موسوعة التفسير

سورةُ فُصِّلَت
الآيات (25-29)

ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ

غريب الكلمات:

وَقَيَّضْنَا: أي: هَيَّأْنا وسَبَّبْنا، يُقالُ: قَيَّض اللهُ فُلانًا لِفُلانٍ، أي: جاءَه به، وأتاحَه له [359] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 687)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 338)، ((تفسير القرطبي)) (15/354). .
قُرَنَاءَ: جَمعُ قَرينٍ، وهو الصَّاحِبُ المُلازِمُ، والقُرَناءُ هنا: هم المُلازِمونَ لهم في الضَّلالةِ، وأصلُ (قرن) هنا: يدُلُّ على جَمعِ شَيءٍ إلى شَيءٍ [360] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/416)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/76)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 338)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/274). .
وَحَقَّ: أي: وجَب ولَزِمَ، والحَقُّ في أصلِه: المُطابَقةُ والموافَقةُ، وأصلُ (حَقق): يدُلُّ على إحكامِ الشَّيءِ وصِحَّتِه [361] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/15)، ((المفردات)) للراغب (ص: 246، 247)، ((تحفة الأريب)) لأبي حيان (ص: 107)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 390)، ((تفسير السعدي)) (ص: 536). .
خَلَتْ: أي: مَضَتْ وذَهبَتْ، مِن خلا الزَّمانُ: إذا مضَى وذهَب [362] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/204)، ((المفردات)) للراغب (ص: 297)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 50)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 111). .
وَالْغَوْا: أي: ائتُوا باللَّغْوِ عندَ قِراءتِه؛ لِيَتشَوَّشَ على القارئِ، والمرادُ باللَّغْوِ: ما لا أصْلَ له وما لا مَعنى له، وأصلُ (لغو): يدُلُّ على الشَّيءِ لا يُعتَدُّ به [363] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 389)، ((تفسير ابن جرير)) (20/417)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/255)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 368)، ((تفسير الألوسي)) (12/ 371). .

المعنى الإجمالي:

يقولُ تعالى مبيِّنًا الأسبابَ الَّتي أدَّت إلى سوءِ عاقبةِ الكافرينَ: وقَدَّرْنا وسَبَّبْنا للكُفَّارِ قُرَناءَ سُوءٍ، فحَسَّنوا لهم الحياةَ الدُّنيا وشَهَواتِها المُحَرَّمةَ، والتَّكذيبَ بالبَعثِ والجَزاءِ، ووَجَب عليهم عذابُ اللهِ في جُملةِ أُمَمٍ قد مضَت قَبْلَهم مِن كُفَّارِ الجِنِّ والإنسِ؛ إنَّهم كانوا خاسِرينَ.
ثمَّ يَحكي اللهُ تعالى ما تَواصَى به المشركونَ فيما بيْنَهم، فيقولُ: وقال كُفَّارُ قُرَيشٍ خَوفًا مِن تأثيرِ القُرآنِ: لا تُنصِتُوا لهذا القُرآنِ، وعارِضوه بما لا يُفهَمُ مِن التَّصفيقِ والصَّفيرِ وباطِلِ الكَلامِ؛ لعَلَّكم تَغلِبونَ بذلك محمَّدًا وأتْباعَه!
ثمَّ يَرُدُّ اللهُ تعالى عليهم مُهدِّدًا لهم، فيقولُ: فلَنُذيقَنَّ أولئك الَّذين كَفَروا عَذابًا شديدًا، ولَنَجزيَنَّهم أسوَأَ ما كانوا يَعمَلونَ مِنَ السَّيِّئاتِ، ذلك العَذابُ الَّذي نَجزي به الكُفَّارَ هو النَّارُ، لهم فيها دارُ الخُلودِ الدَّائِمِ؛ جزاءً بسَبَبِ كُفْرِهم وتَكذيبِهم بآياتِنا.
ثمَّ يَحكي اللهُ تعالى بعضَ أقوالِهم الَّتي يقولونَها وهم في النَّارِ، فيقولُ: وقال الَّذين كَفَروا: رَبَّنا أرِنَا اللَّذَينِ أضَلَّانا عن الحَقِّ مِن شَياطينِ الجِنِّ والإنسِ نجعَلْهما تحتَ أقدامِنا؛ لِيَكونَا دونَنا، وأشَدَّ مِنَّا في العذابِ!

تفسير الآيات:

وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا ذَكَر الوَعيدَ الشَّديدَ في الدُّنيا والآخِرةِ على كُفرِ أولئك الكُفَّارِ؛ أردَفَه بذِكرِ السَّبَبِ الَّذي لأجْلِه وَقَعوا في ذلك الكُفرِ [364] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/557). .
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ.
أي: وهيَّأْنا ويَسَّرْنا للكُفَّارِ قُرَناءَ سُوءٍ [365] قيل: المرادُ بهم: الشَّياطينُ. وممَّن قال بذلك: ابنُ جرير، والسعدي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/415)، ((تفسير السعدي)) (ص: 747)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/26). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/415). وقيل: المرادُ: شَياطينُ الجِنِّ وغُواةُ الإنسِ. وممَّن ذهب إلى هذا: ابنُ عطية، والقرطبي، وابن كثير، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (5/12)، ((تفسير القرطبي)) (15/354)، ((تفسير ابن كثير)) (7/174)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 134). ، قدَّرْنا عليهم مُلازَمتَهم لهم لِيُضِلُّوهم؛ بسَبَبِ جُحودِهم الحَقَّ، وإعراضِهم عن آياتِ اللهِ [366] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/415)، ((تفسير القرطبي)) (15/354)، ((تفسير ابن كثير)) (7/174)، ((تفسير السعدي)) (ص: 747)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/26)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 134). .
كما قال عزَّ وجلَّ: وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا [النساء: 38].
وقال الله سُبحانَه وتعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [مريم: 83].
فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ.
أي: فحَسَّنوا لهم الحياةَ الدُّنيا وشَهَواتِها المُحَرَّمةَ، حتَّى افتَتَنوا بها وآثَروها على الآخِرةِ، وحَسَّنوا لهم التَّكذيبَ بالبَعثِ والجَزاءِ [367] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/416)، ((تفسير البيضاوي)) (5/70)، ((تفسير القرطبي)) (15/354)، ((تفسير السعدي)) (ص: 747)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/26، 27). وممَّن ذهب إلى هذا المعنى المذكورِ: ابنُ جرير، والثعلبي، والبغوي، والقرطبي، والبيضاوي، وجلال الدين المحلي، والشوكاني، والسعدي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/ 416)، ((تفسير الثعلبي)) (8/292)، ((تفسير البغوي)) (4/131)، ((تفسير القرطبي)) (15/354)، ((تفسير البيضاوي)) (5/70)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 633)، ((تفسير الشوكاني)) (4/589)، ((تفسير السعدي)) (ص: 747)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/ 26، 27). وممَّن قال بنحوِ هذا المعنى مِن السَّلفِ: السُّدِّيُّ، وابنُ جُرَيجٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/416)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (7/320). قال ابنُ عاشور: (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يُستعارُ للأُمورِ المُشاهَدةِ، وَمَا خَلْفَهُمْ يُستعارُ للأُمورِ المُغَيَّبةِ. والمرادُ بـ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أمورُ الدُّنيا، أي: زَيَّنوا لهم ما يَعمَلونَه في الدُّنيا مِن الفَسادِ؛ مِثلُ عِبادةِ الأصنامِ، وقَتلِ النَّفْسِ بلا حَقٍّ، وأكْلِ الأموالِ، والعُدوانِ على النَّاسِ باليَدِ واللِّسانِ، والمَيسِرِ، وارتِكابِ الفواحِشِ، والوَأْدِ. فعَوَّدوهم باستِحسانِ ذلك كُلِّه لِما فيه مِن مُوافَقةِ الشَّهَواتِ والرَّغَباتِ العارِضةِ القَصيرةِ المدى، وصَرَفوهم عن النَّظَرِ فيما يُحيطُ بأفعالِهم تلك مِنَ المفاسِدِ الذَّاتيَّةِ الدَّائِمةِ. والمرادُ بـ وَمَا خَلْفَهُمْ الأُمورُ المُغَيَّبةُ عن الحِسِّ مِن صِفاتِ اللهِ، وأُمورِ الآخرةِ مِن البَعثِ والجَزاءِ؛ مِثلُ الشِّركِ باللهِ، ونِسبةِ الوَلَدِ إليه، وظَنِّهم أنَّه يَخفَى عليه مَستورُ أعمالِهم، وإحالتِهم بَعثةَ الرُّسُلِ، وإحالتِهم البَعثَ والجَزاءَ). ((تفسير ابن عاشور)) (24/275). وقيل بعكسِ القولِ السَّابقِ، أي أنَّ المرادَ بـ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ: أمرُ الآخِرةِ، أي: زيَّنوا لهم التَّكذيبَ بالبعثِ والجَنَّةِ والنَّارِ، وَمَا خَلْفَهُمْ: أمرُ الدُّنيا ولَذَّاتها، فحبَّبوها إليهم، وزيَّنوا لهم جمْعَ المالِ وإمساكَه عن الإنفاقِ في الخَيرِ. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والواحديُّ، والسمعاني. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/741)، ((الوسيط)) للواحدي (4/31)، ((تفسير السمعاني)) (5/48). وقيل: المرادُ بـ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ: أعمالُهم الَّتي يَعمَلونَها ويُشاهِدونَها، وَمَا خَلْفَهُمْ أي: ما يَعزِمونَ على عَمَلِه. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: الزَّجَّاجُ. يُنظر: ((معاني القرآن)) (4/384). وقيل: المعنى: حَسَّنوا لهم أعمالَهم في الماضي والمُستَقبَلِ، فلم يَرَوا أنفُسَهم إلَّا مُحسِنينَ. وممَّن ذهب إلى ذلك: ابنُ كثير، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/174)، ((تفسير القاسمي)) (8/335). .
كما قال تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: 36 - 39].
وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ.
أي: ووَجَب عليهم عذابُ اللهِ الَّذي قدَّره على الكافِرينَ، في جُملةِ أُمَمٍ قد مَضَت قَبْلَهم مِن كُفَّارِ الجِنِّ والإنْسِ [368] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/416، 417)، ((تفسير ابن عطية)) (5/12)، ((تفسير القرطبي)) (15/355)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/275، 276). ممَّن اختار أنَّ معنى قولِه تعالى: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي: وجَب عليهم العذابُ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ جرير، ومكِّي، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/741)، ((تفسير ابن جرير)) (20/416)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكِّي (10/6514)، ((تفسير الشوكاني)) (4/589). وممَّن اختار في الجملةِ أنَّ معنى قولِه تعالى: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي: سبَق القضاءُ الحتمُ بعذابِهم: ابنُ عطيَّة، وابنُ جُزَي، وأبو حيَّان، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (5/12)، ((تفسير ابن جزي)) (2/240)، ((تفسير أبي حيان)) (9/301)، ((تفسير القاسمي)) (8/335). قال السعدي: (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي: وجَب عليهم، ونزَل القضاءُ والقَدَرُ بعذابِهم). ((تفسير السعدي)) (ص: 748). وممَّن قال: إنَّ المرادَ بقولِه تعالى: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ هو قولُه تعالى لإبليسَ: فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: 84، 85]: جلالُ الدِّينِ المحلِّي، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير الجلالين)) (ص: 633)، ((تفسير أبي السعود)) (8/11)، ((تفسير الشوكاني)) (4/589)، ((تفسير الألوسي)) (12/370)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/287). قال الشنقيطي: (المراد بالقولِ والكلمةِ... هو قولُه تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: 119]، كما دلَّت على ذلك آياتٌ مِن كتابِ الله تعالى؛ كقولِه تعالى في آخرِ سورةِ «هود»: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: 118، 119]، وقولِه تعالى في «السجدة»: وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: 13]، وقولِه تعالى في أُخرياتِ «ص»: قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: 84، 85]). ((أضواء البيان)) (6/287). .
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس: 96، 97].
وقال الله سُبحانَه: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: 119].
وقال عزَّ وجلَّ: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: 13].
وقال عزَّ وجلَّ: أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [الأحقاف: 18].
وقال سُبحانَه: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ [الأعراف: 38].
إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ.
أي: إنَّ الأُمَمَ الكافِرةَ الَّتي وَجَب عليها عَذابُ اللهِ مِنَ الجِنِّ والإنسِ مِن السَّابِقينَ واللَّاحِقينَ: كانوا مَغبونينَ ببَيعِهم رِضا اللهِ ورَحمتَه بسَخَطِه وعَذابِه، وخَسِروا أعمالَهم الَّتي عَمِلوها في الدُّنيا، وخَسِروا أنفُسَهم وأهلِيهم في الآخِرةِ [369] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/417)، ((تفسير القرطبي)) (15/355)، ((تفسير ابن كثير)) (7/174). .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّها حِكايةٌ لِحالٍ أُخرى مِن أحوالِ إعراضِهم عن دعوةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ بَعدَ أنْ وَصَفَ إعراضَهم في أنْفُسِهمُ انتَقَلَ إلى وَصْفِ تَلقينِهمُ النَّاسَ أساليبَ الإعراضِ [370] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/276، 277). .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ.
أي: وقال كُفَّارُ قُرَيشٍ خَوفًا مِن تأثيرِ القُرآنِ: لا تُنصِتوا لهذا القُرآنِ فتَنقادُوا له [371] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/417)، ((تفسير القرطبي)) (15/356)، ((تفسير ابن كثير)) (7/174)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/277)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 144، 145). قيل: القائِلونَ هم أئِمَّةُ الكُفرِ، يقولونَ ذلك لعامَّتِهم وأتْباعِهم. وممَّن قال بذلك في الجملةِ: ابنُ جرير، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/417)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/ 277). وقيل: بَعضُهم يُوصي بعضًا. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: الواحديُّ، وابن كثير، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (4/31)، ((تفسير ابن كثير)) (7/174)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 144). .
وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ.
أي: ائْتُوا باللَّغوِ عندَ قراءتِه، وتكلَّموا بالباطِلِ مِنَ القَولِ إذا سَمِعتُم قارِئَه يَقرَؤُه؛ رجاءَ أن تَغلِبوا بذلك مُحمَّدًا وأتْباعَه [372] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/417، 419)، ((تفسير القرطبي)) (15/356)، ((تفسير ابن كثير)) (7/174)، ((تفسير القاسمي)) (8/335)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/277، 278).  قال ابن عاشور: (معنَى وَالْغَوْا فِيهِ قُولوا أقوالًا لا معنَى لها، أو تَكَلَّموا كلامًا غيرَ مرادٍ منه إفادةٌ، أو المقصودُ إحداثُ أصواتٍ تَغْمُرُ صَوتَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بالقرآنِ). ((تفسير ابن عاشور)) (24/277). ومِن اللَّغوِ فيه: الصِّياحُ والتَّصفيقُ المانِعُ مِن السَّماعِ. يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/ 341). قال القرطبي: (وَالْغَوْا فِيهِ قال ابنُ عبَّاسٍ: قال أبو جهلٍ: إذا قرَأ محمَّدٌ فصيحوا في وجْهِه حتَّى لا يدري ما يقولُ. وقيل: إنَّهم فعَلوا ذلك لَمَّا أعجَزَهم القرآنُ. وقال مجاهدٌ: المعنى: وَالْغَوْا فِيهِ بالمُكاءِ والتَّصفيقِ والتَّخليطِ في المَنطِقِ حتَّى يَصيرَ لَغْوًا. وقال الضَّحَّاكُ: أكثِروا الكلامَ لِيَختَلِطَ عليه ما يقولُ. وقال أبو العاليةِ وابنُ عبَّاسٍ أيضًا: قِعوا فيه وعَيِّبوه). ((تفسير القرطبي)) (15/356). قيل: المرادُ بـ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ: تَطمِسون أمْرَ محمَّدٍ عليه السَّلامُ، وتُميتون ذِكْرَه، وتَصرِفون القلوبَ عنه. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى في الجملةِ: ابنُ جرير، وابن عطية، والثعالبي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/419)، ((تفسير ابن عطية)) (5/13)، ((تفسير الثعالبي )) (5/133)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/278). وممَّن اختار أنَّ المعنى: لعلَّكم تَغلِبون محمَّدًا على قراءتِه: الثعلبي، والبغويُّ، والبيضاوي، والخازن. يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (8/293)، ((تفسير البغوي)) (4/131)، ((تفسير البيضاوي)) (5/70)، ((تفسير الخازن)) (4/87). قال القرطبي: (لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ محمَّدًا على قراءتِه، فلا يَظهرُ ولا يستميلُ القلوبَ). ((تفسير القرطبي)) (15/356). وقال العُلَيمي: (لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ محمَّدًا على قراءتِه، فيَسكُت). ((تفسير العليمي)) (6/154). وقيل: المراد: لكيْ تغلبوهم فيَسكتوا. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والسمرقندي، والواحدي، وابن الجوزي، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/741)، ((تفسير السمرقندي)) (3/224)، ((الوسيط)) للواحدي (4/31)، ((تفسير ابن الجوزي)) (4/50)، ((تفسير الشوكاني)) (4/589). وقال البِقاعي: (لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ أي: لِيَكونَ حالُكم حالَ مَن يُرجَى له أن يَغلبَ ويَظفرَ بمُرادِه في ألَّا يميلَ إليه أحدٌ، أو يَسكُتَ أو ينسَى ما كان يقولُ). ((نظم الدرر)) (17/178، 179). .
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذَكَر إعراضَ الكُفَّارِ عن القُرآنِ وتواصِيَهم بذلك ظُلمًا منهم وعنادًا، لم يَبْقَ فيهم مَطمَعٌ للهِدايةِ، فلم يَبْقَ إلَّا عَذابُهم ونَكالُهم؛ لهذا قال الله تعالى [373] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 748). :
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا.
أي: فلَنُذيقَنَّ هؤلاءِ الَّذين كَفَروا بالحَقِّ عَذابًا شَديدًا [374] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/741)، ((تفسير ابن جرير)) (20/419)، ((تفسير ابن كثير)) (7/174). ممَّن اختار أنَّ المرادَ بالذين كفروا: مشركو قريشٍ: ابنُ جريرٍ، وابنُ عطيةَ، وأبو حيان، والثعالبي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/419)، ((تفسير ابن عطية)) (5/13)، ((تفسير أبي حيان)) (9/302)، ((تفسير الثعالبي)) (5/133)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/279). قال الشوكاني: (هذا وَعيدٌ لجَميعِ الكُفَّارِ، ويَدخُلُ فيهم الَّذين السِّياقُ معهم دُخولًا أوَّلِيًّا). ((تفسير الشوكاني)) (4/589). ويُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/198). والمرادُ بالعذابِ الشديدِ: قيل: عذابُ الآخِرةِ؛ النَّارُ. وممَّن قال بهذا: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ جرير، والزَّجَّاج، والقرطبي، وجلال الدين المحلي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/741)، ((تفسير ابن جرير)) (20/419)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/384)، ((تفسير القرطبي)) (15/356)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 634). وقيل: العَذابُ الشَّديدُ: هو عذابُ الدُّنيا في بَدرٍ وغَيرِها. وممَّن ذهب إلى هذا: ابنُ عطية، وأبو حيان، والثعالبي. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (5/13)، ((تفسير أبي حيان)) (9/302)، ((تفسير الثعالبي)) (5/133). وقال البقاعي: (عَذَابًا شَدِيدًا في الدُّنيا بالحِرمانِ وما يَتْبَعُه مِن فُنونِ الهَوانِ، وفي الآخِرةِ بالنِّيرانِ). ((نظم الدرر)) (17/179). .
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ.
أي: ولَنُثيبَنَّهم جزاءَ أسوَأِ ما كانوا يُواظِبونَ على عَمَلِه مِنَ السَّيِّئاتِ [375] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/419)، ((تفسير القرطبي)) (15/356)، ((تفسير ابن كثير)) (7/174)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/179)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/279). ممَّن اختار أنَّ المرادَ: بأسوأِ أعمالِهم، وهو الشِّركُ والكفرُ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والسمرقنديُّ، والبغوي، والنسفي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/741)، ((تفسير السمرقندي)) (3/225)، ((تفسير البغوي)) (4/131)، ((تفسير النسفي)) (3/234). وقال القرطبي: (ولَنَجْزيَنَّهم في الآخرةِ جزاءَ قُبْحِ أعمالِهم الَّتي عَمِلوها في الدُّنيا، وأسْوَأُ الأعمالِ الشِّركُ). ((تفسير القرطبي)) (15/356). وقال السعدي: (أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ وهو الكفرُ والمعاصي؛ فإنَّها أسْوَأُ ما كانوا يَعمَلون؛ لِكَونِهم يَعمَلون المعاصيَ وغيرَها، فالجزاءُ بالعقوبةِ إنَّما هو على عمَلِ الشِّركِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 748). وقال الرازي: (قال: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ، واختلَفوا فيه؛ فقال الأكثَرونَ: المرادُ: جزاءُ سوءِ أعمالِهم. وقال الحسَنُ: بل المرادُ أنَّه لا يُجازيهم على مَحاسِنِ أعمالِهم؛ لأنَّهم أحبَطوها بالكفرِ، فضاعتْ تلك الأعمالُ الحسَنةُ عنهم، ولم يَبْقَ معهم إلَّا الأعمالُ القبيحةُ الباطلةُ، فلا جَرَمَ لم يَتحصَّلوا إلَّا على جزاءِ السَّيِّئاتِ). ((تفسير الرازي)) (27/559). وقال الألوسي: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ أي: جزاءَ سَيِّئاتِ أعمالِهم الَّتي هي في أنفُسِها أسْوَأُ، فأفْعَلُ للزِّيادةِ المُطْلَقةِ). ((تفسير الألوسي)) (12/371). ويُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/12)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/279). وقال ابنُ جرير، وجلالُ الدِّينِ المحلِّي، والعُلَيمي: بأقبَحِ جزاءِ أعمالِهم. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/419)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 633)، ((تفسير العليمي)) (6/154). .
ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28).
ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ.
أي: ذلك العَذابُ الَّذي نَجزي به الكُفَّارَ: هو النَّارُ [376] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/419)، ((تفسير القرطبي)) (15/356)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/279). قال ابن عاشور: (الإشارةُ بـ ذَلِكَ إلى ما تقدَّمَ، وهو الجزاءُ والعذابُ الشَّديدُ على أسوأِ أعمالِهم. وأعداءُ اللهِ: هم المُشرِكونَ). ((تفسير ابن عاشور)) (24/279). .
لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ.
أي: لهم في النَّارِ دارُ الخُلودِ والمُكْثِ الدَّائِمِ إلى غَيرِ نِهايةٍ [377] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/419)، ((تفسير القرطبي)) (15/356)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748). قال ابن عاشور: (والخُلدُ: طُولُ البَقاءِ، وأُطلِقَ في اصطِلاحِ القُرآنِ على البَقاءِ المُؤَبَّدِ الَّذي لا نِهايةَ له). ((تفسير ابن عاشور)) (24/280). .
جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ.
أي: جازَيْناهم بذلك؛ بسَبَبِ أنَّهم كانوا في الدُّنيا يَكفُرونَ ويُكَذِّبونَ بآياتِنا [378] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/419)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/279). قال ابنُ جرير: (الدَّارُ الَّتي أخبَرَ جَلَّ ثناؤُه أنَّها لهم في النَّارِ: هي النَّارُ، وحَسُنَ ذلك؛ لاختِلافِ اللَّفظَينِ، كما يُقالُ: لك مِن بلدتِك دارٌ صالِحةٌ، ومِنَ الكُوفةِ دارٌ كَريمةٌ، والدَّارُ: هي الكُوفةُ والبَلْدةُ، فيَحسُنُ ذلك لاختِلافِ الألفاظِ). ((تفسير ابن جرير)) (20/419). .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29).
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ.
أي: وقال الَّذين كَفَروا: يا رَبَّنا أرِنَا مَن أضَلَّنا عن الحَقِّ مِن شَياطينِ الجِنِّ والإنسِ [379] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/420)، ((تفسير الماتريدي)) (9/77)، ((تفسير الزمخشري)) (4/198)، ((تفسير ابن عطية)) (5/14)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/280). قيل: المرادُ باللَّذَينِ أضَلَّاهم مِنَ الجِنِّ والإنسِ: جِنسُ الجِنِّ والإنسِ، أي: الصِّنفَينِ اللَّذَينِ قاداهم إلى الضَّلالِ والعَذابِ. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى في الجملةِ: ابنُ جرير، والزمخشريُّ، واستظهره ابنُ عطية، وذهب إليه البِقاعي، والسعدي، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/420)، ((تفسير الزمخشري)) (4/198)، ((تفسير ابن عطية)) (5/14)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/181)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 162). وقيل: المرادُ بهما: قابيلُ مِن الإنسِ، وإبليسُ مِن الجِنِّ. وممَّن ذهب إليه: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والفَرَّاءُ، والواحدي، والقرطبي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/742)، ((معاني القرآن)) للفراء (3/18)، ((الوسيط)) للواحدي (4/32)، ((تفسير القرطبي)) (15/357). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وقَتادةُ، وعِكْرِمةُ، وإبراهيمُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/420)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (7/321). .
كما قال تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا [الفرقان: 27 - 29].
وقال سُبحانَه: قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ [ق: 27، 28].
نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ.
أي: نَجعَلْ هَذَينِ اللَّذَينِ أضَلَّانا تحتَ أقدامِنا؛ لِيَكونَا دونَنا، وأسفلَ مِنَّا في النَّارِ، وأشَدَّ مِنَّا في العذابِ، فنَشتَفِيَ منهما [380] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/421)، ((تفسير السمعاني)) (5/49)، ((تفسير القرطبي)) (15/357)، ((تفسير ابن كثير)) (7/175)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/181، 182)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748). قال الماوَرْدي: (يحتمِلُ قَولُه: مِنَ الْأَسْفَلِينَ وَجهَينِ؛ أحَدُهما: مِنَ الأذَلِّينَ. الثَّاني: مِنَ الأشَدِّينَ عَذابًا؛ لأنَّ مَن كان في أسفَلِ النَّارِ كان أشَدَّ عَذابًا). ((تفسير الماوردي)) (5/179). ممَّن قال بأنَّ المرادَ بالأسفَلِينَ: الَّذين في الدَّركِ الأسفَلِ مِنَ النَّارِ: ابنُ جرير، والزَّجَّاج، والثعلبي، والواحدي، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/421)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/385)، ((تفسير الثعلبي)) (8/293)، ((الوسيط)) للواحدي (4/32)، ((تفسير ابن عطية)) (5/14)، ((تفسير القرطبي)) (15/357)، ((تفسير ابن كثير)) (7/175). وممَّن قال في الجملةِ بأنَّ المرادَ بالأسفَلينَ: الأذَلُّون المُهانُونَ: النيسابوري، والسعدي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير النيسابوري)) (6/58)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/280، 281). وممَّن جمَع بيْنَ المعنيَينِ: البِقاعي. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/182). .
كما قال تعالى: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ [الأعراف: 38].

الفوائد التربوية:

1- قَولُ الله تعالى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ فيه أنَّه على العاقِلِ أن يَجتَهِدَ في اختيارِ أصحابِه وأخدانِه وأحبابِه؛ فإنَّ العاقِبةَ فيهم حَسَنةٌ جَسيمةٌ، أو قبَيحةٌ وَخيمةٌ [381] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/176). ، وإذا أراد اللهُ بعَبدٍ خَيرًا قيَّضَ له قُرَناءَ خَيرٍ يُعينونَه على الطَّاعاتِ، ويَحمِلونَه عليها، ويَدْعونَه إليها، وإذا كانوا إخوانَ سُوءٍ حَمَلوه على المُخالَفاتِ، ودَعَوْه إليها [382] يُنظر: ((تفسير القشيري)) (3/325). .
2- في قَولِه تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ أنَّه لا يجوزُ اللَّغَطُ والضَّوضاءُ حينَ قراءةِ القرآنِ، فإمَّا أنْ يَستمِعَ المرءُ إليه، وإمَّا أنْ يقومَ، أمَّا أنْ يَجلِسَ إلى قارئِ القرآنِ، ويُثِيرَ الأصواتَ واللَّغَطَ والضَّوضاءَ؛ فهذا أقَلُّ ما فيه أنَّه شبيهٌ بصنيعِ المشركين، ويَتفرَّعُ على ذلك: ما يَفعلُه بعضُ النَّاسِ في مَتاجرِهم ومَساكنِهم مِن تشغيلِ المُسَجِّلِ بقراءةِ القرآنِ، وتَجِدُهم يَصدُرُ منهم الضَّوضاءُ، ويَتكلَّمون بقبيحِ الكلامِ، فمِثلُ هذا يُعَدُّ إهانةً للقرآنِ، وإنْ لم يَقصِدْه الإنسانُ، فإنَّ صورتَه صورةُ الامتِهانِ، فإمَّا أنْ يَستمِعَ الشَّخصُ إلى كلامِ اللهِ؛ وإمَّا أنْ يُغلِقَ المسجِّلَ [383] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 147). .
أنَّ ما كان مُباحًا في غيرِ حالِ القِراءةِ، مِثلُ المُزاحِ الَّذي جاءتْ به الآثارُ -وهو أنْ يَمزَحَ ولا يَقولَ إلَّا صِدْقًا [384] جاء في الحديث: أنَّ الصَّحابةَ قالوا: يا رسولَ الله، إنَّك تُداعِبُنا، قال: ((إنِّي لا أقولُ إلَّا حقًّا)). أخرجه الترمذي (1990)، وأحمد (8723) من حديث أبي هريرةَ رضيَ الله عنه. قال الترمذي: (حسَنٌ صحيحٌ)، وقال الذهبي في ((المهذب)) (8/4270): (إسنادُه صالحٌ)، وجوَّد إسنادَه ابنُ الملقِّنِ في ((شرح البخاري)) (24/607)، وحسَّنَ إسنادَه الهَيْثَميُّ في ((مجمع الزوائد)) (9/20)، وشعيبٌ الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (14/339)، وصحَّح الحديثَ الألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (1990). ؛ لا يكونُ في مُزَاحِه كَذِبٌ ولا عُدوانٌ- فهذا لا يُفعَلُ في حالِ قراءةِ القرآنِ، بل يُنَزَّهُ عنه مَجلِسُ القُرآنِ؛ فليس كلُّ ما يُباحُ في حالٍ غيرِ القراءةِ يُباحُ فيها، كما أنَّه ليس كلُّ ما يُباحُ خارِجَ الصَّلاةِ يُباحُ فيها، لا سيَّما ما يَشْغَلُ القارِئَ والمُستَمِعَ عن التَّدَبُّرِ والفَهمِ، مِثلُ كَونِه يُخايِلُ ويَضحَكُ، فكيف واللَّغوُ والضَّحِكُ حالَ القِراءةِ: مِن أعمالِ المُشرِكينَ، كما قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [385] يُنظر: ((مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية)) للبعلي (ص: 605). !
3- في قَولِه تعالى: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ذَمُّ المعرِضِينَ عن سماعِ القرآنِ [386] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (11/588). .
4- في قَولِه تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أنَّ الإنسانَ يجبُ عليه أنْ يَبتعِدَ عن قُرَناءِ السوءِ، وقد حَذَّر النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِن جليسِ السوءِ؛ فقال: ((المرءُ على دِينِ خَليلِه [387] على دِينِ خَليلِه: أي: على عادةِ صاحِبِه وطريقتِه وسيرتِه. يُنظر: ((التيسير بشرح الجامع الصغير)) للمُناوي (2/40). ؛ فلْيَنْظُرْ أحدُكم مَن يُخالِلُ)) [388] أخرجه أبو داود (4833)، والترمذي (2378)، وأحمد (8417) واللفظُ له من حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه. قال الترمذي: (حسَنٌ غريبٌ)، وصحَّح إسنادَه النوويُّ في ((رياض الصالحين)) (ص: 188)، وحسَّن الحديثَ ابنُ حجر في ((الأمالي المطلقة)) (ص: 151)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4833)، وصحَّحه ابن باز في ((مجموع الفتاوى)) (6/306)، وحسَّن إسنادَه شعيبٌ الأرناؤوط في تخريج ((سنن أبي داود)) (4833). ، وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((مَثَلُ الجليسِ السَّوءِ كنافِخِ الكِيرِ؛ إمَّا أنْ يُحرِقَ ثيابَك، وإمَّا أنْ تَجِدَ منه رائحةً خبيثةً)) [389] أخرجه البخاري (5534)، ومسلم (2628) من حديث أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه. ، فاحذَرْ قرينَ السُّوءِ لا تَجتَمِعْ به، لا تُصَادِقْه، لا تَسْتَأْمِنْه على أيِّ شَيءٍ [390] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 165). .

الفوائد العلمية واللطائف:

1- في قَولِه تعالى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ حُجَّةٌ على المعتزلةِ والقَدَريَّةِ في إنكارِهم أنَّ الهدايةَ والإضلالَ بيدِ اللهِ تعالى، وزعمِهم أنَّ أفعالَ العبادِ لا صُنْعَ لله فيها؛ إِذْ قد أَخْبَر -نصًّا- أنَّ مَن زَيَّنَ لهم مِن قرنائِهم سيِّئَ أعمالِهم هو المُقَيِّضُ لهم، ولا يَخْلو القولُ الَّذي حَقَّ عليهم مِن أنْ يكونَ سابقًا فيهم قبْلَ العملِ، أو عقوبةً للعملِ الَّذي زَيَّنَه لهم قرناؤُهم، وإذا كان هو مُقَيِّضَ قرنائِهم؛ فأيُّهما كان فالحُجَّةُ عليهم به ظاهرةٌ [391] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (4/75). .
2- في قَولِه تعالى: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ أَبْيَنُ دَليلٍ على تَكليفِ الثَّقَلَينِ: الجِنِّ والإنْسِ، وتَعَلُّقِ الأمرِ والنَّهيِ بهم، وكذلك تَعَلُّقُ الثَّوابِ والعِقابِ بهم [392] يُنظر: ((طريق الهجرتين)) لابن القيم (ص: 420). .
3- في قَولِه تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ * فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا أنَّ حُجَّةَ اللهِ برُسُلِه قامتْ بالتَّمَكُّنِ مِن العِلمِ؛ فليس مِن شَرطِ حُجَّةِ اللهِ تعالى عِلمُ المَدْعُوِّينَ بها؛ ولهذا لم يَكُنْ إعراضُ الكُفَّارِ عن استِماعِ القُرآنِ وتَدَبُّرِه مانعًا مِن قيامِ حُجَّةِ اللهِ تعالى عليهم، وكذلك إعراضُهم عن استِماعِ المنقولِ عن الأنبياءِ، وقراءةِ الآثارِ المأثورةِ عنهم: لا يَمنَعُ الحُجَّةَ؛ إِذِ المُكْنةُ حاصِلةٌ [393] يُنظر: ((الرد على المنطقيين)) لابن تيمية (ص: 99). .
4- قَولُ الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ هذه شَهادةٌ مِن الأعداءِ، وأوضَحُ الحَقِّ ما شَهِدَت به الأعداءُ؛ فإنَّهم لم يَحكُموا بغَلَبتِهم لِمَن جاء بالحَقِّ إلَّا في حالِ الإعراضِ عنه، والتَّواصي بذلك، ومَفهومُ كَلامِهم أنَّهم إنْ لم يَلْغَوا فيه، بل استَمَعوا إليه، وألْقَوا أذهانَهم: أنَّهم لا يَغلِبونَ؛ فإنَّ الحَقَّ غالِبٌ غيرُ مَغلوبٍ، يَعرِفُ هذا أصحابُ الحَقِّ وأعداؤُه [394] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 748). ، وهذا مُشعِرٌ بأنَّهم كانوا يَجِدونَ القُرآنَ غالِبَهم؛ إذْ كانَ الَّذين يَسمَعونَه يُداخِلُ قُلوبَهم فيُؤمِنونَ، أيْ: فإنْ لم تَفعَلوا فهو غالِبُكم [395] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/278). .
5- يَقولُ أئِمَّةُ الكُفرِ لِعامَّتِهم -على قولٍ في التَّفسيرِ-: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ؛ فإنَّهم عَلِموا أنَّ القُرآنَ كَلامٌ هو أكمَلُ الكَلامِ، وأيْقَنوا أنَّ كُلَّ مَن يَسمَعُه وتُداخِلُ نَفْسَه جَزالةُ ألفاظِه وسُمُوُّ أغراضِه، قَضى له فَهْمُه أنَّه حَقٌّ اتِّباعُه، وقد أدْرَكوا ذلك بأنْفُسِهم، ولكِنَّهم غالَبَتْهم مَحَبَّةُ الدَّوامِ على سِيادةِ قَومِهم، فتَمالَؤوا ودَبَّروا تَدبيرًا لِمَنعِ النَّاسِ مِنِ استِماعِه، وذلك خَشيةً مِن أنْ تَرِقَّ قُلوبُهم عِندَ سَماعِ القُرآنِ، فصَرَفوهم عن سَماعِه، وهذا مِن شَأنِ دُعاةِ الضَّلالِ والباطِلِ أنْ يَكُمُّوا أفواهَ النَّاطِقينَ بالحَقِّ والحُجَّةِ، بما يَستَطيعونَ مِن تَخويفٍ وتَسويلٍ، وتَرهيبٍ وتَرغيبٍ، ولا يَدَعوا النَّاسَ يَتَجادَلونَ بالحُجَّةِ، ويَتَراجَعونَ بالأدِلَّةِ؛ لِأنَّهم يُوقِنونَ أنَّ حُجَّةَ خُصومِهم أنهَضُ، فهمْ يَستُرونَها ويُدافِعونَها، لا بمِثلِها، ولكِنْ بأساليبَ مِنَ البُهتانِ والتَّضليلِ، فإذا أعيَتْهمُ الحِيَلُ، ورَأوْا بَوارِقَ الحَقِّ تَخفِقُ، وخَشُوا أنْ يَعُمَّ نُورُها النَّاسَ الَّذين فيهم بَقيَّةٌ مِن خَيرٍ ورَشَدٍ، عَدَلوا إلى لَغوِ الكَلامِ، ونَفَخوا في أبواقِ اللَّغوِ والجَعجَعةِ، لَعَلَّهم يَغلِبونَ بذلك على حُجَجِ الحَقِّ، ويَغمُرونَ القَولَ الصَّالِحَ باللَّغوِ، وكذلك شَأنُ هؤلاء [396] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/277). .
6- في قَولِه تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ عُبِّرَ بالعملِ عن جزائِهم إشارةً إلى أنَّ الجزاءَ بقَدْرِ العملِ، ولهذا قال العلماءُ: (الجزاءُ مِن جنسِ العملِ)، لكنَّه بالنِّسبةِ للسَّيِّئاتِ عَدْلٌ، وبالنِّسبةِ للحسناتِ فَضْلٌ؛ الحسَنةُ بعَشْرِ أمثالِها إلى سَبْعِ مئةِ ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ؛ والسَّيِّئةُ بمِثلِها [397] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 151). .
7- في قَولِه تعالى: ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ أنَّ التَّكذيبَ بآياتِ اللهِ رِدَّةٌ؛ لأنَّ اللهَ وَصَفَ المكذِّبينَ بأنَّهم أعداءٌ، وأنَّ جَزاءَهم دارُ الخُلدِ، وهذا أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه: أنَّ مَن كَذَّبَ اللهَ ورَسولَه فإنَّه مُرتَدٌّ كافِرٌ، يُستتابُ، فإنْ تاب وأقَرَّ، وإلَّا قُتِلَ [398] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 159). .
8- قولُه تعالى: بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ فيه إثباتُ الأسبابِ، لأنَّ الباءَ هنا للسَّببيَّةِ [399] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 158). .

بلاغة الآيات:

1- قولُه تعالَى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ
- قولُه: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ عَطفٌ على جُملةِ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت: 19]؛ وذلك أنَّه حُكيَ قولُهم المُقتَضي إعراضَهم عنِ التَّدَبُّرِ في دَعوةِ الإيمانِ، ثمَّ ذُكِر كُفرُهم بخالِقِ الأكوانِ بقَولِه: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: 9]، ثمَّ ذُكِر مَصيرُهم في الآخِرةِ بقَولِه: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ [فصلت: 19]، ثمَّ عُقِّب ذلك بذِكرِ سَبَبِ ضَلالِهمُ الَّذي نَشَأتْ عنه أحوالُهم بقَولِه: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ، وتَخلَّلَ بيْن ما هُنالِكَ وما هنا أفانينُ مِنَ المَواعِظِ والدَّلائِلِ والمِنَنِ والتَّعاليمِ والقَوارِعِ والإيقاظِ [400] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/274). .
- قولُه: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ... قَيَّضَ، أي: أتاحَ وهَيَّأ شَيئًا لِلعَمَلِ في شَيءٍ، والقُرَناءُ: جَمعُ قَرينٍ، وهو الصَّاحِبُ المُلازِمُ، والقُرَناءُ هنا: همُ المُلازِمونَ لهم في الضَّلالةِ؛ إمَّا في الظَّاهِرِ، مِثلُ دُعاةِ الكُفرِ وأئمَّتِه، وإمَّا في باطِنِ النُّفوسِ، مِثلُ شَياطينِ الوَسواسِ، ومَعنى تَقييضِهم لهم: تَقديرُهم لهم، أيْ: خَلَق المُناسَباتِ الَّتي يَتسَبَّبُ عليها تَقارُنُ بَعضِهم مع بَعضٍ؛ لِتَناسُبِ أفكارِ الدُّعاةِ والقابِلينَ، فالتَّقييضُ بمَعنى التَّقديرِ، عِبارةٌ جامِعةٌ لِمُختَلِفِ المُؤَثِّراتِ والتَّجَمُّعاتِ الَّتي تُوجِبُ التَّآلُفَ والتَّحابَّ بيْنَ الجَماعاتِ، ولِمُختَلِفِ الطَّبائِعِ المُكَوَّنةِ في نُفوسِ بَعضِ النَّاسِ، فيَقتَضي بَعضُها جاذبيَّةَ الشَّياطينِ إليها، وحُدوثَ الخَواطِرِ السَّيِّئةِ فيها؛ ولِلإحاطةِ بهذا المَقصودِ أُوثِرَ التَّعبيرُ هنا بلَفظِ (قَيَّضْنَا) دُونَ غَيرِه مِن نَحوِ: بَعَثْنا، وأرسَلْنا [401] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/274، 275). .
- قولُه: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أيْ: وهو وَعيدُ اللهِ إيَّاهم بالنَّارِ على الكُفرِ؛ فالتَّعريفُ في الْقَوْلُ لِلعَهدِ، وفي هذا العَهدِ إجمالٌ؛ لِأنَّه وإنْ كانَ قد وَرَدَ في القُرآنِ ما يُعهَدُ منه هذا القَولُ، مِثلُ قَولِه: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ [الزمر: 19]؛ فإنَّه يُمكِنُ ألَّا تَكونَ الآياتُ المَذكورةُ قد سَبَقتْ هذه الآيةَ [402] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/275). .
- وقولُه: فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي أُمَمٍ حالٌ مِن ضَميرِ عَلَيْهِمُ، أيْ: حَقَّ عليهم حالةَ كَونِهم في أُمَمٍ أمثالِهم قد سَبَقوهم، ومِنْ في قَولِه: مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ بَيانيَّةٌ؛ فيَجوزُ أنْ يَكونَ بَيانًا لـ أُمَمٍ، أيْ: مِن أُمَمٍ مِنَ البَشَرِ ومِنَ الشَّياطينِ، ويَجوزُ أنْ يَكونَ بَيانًا لـ قُرَنَاءَ، أيْ: مُلازِمينَ لهمْ مُلازَمةً خَفيَّةً، وهي مُلازَمةُ الشَّياطينِ لهم بالوَسوَسةِ، ومُلازَمةُ أئِمَّةِ الكُفرِ لهم بالتَّشريعِ لهم ما لم يَأذَنْ به اللهُ [403] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/276). .
- وقولُه: مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قدَّم فيه الأقوى؛ لِتُفهِمَ القُدرةُ عليه القُدرةَ على ما دُونَه مِن بابِ الأَولى؛ فإنَّ الإنسَ كانوا يَعُدُّونَ أنفُسَهم دونَ الجِنِّ، فيَعوذونَ بهم [404] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/176). .
- ويَجوزُ أنْ تكونَ جُملةُ: إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ بَيانًا لِلقَولِ، مِثلَ نَظيرَتِها فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ [الصافات: 31]. ويَجوزُ أنْ تَكونَ هذه الجُملةُ مُستَأنَفةً استِئنافًا بَيانيًّا ناشِئًا عن جُملةِ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ؛ تَعليلًا لِاستِحقاقِهمُ العَذابَ، والمَعنيانِ مُتَقارِبانِ [405] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/197)، ((تفسير البيضاوي)) (5/70)، ((تفسير أبي حيان)) (9/301)، ((تفسير أبي السعود)) (8/11)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/276). .
2- قولُه تعالَى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ كَلامٌ مُستَأنَفٌ، مَسوقٌ لِتَقريرِ حالِهم ومُكابَرَتِهم عِندَ قِراءةِ القُرآنِ [406] يُنظر: ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/550). . أو عَطفٌ على جُملةِ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [فصلت: 5]؛ عَطْفَ القِصَّةِ على القِصَّةِ، ومُناسَبةُ التَّخَلُّصِ إليه: أنَّ هذا القَولَ مِمَّا يَنشَأُ عن تَزيينِ قُرَنائِهم مِنَ الإنْسِ. أو هو عَطفٌ على جُملةِ فَزَيَّنُوا لَهُمْ [407] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/276، 277). [فصلت: 25].
- قَولُهم: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ تَحذيرٌ واستِهزاءٌ بالقُرآنِ؛ فاسمُ الإشارةِ (هذا) مُستَعمَلٌ في التَّحقيرِ. وتَسميَتُهم إيَّاه بالقُرآنِ حِكايةٌ لِمَا يَجري على ألْسِنةِ المُسلِمينَ مِن تَسميَتِه بذلك. وتَعديةُ فِعلِ تَسْمَعُوا باللَّامِ؛ لِتَضمينِه مَعنى: تَطمَئِنُّوا أو تَرْكَنوا [408] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/277). .
- قولُهم: وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ لَمَّا كان المقصودُ بتَخلُّلِ أصْواتِهم صوتَ القارئِ حتَّى لا يَفقَهَه السَّامِعونَ، عُدِّيَ اللَّغوُ بحَرفِ (في) الظَّرفيَّةِ؛ لِإفادةِ إيقاعِ لَغوِهم في خِلالِ صَوتِ القارِئِ وُقوعَ المَظروفِ في الظَّرفِ. وأُدخِلَ حَرْفُ الظَّرفيَّةِ على اسمِ القُرآنِ دُونَ اسمِ شَيءٍ مِن أحوالِه -مِثلَ صَوتٍ أو كَلامٍ-؛ لِيَشملَ كُلَّ ما يُخفي ألفاظَ القُرآنِ، أو يُشَكِّكُ في مَعانيها، أو نَحوَ ذلك، وهذا نَظمٌ له مَكانةٌ مِنَ البَلاغةِ [409] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/277، 278). .
3- قولُه تعالَى: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ
- قولُه: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا الَّذِينَ كَفَرُوا إظهارٌ في مَقامِ الإضمارِ [410] وللإظهارِ في مَوضعِ الإضمارِ فوائدُ: الأُولى: بَيانُ الصِّفةِ أو الوَصفِ الَّذي استَحَقَّ مِن أجْلِهِ أنْ يُعاقَبَ بهذه العُقوبةِ. الثَّانية: تَنبيهُ المخاطَبِ؛ لأنَّ الكلامَ إذا كان على نَسَقٍ واحدٍ بضَمائرِه ومُظْهَراتِه؛ فإنَّ الإنسانَ لا يَنْتَبِهُ، لكنْ إذا جاء شَيءٌ يُخرِجُ الكلامَ عن سِياقِه، فإنَّه لا بُدَّ أنْ يَنتَبِهَ، وقد جَرَتِ العادةُ أنَّ الكلامَ إذا كان السِّياقُ يَقْتضي الإضمارَ فإنَّه يأْتي الإضمارُ، فإذا جاء الإظهارُ موضعَ الضَّميرِ صارَ هذا على خِلافِ العادةِ؛ فسوف يَتوقَّفُ الإنسانُ ويَتساءَلُ: لماذا جاء الظَّاهرُ مَوضعَ الضميرِ؟ فيكونُ في ذلك انتباهٌ له. الثَّالثةُ: الحُكْمُ على مَرجعِ الضَّميرِ بمُقْتضى هذا الاسمِ الظَّاهرِ؛ ففي الآيةِ الَّتي معنا فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذنْ تكونُ الفائدةُ الحُكْمَ عليهم بالكُفْرِ. الرَّابعةُ: العمومُ، لو قال: (فلَنُذيقَنَّهم) صار هذا الوعيدُ خاصًّا بالَّذين قالوا: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ، فإذا قال: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ صار عامًّا لهم ولغيرِهم. الخامسةُ: مُراعاةُ فَواصلِ الآياتِ. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 149، 318). ، حيثُ لم يقُلْ: (فَلَنُذِيقَنَّهم)-؛ لِقَصْدِ ما في المَوصولِ (الَّذين) مِنَ الإشارةِ إلى عِلَّةِ إذاقةِ العَذابِ، أيْ: لِكُفرِهمُ المَحكيِّ بَعضُه فيما تَقدَّمَ [411] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/278، 279). . وقيل: يجوزُ أنْ يُذكَرَ الَّذين كَفَروا عامَّةً؛ فيَدخُلُ فيه هؤلاء اللَّاغون والآمرونَ لهم باللغوِ دُخولًا أوَّليًّا [412] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/198)، ((تفسير البيضاوي)) (5/70)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/600)، ((تفسير أبي السعود)) (8/12). .
- قولُه: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (أسوَأ): اسمُ تَفضيلٍ مَسلوبُ المُفاضَلةِ هنا، وإنَّما أُريدَ به السَّيِّئُ -على قولٍ في التَّفسيرِ-؛ فصِيغَ بصِيغةِ التَّفضيلِ لِلمُبالَغةِ في سُوئِه. وإضافَتُه إلى الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ مِن إضافةِ البَعضِ إلى الكُلِّ، وليس مِن إضافةِ اسمِ التَّفضيلِ إلى المُفَضَّلِ عليه [413] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/279). .
- ويُمكِنُ أنْ تَجرِيَ إضافةُ (أسوأ) إلى (الَّذي) على ظاهِرِها، ويكونَ عطْفُ قولِه: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي الآيةَ، على قولِه: فَلَنُذِيقَنَّ ... الآيةَ، على نَحوِ عطْفِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ على وَمَلَائِكَتِهِ [البقرة: 98]، كأنَّه قِيل: فلَنُذيقَنَّ أولئك اللَّاغينَ بما فَعَلوا مِن الشِّركِ والإفسادِ والعِصيانِ عَذابًا شَديدًا، وخُصوصًا لَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأَ جَزاءِ أعْمالِهم؛ مِن الاستهزاءِ بآياتِ اللهِ، وتَحقيرِ القرآنِ المَجيدِ، وقولِهم: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ. والنَّظْمُ يُساعِدُ هذا التَّأويلَ؛ لأنَّه لَمَّا رُتِّبَ على ما سبَقَ، وعُطِفَ عليه وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ، بعْدَ إثباتِ الكُفرِ لهم والاستِخفافِ بكِتابِ اللهِ المَجيدِ؛ عُلِّلَ استِحقاقُ العذابِ الشَّديدِ بوَضعِ الَّذِينَ كَفَرُوا مَوضعَ الضَّميرِ تَقْريرًا، وعُلِّلَ استِحقاقُ الأسوَأِ بوَضعِ أَعْدَاءِ اللَّهِ مَوضعَ (هُمْ) تَلويحًا، وأُشِيرَ إلى الأسوَأِ -وهو قريبٌ- باسمِ الإشارةِ الدَّالِّ على البُعدِ؛ لِيُؤذِنَ بالفرْقِ بيْن الجَزاءينِ، والبَونِ بيْن الكَفرتَينِ، ثمَّ بُيِّنَ بأنَّ هذا الجزاءَ الخاصَّ مُوجِبُه ذلك الاستِخفافُ تَصْريحًا؛ بأنْ خُتِمَ الكلامُ بقولِه: جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ، وأعاد بذِكرِ الجَزاءِ، ووَضعَ الآياتِ مَوضعَ القُرآنِ، وأُوثِرَ صِيغةُ التَّعظيمِ؛ تَربيةً لتلك الفوائدِ، وتَرْشيحًا لها، وعُبِّرَ عن اللَّغْوِ بالجَحْدِ رَدًّا للعَجُزِ على الصَّدْرِ؛ فظهَرَ أنَّ الإضافةَ في الآيةِ ممَّا قُصِدَ بها الزِّيادةُ على ما أُضِيفَ إليه [414] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/600، 601). .
- والتَّعبيرُ بفِعلِ (الكَون) يدُلُّ على أنَّهم كانوا مَطبوعينَ على ما أوجَبَ لهم النَّارَ مِن الأوزارِ، فقال: كَانُوا يَعْمَلُونَ، أي: يُجدِّدون عمَلَه مُستمِرِّينَ عليه [415] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/169). ؛ فعُبِّرَ بالمُضارعِ؛ للدَّلالةِ على التَّجدُّدِ والاستِمرارِ.
4- قولُه تعالَى: ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ في هذا تَعريضٌ بمَن لا يَكونُ عِندَ كَلامِ اللهِ المَجيدِ خاضِعًا خاشِعًا مُتَفكِّرًا مُتَدبِّرًا، وتَهديدٌ ووَعيدٌ شَديدٌ لِمَن يَصدُرُ عنه عِندَ سَماعِه ما يُشَوِّشُ على القارِئِ ويَخلِطُ عليه القِراءةَ، وإرعادٌ وإبراقٌ لِمَن يُدرَكُ منه قِلَّةُ مُبالاةٍ به؛ فَضلًا عمَّن يَنبِذُه وَراءَه ظِهْريًّا، واشتغَلَ بما يُنافِيهِ مِن العُلومِ المَذمومةِ، فانْظُرْ إلى عَظَمةِ القُرآنِ المَجيدِ، وتأمَّلْ في هذا التَّغليظِ والتَّشديدِ، واشهَدْ لِمَن عظَّمَه، وأجَلَّ قَدْرَه، وألْقَى إليه السَّمعَ وهو شَهيدٌ؛ بالفَوزِ العظيمِ، والأجرِ الكبيرِ [416] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/601). .
- قولُه: لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ دارُ الخُلدِ هنا: النَّارُ، وجاءَ بالظَّرفيَّةِ بتَنزيلِ النَّارِ مَنزِلةَ ظَرفٍ لِـ دَارُ الْخُلْدِ، وما دارُ الخُلدِ إلَّا عَينُ النَّارِ، وهذا مِن أُسلوبِ التَّجريدِ [417] التجريد: هو اعتقادُ أنَّ في الشيءِ مِن نفْسِه معنًى آخَرَ كأنَّه مُبايِنٌ له، فيخرجُ ذلك إلى ألفاظِه بما اعتقَد ذلك؛ كقولِهم: لئن لقيتَ زيدًا لتلقيَنَّ معه الأسدَ؛ فظاهرُ هذا أنَّ فيه مِن نفْسِه أسدًا، وهو عينُه هو الأسدُ، لا أنَّ هناك شيئًا منفصلًا. يُنظر: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (3/448)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (ص: 243، 244). ؛ لِيُفيدَ مُبالَغةَ مَعنى الخُلدِ في النَّارِ، وهو مَعدودٌ مِنَ المُحَسِّناتِ البَديعيَّةِ [418] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/198)، ((تفسير البيضاوي)) (5/71)، ((تفسير أبي حيان)) (9/302)، ((تفسير أبي السعود)) (8/12)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/279)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/552). .
- قولُه: جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ أي: جَزاءً بما كانوا يُلْغُون فيها؛ فذَكَر الجُحودَ الَّذي هو سَبَبُ اللَّغوِ، وهذا نَوعٌ مِن أنواعِ رَدِّ العَجُزِ على الصَّدرِ [419] رَدُّ العَجُزِ على الصَّدرِ -ويُعرَفُ أيضًا بالتَّصديرِ-: هو أنْ تكونَ اللَّفظةُ بعَيْنِها تقدَّمتْ في أوَّلِ الكَلامِ، ثُمَّ تُعادُ في آخِرِه، وبتعبيرٍ آخَرَ: هو أنْ يُجعَلَ أحدُ اللَّفظينِ المُكرَّرينِ، أو المتجانسَينِ، أو المُلحقَينِ بهما في أوَّلِ الفِقرةِ، ثُمَّ تُعادُ في آخِرِها، وهو على ثلاثةِ أقسامِ؛ الأوَّلُ: أن يُوافِقَ آخِرُ الفاصلةِ آخِرَ كَلمةٍ في الصَّدرِ؛ كقوله تعالى: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء: 166]، والثَّاني: أنْ يُوافِقَ أوَّلَ كَلمةٍ منه؛ كقولِه: وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: 8]، والثَّالثُ: أنْ يُوافِقَ بعضَ كَلِماتِه؛ كقولِه: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأنعام: 10]. يُنظر: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (3/461)، ((الإتقان)) للسيوطي (3/354)، ((جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع)) للهاشمي (ص: 333)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/514). ؛ لِمَا بيْنَ قَولِهم: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فصلت: 26] الآيةَ، وبيْن قَولِه: بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ مِنَ التَّوافُقِ المَعنويِّ؛ لِأنَّ مَن يَستَهزِئُ بالقُرآنِ لا بُدَّ أنْ يَكونَ جاحِدًا له [420] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/198)، ((تفسير البيضاوي)) (5/71)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/601)، ((تفسير أبي حيان)) (9/302)، ((تفسير أبي السعود)) (8/12). .
- وصِيغةُ المُضارِعِ يَجْحَدُونَ دالَّةٌ على تَجَدُّدِ الجُحودِ حِينًا فَحِينًا وتَكَرُّرِه [421] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/280). .
- وعُدِّيَ فِعلُ يَجْحَدُونَ بالباءِ؛ لِتَضمينِه مَعنى: يُكَذِّبونَ [422] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/280). .
- وتَقديمُ بِآَيَاتِنَا على يَجْحَدُونَ؛ لِلاهتِمامِ، ولِلرِّعايةِ على الفاصِلةِ [423] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/280). .
5- قولُه تعالَى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ عَطفٌ على جُملةِ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ [فصلت: 28]، أيْ: ويَقولونَ ذلك في جَهنَّمَ...؛ فعُدِلَ عن صِيغةِ الاستِقبالِ إلى صِيغةِ المُضيِّ؛ لِلدَّلالةِ على تَحقيقِ وُقوعِ هذا القَولِ، فالقائِلونَ: رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا هم عامَّةُ المُشرِكينَ، كما يدُلُّ عليه قَولُه: الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا [424] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/280). .
- ومَعنى أَرِنَا: عَيِّنْ لنا، وهو كِنايةٌ عن إرادةِ انتِقامِهم منهم، وإنَّما طَلَبوا أنْ يَرَوْهما؛ لِأنَّ المُضِلِّينَ كانوا في دَرَكاتٍ مِنَ النارِ أسفَلَ مِن دَرَكاتِ أتْباعِهم؛ فلذلك لم يَعرِفوا أيْن هم [425] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/280، 281). .
- والتَّعليلُ بقَولِهم: لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ تَوطِئةٌ لاستِجابةِ اللهِ تعالَى لهم أنْ يُرِيَهُموهما؛ لِأنَّهم عَلِموا مِن غَضَبِ اللهِ عليهم أنَّه أشَدُّ غَضَبًا على الفَريقَيْنِ المُضِلَّيْنِ، فتَوَسَّلوا بعَزْمِهم على الانتِقامِ منهم إلى تَيسيرِ تَمكينِهم مِنَ الانتِقامِ منهم [426] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/281). .