قَومِ نوحٍ وهلاكِهم بالطوفانِ، ونبَعَ الماءُ بشِدَّةٍ مِن الموضعِ الذي يُخبزُ فيه؛ علامةً على مجيءِ العذابِ [477] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/401، 406)، ((الوسيط)) للواحدي (2/573)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 520)، ((تفسير الرازي)) (17/347). والمعنى المذكورُ للتنورِ هو اختيارُ ابنِ جريرٍ، والواحديِّ، والرازي. يُنظر: المصادر السابقة، وقد نسَبه غيرُ واحدٍ إلى أكثرِ المفسرينَ. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (2/428)، ((تفسير البغوي)) (2/448)، ((تفسير ابن عطية)) (3/170). قال الطبري: (أولَى هذه الأقوالِ عندَنا بتأويلِ قولِه: التَّنُّورُ قولُ من قال: هو التَّنُّورُ الَّذي يُخْبَزُ فيه؛ لأنَّ ذلك هو المعروفُ من كلامِ العربِ، وكلامُ اللَّهِ لا يُوَجَّه إِلَّا إِلى الأغلبِ الأشهرِ مِنْ معانيه عندَ العربِ إِلَّا أنْ تقومَ حُجَّةٌ على شيءٍ منه بخلافِ ذلك فيسَلَّمُ لها. وذلك أنَّه جلَّ ثناؤُه إِنَّما خاطَبَهم بما خاطَبَهم به لإفهامِهم معنَى ما خاطَبَهم به). ((تفسير ابن جرير)) (12/406). وممن قال به من السلفِ: ابنُ عباسٍ في روايةٍ عنه، والحسنُ، ومجاهدٌ، وقتادةُ- في رواية معمرٍ عنه- ومقاتلٌ. يُنظر:  ((تفسير عبد الرزاق)) (2/416)، ((تفسير ابن جرير)) (12/404)،  ((تفسير ابن الجوزي)) (2/373)، ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/282). وقيل: التنورُ: وجهُ الأرضِ. وممن قال به من السلفِ: ابنُ عباسٍ في روايةٍ عنه، وعليٌّ، وعكرمةُ، والزهريُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/401)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/373). قال ابنُ كثيرٍ: (وأما قولُه: وَفَارَ التَّنُّورُ فعن ابن عباسٍ: التنورُ: وجهُ الأرضِ، أي: صارتِ الأرضُ عيونًا تفورُ، حتى فار الماءُ مِن التنانيرِ التي هي مكانُ النارِ، صارت تفورُ ماءً، وهذا قولُ جمهورِ السلفِ وعلماءِ الخلفِ). ((تفسير ابن كثير)) (4/320). ويُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 382). وقيل في المرادِ بالتنورِ غيرُ ذلك. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/373)، ((تفسير الشوكاني)) (2/565)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/71). .
قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.
أي: قُلنا لنوحٍ عليه الصلاةُ والسَّلامُ حين جاء موعِدُ هلاكِ قَومِه: احمِلْ في السَّفينةِ مِن كُلِّ صنفٍ من أصنافِ المخلوقاتِ ذكَرًا وأنثى [478] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/407)، ((تفسير القرطبي)) (9/34)، ((تفسير السعدي)) (ص: 382). قال القرطبي: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يعني ذكرًا وأنثى؛ لبقاءِ أصلِ النَّسلِ بعد الطوفانِ). ((تفسير القرطبي)) (9/34). .
وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ.
أي: واحمِلْ أيضًا في السفينةِ أهلَ بَيتِك إلَّا من قدَّر اللهُ هلاكَه لكُفرِه [479] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/409)، ((تفسير القرطبي)) (9/35)، ((تفسير ابن كثير)) (4/321)، ((تفسير السعدي)) (ص: 382). .
كما قال تعالى: فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [المؤمنون: 27] .
وَمَنْ آمَنَ.
أي: واحملْ في السفينةِ أيضًا مَن آمنَ بالله واتَّبَعَك [480] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/410)، ((تفسير القرطبي)) (9/35)، ((تفسير ابن كثير)) (4/321)، ((تفسير السعدي)) (ص: 382). .
وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ.
وما آمنَ مع نوحٍ عليه السلامُ إلَّا نفرٌ قليلٌ مِن قَومِه [481] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/410)، ((تفسير القرطبي)) (9/35)، ((تفسير ابن كثير)) (4/321)، ((تفسير السعدي)) (ص: 382). قال ابن جرير: (الصوابُ مِن القَولِ في ذلك أن يقالَ كما قال الله تعالى: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ يصِفُهم بأنَّهم كانوا قليلًا، ولم يحدَّدْ عددُهم بمقدارٍ ولا خبرٍ عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم صحيحٍ، فلا ينبغي أن يُتجاوَزَ في ذلك حَدُّ الله؛ إذ لم يكُن لمبلَغِ عدَدِ ذلك حدٌّ من كتابِ اللهِ أو أثرٌ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم). ((تفسير ابن جرير)) (12/412). .
وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (41).
وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا.
أي: وقال نوحٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَن معه: اركَبوا في السفينةِ باسمِ الله يكونُ مسِيرُها السَّريعُ على وجهِ الماءِ، وباسمِ اللهِ يكونُ مُنتَهى سيرِها ورسوُّها على الشَّاطئِ، فهي تجري وتقِفُ بتسخيرِ اللهِ وأمْرِه [482] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/413، 415)، ((تفسير ابن كثير)) (4/322)، ((تفسير السعدي)) (ص: 382)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/73)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/183). .
إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ.
أي: إنَّ ربِّي لَساتِرٌ ذنوبَ من تاب إليه من أصحابِ السَّفينةِ وغَيرِهم، مُتجاوِزٌ عن مؤاخَذتِهم بها، رحيمٌ بهم حيث نجَّاهم من عذابِه، ومِن القومِ الظَّالمينَ [483] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/416)، ((تفسير القرطبي)) (9/37)، ((تفسير السعدي)) (ص: 382). .
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42).
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ.
أي: والسَّفينةُ تجري بنوحٍ ومَن رَكِبَ معه بإذنِ اللهِ وحِفظِه في أمواجٍ مُرتَفعةٍ كالجبالِ [484] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/416)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/574)، ((تفسير القرطبي)) (9/38)، ((تفسير ابن كثير)) (4/323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 382). .
كما قال تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [الحاقة: 11] .
وقال سُبحانه: وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: 13 - 15].
وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ.
أي: ونادى نوحٌ ابنَه الكافِرَ [485] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/582)، ((تفسير ابن كثير)) (3/158)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240). وكان في ناحيةٍ بعيدةٍ عن السَّفينةِ قائلًا له: يا بُنيَّ اركَبْ معنا السفينةَ، ولا تكنْ مع الكافرينَ فتَغرَقَ مِثلَهم [486] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/416)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 521)، ((تفسير السعدي)) (ص: 382). .
قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43).
قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء.
أي: قال ابنُ نوحٍ عليه السلامُ: سألجأُ إلى جبلٍ عالٍ أتحصَّنُ به، يمنَعُني من  الماءِ، فلا أغرَقُ [487] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/417)، ((تفسير البغوي)) (2/450)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/66)، ((تفسير السعدي)) (ص: 382). .
قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ.
أي: قال نوحٌ لابنِه: لا مانِعَ اليومَ مِن عذابِ اللهِ إلَّا الرَّاحِمُ، وهو اللهُ الذي يرحَمُ من يشاءُ فيُنَجِّيه من الغَرَقِ [488] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/417، 418)، ((تفسير القرطبي)) (9/39، 40)، ((تفسير الخازن)) (2/486)، ((تفسير السعدي)) (ص: 382). قال البيضاوي: (قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ إلَّا الرَّاحِمُ، وهو الله تعالى... وقيل: الاستثناء منقطِعٌ أي: لكِنْ مَن رَحِمَه الله يعصِمُه). ((تفسير البيضاوي)) (3/136). ويُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/376)، ((تفسير ابن كثير)) (4/323)، ((تفسير القاسمي)) (6/96). .
وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ.
أي: وحال بين نوحٍ وابنِه موجُ الماءِ، فكان ممَّن أهلَكَهم الله بالغَرَقِ من قومِ نوحٍ الكافرينَ [489] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/419)، ((تفسير أبي السعود)) (4/211)، ((تفسير الشوكاني)) (2/568). .
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا ذكرَ الله تعالى وقوعَ الغَرَقِ الموعودِ به على وجهِ الإيجازِ؛ انتقل الكلامُ إلى انتهاءِ الطُّوفانِ [490] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/78).
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي.
أي: وأمَرَ الله الأرضَ بعد غَرَقِ قَومِ نُوحٍ: أنْ يا أرضُ تشرَّبي الماءَ الذي على وَجهِك، ويا سَماءُ أمسِكي عن الإمطارِ [491] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/419)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (20/472)، ((تفسير ابن كثير)) (4/323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 382). .
وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ.
أي: نقصَ الماءُ الذي على الأرضِ حتى نضبَ، وفُرِغ من هلاكِ قَومِ نُوحٍ الكافرينَ، وإنجاءِ المؤمنينَ [492] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/419)، ((تفسير القرطبي)) (9/41)، ((تفسير ابن كثير)) (4/323). .
وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ.
أي: ورَسَت السفينةُ، واستقرَّت بمن فيها على جبلِ الجُوديِّ [493] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/419)، ((تفسير البغوي)) (2/451)، ((تفسير ابن كثير)) (4/323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 382). قال البغوي: (هو جبلٌ بأرضِ الجزيرة بقُرب المَوصِل). ((تفسير البغوي)) (2/451). وكذا قال عددٌ من المفسرين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/419)، ((تفسير ابن كثير)) (4/323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 382). .
وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
أي: وقيل [494] قال أبو حيَّان: (الظاهر أنَّ قَولَه: وَقِيلَ بُعْدًا مِن قول الله تعالى كالأفعالِ السابقة، وبني الجميعُ للمفعولِ للعلمِ بالفاعل، وقيل: من قولِ نوحٍ والمؤمنين، قيل: ويحتملُ أن يكون من قولِ الملائكة). ((تفسير أبي حيان)) (6/161). : بُعدًا وسُحقًا مِن رحمةِ اللهِ لِلقومِ الكافرينَ [495] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/419)، ((تفسير ابن كثير)) (4/325)، ((تفسير السعدي)) (ص: 382). .

الفوائد التربوية :


1- في قَولِه تعالى: وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إشارةٌ إلى أنَّ الإنسانَ لا ينبغي أن يَشرعَ في أمرٍ من الأمورِ إلَّا ويكونُ في وقتِ الشُّروعِ فيه ذاكِرًا لاسمِ الله تعالى بالأذكارِ المشروعة؛ حتى يكون- ببَرَكةِ ذلك الذِّكرِ- سببًا لتمام ذلك المقصودِ [496] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/349). .
2- الواجِبُ ربطُ الهِمَّة، وتعليقُ القلبِ بفَضلِ الله تعالى، والبراءةُ عن الحَولِ والقوَّةِ، وقطعُ النَّظَرِ عن الأسبابِ، يُرشِدُ إلى ذلك قولُ الله تعالى: وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا [497] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/349). .
3- قال تعالى: وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ ولم يقلْ: (معَ المغرقينَ) إشارةً إلى أنَّ مَن له عقلٌ وهمَّةٌ ينبغي أن يكونَ تحفُّظُه على صونِ دينِه آكدَ مِن تحفظِه على صونِ نفسِه؛ لأنَّ حفظَ الأديانِ آكدُ مِن حفظِ النُّفوسِ [498]  يُنظر: ((تفسير ابن عرفة)) (2/356). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ الله تعالى: إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ احتُجَّ به في إثباتِ القَضاءِ اللازمِ والقدَرِ الواجبِ؛ لأنَّ قَولَه تعالى: سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مُشعِرٌ بأنَّ كلَّ من سبق عليه القَولُ، فإنَّه لا يتغيَّرُ عن حالِه [499] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/348). .
2- قولُه: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ اعتبارُ المعيَّةِ في إيمانِهم للإيماءِ إلى المعيَّةِ في مَقرِّ الأمانِ والنَّجاةِ [500] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/208). .
3- قال الله تعالى: وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا في هذه الآيةِ دليلٌ على ذِكرِ البسملةِ عند ابتداءِ كُلِّ فِعلٍ [501] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/37). .
4- كلُّ مَقامٍ يُقصَدُ فيه التيمُّنُ والانتسابُ إلى الربِّ الواحدِ يُعدَّى فيه الفعلُ إلى لفظِ اسمِ الله، كقوله تعالى: وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا، وكذلك المقامُ الذي يُقصَدُ فيه ذِكرُ اسمِ الله تعالى، كقولِه تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ أي: قل: سُبحانَ الله، وكلُّ مَقامٍ يُقصَدُ فيه طلبُ التَّيسيرِ والعَونِ مِن الله تعالى يعَدَّى الفعلُ المسؤولُ إلى عَلَمِ الذَّاتِ باعتبارِ ما له من صفاتِ الخَلقِ والتَّكوينِ، كما في قولِه تعالى: فَاسْجُدْ لَهُ [الإنسان: 26] وقولِه في الحديث: ((اللهمَّ بك أصبحنا وبك أمسينا)) [502] أخرجه أبو داود (5068) واللفظ له، والترمذي (3391)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (10399)، وابن ماجه (3868) باختلاف يسير، وأحمد (8649) أوله. حسَّنه الترمذيُّ، وأخرجه ابنُ حبان في ((صحيحه)) (964)، وصحَّح إسنادَه النوويُّ في ((الأذكار)) (107)، وصحَّحه ابن دقيق في ((الاقتراح)) (118)، وابن القيم في ((زاد المعاد)) (2/337). أي: بقُدرتِك ومَشيئتِك، وكذلك المقامُ الذي يُقصَدُ فيه توجُّهُ الفعلِ إلى اللهِ تعالى، كقَولِه تعالى: فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ أي: نَزِّهْ ذاتَه وحقيقتَه عن النقائصِ [503] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/150). .
5- حيلولةُ الموجِ بينَ نوحٍ عليه السلامُ وابنِه في آخِرِ المُحاوَرةِ يُشيرُ إلى سُرعةِ فيَضانِ الماءِ في حينِ المُحاوَلةِ، قال تعالى: وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [504] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/77). .
6- قال الله تعالى: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ يُقالُ: أكرمَ الله ثلاثةَ جبالٍ بثلاثةِ نَفَرٍ: الجُوديَّ بنوحٍ، وطورَ سيناءَ بموسى، وحِراءَ بمحمَّدٍ صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعينَ [505] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/42). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
- قولُه: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فيه إيجازٌ بديعٌ؛ فـ(حتَّى) غايةٌ لـ يَصْنَعُ الْفُلْكَ [هود: 38] ، أي: يَصنَعُه إلى زمَنِ مَجيءِ أمْرِنا، فـ(إذا) ظرفٌ مضمَّنٌ معنى الشَّرطِ؛ ولذلك جيءَ له بجوابٍ، وهو جملةُ قُلْنَا احْمِلْ، وإضافةُ الأمرِ إلى (نَا العَظَمةِ) في أَمْرُنَا؛ لِتَهويلِه بأنَّه فوقَ ما يَعرِفون [506] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/69- 70). .
- قولُه: إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فيه مُناسَبةٌ حسنةٌ، حيث جيءَ بـ (على)؛ لكونِ السَّابِقِ ضارًّا لهم، بينَما جيءَ باللَّامِ فيما هو نافِعٌ لهم مِن قولِه عزَّ وجلَّ: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ [الصافات: 171] ، وقولِه: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى [507] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/86)، ((تفسير أبي السعود)) (4/208). [الأنبياء: 101] . ويُمكن أنْ يكونَ فيها معنى العُلوِّ؛ وذلك أنَّ المقضيَّ نازلٌ بِهم لا مَناصَ لهم منه.  
- وجملةُ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ اعتراضٌ لِتَكميلِ الفائدةِ مِن القصَّةِ في قلَّةِ الصَّالِحين [508] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/73). .
2- قولُه تعالى: وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
- قوله تعالى: وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا (في) للتَّأكيدِ كقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ [يوسف: 43] وفائدةُ (في) أنَّهم أُمِروا أن يكونوا في جَوفِها لا على ظَهرِها [509] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/36). وأُمِروا بذلك- واللهُ أعلمُ- حتى لا تفجعَهم رؤيةُ الموجِ وشِدَّةُ اندفاعِه، حيث كان موجًا هائلًا كالجِبالِ. ، وقيل: تعدِيَةُ فِعْلِ اركَبوا بـ (في)؛ جَرْيًا على الفَصيحِ؛ فإنَّه يُقالُ: رَكِب الدَّابَّةَ إذا عَلاها، وأمَّا رُكوبُ الفُلْكِ فيُعَدَّى بـ (في) لأنَّه جُلوسٌ واستقرارٌ؛ فلا يُقالُ: رَكِب السَّفينةَ، فأرادوا التَّفرقةَ بينَ الرُّكوبِ الحقيقيِّ والرُّكوبِ المشابِهِ له، وهي تفرِقةٌ حسَنةٌ [510] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/73). .
- وجملةُ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ تَعليليَّةٌ للأمرِ بالرُّكوبِ المقيَّدِ بالملابَسةِ لذَكْرِ اسْمِ اللهِ تعالى، ففي التَّعليلِ بالمغفرةِ والرَّحمةِ رمزٌ إلى أنَّ اللهَ وعَدَه بنَجاتِهم؛ وذلك مِن غُفرانِه ورَحمتِه، وأكِّد بـ (إنَّ) ولامِ الابتداءِ تَحقيقًا لأتباعِه بأنَّ اللهَ رَحِمَهم بالإنجاءِ مِن الغرَقِ [511] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/74). .
- وفيه مناسَبةٌ حسَنةٌ، حيث قال اللهُ تعالى هنا: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ، وفي سورةِ المؤمنونَ قال: فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [المؤمنون: 27] ، فقال في سورةِ (هودٍ): قُلْنَا احْمِلْ، وفي سورة (المؤمنونَ): فَاسْلُكْ؛ ووجهُ ذلك الاختلافِ:
أنَّ آيةَ سورةِ (هُودٍ) حَكَتْ ما خاطَبه اللَّهُ به عندَ حدوثِ الطُّوفانِ وذلك وقتٌ ضَيِّقٌ، فأُمِرَ بأنْ يَحمِلَ في السَّفينةِ مَنْ أراد اللَّهُ إبقاءَهم، فأُسنِدَ الحملُ إِلى نوحٍ تمثيلًا للإسراعِ بإركابِ ما عُيِّن له في السَّفِينَةِ حتَّى كأنَّ حالَه في إدخالِه إيَّاهم حالُ مَنْ يحملُ شيئًا لِيضعَه في مَوضعٍ، وآيَةُ سورةِ (المؤمنون) حَكَتْ ما خاطَبه اللَّهُ به مِن قبلِ حُدوثِ الطُّوفانِ إنباءً بما يفعلُه عندَ حُدوثِ الطُّوفانِ، فأمَره بأنَّه حينئذٍ يُدْخِلُ في السَّفِينَةِ مَنْ عَيَّنَ اللَّهُ إدخالَهم، معَ ما في ذلك مِنَ التَّفَنُّنِ في حكايةِ القِصَّة [512] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/46)، ويُنظر أيضًا: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/256-257). .
3- قولُه تعالى: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ
- قولُه: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ جملةٌ مُعترِضةٌ، دعا إلى اعتِراضِها هنا ذِكرُ (مَجْرَاهَا)؛ إتمامًا للفائدةِ، ووَصْفًا لعِظَمِ اليومِ، وعجيبِ صُنعِ اللهِ تعالى في تَيْسيرِ نَجاتِهم، وقدَّم المسنَدَ إليه (هِيَ) على الخبَرِ الفعليِّ (تَجْري) ؛ لِتَقوِّي الحكْمِ وتَحقيقِه [513] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/74). .
- قولُه: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ فيه عُدولٌ عن الفعلِ الماضي إلى المضارِعِ في تَجْرِي؛ لاستِحْضارِ الحالةِ [514] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/74). ، وقولُه: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ اتَّصَل بمحذوفٍ دلَّ عليه الأمرُ بالرُّكوبِ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ، أي: فرِكِبوا فيها مُسمِّين، وهي تَجرِي مُلتبسةً لهم، كأنَّه قيل: فرَكِبوا فيها يَقولون: بِسْمِ اللهِ، وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ، أي: تَجْري وهم فيها في موجٍ كالجبالِ [515] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/396)، ((تفسير أبي السعود)) (4/209). .
- وقولُه: فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ فيه تشبيهُ موجِ الطُّوفانِ بالجبالِ؛ شَبَّه كلَّ موجةٍ منه بالجبَلِ في تَراكُمِها وارتِفاعِها وضَخامتِها [516] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/396)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/74). .
- وقولُه عليه السَّلامُ: يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا عبَّر بـ (بُنَيَّ) وهو تصغيرُ (ابنٍ) مُضافًا إلى ياءِ المتكلِّمِ، وتصغيرُه هنا تصغيرُ شفَقةٍ؛ بحيث يُجعَلُ كالصَّغيرِ في كونِه مَحَلَّ الرَّحمةِ والشَّفقةِ [517] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/76). .
- وجُمْلَةُ ارْكَبْ مَعَنَا فيها كِنايةٌ عن دَعوَتِه ابْنَه إلى الإيمانِ بطَريقةِ العَرْضِ والتَّحذيرِ [518] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/76). .
- وجملةُ وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ معطوفةٌ على جملةِ ارْكَبْ مَعَنَا؛ لإعلامِه بأنَّ إعراضَه عن الرُّكوبِ يَجعَلُه في صفِّ الكفَّارِ؛ إذ لا يَكونُ إعراضُه عن الرُّكوبِ إلَّا أثَرًا لِتَكذيبِه بوُقوعِ الطُّوفانِ [519] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/76). .
4- قولُه تعالى: قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ
- وجملةُ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ يحتملُ أن تَكونَ صِفةً لـ(جَبَلٍ)، أي: جبَلٍ عالٍ، ويحتملُ أن تَكونَ استِئْنافًا بَيانيًّا؛ لأنَّه استَشعَر أنَّ نوحًا عليه السَّلامُ يَسأَلُ: لماذا يَأْوي إلى جبَلٍ؟ حيث ظنَّ ابنُ نوحٍ أنَّ أرفَعَ الجِبالِ لا يَبلُغُه الماءُ، وأنَّ أباه ما أراد إلَّا بُلوغَ الماءِ إلى غالِبِ المرتفَعاتِ دونَ الجبالِ الشَّامخاتِ؛ ولذلك أجابه نوحٌ عليه السَّلامُ بأنَّه لا عاصِمَ اليومَ مِن أمرِ اللهِ- وهو الطُّوفانُ- إلَّا مَن رَحِم [520] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/77). .
- قولُه: قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ، أي: (لا عَاصِمَ... إلَّا اللهُ)، وإنَّما قيلَ: إِلَّا مَن رَحِمَ؛ تفخيمًا لشأنِه الجَليلِ سبحانه وتعالى بالإبهامِ ثمَّ التَّفسيرِ، وبالإجمالِ ثمَّ التَّفصيلِ، وإشعارًا بعِلِّيَّة رَحْمتِه في ذلك بمُوجِبِ سَبْقِها على غضَبِه [521] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/211). .
- قولُه: فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ فيه إيجازٌ بديعٌ، حيث أفاد أنَّه غَرِق، وغَرِق معَه مَن توَعَّده بالغرَقِ [522] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/77). ، وفي إيرادِ الفِعْلِ (كَان) دونَ (صارَ) مبالَغةٌ في كَونِه منهم [523] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/211). .
5- قولُه تعالى: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
- هذه الآيةُ بلَغَت مِن أسرارِ الإعجازِ غايَتَها، وحَوَتْ مِن بَدائِعِ الفرائدِ نِهايَتَها، واشتَمَلَت على وُجوهٍ كثيرةٍ مِن جوانبِ البلاغةِ، والفصاحةِ المعنويَّةِ، والفَصاحةِ اللَّفظيَّةِ، وقد اهتمَّ عُلماءُ البيانِ لإيضاحِ نُخَبٍ مِن لَطائِفِها؛ فهي نَظْمٌ للمَعاني لطيفٌ، وتأديةٌ لها مُلخَّصةٌ مُبِينةٌ، لا تَعقيدَ يُعْثِرُ الفِكرَ في طلَبِ المرادِ، ولا الْتِواءَ يُشِيكُ الطَّريقَ إلى المُرْتادِ، بل إذا جرَّبتَ نفْسَك عندَ استِماعِها، وجَدْتَ ألْفاظَها تُسابِقُ مَعانيَها، ومَعانِيَها تُسابِقُ ألْفاظَها؛ فما مِن لفظةٍ في تركيبِ الآيةِ ونَظْمِها تَسبِقُ إلى أُذنِك، إلَّا ومَعْناها أسبَقُ إلى قَلبِك.
وأمَّا النَّظرُ فيها مِن جانبِ الفصاحةِ اللَّفظيَّةِ: فألفاظُها على ما نَرى عرَبيَّةٌ، مُستعمَلةٌ جاريةٌ على قَوانينِ اللُّغةِ، سَليمةٌ مِن التَّنافُرِ، بعيدةٌ عن البَشاعةِ، عَذْبةٌ سَلِسةٌ، كلٌّ مِنها كالماءِ في السَّلاسةِ، وكالعسَلِ في الحلاوةِ، وكالنَّسيمِ في الرِّقَّةِ.
ومن حيث البلاغةُ والمناسبةُ، فقد اخْتِير (يا) دونَ سائرِ أخَواتِها؛ لِكَونِها أكثَرَ في الاستِعْمالِ وأنَّها دالَّةٌ على بُعْدِ المنادَى الذي يَسْتَدعيه مَقامُ إظهارِ العظَمةِ، وهو تَبْعيدُ المنادى المؤْذِنُ بالتَّهاوُنِ به، واخْتِيرَ ابْلَعِي على (ابتَلِعي)؛ لكونِه أخْصَرَ، ولِمَجيءِ حظِّ التَّجانُسِ بينَه وبينَ أقْلِعي أوفَرَ، وقيل: مَاءَكِ بالإفرادِ دونَ الجمْعِ لِمَا كان في الجمْعِ مِن صورةِ الاستِكْثارِ المتأتِّي عنها مَقامُ إظهارِ الكبرياءِ والجبَروتِ، وإنَّما لم يَقُلِ: (ابْلَعي) فقَط بدونِ المفعولِ؛ حتَّى لا يَستَلزِمَ تَرْكُه ما ليسَ بمُرادٍ مِن تعميمِ الابتلاعِ للجِبالِ والتِّلالِ والبحارِ وساكناتِ الماءِ بأَسْرِهنَّ؛ نظَرًا إلى مَقامِ وُرودِ الأمرِ الَّذي هو مَقامُ عظَمةٍ وكِبْرياءٍ، ثمَّ لَمَّا تبَيَّن المرادُ اختَصَر الكلامَ فقال: أَقْلِعِي فقط؛ احتِرازًا عن الحَشْوِ المستغنَى عنه، وهو الوجهُ في أنَّه لم يَقُلْ: (قيلَ يا أرضُ ابلَعي ماءَكِ فبَلَعَت، ويا سماءُ أقلِعي فأقلَعَت)، وقيل: الْمَاءُ، دون أن يُقالَ: (ماءُ طُوفانِ السَّماءِ)، وكذا قيل: وَقُضِيَ الْأَمْرُ دونَ أن يُقالَ: (أمرُ نوحٍ)؛ لقصْدِ الاختِصارِ، والاستِغْناءِ بحَرْفِ التَّعريفِ عن ذلك. ولم يَقُلْ: (سُوِّيَتْ على الجوديِّ) على نحوِ: (قيلَ) و(غِيضَ) و(قُضِي) في البناءِ للمفعولِ؛ اعتِبارًا لبِناءِ الفِعلِ للفاعلِ معَ السَّفينةِ في قولِه: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ، مع قصْدِ الاختصارِ في اللَّفظِ، ثمَّ قيل: بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ دونَ أن يُقالَ: لِيَبْعُدِ القومُ؛ طلَبًا للتَّأكيدِ معَ الاختصارِ، وهو نزولُ بُعْدًا مَنزِلةَ (لِيَبعُدوا بُعدًا)، مع فائدةٍ أُخْرى، وهي استِعمالُ اللَّامِ مع بُعْدًا الدَّالُّ على معنى أنَّ البُعدَ يَحِقُّ لهم، ثمَّ أطلَقَ الظُّلمَ؛ لِيَتناوَلَ كلَّ نوعٍ حتَّى يَدخُلَ فيه ظُلمُهم أنفُسَهم؛ لزِيادَةِ التَّنبيهِ على فَظاعةِ سوءِ اختِيارِهم في تكذيبِ الرُّسلِ.
ومن حيث التَّرتيبُ؛ فقد قدَّم أمْرَ الأرضِ على أمرِ السَّماءِ، وابتُدِئ به لابتِداءِ الطُّوفانِ مِنها، وبِنُزولِها لذلك في القصَّةِ مَنزِلةَ الأصلِ، والأصلُ بالتَّقديمِ أولَى، ثمَّ أتبَعَها قولَه: وَغِيضَ الْمَاءُ؛ لاتِّصالِه بقِصَّةِ الماءِ، وأخْذِه بحُجْزَتِها. ألَا تَرى أصْلَ الكلامِ: (قيلَ: يا أرضُ ابلَعي ماءَكِ، فبَلَعَت ماءَها، ويا سماءُ أقلِعي عن إرسالِ الماءِ، فأقلَعَت عن إرسالِه، وغِيضَ الماءُ النَّازلُ مِن السَّماءِ، فغاضَ)، ثمَّ أتبَعَه ما هو مقصودٌ مِن القصَّةِ، وهو قولُه: وَقُضِيَ الْأَمْرُ، أي: أُنجِزَ الموعودُ مِن إهلاكِ الكفَرةِ، وإنجاءِ نوحٍ ومَن معَه في السَّفينةِ، ثمَّ أتبَعَه حديثَ السَّفينةِ، وهو قولُه: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ، ثمَّ خُتِمَت القصَّةُ بما خُتِمَت [524] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/397- 398)، ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 417)، ((تفسير القاسمي)) (6/97- 101)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/80- 83). .
وجاء بِناءُ الأفعالِ وَقِيلَ وَغِيضَ وَقُضِيَ وَقِيلَ للمَفعولِ، وهو أبلَغُ في التَّعظيمِ والجبَروتِ، وأخْصَرُ، وأيضًا في مَجيءِ أخبارِه تعالى على الفعلِ المبنيِّ للمفعولِ: دَلالةٌ على الجلالِ والكبرياءِ، وأنَّ تلك الأمورَ العِظامَ لا تَكونُ إلَّا بفِعْلِ فاعلٍ قادرٍ، وتكوينِ مُكوِّنٍ قاهرٍ، وأنَّ فاعِلَها فاعلٌ واحدٌ لا يُشارَكُ في أفعالِه سبحانه؛ فلا يَذهَبُ الوَهْمُ إلى أن يَقولَ غيرُه: يا أرضُ ابلَعي ماءَكِ، ويا سَماءُ أقلِعي، ولا أن يَقضِيَ ذلك الأمْرَ الهائلَ غيرُه، ولا أن تَستوِيَ السَّفينةُ على مَتْنِ الجوديِّ، وتستقِرَّ عليه إلَّا بتَسْويتِه وإقرارِه [525] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/398)، ((تفسير أبي حيان)) (6/160). .
- وفي قولِه: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ تقديمُ الأمرِ بالبلعِ؛ لأنَّه السَّببُ الأعظمُ لِغَيضِ الماءِ [526] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/160)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/78). .
- قولُه: وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فيه كِنايةٌ عن تَحْقيرِهم وكَراهيَتِهم؛ فالبُعْدُ كنايةٌ عَن التَّحقيرِ بِلازِمِ كراهيَةِ الشَّيءِ؛ فلذلك يُقالُ: بَعُدَ أو نحوُه لِمَن فُقِد، إذا كان مَكْروهًا كما هنا [527]  يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/79). .
- والتَّعرُّضُ لوَصفِ الظُّلمِ لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ؛ للإشعارِ بعِلِّيَّتِه للهلاكِ، ولِتَذكيرِه ما سبَقَ مِن قولِه تعالى: وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [528] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/211). .