موسوعة التفسير

سورةُ يس
الآيات (37-40)

ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ

غَريبُ الكَلِماتِ:


نَسْلَخُ: أي: نُخرِجُ ونَنزِعُ، وأصلُ (سلخ): يدُلُّ على إخراجِ شَيءٍ عن جِلدِه [378] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/434)، ((غريب القرآن)) للسِّجستاني (ص: 467)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/94)، ((المفردات)) للراغب (ص: 419)، ((تفسير ابن كثير)) (6/576)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 349). .
قَدَّرْنَاهُ: أي: جعَلْنا سَيْرَه بقَدَرٍ، والتَّقديرُ: يُطلَقُ على جَعلِ الأشياءِ بقَدَرٍ ونِظامٍ مُحكَمٍ، وعلى تحديدِ المقدارِ، مِثلُ تقديرِ الأوقاتِ، والكَمِّياتِ مِن الموزوناتِ والمعدوداتِ، وأصْلُ (قدر): يدُلُّ على مَبلغِ الشَّيءِ ونهايتِه [379] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 194)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/62)، ((تفسير ابن كثير)) (6/577)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/22). .
كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ: العُرجُونُ: عُودُ العِذْقِ مِن النَّخلةِ، فإذا قَدُم وعَتُق، يَبِسَ وتقوَّس واصفَرَّ، وأصلُ العُرجونِ: مِنَ الانعراجِ، وهو الانعِطافُ [380] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/437)، ((تفسير القرطبي)) (15/30)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 349)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 659). .
فَلَكٍ: الفَلَكُ: القُطبُ الذي تَدورُ به النُّجومُ، ومجرَى الكواكِبِ، وأصلُ (فلك): يدُلُّ على استِدارةٍ في شَيءٍ [381] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/265)، ((غريب القرآن)) للسِّجستاني (ص: 362)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/452)، ((المفردات)) للراغب (ص: 645). .

مُشكِلُ الإعرابِ:


قَولُه تعالَى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ
قَولُه تعالَى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ القَمَرَ: مَنصوبٌ على الاشتِغالِ [382] الاشتغال في مصطلَح النحاة معناه: إذا تَقدَّم اسمٌ على فِعلٍ صالحٍ لأنْ يَنصِبَه لفظًا أو محلًّا، وشُغِلَ الفِعلُ عن عمِله فيه بعمَله في ضميرِه، صحَّ في الاسمِ أنْ يُنصَب بفِعلٍ لا يَظهَرُ، مماثلٍ للظاهِرِ أو مُقَارِبِه. وله أحوالٌ في إعرابِه. يُنظر: ((شرح ألفية ابن مالك)) لابن الناظم (ص: 172)، ((شرح التصريح على التوضيح)) لخالد الأزهري (1/441). بفِعلٍ مَحذوفٍ يُفسِّرُه المذكورُ، والتَّقديرُ: وقَدَّرْنا القَمَر قَدَّرْناه. وقُرِئَ: وَالقَمَرُ بالرَّفعِ [383] قرأه بالرفعِ: ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأبو عمرٍو وروحٌ، وقرأه الباقونَ بالنَّصبِ. يُنظر: ((النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري (2/353). : مُبتدأٌ لخبرٍ محذوفٍ مُقَدَّمٍ، والتَّقديرُ: وآيةٌ لهم القَمَرُ، ويَجوزُ أنْ يكونَ مُبتدأً خَبَرُه قَدَّرْنَاهُ.
قَولُه: مَنَازِلَ فيه أوجُهٌ؛ أحدُها: أنَّه ظَرفٌ، أي: قَدَّرْنا مَسيرَه في مَنازِلَ. الثَّاني: أنَّه حالٌ على نِيَّةِ حَذفِ مُضافٍ، تقديرُه: ذا مَنازِلَ. الثالِثُ: أنَّه مَفعولٌ ثانٍ بتَضمينِ قَدَّرْنَاهُ معنى: صَيَّرْنا. الرَّابعُ: أنَّه مَفعولٌ به لـ قَدَّرْنَاهُ، والأصلُ: (قَدَّرْنا له منازِلَ)، فحُذِفَ الجارُّ، وأُوصِل الفِعلُ إلى الضَّميرِ فانتَصَبَ [384] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (18/484)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/1082)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (6/153) (9/270)، ((تفسير الألوسي)) (12/16). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ تعالى مُبيِّنًا بعضَ دَلائلِ وَحدانيتِه، وعَظيمِ قُدرتِه: وعَلامةٌ عَظيمةٌ لهم أيضًا دالَّةٌ على وَحدانيَّةِ اللهِ تعالى، وكَمالِ قُدرتِه على إحياءِ الموتَى: اللَّيلُ؛ حيثُ ينزِعُ اللهُ عنه النَّهارَ؛ فيصيرُ النَّاسُ في لَيلٍ مُظلِمٍ، والشَّمسُ تَجري بقُدرةِ اللهِ تعالَى إلى مَكانِ قَرارِها الَّذي قدَّرَه اللهُ لها، ذلك تَقديرُ اللهِ العزيزِ الذي لا يَغلِبُه غالِبٌ، العَليمِ بكُلِّ شَيءٍ.
 ثمَّ يَذكرُ اللهُ تعالَى آيةً أُخرَى، فيَقولُ: وقدَّرْنا سَيْرَ القمَرِ في منازِلَ؛ بأنْ يَنزِلَ في كُلِّ ليلةٍ في مَنزلٍ، فإذا صارَ في آخِرِ منازِلِه أصبحَ في دِقَّتِه وتَقوُّسِه كعُرجونِ النَّخلةِ اليابِسِ المتقَوِّسِ.
ولا يَصِحُّ ولا يَتأتَّى للشَّمسِ أنْ تُدرِكَ القَمَر في مَسيرِه، فتجتَمِعَ معه باللَّيلِ، وكذلك لا يَصِحُّ ولا يَتأتَّى للَّيلِ أنْ يَسبِقَ النَّهارَ، فيُزاحِمَه في مَحلِّه أو وَقتِه، وإنَّما كُلُّ واحدٍ مِن الشَّمسِ والقَمَرِ، واللَّيلِ والنَّهارِ: يَدورُ في فَلَكِ السَّماءِ فيَسيرُ في هذا الكَونِ بنِظامٍ بَديعٍ!

تَفسيرُ الآياتِ:


وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
بعْدَ أنْ بيَّنَ سُبحانَه مَظاهِرَ قُدْرتِه عن طَريقِ التَّأمُّلِ في الأرضِ الَّتي نَعيشُ عليها، عقَّبَ ذلك ببَيانِ مَظاهِرِ قُدْرتِه عن طَريقِ التَّأمُّلِ في تَقلُّبِ اللَّيلِ والنَّهارِ، وتَعاقُبِ الشَّمسِ والقَمرِ، فقال [385] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) لطنطاوي (12/31)، ويُنظر أيضًا: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/128). :
وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37).
أي: وعَلامةٌ عَظيمةٌ لهم دالَّةٌ على تَوحيدِ اللهِ، وكَمالِ قُدرتِه على إحياءِ الموتَى، وعلى غيرِ ذلك: اللَّيلُ؛ حيثُ نَنزِعُ عنه النَّهارَ، فإذا النَّاسُ قدْ صاروا في ظُلمةٍ [386] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/434)، ((تفسير القرطبي)) (15/26)، ((تفسير ابن كثير)) (6/575، 576)، ((تفسير السعدي)) (ص: 695). .
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ الوَقتينِ؛ ذكَرَ آيتَيهما، فقال:
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا.
أي: والشَّمسُ [387] قيل: يحتَمِلُ أنْ تكونَ الواوُ للعَطفِ على اللَّيلِ، والتقديرُ: وآيةٌ لهم الشَّمسُ. ويجوزُ أن تكونَ الواوُ ابتدائيةً، والشَّمسُ: مبتدأ، وما بعدَها الخبَر، ويكونُ الكلامُ مُستأنَفًا مُشتَمِلًا على ذِكرِ آيةٍ مُستقلَّةٍ. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/424). -التي سُلِخَ النَّهارُ مِن اللَّيلِ بغَيبوبتِها- تَجري بقُدرةِ اللهِ تعالَى إلى مَوضِعِ قَرارِها الَّذي قدَّرَه اللهُ لها [388] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/434)، ((تفسير ابن كثير)) (6/576)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/129)، ((تفسير الشوكاني)) (4/424)، ((تفسير السعدي)) (ص: 695)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/20)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 135-137). قولُه: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا فيه أقْوالٌ؛ منها: إلى مَوضِعِ قَرارِها. ومنها: أنَّ مُستَقَرَّها مَغرِبُها، لا تُجاوِزُه، ولا تُقصِّرُ عنه؛ قاله مُجاهدٌ. ومنها: لوَقتٍ واحِدٍ لا تَعْدوه؛ قاله قَتادةُ. ومنها: لوَقتٍ لها إلى يومِ القِيامةِ؛ قاله مُقاتلٌ. ومنها: تَسيرُ في مَنازِلِها حتَّى تَنتَهيَ إلى مُستَقَرِّها الَّذي لا تُجاوِزُه، ثمَّ تَرجِعُ إلى أوَّلِ مَنازِلِها؛ قاله ابنُ السَّائبِ. ومنها: إلى مُستَقرٍّ لها، ومُستَقَرُّها: أقْصَى مَنازِلِها في الغُروبِ؛ وذلك لأنَّها لا تَزالُ تَتقدَّمُ إلى أقْصى مَغارِبِها، ثمَّ تَرجِعُ؛ قاله ابنُ قُتَيْبةَ. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/523، 524). ويُنظر أيضًا: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/579)، ((تأويل مشكل القرآن)) لابن قتيبة (ص: 192، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/523، 524). قال ابنُ كَثيرٍ: (في مَعنى قولِه: لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا قَوْلانِ: أحَدُهما: أنَّ المُرادَ: مُستَقَرُّها المَكانيُّ، وهو تحتَ العَرشِ... كما جاءَت بذلك الأحاديثُ... والقولُ الثَّاني: أنَّ المُرادَ بمُستَقَرِّها هو: مُنْتَهى سَيْرِها، وهو يومُ القِيامةِ، يَبطُلُ سَيْرُها، وتَسكُنُ حَرَكتُها وتُكَوَّرُ، ويَنْتَهي هذا العالَمُ إلى غايَتِه، وهذا هو مُستَقَرُّها الزَّمانيُّ. قال قَتادةُ: لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا، أي: لوَقْتِها، ولأجَلٍ لا تَعْدُوه). ((تفسير ابن كثير)) (6/576). وقال ابنُ جُزَيٍّ: (وفي الحَديثِ: «مُستَقرُّها تحتَ العَرشِ تَسجُدُ فيه كلَّ لَيلةٍ بعدَ غُروبِها»، وهذا أصَحُّ الأقْوالِ؛ لوُرودِه عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الحَديثِ المَرْويِّ في البُخاريِّ عن أبي ذَرٍّ). ((تفسير ابن جزي)) (2/182)، ويُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/424). .
عن أبي ذرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأبي ذَرٍّ حِينَ غَرَبتِ الشَّمسُ: أَتدري أينَ تَذهَبُ؟ قُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: فإنَّها تَذهَبُ حتَّى تَسجُدَ تحتَ العَرشِ فتَستأذِنَ، فيُؤذَنُ لها، ويُوشِكُ أنْ تَسجُدَ فلا يُقبَلَ منها، وتَستأذِنَ فلا يُؤذَنَ لها؛ يقالُ لها: ارجِعي مِن حَيثُ جِئتِ، فتَطلُعُ مِن مَغرِبِها، فذلك قَولُه تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)) [389] رواه البخاريُّ (3199) واللفظ له، ومسلِمٌ (159). .
وعن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((سألتُ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن قَولِ الله تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا؟ قال: مُستقَرُّها تحتَ العَرشِ)) [390] رواه البخاريُّ (4803)، ومسلمٌ (159). .
ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
أي: ذلك [391] قيلَ: الإشارةُ بـ ذَلِكَ إلى جَرْيِ الشَّمسِ؛ أي: ذلك الجَرْيُ على ذلك التَّقْديرِ. وممَّن قال بهذا المَعنى في الجُملةِ: ابنُ جَرير، والزَّمخْشريُّ، والبَيضاويُّ، والنَّسَفيُّ، والخازِنُ، والرَّسْعَنيُّ، وأبو السُّعود، والقاسميُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/435)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (9/6035)، ((تفسير الزمخشري)) (4/16)، ((تفسير البيضاوي)) (4/268)، ((تفسير النسفي)) (3/104)، ((تفسير الخازن)) (4/8)، ((تفسير الرسعني)) (6/337)، ((تفسير أبي السعود)) (7/168)، ((تفسير القاسمي)) (8/184). وقيل: الإشارةُ إلى ما ذُكِرَ مِن أمْرِ اللَّيلِ والنَّهارِ والشَّمسِ. وممَّن قال بهذا: القُرطبيُّ. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (15/29). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عاشور)) (23/21). تَقديرُ العَزيزِ الذي بعِزَّتِه قَهَرَ المخلوقاتِ العَظيمةَ كالشَّمسِ؛ فهو القاهِرُ الغالِبُ سُبحانَه، وهو العَليمُ المحيطُ عِلمًا بكُلِّ شَيءٍ، الَّذي يُدبِّرُ الأمْرَ، فيطَّرِدُ على نِظامٍ عَجيبٍ، ونَهجٍ بديعٍ، لا يَعتريه وَهَنٌ، ولا يَلحَقُه خَلَلٌ [392] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (15/29)، ((تفسير ابن كثير)) (6/577)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/130)، ((تفسير السعدي)) (ص: 695)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/21). .
وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ آيةَ النَّهارِ -وهي الشَّمسُ-؛ أتْبَعَها آيةَ اللَّيلِ -وهي القَمرُ- [393] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/131). ، فقال:
وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39).
أي: وقدَّرْنا القَمَرَ مَنازِلَ يَسيرُ فيها، ويَنزِلُ كُلَّ ليلةٍ في واحِدٍ منها، حتى يَكتَمِلَ ضَوْءُه ويَصيرَ بَدرًا، ثمَّ يَتناقَصُ شَيئًا فشَيئًا حتَّى يَعودَ هِلالًا، كعُودِ عِذْقِ النَّخلةِ اليابِسِ الأصفَرِ النَّحيلِ المتقَوِّسِ لِقِدَمِه [394] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/436، 437)، ((تفسير السمرقندي)) (3/124)، ((تفسير الزمخشري)) (4/17). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/454)، ((تفسير ابن كثير)) (6/577، 578)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/131-132)، ((تفسير السعدي)) (ص: 696)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/22، 23). .
كما قالَ تعالَى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ [يونس: 5] .
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذَكَر الشَّمسَ والقَمَرَ، وكانتِ الشَّمسُ مُقارِنةً لِلنَّهارِ في مُخيِّلاتِ البَشَرِ، وكان القَمَرُ مُقارِنًا لِلَّيلِ، وكان في نِظامِ اللَّيلِ والنَّهارِ مَنافِعُ لِلنَّاسِ؛ اعتَرَض بذِكرِ نِظامِ الشَّمسِ والقَمَرِ في أثْناءِ الاعتِبارِ بنِظامِ اللَّيلِ والنَّهارِ [395] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/24). .
وأيضًا لَمَّا تقرَّر أنَّ لكُلٍّ مِن الشَّمسِ والقَمرِ مَنازِلَ لا يَعْدوها؛ فلا يَغلِبُ ما هو آيتُه ما هو آيةُ الآخَرِ، بل إذا جاء سُلطانُ هذا ذهَب ذاك، وإذا جاء ذاك ذهَب هذا، فإذا اجتمَعَا قامتِ السَّاعةُ- تَحرَّر أنَّ نتيجةَ هذه القَضايا [396] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/132). :
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ.
أي: لا يُمكِنُ للشَّمسِ أن تَلحَقَ القَمَرَ؛ فهذا أمرٌ مُحالٌ ومُمتَنِعٌ [397] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/438)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/598)، ((تفسير ابن كثير)) (6/578، 579)، ((تفسير السعدي)) (ص: 696)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/24)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 145). قيل: المرادُ: أنَّه لا يمكِنُ أن يجتَمِعَا، فتكونَ الأوقاتُ كُلُّها نهارًا لا لَيلَ فيها، بل لكلٍّ منهما مجرًى قدَّره اللهُ، ولكلٍّ منهما سُلطانٌ له وَقتُه. وممَّن قال بهذا المعنى في الجُملة: ابنُ جَرير، وابنُ تَيميَّة، والسعديُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/438)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/598)، ((تفسير السعدي)) (ص: 696). وممَّن قال بنَحوِ هذا القولِ: أبو صالح، والضَّحَّاك، وقَتادة، وعِكرمة، والحسن. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/439)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (10/3196)، ((تفسير ابن كثير)) (6/579). وقيل: المرادُ: نَفيُ أنْ تصطدِمَ الشَّمسُ بالقَمرِ، خلافًا لِما يبدو مِن قُربِ منازِلِهما؛ فإنَّ ذلك من المُسامتةِ لا مِن الاقترابِ. وممَّن قال بهذا: ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/24). .
وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ.
أي: ولا يَسبِقُ اللَّيلُ النَّهارَ [398] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/438، 439)، ((تفسير القرطبي)) (15/33)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/599)، ((تفسير ابن كثير)) (6/579)، ((تفسير السعدي)) (ص: 696)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/24، 25). اختَلَفَت ألْفاظُ المُفسِّرينَ في تَفْسيرِ هذه الآيةِ وإنْ كانتْ مَعانيها مُتَقارِبةً: فمِمَّن قال: إنَّ المَعنى: ولا يُدرِكُ سَوادُ اللَّيلِ ضوءَ النَّهارِ فيَغلِبَه على ضَوئِه: مُقاتِلُ بنُ سُلَيمانَ، والسَّمَرْقَنديُّ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/579)، ((تفسير السمرقندي)) (3/124). وممَّن قال: إنَّ المَعنى: ولا يَدخُلُ اللَّيلُ على النَّهارِ قَبلَ انْقِضائِه: الواحديُّ، والبَغَويُّ، وجلالُ الدِّينِ المَحلِّيُّ، والسعديُّ. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/514)، ((تفسير البغوي)) (4/15) تفسير الجلالين (ص: 583)، ((تفسير السعدي)) (ص: 696). وممَّن قال: إنَّ المَعنى: لا يتَّصِلُ لَيلٌ بلَيلٍ، لا يَكونُ بينَهما نَهارٌ فاصِلٌ: السَّمْعانيُّ، وابنُ جُزَيٍّ، وابنُ كَثيرٍ. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (4/379)، ((تفسير ابن جزي)) (2/183)، ((تفسير ابن كثير)) (6/579). وممَّن قال: إنَّ المَعنى: لا يَسبِقُه فيَفوتَه، ولكنْ يُعاقِبُه: البَيضاويُّ، وأبو السُّعود، والشَّوكانيُّ. يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/269)، ((تفسير أبي السعود)) (7/168)، ((تفسير الشوكاني)) (4/425). قال ابن قتيبة: (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ يقولُ: هما يَتعاقبانِ، ولا يَسبِقُ أحدُهما الآخَرَ: فيفوته ويَذهَب قبْلَ مجيءِ صاحبِه). ((تأويل مشكل القرآن)) (ص: 193). وقال ابنُ تيمية: (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ لا يفوتُه ويَتقدَّمُ أمامَه حتى يكونَ بينهما برزخٌ؛ بل هو هو متَّصِلٌ به، لا هذا يَنفصِلُ عن هذا، ولا هذا يَنفصِلُ عن هذا). ((مجموع الفتاوى)) (6/599). ويُنظر: ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (4/485). وقيل: معنى قوله: وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ، أي: آيةُ الليلِ آيةَ النهارِ، وممَّن اختاره: النَّسَفيُّ، وابنُ عَجيبة. يُنظر: ((تفسير النسفي)) (3/105)، ((تفسير ابن عجيبة)) (4/571). .
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.
أي: وكلٌّ يَدورُ في فَلَكِ السَّماءِ [399] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/440)، ((تفسير ابن كثير)) (6/579)، ((تفسير السعدي)) (ص: 696)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/25، 26). قيل المراد: بـ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ: اللَّيلُ والنَّهارُ والشَّمسُ والقمَرُ. وممَّن قال بهذا القولِ: ابنُ جرير، وابنُ كثير، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/440)، ((تفسير ابن كثير)) (6/579)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 147). لكن ذكر ابنُ جُزَيٍّ أنَّه لا يُوصَفُ اللَّيلُ والنَّهارُ بالسَّبحِ في الفلَكِ. يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/21). وقيل: المرادُ: الشَّمسُ والقمَرُ والنُّجومُ. وممَّن قال بهذا: الواحديُّ، والرَّسْعني، وجلال الدِّين المحلِّي، والعُليمي، والسعدي. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (18/487)، ((تفسير الرسعني)) (6/339)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 423)، ((تفسير العليمي)) (5/485)، ((تفسير السعدي)) (ص: 696). وقيل: المرادُ: الشمسُ والقمرُ. وممَّن اختاره: مقاتِلُ بنُ سُليمان، وابنُ أبي زَمنين، والزَّمخشريُّ، وابنُ جُزي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/580)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (4/45)، ((تفسير الزمخشري)) (3/115)، ((تفسير ابن جزي)) (2/21). قال ابنُ جُزَيٍّ: (أتى بلفظِ «كُلٌّ»، ويَسْبَحُونَ وهو جَمعٌ، مع أنَّ الشَّمسَ والقَمرَ اثْنانِ؛ لأنَّه أرادَ جِنسَ مَطالِعِها كلَّ يومٍ ولَيلةٍ، وهي كَثيرةٌ. قالَه الزَّمَخْشَريُّ). ((تفسير ابن جزي)) (2/21). ويُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/115) .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- قَولُه تعالَى: وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ كُلُّ هذا دَليلٌ ظاهِرٌ، وبُرهانٌ باهِرٌ على عَظَمةِ الخالِقِ، وعَظَمةِ أوصافِه، خُصوصًا وَصْفَ القُدرةِ والحِكمةِ والعِلمِ في هذا الموضِعِ [400] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 696). .
2- قولُه تعالى: وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فيه دلالةٌ بيِّنةٌ على ما تذهبُ إليه العربُ مِن أنَّ اللَّيلَ قبلَ النَّهارِ؛ لأنَّ السَّلخَ والكشفَ بمعنًى واحدٍ، وإذا كان ذلك، وكان الله تعالى قال: اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ، والمسلوخُ منه يكونُ قبلَ المسلوخِ، فيجبُ أن يكونَ اللَّيلُ قبلَ النَّهارِ، كما أنَّ المغطَّى قبلَ الغِطاءِ [401] يُنظر: ((الأزمنة والأمكنة)) للمرزوقي (ص:21). . فالأصلُ هو الظَّلامُ، والنَّهارُ طارِئٌ عليه؛ ولهذا يُسلَخُ منه، وهو كذلك؛ فإنَّ أصلَ الضَّوءِ مِن الشَّمسِ، والشَّمسُ حادِثةٌ ووارِدةٌ على اللَّيلِ، فيكونُ الأصلُ الظَّلامَ، ويأتي النُّورُ بَعدَه [402] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 135). .
3- في قَولِه تعالَى: فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ تذكيرُ الخَلْقِ بهذه النِّعمةِ؛ وأنَّه لولا نِعمةُ اللهِ علينا بهذا النَّهارِ الذي يُسْلَخُ مِن اللَّيلِ لكُنَّا دائمًا في ظُلمةٍ، وهذا بلا شَكٍّ متعِبٌ للناسِ، وضارٌّ بهم، قال تعالَى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ [403] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 135). [القصص: 71] .
4- أنَّ هذه الشَّمسَ مُقَدَّرةٌ تَقديرًا بالِغًا مُنَظَّمًا؛ لِقَولِه تعالَى: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، ويَشهَدُ لهذا الواقِعُ؛ فإنَّ هذه الشَّمسَ مُنذُ خَلَقَها اللهُ إلى أنْ تَزولَ وهي في فَلَكِها لا تَتقدَّمُ ولا تَتأخَّرُ عن السُّنَّةِ التي أمَرَها عزَّ وجلَّ أنْ تكونَ عليها، ولا ترتفِعُ ولا تنخفِضُ، حتى قيلَ: إنَّها لو تنخَفِضُ مِقدارَ درجةٍ لأَحْرقتِ الأرضَ، ولو ارتفعَتْ مِقدارَ درجةٍ لجَمَّدتِ الأرضَ، ولكنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ جَعَلَها على هذا التَّقديرِ البَديعِ المُحْكَمِ الذي لا يَتغيَّرُ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [404] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 140). .
5- في قَولِه تعالَى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ أنَّ هذا القَمرَ آيةٌ مِن آياتِ اللهِ عزَّ وجلَّ، حيثُ هو مَوضوعٌ في فَلَكِه، ومع ذلك له مَنازِلُ يَنزِلُها كُلَّ ليلةٍ، فليس مُطلَقًا، ولكِنَّه مُقَدَّرٌ بمنازِلَ يَنزِلُها كُلَّ ليلةٍ، والحِكمةُ مِن هذه المنازلِ هي أنْ يَعرِفَ النَّاسُ عددَ السِّنينَ والحِسابَ، كما قال اللهُ تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ [يونس: 5] ، حتى إنَّ العالِمِينَ بمنازلِ القمرِ يَعرفونَ اللَّيلةَ مِن الشَّهرِ -وإنْ كانوا لم يَحسِبوا مِن أوَّلِ الأمرِ- بِناءً على مَعرفةِ المنازِلِ؛ لأنَّ هذه المنازلَ لا تَتغيَّرُ، وحلولَ القمَرِ فيها أيضًا لا يَتغيَّرُ، فهي مُنَظَّمةٌ مِن عِندِ اللهِ عزَّ وجلَّ [405] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 143). .
6- في قَولِه تعالى: كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ إطلاقُ القَديمِ على غيرِ اللهِ، خِلافًا للمُتفَلسِفةِ، أو الفلاسِفةِ الذين يقولون: إنَّ أخَصَّ وَصْفِ اللهِ هو القِدَمُ، وهذا خطأٌ؛ فلو كان هذا أخَصَّ وصْفِ اللهِ لم يُوصَفْ به سِوى اللهِ! والقِدَمُ لا يدلُّ على الأزليَّةِ؛ فهذا العُرجونُ وصَفه اللهُ بأنَّه قَديمٌ، ومع ذلك فإنَّه ليس أزليًّا؛ إذْ إنَّه حادِثٌ بعد أنْ لم يكُنْ، وبه يَتبيَّنُ بُطلانُ قولِ هؤلاء الذين يقولون: إنَّ أخَصَّ وصْفِ اللهِ عزَّ وجلَّ هو القِدَمُ، ولو قالوا: أخَصُّ وَصْفٍ هو الأوَّليَّةُ لكُنَّا نُوافِقُهم على ما قالوا؛ لأنَّ اللهَ هو الأوَّلُ الذي ليس قَبلَه شيءٌ، أمَّا أنْ نقولَ: إنَّ القِدَمَ أخَصُّ وَصفِ الله، مع أنَّه يُوصَفُ به الحادِثُ؛ فهذا لا يكونُ ولا يَصِحُّ [406] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 144). والقَديمُ ليس من أسْماءِ اللهِ ولا صِفاتِه، ولم يَرِدْ وَصفُ اللهِ به في شَيءٍ منَ القُرآنِ والآثارِ الصَّحيحةِ، وإنْ كان يصِحُّ أنْ يُخبَرَ به عنه. يُنظر: ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 661)، ((صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة)) لعَلَوي السَّقَّاف (ص: 276). .
7- قولُه تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ لَمَّا جَرَى ذِكرُ الشَّمسِ والقَمَرِ في مَعرِضِ الآياتِ الدَّالةِ على انفِرادِه تَعالَى بالخَلقِ والتَّدبيرِ، وعلى صِفاتِ أُلوهِيَّتِه التي مِن مُتَعلِّقاتِها تَعلُّقُ صِفةِ القُدرةِ بآيةِ الشَّمسِ وسَيرِها، والقَمَرِ وسَيرِه، وكان الناسُ يَعرِفونَ تَقارُبَ الشَّمسِ والقَمَرِ فيما يَراه الرَّاؤونَ، وكانوا يُقَدِّرونَ سَيرَهما بأسْماتٍ مُعلَّمةٍ بعَلاماتٍ نُجوميَّةٍ تُسمَّى بُروجًا بالنِّسبةِ لِسَيرِ الشَّمسِ، وتُسمَّى مَنازِلَ بالنِّسبةِ لِسَيرِ القَمَرِ، وكانوا يَعلَمونَ شِدَّةَ قُربِ المَنازِلِ القَمَريَّةِ مِنَ البُروجِ الشَّمسيَّةِ؛ فإنَّ كُلَّ بُرجٍ تُسامِتُه مَنزِلَتانِ، أو ثَلاثُ مَنازِلَ، وبَعضُ نُجومِ المَنازِلِ هي أجزاءٌ مِن نُجومِ البُروجِ؛ زادَهم اللهُ عِبرةً وتَعليمًا بأنَّ لِلشَّمسِ سَيرًا لا يُلاقي سَيرَ القَمَرِ، ولِلقَمَرِ سَيرًا لا يُلاقي سَيرَ الشَّمسِ، ولا يَمُرُّ أحَدُهما بطَرائِقِ مَسيرِ الآخَرِ، وأنَّ ما يتَراءَى لِلنَّاسِ مِن مُشاهَدةِ الشَّمسِ والقَمَرِ في جَوٍّ واحِدٍ، وفي حَجمَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ، وما يَتَراءَى لهم مِن تَقارُبِ نُجومِ بُروجِ الشَّمسِ ونُجومِ مَنازِلِ القَمَرِ؛ إنْ هو إلَّا مِن تَخَيُّلاتِ الأبصارِ، وتَفاوُتِ المَقاديرِ بَيْنَ الأجرامِ والأبعادِ [407] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/23). .
8- في قَولِه تعالَى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ سؤالٌ: كيف نفَى تعالى الإدراكَ عن الشَّمسِ للقَمَرِ دونَ عَكسِه؟
والجوابُ: لأنَّ سَيرَ القمَرِ أسرعُ؛ لأنَّه يقطَعُ فَلَكَه في شهرٍ، والشَّمسُ لا تقطَعُ فلَكَها إلَّا في سَنةٍ؛ فكانتْ جَديرةً بأنْ تُوصَفَ بنفْيِ الإدراكِ؛ لبُطءِ سَيرِها، وكان القَمَرُ خَليقًا بأنْ يُوصَفَ بالسَّبقِ؛ لِسُرعةِ سَيرِه [408] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 472). وقال ابنُ عاشور: (وفي الكَلامِ اكتِفاءٌ، أي: لِأنَّ التَّقديرَ: ولا القَمَرُ يُدرِكُ الشَّمسَ، ولا النَّهارُ سابِقُ اللَّيلِ). ((تفسير ابن عاشور)) (23/25). وذكَرَ البِقاعيُّ أنَّ هذه الآيةَ من الاحْتِباكِ: نَفَى أوَّلًا إدْراكَ الشَّمسِ لقُوَّتِها دَليلًا على ما حُذِفَ منَ الثَّانيةِ من نَفيِ إدْراكِ القَمرِ للشَّمسِ، وذكَرَ ثانيًا سَبقَ اللَّيلِ النَّهارَ؛ لِما له منَ القوَّةِ بما يَعرِضُ منَ النَّهارِ، فيُغَشِّيه دَليلًا على حَذفِ سَبقِ النَّهارِ اللَّيلَ أوَّلًا. يُنظر: ((نظم الدرر)) (16/132). .
9- في قَولِه تعالى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ جِيءَ بضميرِ يَسْبَحُونَ ضَميرَ جمعٍ؛ معَ أنَّ المتقدِّمَ ذِكرُه شيئانِ هما: الشَّمسُ والقمرُ؛ لأنَّ المرادَ إفادةُ تَعميمِ هذا الحُكمِ للشَّمسِ والقمَرِ وجَميعِ الكواكبِ -على أحدِ الأقوالِ-، وهي حَقيقةٌ عِلميَّةٌ سبَق بها القُرآنُ [409] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/26). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قولُه تعالَى: وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ
- قَولُه: وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ انتِقالٌ إلى دَلالةِ مَظاهِرِ العَوالِمِ العُلويَّةِ على دَقيقِ نِظامِ الخالِقِ فيها، مِمَّا تُؤذِنُ به المُشاهَدةُ مع التَّبَصُّرِ، وابتُدِئَ منها بنِظامِ اللَّيلِ والنَّهارِ؛ لِتكَرُّرِ وُقوعِه أمامَ المُشاهَدةِ لِكُلِّ راءٍ [410] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/17). .
- وجُملةُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ مُبيِّنةٌ لِكيفيَّةِ كَونِه آيةً [411] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/167). .
- وفي قَولِه: وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ شَبَّهَ النَّهارَ بجِلْدِ الشَّاةِ ونَحوِها، يُغَطِّي ما تَحتَه منها، كما يُغَطِّي النَّهارُ ظُلْمةَ اللَّيلِ في الصَّباحِ، وشَبَّهَ كَشْفَ النَّهارِ وإزالَتَه بسَلْخِ الجِلدِ عن نَحوِ الشَّاةِ؛ فصارَ اللَّيلُ بمَنزِلةِ جِسمِ الحَيوانِ المَسلوخِ منه جِلدُه، وليس اللَّيلُ بمَقصودٍ بالتَّشبيهِ، وإنَّما المَقصودُ تَشبيهُ زَوالِ النَّهارِ عنه؛ فاستَتبَعَ ذلك أنَّ اللَّيلَ يَبقَى شِبْهَ الجِسمِ المَسلوخِ عنه جِلدُه، ووَجْهُ ذلك: أنَّ الظُّلمةَ هي الحالةُ السابقةُ لِلعَوالِمِ قَبْلَ خَلقِ النُّورِ في الأجسامِ النَّيِّرةِ؛ لِأنَّ الظُّلمةَ عَدَمٌ، والنُّورَ وُجودٌ، وكانتِ المَوجوداتُ في ظُلمةٍ قَبلَ أنْ يَخلُقَ اللهُ الكَواكِبَ النَّيِّرةَ ويُوصِّلَ نورَها إلى الأجسامِ التي تَستَقبِلُها، كالأرضِ والقَمَرِ [412] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/16)، ((تفسير البيضاوي)) (4/268)، ((تفسير أبي السعود)) (7/167)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/18)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/201). .
- وفي قَولِه: وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ما يُعرَفُ في البَلاغةِ بالتَّوشيحِ [413] التَّوْشيحُ -ويُسمَّى أيضًا التَّشْريعُ-: أنْ يكونَ نفْسُ الكَلامِ يدُلُّ على آخِرِه، نزَلَ المَعنى مَنزلةَ الوِشاحِ، ونزَلَ أوَّلُ الكَلامِ وآخِرُه مَنزِلةَ العاتِقِ والكَشْحِ اللَّذَينِ يَجولُ عليهما الوِشاحُ؛ ولهذا قيلَ فيه: إنَّ الفاصِلةَ تُعلَمُ قبلَ ذِكْرِها. وتَشتَمِلُ الزِّيادةُ على إضافةِ مَعنًى. يُنظر: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (1/95)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني (2/531). ؛ فإنَّ مَن كانَ حافِظًا لِلسُّورةِ مُتفَطِّنًا إلى أنَّ مَقاطِعَ آيِها النُّونُ المُردِفةُ، وسَمِعَ في صَدرِ الآيةِ انسِلاخَ النَّهارِ مِنَ اللَّيلِ، عَلِمَ أنَّ الفاصِلةَ تَكونُ مُظْلِمُونَ؛ لِأنَّ مَنِ انسَلَخَ النَّهارُ عن لَيلِه أظلَمَ، أي: دَخَل في الظُّلُماتِ ما دامَت تلك الحالُ [414] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/201). .
- قَولُه: فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ، أي: داخِلونَ في الظَّلامِ مُفاجأةً، وفيه رَمزٌ إلى أنَّ الأصْلَ هو الظَّلامُ، والنُّورَ عارِضٌ [415] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/167). .
2- قولُه تعالَى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
- قَولُه: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ تَفصيلٌ لإجْمالِ جُملةِ وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ [يس: 37] ، كما دَلَّ عليه قَولُه الآتي: وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ [يس: 40] ، وكان مُقتَضى الظَّاهِرِ مِن كَونِه تَفصيلًا ألَّا يَعطِفَ، فيُقالَ: (الشَّمسُ تَجري لِمُستَقَرٍّ لها)؛ فخُولِفَ مُقتَضَى الظَّاهِرِ؛ لِأنَّ في هذا التَّفصيلِ آيةً خاصَّةً، وهي آيةُ سَيرِ الشَّمسِ والقَمَرِ، وآيةُ الشَّمسِ المَذكورةُ هنا مُرادٌ بها دَليلٌ آخَرُ على عَظيمِ صُنعِ اللهِ تَعالَى، وهو نِظامُ الفُصولِ الأربَعةِ، وهذا استِدلالٌ بآثارِ ذلك السَّيرِ المَعروفةِ لِلناسِ مَعرِفةً إجماليَّةً بما يَحسِبونَ مِنَ الوَقتِ، وامتِدادِ اللَّيلِ والنَّهارِ [416] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/19). .
- وقَولُه: لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا إدماجٌ لِلتَّعليمِ في التَّذكيرِ، وليس مِن آيةِ الشَّمسِ لِلنَّاسِ؛ لِأنَّ النَّاسَ لا يَشعُرونَ به [417] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/21). .
- واللَّامُ في قَولِه: لَهَا لامُ الاختِصاصِ، وهو صِفةٌ لـ (مُسْتَقَرٍّ)، وعَدَل عن إضافةِ (مُستَقَرٍّ) لِضَميرِ الشَّمسِ المُغنيةِ عن إظهارِ اللَّامِ، إلى الإتيانِ باللَّامِ؛ لِيَتأتَّى تَنكيرُ (مُستَقَرٍّ) تَنكيرًا مُشعِرًا بتَعظيمِ ذلك المُستقَرِّ [418] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/21). .
- وذَكَر صِفتَيِ العَزيزِ العَليمِ في قَولِه: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ؛ لِمُناسبةِ مَعناهما لِلتَّعلُّقِ بنِظامِ سَيرِ الكَواكِبِ؛ فالعِزَّةُ تُناسِبُ تَسخيرَ هذا الكَوكَبِ العَظيمِ، والعِلْمُ يُناسِبُ النِّظامَ البَديعَ الدَّقيقَ [419] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/21). .
3- قولُه تعالَى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
- عُدِّيَ فِعلُ قَدَّرْنَاهُ إلى ضَميرِ القَمَرِ الذي هو عِبارةٌ عن ذاتِه، وإنَّما التَّقديرُ: لِسَيرِه، ولكِنْ عُدِّيَ التَّقديرُ إلى اسمِ ذاتِه دونَ ذِكرِ المُضافِ؛ مُبالَغةً في لُزومِ السَّيرِ له مِن وَقتِ خَلقِه، حتى كأنَّ تَقديرَ سَيرِه تَقديرٌ لِذاتِه [420] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/22). .
- وخُصَّ القَمَرُ بذِكرِ تَقديرِ المنازِلِ دونَ الشَّمسِ وإنْ كانتْ مُقدَّرةَ المنازِلِ؛ لظهورِ ذلك للحِسِّ في القَمَرِ، وظُهورِ تفاوُتِ نُورِه بالزِّيادةِ والنُّقصانِ في كُلِّ مَنزلٍ؛ ولذلك كان الحِسابُ القَمَريُّ أشهَرَ وأعرَفَ عِندَ الأمُمِ، وأبعدَ مِن الغَلَطِ، وأصَحَّ للضَّبطِ مِن الحِسابِ الشَّمسيِّ، ويَشترِكُ فيه النَّاسُ دونَ الحِسابِ الشَّمسيِّ [421] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (2/196). .
- و(حتَّى) في قَولِه: حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ابتِدائيَّةٌ، ومعنى الغايةِ لا يُفارِقُ (حتَّى)، فآذَنَ ما فيها مِن مَعنى الغايةِ بمُغَيًّا مَحذوفٍ؛ فالغايةُ تَستَلزِمُ ابتداءَ شَيءٍ، والتَّقديرُ: فابتَدَأ ضَوْءُه، وأخَذَ في الازديادِ لَيلةً قَليلةً، ثم أخَذَ في التَّناقُصِ حتَّى عادَ، أي: صارَ كالعُرجُونِ القَديمِ، أي: شَبيهًا به [422] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/22). .
- قَولُه: حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ العُرجونُ هو العُودُ الذي تُخرِجُه النَّخلةُ؛ فيَكونُ الثَّمَرُ في مُنتَهاهُ، وعَبَّرَ عنِ القَمرِ بهذا التَّشبيهِ؛ إذْ ليس لِضَوءِ القَمَرِ في أواخِرِ لَياليه اسمٌ يُعرَفُ به بخِلافِ أوَّلِ أجزاءِ ضَوئِه المُسمَّى هِلالًا، ولِأنَّ هذا التَّشبيهَ يُماثِلُ حالةَ استِهلالِه كما يُماثِلُ حالةَ انتِهائِه، والقَديمُ: هو البالي؛ لِأنَّه إذا انقَطَعَ الثَّمَرُ، تَقوَّسَ واصفَرَّ وتضاءَلَ، فأشبَهَ صُورةَ ما يُواجِهُ الأرضَ مِن ضَوءِ القَمَرِ في آخِرِ ليالي الشَّهرِ، وفي أوَّلِ لَيلةٍ منه. وتَركيبُ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ صالِحٌ لِصُورةِ القَمَرِ في اللَّيلةِ الأخيرةِ، وهي التي يَعقُبُها المُحاقُ، ولِصورَتِه في اللَّيلةِ الأُولى مِنَ الشَّهرِ هو الهِلالُ، وقد بُسِطَ لهم بَيانُ سَيرِ القَمَرِ ومَنازِلِه؛ لِأنَّهم كانوا يُتقِنونَ عِلْمَه، بخِلافِ سَيرِ الشَّمسِ [423] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/17)، ((تفسير البيضاوي)) (4/268)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/56)، ((تفسير أبي السعود)) (7/168)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/22)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/202). ، ولأنَّه الأصلُ في الحسابِ.
4- قولُه تعالَى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
- قَولُه: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ فيه افتِتاحُ الجُملةِ بحَرفِ النَّفيِ قَبلَ ذِكرِ الفِعلِ المَنفيِّ؛ لِلدَّلالةِ على أنَّها مُسَخَّرةٌ لا يَتيَسَّرُ لها إلَّا ما أُريدَ بها، ولِيكونَ النَّفيُ مُتقَرِّرًا في ذِهنِ السامِعِ أقوى ممَّا لو قيلَ: الشَّمسُ لا يَنبَغي لها أنْ تُدرِكَ القَمَرَ؛ فكان في قَولِه: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ خُصوصِيَّتانِ [424] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/269)، ((تفسير أبي السعود)) (7/168)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/24). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الألوسي)) (12/22)؛ ففيه تفصيلٌ لوجه هذه الدَّلالة. .
- ومعنَى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ نَفيُ انبِغاءِ ذلك، أيْ: نَفيُ تأتِّيه؛ لِأنَّ الفِعلَ (انبَغى) مُطاوِعُ (بَغى) الذي هو بمَعنى طَلَب، فـ (انبَغى) يُفيدُ أنَّ الشَّيءَ طُلِبَ، فحَصَلَ لِلذي طَلَبه، يُقال: بَغاه فانبَغى له؛ فإثباتُ الانبِغاء يُفيدُ التَّمكُّنَ مِنَ الشَّيءِ، فلا يَقتَضي وُجوبًا، ونَفيُ الانبِغاءِ يُفيدُ نَفيَ إمكانِه؛ ولذلك يُكنَّى به عنِ الشَّيءِ المَحظورِ، يُقالُ: لا يَنبَغي لك كذا؛ ففَرْقٌ ما بَينَ قَولِكَ: يَنبَغي ألَّا تَفعَلَ كذا؛ وبَينَ قَولِكَ: لا يَنبَغي لك أنْ تَفعَلَ كذا. والإدراكُ: اللَّحاقُ والوصولُ إلى البُغيةِ؛ فقَولُه: أَنْ تُدْرِكَ فاعِلُ يَنْبَغِي؛ فأفادَ الكَلامُ نَفيَ انبِغاءِ إدراكِ الشَّمسِ القَمَرَ [425] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/24). .
- وجاء بصِيغةِ الإخبارِ عن المُسنَدِ إليه الشَّمْسُ بالمُسنَدِ الفِعلِيِّ يَنْبَغِي؛ لإفادةِ تَقَوِّي حُكمِ النَّفيِ؛ فذلك أبلَغُ في الانتِفاءِ ممَّا لو قيلَ: لا يَنبَغي لِلشَّمسِ أنْ تُدرِكَ القَمَرَ [426] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/24). .
- وعُدِلَ عنِ الظَّاهِرِ، وأنْ يُقالَ: (ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمسِ، ولا يَسبِقُ اللَّيلُ النَّهارَ)، أي: آيةُ اللَّيلِ آيةَ النَّهارِ؛ لِيُؤذِنَ بالتَّعاقُبِ بَينَ اللَّيلِ والنَّهارِ، ومَنصوصيَّةِ التَّدبيرِ على المُعاقَبةِ؛ فإنَّه مُستفادٌ مِنَ الحَرَكةِ اليَوميَّةِ التي مَدارُ تَصرُّفِ كُلِّ واحِدٍ منهما عليها [427] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/58). .
- قَولُه: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ عَطفٌ على جُملةِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ، والواوُ عاطِفةٌ؛ تَرجيحًا لجانِبِ الإخبارِ بهذه الحَقيقةِ على جانِبِ التَّذييلِ، وإلَّا فحَقُّ التَّذييلِ الفَصلُ -أي: عدَمُ العَطفِ-. وزِيدَتْ قَرينةُ السِّياقِ تأكيدًا بضَميرِ الجَمعِ في قَولِه: يَسْبَحُونَ، مع أنَّ المَذكورَ مِن قَبلُ شَيئانِ، لا أشياءُ، وبهذا التَّعميمِ صارَتِ الجُملةُ في مَعنَى التَّذييلِ [428] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/25). .
- قَولُه: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ تَنوينُ (كُلٌّ) تَنوينُ عِوَضٍ عنِ المُضافِ إليه المَحذوفِ، فالتَّقديرُ: وكُلُّ الكَواكِبِ والشُّموسِ والأقْمارِ؛ فإنَّ اختِلافَ الأحوالِ يُوجِبُ تَعَدُّدًا ما في الذَّاتِ [429] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/269)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/25). . وذلك على قولٍ في التفسيرِ.
- وجُملةُ (كُلٌّ فِي فَلَكٍ) فيها مُحَسِّنُ الطَّردِ والعَكسِ؛ فإنَّها تُقرَأُ مِن آخِرِها كما تُقرَأُ مِن أوَّلِها [430] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/26). .
- وأيضًا في قَولِه: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ غَلَّبَ ضَميرَ العُقَلاءِ -وهو الواوُ والنُّونُ في يَسْبَحُونَ-؛ لِأنَّه نَزَّلَ الشَّمسَ والقَمَرَ والنُّجومَ والكَواكِبَ مَنزِلةَ العُقَلاءِ؛ لِأنَّه لَمَّا وَصَفَهم بفِعْلِهم وهو السِّباحةُ -وهي مِن أوصافِ العُقَلاءِ- ساغَ ذلك [431] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/117)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/59)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/26)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/202- 203). .