موسوعة التفسير

سورةُ فُصِّلَت
الآيات (30-36)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ

غريب الكلمات:

تُوعَدُونَ: أي: تُريدونَ وتَطلُبونَ وتَتَمَنَّوْنَ، وأصلُ (دعو): هو أنْ تُميلَ الشَّيءَ إليك بصَوتٍ وكلامٍ يَكونُ منكَ [427] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/279)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (10/ 6521)، ((المفردات)) للراغب (ص: 316)، ((تفسير البغوي)) (4/132)، ((تفسير القرطبي)) (15/359). .
نُزُلًا: أي: ثَوابًا ورِزقًا، والنُّزُلُ: ما يُعَدُّ للنَّازِلِ مِنَ الزَّادِ، ويُهَيَّأُ للضَّيفِ، وأصلُ (نزل): يدُلُّ على هُبوطِ شَيءٍ ووُقوعِه [428] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 117)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/417)، ((المفردات)) للراغب (ص: 800)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 320)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 909). .
وَلِيٌّ: أي: صَديقٌ ناصِرٌ، وأصلُ هذه المادَّةِ يدُلُّ على القُرْبِ؛ سواءٌ مِن حيثُ المكانُ، أو النِّسبةُ، أو الدِّينُ، أو الصَّداقةُ، أو النُّصرةُ، أو الاعتِقادُ، وكلُّ مَن وَلِيَ أمْرَ آخَرَ فهو وَلِيُّه [429] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/141)، ((المفردات)) للراغب (ص: 885)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 103). .
حَمِيمٌ: أي: قَريبٌ مُشفِقٌ، وأصلُ (حمم) هنا: يدُلُّ على دُنُوٍّ [430] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 187)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/23)، ((المفردات)) للراغب (ص: 255)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 426). .
يَنْزَغَنَّكَ: أي: يَستَخِفَّنَّك منه خِفَّةٌ وغضَبٌ وعَجَلةٌ، أو يُحَرِّكنَّك بالشَّرِّ، وأصلُ (نزغ): يدُلُّ على إفسادٍ بيْنَ اثنَينِ [431] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 176)، ((تفسير ابن جرير)) (10/645)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 508)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/416)، ((المفردات)) للراغب (ص: 798)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 124)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 215). .

مشكل الإعراب:

قَولُه تعالى: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا
قَولُه: أَلَّا تَخَافُوا: يجوزُ في (أن) المُدغَمةِ في (لا) أن تكونَ مَصدريَّةً ناصِبةً، و(لا) نافيةٌ، والمضارِعُ تَخَافُوا مَنصوبٌ بـ (أَنْ)، والمصدَرُ المؤَوَّلُ مجرورٌ بحَرفِ جَرٍّ مَحذوفٍ مُتَعِّلقٌ بـ تَتَنَزَّلُ، أي: تتنَزَّلُ بانتفاءِ خَوفِهم وحَزَنِهم. ويجوزُ أن تكونَ (أن) مُخفَّفةً مِن الثَّقيلةِ، واسمُها ضميرُ شأنٍ مَحذوفٌ، أو مُفَسِّرةً؛ لأنَّ التَّنَزُّلَ بمعنى القَولِ دُونِ حُروفِه، و (لا) ناهيةٌ على هذين الوَجهَينِ، والِفعل المضارِعُ تَخَافُوا مَجزومٌ بِلا، والتَّقديرُ فيهما: بأنَّه لا تَخافوا، أو: أي لا تَخافوا [432] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/264)، ((تفسير أبي حيان)) (9/304)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (9/525)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (24/307). .

المعنى الإجمالي:

يقولُ تعالى مُبيِّنًا حُسْنَ عاقبةِ المؤمنينَ: إنَّ الَّذين قالوا: ربُّنا اللهُ، ثمَّ استقاموا على أمْرِه سُبحانَه تتنَزَّلُ عليهم الملائِكةُ بأنْ لا تخافُوا ممَّا يُستَقبَلُ، ولا تَحزَنوا على ما مضَى، وأبشِروا بالجنَّةِ الَّتي كُنتُم تُوعَدونَ بدُخولِها، نحن كنَّا أولياءَكم في الحياةِ الدُّنيا، وكذلك نكونُ في الآخِرةِ، ولكم في الآخِرةِ ما تَشتَهيه أنفُسُكم، وما تَطلُبونَه وتتَمَنَّونَه؛ ضيافةً وإكرامًا مِن الغَفورِ الرَّحيمِ سُبحانَه وبِحَمدِه.
ثمَّ يُبيِّنُ سبحانَه مَنزِلةَ الَّذين يقومونَ بالدَّعوةِ إلى الحقِّ، فيقولُ: ولا أحَدَ أحسَنُ قَولًا مِمَّن دعا النَّاسَ إلى توحيدِ اللهِ وطاعتِه، وعَمِلَ صالِحًا، وقال: إنَّني مِن المُسلِمينَ.
ثمَّ يُرشِدُ اللهُ تعالى إلى ما يُؤدِّي إلى إشاعةِ المحَبَّةِ، فيقولُ: ولا تَستوي الخَصلةُ الحَسَنةُ مع الخَصلةِ السَّيِّئةِ في الجَزاءِ؛ فادفَعْ -يا مُحمَّدُ- السَّيِّئةَ بالخَصلةِ الَّتي هي أحسَنُ؛ فأحسِنْ إلى مَن أساء إليك، وادْعُه بالحِكمةِ والرِّفقِ، واصفَحْ عنه، واصبِرْ على أذاه؛ فإنَّك إنْ فعَلْتَ ذلك صار مَن هو عدوٌّ لك كأنَّه صَديقٌ شَديدُ المحبَّةِ لك.
وما يُعطَى هذه الخَصلةَ الشَّريفةَ إلَّا الَّذين صَبَروا، وما يُعطاها إلَّا ذو نَصيبٍ وافرٍ مِنَ الخَيرِ. ثمَّ يُرشِدُ اللهُ عبادَه إلى ما يَعصِمُهم مِن الشَّيطانِ، فيقولُ: وإنْ يُوَسْوِسْ لك الشَّيطانُ -يا مُحمَّدُ- لِيُفسِدَ بيْنَك وبيْنَ غَيرِك، فالتَجِئْ إلى اللهِ؛ لِيَعصِمَك منه؛ إنَّ اللهَ هو السَّميعُ العَليمُ بكُلِّ شَيءٍ.

تفسير الآيات:

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا أطنَبَ في الوَعيدِ؛ أردَفَه بهذا الوَعدِ الشَّريفِ، وهذا ترتيبٌ لَطيفٌ مَدارُ كُلِّ القُرآنِ عليه [433] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/560). .
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا.
أي: إنَّ الَّذين قالوا نُطقًا بألسِنَتِهم، واعتِقادًا بقُلوبِهم: ربُّنا اللهُ وَحْدَه، ثمَّ استَقاموا على تَوحيدِ اللهِ، وامتِثالِ أوامِرِه، واجتِنابِ نَواهيه، وداوَموا على طاعتِه بإخلاصٍ له، ومُوافَقةٍ لِشَرعِه بلا إفراطٍ ولا تَفريطٍ [434] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/422)، ((تفسير القرطبي)) (15/358)، ((تفسير ابن كثير)) (7/175)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/182)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/282 - 284)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 166، 167). قال ابنُ عاشور: (معنى قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ أنَّهم صَدَعوا بذلك، ولم يَخشَوا أحدًا بإعلانِهم التَّوحيدَ؛ فقَولُهم تصريحٌ بما في اعتِقادِهم؛ لأنَّ المرادَ أنَّهم قالوا ذلك عن اعتقادٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (24/282). .
كما قال تعالى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود: 112].
وعن سُفْيانَ بنِ عبدِ اللهِ الثَّقَفيِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، قُلْ لي في الإسلامِ قَولًا لا أسألُ عنه أحدًا بَعْدَك. قال: قُلْ: آمَنْتُ باللهِ، فاستَقِمْ)) [435] رواه مسلم (38). .
تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ.
أي: أولئك المُؤمِنونَ المُستَقيمونَ تَتنَزَّلُ [436] قال ابن عثيمين: (تَتَنَزَّلُ مدلولُها ... أنَّ تَنزُّلَهم يكونُ شيئًا فشيئًا... لا تَتنزَّلُ دَفْعةً واحدةً، والثَّاني أنَّ التَّنزُّلَ أو النُّزولَ مُتكرِّرٌ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 167). ويُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/183)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748). عليهم الملائِكةُ [437] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/425)، ((الروح)) لابن القيم (ص: 93)، ((تفسير ابن كثير)) (7/177)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748). قيل: تنَزُّلُ الملائكةِ على المؤمِنِ يكونُ عندَ الموتِ. وممَّن ذهب إلى هذا القَولِ: يحيى بنُ سلام، وابنُ جرير، والثعلبيُّ، وابنُ جُزَي، وجلال الدين المحلي. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/475)، ((تفسير ابن جرير)) (20/425)، ((تفسير الثعلبي)) (8/294)، ((تفسير ابن جزي)) (2/241)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 634). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، ومجاهدٌ، والسُّدِّيُّ، وزيدُ بنُ أسْلَمَ، وابنُه. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/426)، ((تفسير ابن الجوزي)) (4/51)، ((تفسير ابن كثير)) (7/177). وقيل: عندَ الموتِ وفي وقتِ البعثِ. وممَّن اختاره: الزَّجَّاجُ. يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/385). وقيل: عندَ الموتِ، وفي القبرِ، وعند البَعثِ. وممَّن قال بهذا القَولِ: ابنُ القيِّم. يُنظر: ((الروح)) لابن القيم (ص: 93). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: وكيعُ بنُ الجَرَّاحِ. يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (8/294). وقيل: تنَزُّلُ الملائكةِ على المؤمِنِ: في حياتِه؛ لتأييدِه بإلهامِ الطَّاعاتِ، ومُحاربةِ الشَّياطينِ ونَحوِ ذلك، وبذلك تتِمُّ مُقابَلةُ تنَزُّلِهم على المؤمِنينَ بذِكرِ تَقييضِ القُرَناءِ للكافِرينَ، المتقَدِّمِ ذِكرُها في الآياتِ السَّابِقةِ. وممَّن اختاره: أبو السعود، واستحسَنَه ابن عاشور. يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/13)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/286). وقيل: المرادُ: العُمومُ؛ فالملائِكةُ تتنَزَّلُ في الحياةِ، وعندَ الموتِ، وفي كُلِّ حالٍ تَقتضي نزولَهم على المؤمِنِ المستقيمِ. وممَّن ذهب إلى هذا العُمومِ في الجُملةِ: البِقاعي، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/183)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 167، 168). .
عن البَراءِ بنِ عازبٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ العبدَ المؤمِنَ إذا كان في انقِطاعٍ مِنَ الدُّنيا، وإقبالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نزَلَ إليه مَلائكةٌ مِنَ السَّماءِ، بِيضُ الوُجوهِ، كأنَّ وُجوهَهم الشَّمسُ، معهم كَفَنٌ مِن أكفانِ الجَنَّةِ، وحَنُوطٌ [438] الحَنوطُ: ما يُخلَطُ مِن الطِّيبِ لأكفانِ الموتَى وأجسادِهم. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (3/1176). مِن حَنُوطِ الجَنَّةِ، حتَّى يَجلِسوا مِنه مَدَّ البَصَرِ [439] مَدَّ البَصَرِ: أي: مَداه، وهي الغايةُ الَّتي يَنتهي إليها البَصَرُ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (1/213). ، ثمَّ يَجيءُ مَلَكُ المَوتِ عليه السَّلامُ حتَّى يَجلِسَ عندَ رَأسِه، فيَقولُ: أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبةُ، اخرُجي إلى مَغفِرةٍ مِنَ اللهِ ورِضوانٍ، فتَخرُجُ تَسيلُ كما تَسيلُ القَطرةُ مِن فِي السِّقاءِ، فيَأخُذُها، فإذا أخَذَها لم يَدَعُوها في يَدِه طَرْفةَ عَينٍ حتَّى يَأخُذوها فيَجعَلوها في ذَلِك الكَفَنِ وفي ذَلِك الحَنُوطِ، ويَخرُجُ مِنها كأَطْيَبِ نَفْحةِ [440] النَّفحةُ: المرَّةُ مِن نَفحِ الطِّيبِ، أي: رائحَتِه. يُنظر: ((مرعاة المفاتيح)) للمباركفوري (5/325). مِسْكٍ وُجِدَت على وَجهِ الأرضِ، فيَصعَدونَ بها، فلا يَمُرُّونَ بها على مَلَأٍ مِنَ الملائكةِ إلَّا قالوا: ما هذا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟! فيَقولونَ: فُلانُ بنُ فُلانٍ؛ بأحسَنِ أسمائِه الَّتي كانوا يُسَمُّونَه بها في الدُّنيا، حتَّى يَنتَهوا بها إلى السَّماء الدُّنيا، فيَستَفتِحون له، فيُفتَحُ لهم، فيُشَيِّعُه مِن كُلِّ سَماءٍ مُقَرَّبوها إلى السَّماءِ الَّتي تَلِيها، حتَّى يُنتَهى به إلى السَّماءِ السَّابعةِ، فيَقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: اكتُبوا كِتابَ عَبدي في عِلِّيِّينَ، وأعيدُوه إلى الأرضِ؛ فإنِّي منها خلَقْتُهم، وفيها أُعيدُهم، ومنها أُخرِجُهم تارةً أُخرى...)) [441] أخرجه ابنُ أبي شيبة في ((المصنف)) (12059)، وأحمد (18534)، والحاكم في ((المستدرك)) (107) بألفاظٍ مُتقاربةٍ. صحَّحَ إسنادَه الطَّبريُّ في ((مسند ابن عمر)) (2/494)، والبيهقيُّ في ((شُعَب الإيمان)) (1/ 300)، وصحَّحَ الحديثَ ابنُ القيِّم في ((الروح)) (ص: 46)، والألبانيُّ في ((صحيح الترغيب)) (3558)، وحسَّنه المنذريُّ في ((الترغيب والترهيب)) (280/4). .
وعن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن أحَبَّ لِقاءَ اللهِ أحَبَّ اللهُ لِقاءَه، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقاءَه. قُلْنا: يا رَسولَ اللهِ، كُلُّنا نَكرَهُ الموتَ. قال: ليس ذاك كراهيةَ المَوتِ، ولكِنَّ المؤمِنَ إذا حُضِرَ [442] حُضِر: أي: دَنا موتُه. يُنظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (1/400). جاءَه البشيرُ مِنَ اللهِ بما هو صائِرٌ إليه، فليس شَيءٌ أحَبَّ إليه مِن أن يكونَ قد لَقِيَ اللهَ، فأحَبَّ اللهُ لِقاءَه؛ وإنَّ الفاجِرَ أو الكافِرَ إذا حُضِرَ جاءَه بما هو صائِرٌ إليه مِنَ الشَّرِّ، أو ما يَلقاه مِنَ الشَّرِّ، فكَرِهَ لِقاءَ اللهِ، وكَرِهَ اللهُ لِقاءَه)) [443] أخرجه أحمد (12047) واللَّفظُ له، والبزار (6604)، وأبو يعلى (3877). صحَّحه ابن كثير في ((تفسير القرآن)) (7/167)، والألبانيُّ في ((صحيح الترغيب)) (3485)، وقال المُنْذِريُّ في ((الترغيب والترهيب)) (4/254): (رواه أحمد، ورواتُه رواةُ الصَّحيحِ). وقال البوصيريُّ في ((إتحاف الخيرة المهرة)) (2/429): (رواه أبو يعلى بسندٍ صحيحٍ). وصحَّح إسنادَه على شرطِ الشَّيخَينِ شعيبٌ الأرناؤوطُ في تخريج ((مسند أحمد)) (19/104). والحديثُ أصلُه في الصَّحيحَينِ عن أنسٍ عن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عنهما. .
أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا.
أي: تَتنَزَّلُ عليهم الملائِكةُ بأنْ لا تخافُوا ممَّا يُستَقبَلُ، ولا تَحزَنوا على ما مَضى [444] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/426)، ((تفسير ابن عطية)) (5/15)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/183)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/285)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 168). قيل: المرادُ: لا تخافوا مِنَ الموتِ، ولا تَحزنوا على ما خلَّفتُم وراءَكم في الدُّنيا مِن أهلٍ أو ولدٍ. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى في الجملةِ: الواحديُّ، والقرطبيُّ. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (4/34)، ((تفسير القرطبي)) (15/359). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن جرير)) (20/426)، ((تفسير ابن كثير)) (7/177). وممَّن ذهب إلى العُمومِ بنَفيِ الخَوفِ مِن المُستقبَلِ، والحُزنِ على الماضي: ابنُ عطية، والبِقاعي، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (5/15)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/183)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 168). .
وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.
أي: وأبشِروا بالجَنَّةِ الَّتي كُنتُم تُوعَدونَ بدُخولِها في كُتُبِ اللهِ وعلى ألسِنةِ رُسُلِه؛ جَزاءَ إيمانِكم باللهِ، واستِقامتِكم على دِينِه [445] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/427)، ((تفسير السمعاني)) (5/50)، ((تفسير ابن كثير)) (7/177). قال ابن القيِّم: (وأوَّلُ بِشارةِ الآخِرةِ: عندَ الموتِ). ((الروح)) (ص: 93). وقال ابنُ كثيرٍ: (قال زيدُ بنُ أسْلَمَ: «يُبشِّرونَه عندَ مَوتِه، وفي قَبرِه، وحينَ يُبعَثُ». رواه ابنُ أبي حاتمٍ. وهذا القَولُ يَجمَعُ الأقوالَ كُلَّها، وهو حَسَنٌ جِدًّا، وهو الواقِعُ). ((تفسير ابن كثير)) (7/177). .
كما قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأحقاف: 13، 14].
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى أخبَرَ في هذه الآيةِ الكريمةِ عن الملائِكةِ أنَّهم قالوا للمُؤمِنينَ: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ [فصلت: 31]، وهذا في مُقابَلةِ ما ذكَرَه في وَعيدِ الكُفَّارِ؛ حيث قال: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ [446] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/561). [فصلت:25].
وأيضًا لَمَّا أثبَتوا للمُؤمِنينَ الخَيرَ، ونَفَوا عنهم الضَّيرَ؛ عَلَّلوه بقَولِهم [447] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/184). :
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ.
أي: نحن نَتَوَلَّاكم في الحياةِ الدُّنيا، ونتَولَّاكم في الآخِرةِ أيضًا [448] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/428)، ((تفسير ابن كثير)) (7/177)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/184)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/285، 286)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 170). ممَّن ذهب إلى أنَّ ذلك يُقالُ للمُؤمِنينَ عندَ الموتِ، والمعنى: كنَّا أولياءَكم في الدُّنيا، وكذلك نكونُ معكم في الآخِرةِ: ابنُ جرير، وابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/428)، ((تفسير ابن كثير)) (7/177). قال ابنُ كثير: (أي: تقولُ الملائِكةُ للمُؤمِنينَ عندَ الاحتِضارِ: نحن كُنَّا أولياءَكم، أي: قُرَناءَكم في الحياةِ الدُّنيا؛ نُسَدِّدُكم ونُوَفِّقُكم، ونَحفَظُكم بأمرِ الله، وكذلك نكونُ معكم في الآخِرةِ؛ نُؤنِسُ منكم الوَحشةَ في القُبورِ، وعندَ النَّفخةِ في الصُّور، ونُؤَمِّنُكم يومَ البَعثِ والنُّشورِ، ونُجاوِزُ بكم الصِّراطَ المستقيمَ، ونُوصِلُكم إلى جنَّاتِ النَّعيمِ). ((تفسير ابن كثير)) (7/177). وقال السعدي: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ يَحُثُّونَهم في الدُّنيا على الخَيرِ ويُزَيِّنونَه لهم، ويُرَهِّبونَهم عن الشَّرِّ ويُقَبِّحونَه في قُلوبِهم، ويَدْعُونَ اللهَ لهم، ويُثَبِّتونَهم عندَ المصائِبِ والمَخاوِفِ، وخُصوصًا عندَ الموتِ وشِدَّتِه، والقَبرِ وظُلمتِه، وفي القيامةِ وأهوالِها، وعلى الصِّراطِ، وفي الجنَّةِ يُهنِّئونَهم بكرامةِ رَبِّهم، ويَدخُلونَ عليهم مِن كُلِّ بابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: 24]). ((تفسير السعدي)) (ص: 748، 749). .
كما قال اللهُ سُبحانَه وتعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا [الأنفال: 12].
وقال الله سُبحانَه: وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد: 23، 24].
وقال عزَّ وجلَّ: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: 32].
وقال تبارك وتعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: 73].
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((يَتعاقَبونَ فيكم مَلائِكةٌ باللَّيلِ، وملائِكةٌ بالنَّهارِ، ويَجتَمِعونَ في صَلاةِ الفَجرِ وصَلاةِ العَصرِ، ثمَّ يَعرُجُ الَّذين باتُوا فيكم، فيَسألُهم رَبُّهم وهو أعلَمُ بهم: كيف ترَكتُم عِبادي؟ فيَقولونَ: ترَكْناهم وهم يُصَلُّونَ، وأتَيْناهم وهم يُصَلُّونَ)) [449] رواه البخاري (555)، ومسلم (632) واللفظُ له. .
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ.
أي: ولكم في الحياةِ الآخِرةِ ما تَشتَهيه أنفُسُكم [450] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/428)، ((تفسير القرطبي)) (15/359)، ((تفسير ابن كثير)) (7/177)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/184، 185)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 170). .
كما قال تعالى: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [الزخرف: 71].
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((قال اللهُ: أعدَدْتُ لعِبادِيَ الصَّالِحينَ ما لا عَينٌ رأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَر على قَلبِ بَشَرٍ)) [451] رواه البخاري (7498) واللفظ له، ومسلم (2824). .
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ.
أي: ولكم فيها ما تَطلُبونَه وتتَمَنَّونَه [452] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (4/132)، ((تفسير القرطبي)) (15/359)، ((تفسير ابن كثير)) (7/177)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/185)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/286). قال ابنُ عثيمين: (كُلُّ ما اشتهاه الإنسانُ وإن لم يَطلُبْه فإنَّه يَحصُلُ بيْنَ يديه، وكذلك أيضًا كُلُّ ما طَلَبَه فإنَّه يَحضُرُ بيْن يديه). ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 170). وقال الماوَرْدي: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ فيه وجْهانِ؛ أحدُهما: ما تَمنَّوْنَ، قاله مُقاتِلٌ. الثَّاني: ما تَدَّعي أنَّه لك فهو لك بحُكمِ ربِّك، قاله ابنُ عيسى). ((تفسير الماوردي)) (5/180). ويُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/742). .
عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه: ((أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَومًا يُحَدِّثُ وعِندَه رجُلٌ مِن أهلِ الباديةِ: أنَّ رَجُلًا مِن أهلِ الجنَّةِ استأذَنَ رَبَّه في الزَّرعِ، فقال له: ألَسْتَ فيما شِئتَ؟! قال: بلى، ولكِنِّي أُحِبُّ أن أزرَعَ! قال: فبَذَرَ فبادَرَ الطَّرْفَ [453] فبادَرَ الطَّرْفَ نباتُه: أي: فسابَقَه نباتُه وحَصَل في الحالِ. والطَّرْفُ: هو امتِدادُ لَحْظِ الإنسانِ حيث أدرَكَ. وقيل: طَرْفُ العَينِ: حَرَكتُها، أي: تحَرُّكُ أجفانِها. يُنظر: ((التوضيح لشرح الجامع الصحيح)) لابن الملقن (15/297)، ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (9/3600). نباتُه واستِواؤُه واستِحصادُه، فكان أمثالَ الجِبالِ! فيَقولُ اللهُ: دُونَك [454] دُونَك يا ابنَ آدَمَ: أي: خُذْ ما تمنَّيتَه. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (9/3600). يا ابنَ آدَمَ؛ فإنَّه لا يُشبِعُك شَيءٌ! فقال الأعرابيُّ: واللهِ لا تَجِدُه إلَّا قُرَشيًّا أو أنصاريًّا؛ فإنَّهم أصحابُ زَرعٍ! وأمَّا نحن فلَسْنا بأصحابِ زَرعٍ. فضَحِكَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)) [455] رواه البخاري (2348). .
نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32).
أي: هذا الثَّوابُ العَظيمُ في الآخِرةِ تُعطَونَه ضِيافةً وإكرامًا مِنَ اللهِ الغَفورِ السَّاتِرِ لذُنوبِكم، المُتجاوِزِ عن عُقوبتِكم؛ الرَّحيمِ بكم، الَّذي مِن رَحمتِه أن وفَّقَكم لطاعتِه، وقَبِل حَسَناتِكم [456] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/428)، ((تفسير ابن كثير)) (7/177)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/185)، ((تفسير السعدي)) (ص: 748)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 171، 173). .
كما قال تعالى: أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 19].
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ هذه السُّورةِ إنَّما ابتُدِئَ حيثُ قال المُشِركونَ للرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم: قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [فصلت: 5]، ومُرادُهم: ألَّا نَقبَلَ قَولَك، ولا نَلتَفِتَ إلى دليلِك، ثمَّ ذَكَروا طريقةً أُخرى في السَّفاهةِ، فقالوا: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فصلت: 26]؛ وأنَّه سُبحانَه ذكَرَ الأجوِبةَ الشَّافيةَ والبَياناتِ الكافيةَ في دَفعِ هذه الشُّبُهاتِ، وإزالةِ هذه الضَّلالاتِ، ثمَّ إنَّه سُبحانَه وتعالى بيَّنَ أنَّ القَومَ وإنْ أَتَوا بهذه الكَلِماتِ الفاسِدةِ إلَّا أنَّه يَجِبُ عليك أن تُتابِعَ المُواظَبةَ على التَّبليغِ والدَّعوةِ؛ فإنَّ الدَّعوةَ إلى الدِّينِ الحَقِّ أكمَلُ الطَّاعاتِ، ورأسُ العِباداتِ، وعبَّرَ عن هذا المعنى فقال: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [457] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/562). .
وأيضًا لَمَّا تقَدَّمَ قَولُه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا؛ ذكَرَ مَن دعا إلى ذلك [458] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/305). ؛ فإنَّ مراتِبَ السَّعاداتِ اثنتانِ: التَّامُّ، وفوقَ التَّامِّ؛ أمَّا التَّامُّ: فهو أن يَكتَسِبَ مِن الصِّفاتِ الفاضِلةِ ما لأجْلِها يَصيرُ كامِلًا في ذاتِه، فإذا فَرَغ مِن هذه الدَّرَجةِ اشتغَلَ بَعدَها بتَكميلِ النَّاقِصينَ، وهو فوقَ التَّامِّ؛ فقَولُه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30] إشارةٌ إلى المرتبةِ الأُولى، وهي اكتِسابُ الأحوالِ الَّتي تُفيدُ كَمالَ النَّفْسِ في جَوهرِها، فإذا حَصَل الفَراغُ مِن هذه المَرتبةِ وَجَب الانتِقالُ إلى المرتبةِ الثَّانيةِ، وهي الاشتِغالُ بتَكميلِ النَّاقِصينَ، وذلك إنَّما يكونُ بدَعوةِ الخَلقِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو المرادُ مِن قَولِه تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [459] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/562). .
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا.
أي: ولا أحَدَ أحسَنُ قَولًا مِمَّن دعا النَّاسَ إلى توحيدِ اللهِ وطاعتِه، وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا بإخلاصٍ لله، ومُتابَعةٍ لِشَرعِه [460] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/429)، ((تفسير ابن عطية)) (5/15، 16)، ((تفسير القرطبي)) (15/360)، ((تفسير ابن كثير)) (7/179)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/186)، ((تفسير الشوكاني)) (4/591)، ((تفسير السعدي)) (ص: 749)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 177، 178). قال ابنُ كثير: (هذه عامَّةٌ في كُلِّ مَن دعا إلى خيرٍ وهو في نَفْسِه مُهتَدٍ، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أَولى النَّاسِ بذلك... والصَّحيحُ أنَّ الآيةَ عامَّةٌ في المؤَذِّنينَ وفي غَيرِهم؛ فأمَّا حالَ نُزولِ هذه الآيةِ فإنَّه لم يكُنِ الأذانُ مَشروعًا بالكُلِّيَّةِ؛ لأنَّها مكِّيَّةٌ، والأذانُ إنَّما شُرِعَ بالمدينةِ بعدَ الهِجرةِ). ((تفسير ابن كثير)) (7/179، 180). وممَّن ذهب إلى العُمومِ: ابنُ عطية، والقرطبي، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (5/15، 16)، ((تفسير القرطبي)) (15/360)، ((تفسير الشوكاني)) (4/591). .
كما قال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: 104].
 وقال سُبحانَه: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف: 108].
وعن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لعَليِّ ابنِ أبي طالبٍ رَضِيَ الله عنه يومَ خَيْبَرَ: ((ادْعُهم إلى الإسلامِ، وأخبِرْهم بما يجِبُ عليهم مِن حَقِّ اللهِ فيه؛ فواللهِ لَأَنْ يَهديَ اللهُ بك رجُلًا واحِدًا خَيرٌ لك مِن أنْ يكونَ لك حُمْرُ النَّعَمِ [461] حُمْرُ النَّعَمِ: هي الإبِلُ الحُمْرُ، وهي أنفَسُ أموالِ العَرَبِ، يَضرِبونَ بها المَثَلَ في نَفاسةِ الشَّيءِ، وأنَّه ليس هناك أعظَمُ منه. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (15/178). ) [462] رواه البخاري (3701)، ومسلم (2406). .
وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
أي: وقال: إنَّني مِنَ المُستَسلِمينَ للهِ، المُقِرِّينَ بوَحدانيَّتِه، الخاضِعينَ له، المُنقادينَ إليه بطاعتِه [463] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/431)، ((تفسير السمعاني)) (5/52)، ((تفسير السعدي)) (ص: 749)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/288). .
وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى أنَّه لا أحَدَ أحسَنُ مِمَّن دعا إلى اللهِ؛ ذكَرَ ما يَترتَّبُ على ذلك مِن حُسنِ الأخلاقِ، وأنَّ الدَّاعيَ إلى اللهِ قد يُجافيه المَدعُوُّ؛ فيَنبغي أن يَرفُقَ به، ويَتلطَّفَ في إيصالِ الخَيرِ إليه [464] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/306). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى أنَّ الدَّعوةَ إليه مِن أعظَمِ الدَّرَجاتِ، كأنَّ سائِلًا سألَ فقال: إنَّ الدَّعوةَ إلى اللهِ وإنْ كانت طاعةً عَظيمةً إلَّا أنَّ الصَّبرَ على سفاهةِ هؤلاء الكُفَّارِ شَديدٌ لا طاقةَ لنا به؛ فعِندَ هذا ذكَرَ اللهُ تعالى ما يَصلُحُ لِأنْ يكونَ دافِعًا لهذا الإشكالِ [465] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/564). .
وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ.
أي: ولا تَستوي الخَصلةُ الحَسَنةُ معَ الخَصلةِ السَّيِّئةِ في الجزاءِ وحُسنِ العاقِبةِ [466] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/431)، ((تفسير البيضاوي)) (5/71)، ((تفسير أبي حيان)) (9/306)، ((تفسير ابن كثير)) (7/181)، ((تفسير السعدي)) (ص: 749)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/290)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 186). قال السمعاني: (وأمَّا الحسَنةُ والسَّيِّئةُ ففيهما أقوالٌ؛ أحدُها: أنَّهما التَّوحيدُ والشِّركُ. والآخَرُ: أنَّهما العفوُ والانتِصارُ. والثَّالثُ: أنَّهما المُداراةُ والغلظةُ. والرَّابعُ: أنَّهما الصَّبرُ والجزَعُ. والخامسُ: أنَّهما الحِلمُ عندَ الغضَبِ والسَّفَهُ). ((تفسير السمعاني)) (5/52). وقال الرازي: (المرادُ بالحسَنةِ دَعوةُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى الدِّينِ الحقِّ، والصَّبرُ على جهالةِ الكفَّارِ، وتركُ الانتقامِ، وتركُ الالتِفاتِ إليهم، والمرادُ بالسَّيِّئةِ ما أظهروه مِن الجَلافةِ في قَولِهم: قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [فصلت: 5]، وما ذكروه في قَولِهم: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فصلت: 26]، فكأنَّه قال: يا محمَّدُ فِعلُك حسَنةٌ وفِعلُهم سَيِّئةٌ، ولا تَستوي الحسنةُ ولا السَّيِّئةُ، بمعنى أنَّك إذا أتَيْتَ بهذه الحسَنةِ تكونُ مُستَوجِبًا للتَّعظيمِ في الدُّنيا والثَّوابِ في الآخرةِ، وهم بالضِّدِّ مِن ذلك، فلا يَنبغي أن يكونَ إقدامُهم على تلك السَّيِّئةِ مانعًا لك مِن الاشتغالِ بهذه الحسَنةِ). ((تفسير الرازي)) (27/564). وقال ابن عاشور: (الحسَنةُ تَعُمُّ جميعَ أفرادِ جنسِها، وأُولاها تَبادُرًا إلى الأذهانِ حسَنةُ الدَّعوةِ إلى الإسلامِ). ((تفسير ابن عاشور)) (24/290). و(لا) الثانية هنا صلةٌ (زائدة) لتقويةِ الكلامِ وتوكيدِه، والمعنى: ولا تستوي الحسنةُ والسَّيِّئة. يُنظر: ((معانى القرآن)) للأخفش (2/508)، ((تفسير ابن جرير)) (20/431)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/386)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/111). وقال جلالُ الدِّينِ المحليُّ: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ في جزئيَّاتِهما؛ لأنَّ بعضَهما فوقَ بعضٍ). ((تفسير الجلالين)) (ص: 634) قال ابنُ عثيمينَ: (وعلى هذا التَّفسيرِ تكونُ «لا» غيرَ زائدةٍ، تكونُ أصليَّةً، ويكونُ المرادُ بالآيةِ انتفاءَ تساوي الحسناتِ، وانتفاءَ تساوي السَّيِّئاتِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 185). .
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
أي: فادفَعْ -يا مُحمَّدُ- سَيِّئةَ النَّاسِ بالخَصلةِ الَّتي هي أحسَنُ الخِصالِ؛ فأحسِنْ إلى مَن أساء إليك، وادعُهم بالحِكمةِ والرِّفقِ، واللِّينِ وحُسنِ الخِطابِ، واحلُمْ عليهم، واصفَحْ عنهم، واصبِرْ على أذاهم [467] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/432)، ((تفسير الرازي)) (27/564، 565)، ((تفسير أبي حيان)) (9/306)، ((تفسير ابن كثير)) (7/181)، ((تفسير السعدي)) (ص: 749)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/292)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/352). قال الرازي: (يعني: ادفَعْ سفاهتَهم وجهالتَهم بالطَّريقِ الَّذي هو أحسَنُ الطُّرقِ؛ فإنَّك إذا صبَرْتَ على سوءِ أخلاقِهم مرَّةً بعدَ أخرى، ولم تُقابِلْ سفاهتَهم بالغضبِ، ولا إضرارَهم بالإيذاءِ والإيحاشِ؛ استَحيَوا مِن تلك الأخلاقِ المذمومةِ، وترَكوا تلك الأفعالَ القبيحةَ). ((تفسير الرازي)) (27/565). .
كما قال تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون: 96 - 98].
وقال عزَّ وجلَّ: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: 125 - 128].
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ الله عنهما، في وَصفِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في التَّوراةِ قال: ((لا يَدفَعُ بالسَّيِّئةِ السَّيِّئةَ، ولكِنْ يَعفو ويَغفِرُ)) [468] رواه البخاري (2125). .
وعن عائِشةَ رَضِيَ الله عنها، قالت: ((لم يكُنْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاحِشًا ولا مُتفَحِّشًا، ولا صَخَّابًا [469] صَخَّابًا: أي: صَيَّاحًا، والصَّخَبُ: الضَّجَّةُ، واضطرابُ الأصواتِ للخِصامِ. يُنظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (3/14)، ((تحفة الأحوذي)) للمباركفوري (6/133). في الأسواقِ، ولا يَجْزي بالسَّيِّئةِ مِثلَها، ولكِنْ يعفو ويَصفَحُ)) [470] أخرجه الترمذي (2016)، وأحمد (25417) واللفظُ له. قال الترمذي: (حسَنٌ صحيحٌ). وصَحَّحه ابنُ حِبَّانَ في ((الصحيح)) (6443)، والألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (2016)، وصحَّح إسنادَه شعيبٌ الأرناؤوطُ في تخريج ((مسند أحمد)) (42/256). .
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
مناسبتُها لما قبلَها:
لَمَّا كانتِ الآثارُ الصَّالحةُ تدُلُّ على صَلاحِ مَثارِها، وأمَرَ اللهُ رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالدَّفْعِ بالَّتي هي أحسَنُ؛ أرْدَفَه بذِكْرِ بَعضِ مَحاسنِه [471] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/292). ، فقال:
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
أي: فإنَّك إنْ فعَلْتَ ذلك صار مَن هو عدُوٌّ لك كأنَّه صَديقٌ شَديدُ الوَلاءِ لك، يُحِبُّك ويُشفِقُ عليك، ويُحسِنُ إليك ويُناصِرُك [472] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/433)، ((تفسير القرطبي)) (15/362)، ((تفسير ابن كثير)) (7/181)، ((تفسير القاسمي)) (8/340)، ((تفسير السعدي)) (ص: 749)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/293، 294)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 188، 189). وقيل: الوَليُّ: هو الصَّديقُ، والحَميمُ: هو القَريبُ. وممَّن قال بهذا: الماوَرْدي، والسمعاني، والبغوي، والخازن، والعُلَيمي. يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (5/182)، ((تفسير السمعاني)) (5/52)، ((تفسير البغوي)) (4/134)، ((تفسير الخازن)) (4/89)، ((تفسير العليمي)) (6/157). قال الشنقيطي: (وَلِيٌّ حَمِيمٌ أي: صديقٌ في غايةِ الصَّداقةِ). ((العذب النمير)) (2/151(. وقيل: معنى وَلِيٌّ حَمِيمٌ: قريبٌ صديقٌ. وممَّن اختاره: الثعلبي، والقرطبي. يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (8/297)، ((تفسير القرطبي)) (15/362). وقال ابن جرير: (يَصيرُ المُسيءُ إليك الَّذي بيْنَك وبيْنَه عداوةٌ، كأنَّه مِن مُلاطَفتِه إيَّاكَ وبِرِّه لك، وَلِيٌّ لك مِن بني أعمامِك، قريبُ النَّسبِ بك. والحميمُ: هو القريبُ). ((تفسير ابن جرير)) (20/433). وقال مقاتلٌ: (كأنَّه وَلِيٌّ لك في الدِّينِ، حَمِيمٌ لك في النَّسَبِ، الشَّفيقُ عليك). ((تفسير مقاتل ابن سليمان)) (3/743). .
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا أرشَدَ اللهُ تعالى إلى هذا الطَّريقِ النَّافِعِ في الدِّينِ والدُّنيا والآخِرةِ؛ عظَّمَه فقال [473] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/565). :
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا.
أي: وما يُعطَى هذه الخَصلةَ الشَّريفةَ -وهي مُقابَلةُ الإساءةِ بالإحسانِ- ويُوفَّقُ للعَمَلِ بها إلَّا الَّذين صَبَروا على ذلك [474] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/434)، ((تفسير الزمخشري)) (4/200)، ((تفسير القرطبي)) (15/363)، ((تفسير ابن كثير)) (7/181)، ((تفسير السعدي)) (ص: 749)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/294)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 189، 190). .
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ.
أي: وما يُعطاها إلَّا ذو نَصيبٍ وافرٍ مِنَ الخَيرِ [475] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/434)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/386)، ((تفسير القرطبي)) (15/363)، ((قاعدة في الصبر)) لابن تيمية (ص: 94)، ((تفسير ابن كثير)) (7/181)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/189)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 190). قيل: المرادُ بالحَظِّ العظيمِ: الجَنَّةُ. وممَّن قال به: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والزَّجَّاجُ، وابنُ تيميَّةَ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/743)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/386)، ((قاعدة في الصبر)) لابن تيمية (ص: 94). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، وقَتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/434). وقيل: ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ أي: في الخَيرِ والثَّوابِ. وممَّن اختاره: البغوي، والعُلَيمي، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير البغوي)) (4/134)، ((تفسير العليمي)) (6/158)، ((تفسير الشوكاني)) (4/ 592). وقيل: ذو حظٍّ عظيمٍ مِن الفضائلِ النَّفْسانيَّةِ وكمالِ النَّفْسِ. وممَّن اختاره: الرازي، وأبو السعود، والشربيني. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/565)، ((تفسير أبي السعود)) (8/14)، ((تفسير الشربيني)) (3/518). وقال ابن عاشور: (أي: ما يحصُلُ دفْعُ السَّيِّئةِ بالحسنةِ إلَّا لصاحِبِ نصيبٍ عظيمٍ مِن الفضائلِ، أي: مِن الخُلُقِ الحسَنِ والاهتداءِ والتَّقوَى). ((تفسير ابن عاشور)) (24/295). وقال ابن عثيمين: (أي: وما يُلقَّاها إلا ذو نصيبٍ عظيمٍ، ليس مِن الثَّوابِ فحَسْبُ، بل مِن الثَّوابِ والأخلاقِ والرَّزانةِ وغيرِ ذلك). ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 190). ويُنظر: ((تفسير القاسمي)) (8/341). وقال الماوَرْدي: (ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ فيه ثلاثةُ أوجُهٍ؛ أحدُها: ذو جَدٍّ عظيمٍ، قاله السُّدِّيُّ. الثَّاني: ذو نصيبٍ وافرٍ مِن الخَيرِ، قاله ابنُ عبَّاسٍ. الثَّالثُ: أنَّ الحظَّ العظيمَ: الجنَّةُ. قال الحسَنُ: واللهِ ما عَظُمَ حظٌّ قَطُّ دونَ الجنَّةِ). ((تفسير الماوردي)) (5/182). .
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا أمَرَ اللهُ تعالى بدَفعِ السَّيِّئةِ بالأحسَنِ، كان قد يَعرِضُ للمُسلِمِ في بَعضِ الأوقاتِ مُقابَلةُ مَن أساء بالسَّيِّئةِ، فأمَرَه إنْ عَرَض له ذلك أن يَستعيذَ بالله؛ فإنَّ ذلك مِن نَزْغِ الشَّيطانِ [476] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/307). .
وأيضًا لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى ما يُقابَلُ به العَدُوُّ مِن الإنسِ، وهو مُقابَلةُ إساءتِه بالإحسانِ، ذكَرَ ما يُدفَعُ به العَدُوُّ الجِنِّيُّ، وهو الاستِعاذةُ باللهِ، والاحتِماءُ مِن شَرِّه [477] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 750). .
وأيضًا لَمَّا ذَكَر هذا الطَّريقَ الكامِلَ في دَفعِ الغَضَبِ والانتِقامِ، وفي تَركِ الخُصومةِ، ذَكَر عَقِيبَه طريقًا آخَرَ عَظيمَ النَّفعِ أيضًا في هذا البابِ، فقال [478] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/565). :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ.
أي: وإنْ وَجَدْتَ مِنَ الشَّيطانِ وَسوَسةً في نَفْسِك -يا مُحمَّدُ-؛ لِيُفسِدَ بيْنَك وبيْنَ غَيرِك، فيُغريَك بعَداوتِه، والإساءةِ إليه والانتِقامِ منه؛ فالتَجِئْ إلى الله، واطلُبْ منه أن يَعصِمَك منه، ويَحفَظَك مِن كَيدِه وشَرِّه [479] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/435)، ((تفسير القرطبي)) (15/363)، ((تفسير ابن كثير)) (7/181)، ((تفسير السعدي)) (ص: 750)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/296 - 298). .
كما قال تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف: 199، 200].
وقال سُبحانَه: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا [الإسراء: 53].
وقال تعالى حكايةً عن يُوسُفَ عليه السَّلامُ: ... وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف: 100].
وعن سُلَيمانَ بنِ صُرَدٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((كنتُ جالِسًا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورجُلانِ يَسْتَبَّانِ، فأحدُهما احمَرَّ وَجْهُه، وانتَفَخَت أوداجُه [480] الأَودَاجُ: جَمعُ وَدَجٍ: وهو ما أحاطَ بالعُنُقِ مِن العُروقِ. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (1/204). ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنِّي لَأعلَمُ كَلِمةً لو قالها ذَهَب عنه ما يَجِدُ؛ لو قال: أعوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ، ذَهَب عنه ما يَجِدُ)) [481] رواه البخاري (3282)، ومسلم (2610)، واللفظُ للبخاري. .
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
أي: إنَّ اللهَ الَّذي تَستعيذُ به مِن نَزْغِ الشَّيطانِ: هو السَّميعُ لكُلِّ قَولٍ، ومِن ذلك استِعاذتُك به؛ العَليمُ بكُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بما يُلقِيه الشَّيطانُ في نَفْسِك، فلا يَخفَى عليه كَيدُ عَدُوِّك، وهو يَتولَّى أمْرَه وجَزاءَه [482] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/435)، ((تفسير القرطبي)) (15/363)، ((تفسير السعدي)) (ص: 750)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/298). .

الفوائد التربوية:

1- قَولُ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا جَمَع أصلَيِ الكَمالِ الإسلاميِّ؛ فقَولُه: قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ مُشيرٌ إلى الكَمالِ النَّفْسانيِّ، وهو مَعرِفةُ الحَقِّ لِلاهتِداءِ به، ومَعرِفةُ الخَيرِ لأجْلِ العَمَلِ به؛ فالكَمالُ عِلْمٌ يَقينيٌّ وعَمَلٌ صالِحٌ، فمَعرِفةُ اللهِ بالإلهيَّةِ هي أساسُ العِلْمِ اليَقينيِّ. وأشار قَولُه: اسْتَقَامُوا إلى أساسِ الأعمالِ الصَّالحةِ، وهو الاستِقامةُ على الحَقِّ، أي: أن يكونَ وَسَطًا غيرَ مائِلٍ إلى طَرَفَيِ الإفراطِ والتَّفريطِ؛ قال تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: 6]، وقال: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [483] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/283). [البقرة: 143].
2- قال الله عزَّ وجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، في قَولِه تعالى: ثُمَّ اسْتَقَامُوا دَليلٌ على أهمِّيَّةِ الاستِقامةِ على دينِ اللهِ؛ بأنْ يكونَ الإنسانُ ثابِتًا لا يَزيدُ ولا يَنْقُصُ، ولا يُبَدِّلُ ولا يُغَيِّرُ، فأمَّا مَن غلا في دينِ اللهِ أو جَفا عنه أو بَدَّلَ، فإنَّه لا يكونُ مُستَقيمًا على شَريعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، والاستقامةُ لا بُدَّ لها مِن الاعتدالِ في كلِّ شيءٍ حتَّى يكونَ الإنسانُ مُستقيمًا على شريعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ [484] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (1/570). .
3- في قَولِ الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ الإشارةُ إلى الإخلاصِ في الدَّعوةِ، نأخُذُها مِن قَولِه: إِلَى اللَّهِ؛ لأنَّ الدَّاعيَ رُبَّما يَدعو النَّاسَ ويَعِظُهم يُريدُ بذلك المكانةَ المرموقةَ بيْنَهم، فهذا في حقيقةِ الأمرِ دعا إلى نفْسِه، فلا بُدَّ للداعي مِن الإخلاصِ [485] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 184). .
4- قولُه تعالى: إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ فيه أنَّه ينبغي للمُسلمِ أنْ يكونَ عزيزًا بدينِه؛ وأنْ يُعْلِنَ به؛ وأنْ يقولَ: إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ وألَّا يَستحيَ إذا قيلَ: إنَّه مسلمٌ [486] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 184). .
5- قال الله عزَّ وجلَّ: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، وقال: أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [القصص: 54]، واسمَعِ الآنَ ما الَّذي يُسَهِّلُ هذا على النَّفْسِ، ويُطَيِّبُه إليها، ويُنَعِّمُها به: اعلَمْ أنَّ لك ذُنوبًا بيْنَك وبيْنَ اللهِ تَخافُ عواقِبَها، وتَرجوه أن يعفوَ عنها، ويَغفِرَها لك، ويَهَبَها لك، ومع هذا لا يَقتَصِرُ على مُجرَّدِ العَفوِ والمُسامَحةِ حتَّى يُنعِمَ -سُبحانَه وتعالى- عليك ويُكرِمَك، ويَجلِبَ إليك مِنَ المنافِعِ والإحسانِ فَوقَ ما تؤمِّلُه! فإذا كنتَ ترجو هذا مِن ربِّك أن يُقابِلَ به إساءتَك، فما أَوْلاك وأجدَرَك أن تُعامِلَ به خَلْقَه، وتُقابِلَ به إساءتَهم! ليُعامِلَك اللهُ هذه المعامَلةَ؛ فإنَّ الجزاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ، فكما تَعمَلُ معَ النَّاسِ في إساءتِهم في حَقِّك يَفعَلُ اللهُ معك في ذُنوبِك وإساءتِك جزاءً وِفاقًا؛ فانتَقِمْ بعدَ ذلك أو اعْفُ، وأحسِنْ أو اترُكْ؛ فكما تَدينُ تُدانُ، وكما تَفعَلُ معَ عبادِه يَفعَلُ معك. فمَن تصَوَّرَ هذا المعنى وشَغَل به فِكرَه هان عليه الإحسانُ إلى مَن أساء إليه، هذا معَ ما يَحصُلُ له بذلك مِن نَصرِ اللهِ ومَعِيَّتِه الخاصَّةِ، ومع ما يَتعَجَّلُه مِن ثَناءِ النَّاسِ عليه، ويَصيرونَ كُلُّهم معه على خَصمِه؛ فإنَّه كُلُّ مَن سَمِع أنَّه مُحسِنٌ إلى ذلك الغيرِ وهو مُسيءٌ إليه، وَجَد قَلْبَه ودعاءَه وهِمَّتَه مع المحسِنِ على المُسيءِ، وذلك أمرٌ فِطْريٌّ فَطَر اللهُ عِبادَه عليه، فهو بهذا الإحسانِ قد استَخدَمَ عسكرًا لا يَعرِفُهم ولا يَعرِفونَه، ولا يُريدونَ منه إقطاعًا ولا خبزًا، هذا مع أنَّه لا بُدَّ له مع عَدُوِّه وحاسِدِه من إحدى حالتَينِ: إمَّا أن يَملِكَه بإحسانِه فيَستعبِدَه ويَنقادَ له ويَذِلَّ له، ويَبقَى مِن أحَبِّ النَّاسِ إليه، وإمَّا أن يُفَتِّتَ كَبِدَه ويَقطَعَ دابِرَه إن أقام على إساءتِه إليه؛ فإنَّه يُذيقُه بإحسانِه أضعافَ ما يَنالُ منه بانتِقامِه، ومَن جَرَّب هذا عَرَفه حَقَّ المَعرفةِ [487] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (2/244). .
6- قولُه تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ فيه الحَثُّ على أنْ تُقابَلَ السَّيِّئةُ بحسنةٍ، وعلى فِعْلِ الحسَناتِ في مقابِلِ السَّيِّئاتِ، وليس الفائدةُ أنْ يَعْلَمَ أنَّ الحسَنةَ لا تُساوي السَّيِّئةَ! لأنَّ هذا أمرٌ معلومٌ [488] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 193). . وسُبحانَ اللهِ! إنسانٌ بَيْنَك وبَيْنَه عَداوةٌ أساء إليك، فتُؤمَرُ بـ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فإذا دفَعْتَ بالَّتي هي أحسَنُ يأتيك الثَّوابُ والجَزاءُ مِنَ اللهِ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وقَولُه: وَلِيٌّ حَمِيمٌ أي: قَريبٌ صَديقٌ في غايةِ ما يكونُ مِن الصَّداقةِ والقُربِ -على قولٍ في التَّفسيرِ-، والَّذي يَقولُ هو اللهُ عزَّ وجَلَّ مُقَلِّبُ القُلوبِ: ((إنَّ قلوبَ بَني آدَمَ كلَّها بيْنَ إصبَعَينِ مِن أصابعِ الرَّحمنِ كقلبٍ واحدٍ يُصَرِّفُه حيثُ يَشاءُ)) [489] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (1/278). والحديث أخرجه مسلم (2654) من حديث عبدالله بن عَمرٍو رضي الله عنهما. .
7- في قَولِه تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ دليلٌ على أنَّه نُدِبَ إلى الإحسانِ إلى المُسيءِ؛ لِتأتلِفَ الأُمَّةُ، ولا تَفترِقَ، ولا تَتباغَضَ [490] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (4/77). .
8- قال الله تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ لِذِكرِ المُثُلِ والنَّتائِجِ عَقِبَ الإرشادِ شَأنٌ ظاهِرٌ في تقريرِ الحَقائِقِ، وخاصَّةً الَّتي قد لا تَقبَلُها النُّفوسُ لأنَّها شاقَّةٌ عليها، والعَداوةُ مَكروهةٌ، والصَّداقةُ والوَلايةُ مَرغوبةٌ؛ فلَمَّا كان الإحسانُ لِمَن أساء يُدنيه مِن الصَّداقةِ أو يَكسِبُه إيَّاها، كان ذلك مِن شَواهِدِ مَصلحةِ الأمرِ بالدَّفعِ بالَّتي هي أحسَنُ [491] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/293). .
9- الصَّبرُ ضابِطُ الأخلاقِ المأمورِ بها؛ قال الله تعالى: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا [492] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/65). .
10- قَولُ الله تعالى: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ فيه أنَّه إذا صبَّرَ الإنسانُ نَفْسَه، وامتَثَل أمْرَ رَبِّه، وعَرَف جَزيلَ الثَّوابِ، وعَلِم أنَّ مُقابَلتَه للمُسيءِ بجِنسِ عَمَلِه لا تُفيدُه شَيئًا، ولا تَزيدُ العَداوةَ إلَّا شِدَّةً، وأنَّ إحسانَه إليه ليس بواضِعٍ قَدْرَه، بل مَن تواضَعَ لله رفَعَه: هان عليه الأمرُ، وفَعَل ذلك مُتلذِّذًا مُستَحليًا له [493] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 749). .
11- قَولُ الله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، أي: استَجِرْ بالمَلِكِ الأعلَى، واطلُبْ منه الدُّخولَ في عِصمتِه، مُبادِرًا إلى ذلك حينَ يَنخُسُ بالنَّزْغةِ؛ فإنَّه لا يَقدِرُ على الإعاذةِ منه غيرُه، ولا تَذَرِ النَّزغةَ تَتكَرَّرُ، بل ارجِعْ إلى المحيطِ عِلمًا وقُدرةً في أوَّلِ الخَطْرةِ؛ فإنَّك إنْ لم تخالِفْ أوَّلَ الخَطْرةِ صارت فِكرةً، فيَحصُلُ العَزمُ، فتَقَعُ الزَّلَّةُ، فتصيرُ قَسوةً، فيَحصُلُ التَّمادي [494] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/190). . ولا يتخَلَّصُ العبدُ مِن نَزَغاتِ الشَّيطانِ إلَّا بصِدقِ الاستِعانةِ وصِدقِ الاستغاثةِ، وبذلك يَنجو مِنَ الشَّيطانِ، وقد قال تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر: 42]، فكلَّما ازداد العَبدُ في تبَرِّيه مِن حَولِه وقُوَّتِه، وأخلَصَ بيْنَ يَدَيِ اللهِ بتضَرُّعِه واستِعانتِه واستِعاذتِه؛ زاد اللهُ في حِفظِه، ودَفَع الشَّيطانَ عنه [495] يُنظر: ((تفسير القشيري)) (3/332). .

الفوائد العلمية واللطائف:

1- قَولُ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا فيه أنَّ المُصلِحَ يُيَسِّرُ اللهُ له أولياءَ الخَيرِ مِن الإنسِ والمَلائِكةِ، يُعينونَه ويُحَبِّبونَه في جَميعِ الخَيراتِ، ويُبعِدونَه ويُكَرِّهونَه في جميعِ المَضَرَّاتِ، واللهُ يَتولَّى الصَّالحينَ [496] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/185). .
2- قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ فمَن كان له أصلُ الاستِقامةِ في التَّوحيدِ أمِنَ مِن الخُلودِ في النَّارِ، ومَن كان له كَمالُ الاستِقامةِ في الأُصولِ والفُروعِ أمِنَ الوَعيدَ [497] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/183). .
3- قَولُ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا يُفيدُ نَفيَ الخَوفِ والحُزنِ على الإطلاقِ، فيَدُلُّ على أنَّ المؤمِنَ عندَ الموتِ وفي القَبرِ وعندَ البَعثِ: لا يكونُ فازِعًا مِن الأهوالِ ومِن الفَزَعِ الشَّديدِ، بل يكونُ آمِنَ القَلبِ ساكِنَ الصَّدرِ [498] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/561). .
4- نعيمُ القَبرِ وعَذابُه حَقٌّ ثابتٌ؛ لِقَولِه تعالى في آلِ فِرعَونَ: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: 46]، وقَولِه في المؤمِنينَ: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [499] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (4/294). ، فهذا التَّنزُّلُ يكونُ عندَ الموتِ ويكونُ في القبرِ، ويكونُ عندَ البعثِ [500] يُنظر: ((الروح)) لابن القيم (ص: 93). ، وذلك على قولٍ في التَّفسيرِ.
5- قال الله تعالى حِكايةً عن قَولِ الملائِكةِ: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ، قَولُه: فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إشارةٌ إلى مُقابَلةِ قَولِه في المُشرِكينَ: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ [فصلت: 25]، فكما قَيَّض للكافِرِ قُرَناءَ في الدُّنيا قَيَّض للمُؤمِنينَ ملائِكةً يَكونونَ قُرَناءَهم في الدُّنيا، وكما أنطَقَ أتْباعَهم باللَّائِمةِ عليهم أنطَقَ الملائِكةَ بالثَّناءِ على المؤمِنينَ [501] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/286). .
6- قَولُ الملائكةِ: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ تعريفٌ بأنفُسِهم للمُؤمِنينَ؛ تأنيسًا لهم؛ فإنَّ العِلمَ بأنَّ المتلَقِّيَ صاحِبٌ قديمٌ يَزيدُ نفْسَ القادِمِ انشِراحًا وأُنسًا، ويُزيلُ عنه دَهشةَ القُدومِ، ويُخَفِّفُ عنه مِن حِشمةِ الضِّيافةِ، ويُزيلُ عنه وَحشةَ الاغترابِ، أي: نحنُ الَّذين كنَّا في صُحبتِكم في الدُّنيا؛ إذ كانوا يَكتُبونَ حَسَناتِهم، ويَشهَدونَ عندَ اللهِ بصَلاتِهم [502] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/285). .
7- في قولِه تعالى: نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ، ذكَر المغفرةَ والرَّحمةَ؛ لأنَّهم إنَّما وَصَلوا إلى ذلك بمغفرةِ اللهِ ورحمتِه، ولولا ذلك ما وَصَلوا إلى ما وَصَلوا إليه، ولهذا أخْبَر النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه لن يَدْخُلَ الجنَّةَ أحدٌ بعَمَلِه، ((قالوا: ولا أنت يا رسولَ اللهِ؟ قال: ولا أنا؛ إلَّا أنْ يَتغمَّدنيَ اللهُ برحمتِه)) [503] أخرجه مسلم (2816) من حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه. ، فالإنسانُ لا يَصِلُ إلى الجنَّةِ بالعملِ؛ ووجْهُ ذلك: أنَّه لو قُوبِلَ العملُ بالنِّعمةِ الَّتي أنْعَم اللهُ بها على الإنسانِ لم يكنْ شيئًا! إذْ إنَّ نِعَمَ اللهِ لا تُحصَى ولا تُعَدُّ [504] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 173). وهذا لا يعني عدمَ أهميَّةِ العملِ، فالأعمالُ الصالحةُ سببٌ لدخولِ الجنَّةِ وثمنٌ لها، لكن ليس على وجهِ المقابلةِ أو البدلِ، وتلك الأعمالُ الصالحةُ حصَلتْ للعبدِ برحمةِ الله ومِنَّتِه عليه، لا بحَولِه وقوَّتِه. وأيضًا فإنَّ مقتضَى اسمِ الله «الرحيم»: الرحمةُ، فعلى العبدِ أنْ يعملَ العملَ الصالحَ الذي يكونُ جالبًا لرحمةِ الله، ومقتضَى اسمِه «الغفور» المغفرةُ، فعلى العبدِ أنْ يعملَ ما يكونُ سببًا في مغفرةِ ذنوبِه. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 439)، ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (10/843). .
8- قَولُه تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ فيه فضيلةُ الدَّعوةِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ [505] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 183). .
9- قَولُ الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ فيه مَنزَعٌ عَظيمٌ لفَضيلةِ العُلَماءِ الَّذين بَيَّنوا السُّنَنَ، ووضَّحوا أحكامَ الشَّريعةِ، واجتَهَدوا في التَّوصُّلِ إلى مُرادِ الله تعالى مِن دينِه ومِن خَلْقِه [506] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/289). .
10- قَولُ الله تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ لَمَّا تَفاوَتَت الحَسَنةُ والسَّيِّئةُ أمَرَ أن يَدفَعَ السَّيِّئةَ بالأحسَنِ، وذلك مُبالَغةٌ، ولم يَقُلْ: ادفَعْ بالحَسَنةِ السَّيِّئةَ؛ لأنَّ مَن هان عليه الدَّفعُ بالأحسَنِ، هان عليه الدَّفعُ بالحَسَنِ [507] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/306). .
11- في قَولِه تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ انتِفاءُ تَساوي الحَسَناتِ بَعضِها ببَعضٍ، وانتِفاءُ تساوي السَّيِّئاتِ بَعضِها ببَعضٍ، فيَترتَّبُ على ذلك فائِدةٌ: أنَّ الحَسَناتِ تَتفاوَتُ، والسَّيِّئاتِ تَتفاوَتُ؛ فمِنَ الحَسَناتِ ما هو أصولٌ في الإسلامِ، كالأُصولِ الخَمسةِ، ومنها ما هو دونَ ذلك، ومنها ما هو فرائِضُ، ومنها ما هو نوافِلُ، وكذلك في المُحَرَّماتِ؛ فمنها ما هو شركٌ مُخرِجٌ عن المِلَّةِ، وما هو شِركٌ دونَ ذلك، وكذلك يُقالُ في الكُفرِ؛ فمنه ما هو فُسوقٌ، ومنه ما هو دونَ ذلك، هذا إذا قُلْنا: إنَّ المرادَ بالآيةِ «أنَّ الحَسَناتِ لا تَتساوى، والسَّيِّئاتِ لا تَتساوى» [508] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 193). .
12- قَولُ الله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّما أُمِرَ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذلك؛ لأنَّ مُنتهَى الكَمالِ البَشَريِّ خُلُقُه، كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّما بُعِثْتُ لأُتمِّمَ صالحَ الأخلاقِ)) [509] رواه أحمد (8952)، والحاكم (4221) واللفظ لهما، والبيهقيُّ (21301) بلفظ: ((مكارم)) بدلًا من ((صالح)) من حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه. صحَّحه الحاكمُ وقال: (على شرطِ مسلمٍ)، وابنُ عبدِ البَرِّ في ((التمهيد)) (24/333)، والألبانيُّ في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (45)، وشعيبٌ الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (14/513)، وجوَّد إسنادَه ابنُ باز في ((مجموع فتاويه)) (2/215). ، وتَخَلُّقُ الأُمَّةِ بهذا الخُلُقِ مَرغوبٌ فيه؛ قال الله تعالَى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [510] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/292). [الشورى: 40].
13- لَمَّا كان الشَّيطانُ على نَوعَينِ: نوعٍ يُرَى عِيانًا، وهو شَيطانُ الإنسِ، ونَوعٍ لا يُرَى، وهو شَيطانُ الجِنِّ؛ أمَرَ سُبحانَه وتعالى نَبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أن يَكتفيَ مِن شَرِّ شَيطانِ الإنسِ بالإعراضِ عنه والعَفوِ، والدَّفعِ بالَّتي هي أحسَنُ، ومِن شَيطانِ الجِنِّ بالاستعاذةِ باللهِ منه، وجَمَع بيْن النَّوعَينِ في سُورةِ (الأعرافِ)، وسُورةِ (المُؤمِنينَ)، وسُورةِ (فُصِّلَت). والاستِعاذةُ في القِراءةِ والذِّكرِ أبلَغُ في دَفعِ شَرِّ شَياطينِ الجِنِّ، والعَفوُ والإعراضُ والدَّفعُ بالإحسانِ أبلَغُ في دَفعِ شَرِّ شَياطينِ الإنسِ [511] يُنظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (2/423). .
14- في قَولِه تعالى: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا أنَّ المُدافَعةَ بالَّتي هي أحسَنُ شاقَّةٌ على النَّفْسِ [512] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 194). .
15- قال الله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وفائدةُ هذه الاستِعاذةِ تَجديدُ داعيةِ العِصمةِ المَرْكوزةِ في نفْسِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لأنَّ الاستِعاذةَ باللهِ مِن الشَّيطانِ استِمدادٌ للعِصْمةِ، وصَقْلٌ لِزَكاءِ النَّفْسِ ممَّا قدْ يَقترِبُ منها مِن الكُدُراتِ. وهذا سِرٌّ مِن الاتِّصالِ بيْنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وربِّه، وقد أشار إليه قولُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((إنَّه لَيُغانُ على قَلْبي، وإنِّي لَأستَغْفِرُ اللهَ في اليَومِ مِئةَ مرَّةٍ)) [513] الحديث رواه مسلم (2702) من حديث الأغَرِّ المُزَنيِّ رضيَ اللهُ عنه. ، فبذلك تَسلَمُ نفْسُه مِن أنْ يَغْشاها شَيءٌ مِن الكُدُراتِ، ويَلحَقُ به في ذلك صالِحو المؤمنينَ، ثمَّ يَلتحِقُ بذلك بَقيَّةُ المؤمنينَ على تَفاوُتِهم [514] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/296). .

بلاغة الآيات:

1- قولُه تعالَى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ بَعدَ استيفاءِ الكَلامِ على ما أصابَ الأُمَمَ الماضيةَ المُشرِكينَ المُكَذِّبينَ مِن عَذابِ الدُّنيا، وما أُعِدَّ لهم مِن عَذابِ الآخِرةِ، مِمَّا فيه عِبرةٌ لِلمُشرِكينَ الذين كَذَّبوا مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بطَريقِ التَّعريضِ، ثم أُنذِروا بالتَّصريحِ بما سَيَحِلُّ بهم في الآخِرةِ، ووَصفِ بَعضِ أهوالِه؛ تَشَوَّفَ السامِعُ إلى مَعرِفةِ حَظِّ المُؤمِنينَ، ووَصفِ حالِهم، فجاءَ قَولُه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ... إلخ، بَيانًا لِلمُتَرقِّبِ، وبُشْرى لِلمُتطَلِّبِ بأنْ يَعرِفَ جَزاءَ المُؤمِنينَ بَعدَ أنْ عَرَف جَزاءَ الكافِرينَ؛ فالجُملةُ استِئنافٌ بَيانيٌّ ناشِئٌ عمَّا تَقدَّمَ مِن قَولِه: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ [فصلت: 19]، إلى قَولِه: مِنَ الْأَسْفَلِينَ [515] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/303)، ((تفسير أبي السعود)) (8/13)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/281، 282)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/559). [فصلت: 29].
- وافتِتاحُ الجُملةِ بحَرفِ التَّوكيدِ (إنَّ) مَنظورٌ فيه إلى إنكارِ المُشرِكينَ ذلك؛ ففي تَوكيدِ الخَبَرِ زِيادةُ قَمْعٍ لهم [516] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/282). .
- قولُه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فيه تَعريفُ المُسنَدِ إليه الَّذِينَ بالمَوصوليَّةِ دُونَ أنْ يُقالَ: (إنَّ المُؤمِنينَ) ونَحوُه؛ لِمَا في الصِّلةِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّها سَبَبُ ثُبوتِ المُسنَدِ لِلمُسنَدِ إليه؛ فيُفيدُ أنَّ تَنَزُّلَ المَلائِكةِ عليهم بتلك الكَرامةِ مُسَبَّبٌ على قَولِهم: رَبُّنَا اللَّهُ واستِقامَتِهم؛ فإنَّ الاعتِقادَ الحَقَّ والإقبالَ على العَمَلِ الصَّالِحِ هما سَبَبُ الفَوزِ [517] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/283). .
- وفيه حُسنُ تَرتيبٍ، حيثُ بَدَأ أوَّلًا بالَّذي هو أمكَنُ في الإسلامِ، وهو العِلْمُ برُبوبيَّةِ اللهِ تعالى، ثمَّ أتْبَعَه بالعَمَلِ الصَّالِحِ، وهو الاستِقامةُ [518] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/303). .
- وقَولُه: رَبُّنَا اللَّهُ يُفيدُ الحَصرَ بتَعريفِ المُسنَدِ إليه والمُسنَدِ، أيْ: لا رَبَّ لنا إلَّا اللهُ، وذلك جامِعٌ لِأصْلِ الاعتِقادِ الحَقِّ؛ لِأنَّ الإقرارَ بالتَّوحيدِ يُزيلُ المانِعَ مِن تَصديقِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيما جاءَ به؛ إذْ لم يَصُدَّ المُشرِكينَ عنِ الإيمانِ بما جاءَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَّا أنَّه أمَرَهم بنَبْذِ عِبادةِ غَيرِ اللهِ، ولأنَّ التَّكذيبَ بالبَعثِ تَلَقَّوْه مِن دُعاةِ الشِّركِ [519] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/282). .
- قولُه: ثُمَّ اسْتَقَامُوا الاستِقامةُ: عَدَمُ الاعوِجاجِ والمَيلِ، والسِّينُ والتَّاءُ فيها لِلمُبالَغةِ في التَّقَوُّمِ، فاستَقامَ: استَقَلَّ غَيرَ مائِلٍ ولا مُنحَنٍ، وتُطلَقُ الاستِقامةُ أيضًا على ما يَجمَعُ مَعنى حُسْنِ العَمَلِ والسِّيرةِ على الحَقِّ والصِّدقِ؛ فـ اسْتَقَامُوا هنا يَشملُ مَعنى الوَفاءِ بما كُلِّفوا به، وأوَّلُ ما يشملُ مِن ذلك أنْ يَثبُتوا على أصْلِ التَّوحيدِ، أيْ: لا يُغَيِّروا ولا يَرجِعوا عنه [520] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/282). .
- وحَرفُ ثُمَّ في قولِه: ثُمَّ اسْتَقَامُوا لِلتَّراخي الرُّتبيِّ؛ لِأنَّ الاستِقامةَ زائِدةٌ في المَرتَبةِ على الإقرارِ بالتَّوحيدِ؛ لِأنَّها تَشملُه، وتَشملُ الثَّباتَ عليه، والعَمَلَ بما يَستَدعيه، ولأنَّ الاستِقامةَ دَليلٌ على أنَّ قَولَهم: رَبُّنَا اللَّهُ كان قَولًا مُنبَعِثًا عنِ اعتِقادِ الضَّميرِ والمَعرِفةِ الحَقيقيَّةِ [521] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/13)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/283). وقال ابن عثيمين: (أتَى بـ «ثُمَّ» الدَّالَّةِ على التَّرتيبِ بمُهْلَةٍ، يعني أنَّ إيمانَهم لم يكنْ إيمانًا خاطفًا؛ آمَنَ ثمَّ زال! بل إيمانٌ مُستقِرٌّ؛ لأنَّهم استقاموا على دينِ اللهِ عزَّ وجلَّ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 166). .
- وكذلك في قَولِه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا إيجازٌ بَليغٌ؛ لِأنَّ الاستِقامةَ كَلِمةٌ شَمِلتْ جَميعَ صِفاتِ التَّقْوى [522] يُنظر: ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/563). .
- قولُه: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ تَنزُّلُ الملائكةِ على المؤمنينَ يَحتمِلُ أنْ يكونَ في وقْتِ الحشْرِ، كما دلَّ عليه قولُهم: الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، وكما يَقْتضيهِ كَلامُهم لهم؛ فذلك مُقابِلٌ لقَولِه: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت: 19]؛ فأولئك تُلاقيهمُ المَلائِكةُ بالوَزعِ، والمُؤمِنونَ تَتنَزَّلُ عليهمُ المَلائِكةُ بالأمْنِ، وذِكرُ التَّنَزُّلِ هنا؛ لِلتَّنويهِ بشَأنِ المُؤمِنينَ أنَّ المَلائِكةَ يَنزِلونَ مِن عُلويَّاتِهم لِأجْلِهم. ولِتَضَمُّنِ تَتَنَزَّلُ مَعنى القَولِ وَرَدتْ بَعدَه (أنْ) التَّفسيريَّةُ، والتَّقديرُ: يَقولونَ: لا تَخافوا ولا تَحزَنوا. ويَجوزُ أنْ يَكونَ تَنَزُّلُ المَلائِكةِ عليهم في الدُّنيا، وهو تَنَزُّلٌ خَفيٌّ يُعرَفُ بحُصولِ آثارِه في نُفوسِ المُؤمِنينَ، ويَكونَ الخِطابُ بـ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا بمَعنى إلْقائِهم في رُوعِهم عَكسَ وَسوَسةِ الشَّياطينِ القُرَناءِ بالتَّزيينِ، أيْ: يُلقونَ في أنْفُسِ المُؤمِنينَ ما يَصرِفُهم عنِ الخَوفِ والحَزَنِ، ويُذَكِّرُهم بالجَنَّةِ، فتَحِلُّ فيهمُ السَّكينةُ، فتَنشَرِحُ صُدورُهم بالثِّقةِ بحُلولِها، فذلك مُقابِلُ قَولِه: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ الآيةَ [فصلت: 25]؛ فإنَّه تَقْييضٌ في الدُّنيا، وهذا يَقتَضي أنَّ المُؤمِنينَ الكامِلينَ لا يَخافونَ غَيرَ اللهِ، ولا يَحزَنونَ على ما يُصيبُهم، ويُوقِنونَ أنَّ كُلَّ شَيءٍ بقَدَرٍ، وهم فَرِحونَ بما يَتَرَقَّبونَ مِن فَضلِ اللهِ، وعلى هذا المَعنى فالفِعل (كان) في قَولِه: الَّتِي كُنْتُمْ صِلَةٌ لِلتَّأكيدِ، ويكونُ المُضارِعُ في تُوعَدُونَ على أصْلِ استِعمالِه للحالِ والاستِقبالِ، ويَكونُ قَولُهم: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ [فصلت: 31]، تَأييدًا لهم في الدُّنيا، ووَعدًا بنَفعِهم في الآخِرةِ [523] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/284). .
- وفي قَولِه: أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا قَدَّم الخَوفَ مِن المُسْتقبلِ؛ لأنَّه أهمُّ مِن الحُزْنِ على ما مَضَى؛ لأنَّ مُستقبَلَ الإنسانِ هو الَّذي يَجْعَلُه يَسيرُ أو يَتوقَّفُ؛ فلهذا بَدَأ به قبْلَ ذِكْرِ الحُزْنِ [524] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 168). . فالخوفُ ممَّا يُتوقَّعُ مِن المكروهِ أعظَمُ مِن الحزنِ على الفائتِ [525] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/304). .
- قولُه: أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (لا) ناهيةٌ [526] على وجهٍ في الإعرابِ، ويُنظر ما تقدَّم في مشكلِ الإعرابِ (ص: 160). ، والمَقصودُ مِنَ النَّهيِ عنِ الخَوفِ النَّهيُ عن سَبَبِه، وهو تَوَقُّعُ الضُّرِّ، أيْ: لا تَحسَبوا أنَّ اللهَ مُعاقِبُكم؛ فالنَّهيُ كِنايةٌ عنِ التَّأمينِ مِن جانِبِ اللهِ تَعالى؛ لِأنَّهم إذا تَحَقَّقوا الأمْنَ زالَ خَوفُهم، وهذا تَطمينٌ مِنَ المَلائِكةِ لِأنْفُسِ المُؤمِنينَ. وألحَقوا بتَأْمينِهم بِشارَتَهم وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ؛ لِأنَّ وَقْعَ النَّعيمِ في النَّفْسِ مَوقِعَ المَسَرَّةِ إذا لم يُخالِطْه تَوَقُّعُ المَكروهِ [527] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/285). .
- قولُه: وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ وَصفُ الجَنَّةِ بـ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ تَذكيرٌ لهمْ بأعمالِهم الَّتي وُعِدوا عليها بالجَنَّةِ، وتَعجيلٌ لهم بمَسَرَّةِ الفَوزِ برِضا اللهِ، وتَحقيقِ وَعدِه، أيْ: الَّتي كُنتُم تُوعَدونها في الدُّنيا. وفي ذِكرِ فِعلِ الكَونِ تَنبيهٌ على أنَّهم مُتَأصِّلونَ في الوَعدِ بالجَنَّةِ، وذلك مِن سابِقِ إيمانِهم وأعمالِهم [528] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/285). .
- وفي التَّعبيرِ بالمُضارِعِ تُوعَدُونَ إفادةُ أنَّهم قد تَكَرَّرَ وَعدُهم بها، وذلك بتَكرُّرِ الأعمالِ المَوعودِ لِأجْلِها، وبتَكَرُّرِ الوَعدِ في مَواقِعِ التَّذكيرِ والتَّبشيرِ [529] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/285). .
2- قولُه تعالَى: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ
- قولُه: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ جِيءَ بهذا القَولِ مُعتَرِضًا بيْن صِفاتِ الجَنَّةِ؛ لِيَتحَقَّقَ المُؤمِنونَ أنَّ بِشارَتَهم بالجَنَّةِ بِشارةُ مُحِبٍّ يَفرَحُ لِحَبيبِه بالخَيرِ، ويَسعى لِيَزيدَه [530] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/285، 286). .
- قولُه: وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، أي: لكم في الجَنَّةِ ما تَشتَهونَه مِمَّا يَقَعُ تَحتَ الحِسِّ، وما تَتَمَنَّونَه في نُفوسِكم مِن كُلِّ ما يَخطُرُ بالبالِ مِمَّا يَجولُ في الخَيالِ، فما يَدَّعونَ غَيرُ ما تَشتَهيه أنْفُسُهم، ولهذه المُغايَرِة أُعِيدَ لَفظُ (لَكُمْ)؛ لِيُؤْذِنَ باستِقلالِ هذا الوَعدِ عن سابِقِه، فلا يُتوهَّمَ أنَّ العَطفَ عَطفُ تَفسيرٍ أو عَطفُ عامٍّ على خاصٍّ، ولِلإشباعِ في البِشارةِ [531] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/13)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/287). .
3- قولُه تعالَى: نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ انتصَبَ نُزُلًا على الحالِ مِن مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ ومَا تَدَّعُونَ؛ وهي مُفيدةٌ لكَونِ ما يَتمنَّونَه بالنِّسبةِ إلى ما يُعْطَون مِن عَظائمِ الأُجورِ مِمَّا لا يَخطُرُ ببالِهم، كالنُّزُلِ للضَّيفِ [532] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/71)، ((تفسير أبي السعود)) (8/13)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/287). .
- وأُوثِرتْ صِفَتا (الغَفورِ الرَّحيمِ) هنا؛ لِلإشارةِ إلى أنَّ اللهَ غَفَر لهم -أو لِأكثَرِهمُ- اللَّمَمَ وما تابوا منه، وأنَّه رَحيمٌ بهم؛ لِأنَّهم كانوا يُحِبُّونَه ويَخافونَه ويُناصِرونَ دينَه [533] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/287). .
4- قولُه تعالَى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ليس هذا مِن حِكايةِ خِطابِ الملائكةِ للمؤمنينَ في الآخِرةِ، وإنَّما هو مُوجَّهٌ مِن اللهِ؛ فالأظهَرُ أنَّه تَكمِلةٌ لِلثَّناءِ على الَّذين قالوا: رَبُّنَا اللَّهُ [فصلت: 30]، وتَوجيهٌ لاستِحقاقِهم تلك المُعامَلةَ الشَّريفةَ، وقَمعٌ لِلمُشرِكينَ؛ إذْ تَقرَعُ أسماعَهم، أيْ: كيف لا يَكونونَ بتلك المَثابةِ وقد قالوا أحسَنَ القَولِ، وعَمِلوا أحسَنَ العَمَلِ [534] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/287). ؟!
- وذِكرُ هذا الثَّناءِ عليهم بحُسنِ قَولِهم عَقِبَ ذِكرِ مَذَمَّةِ المُشرِكينَ ووَعيدِهم على سُوءِ قَولِهم: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ [فصلت: 26]؛ مُشعِرٌ لا مَحالةَ بأنَّ بيْن الفَريقَيْنِ بَونًا بَعيدًا، طَرَفاه: الأحسَنُ المُصَرَّحُ به، والأسوَأُ المَفهومُ بالمُقابَلةِ، أيْ: فلا يَستَوي الَّذين قالوا أحسَنَ القَولِ وعَمِلوا أصلَحَ العَمَلِ، مع الَّذين قالوا أسْوَأَ القَولِ وعَمِلوا أسوَأَ العَمَلِ؛ ولهذا عُقِّبَ بقَولِه: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ [535] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/287). [فصلت: 34].
- والاستِفهامُ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ... مُستَعمَلٌ في النَّفيِ، أيْ: لا أحَدَ أحسَنُ قَولًا مِن هذا الفَريقِ [536] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/288). .
- و(مِن) في قولِه: مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّه تَفضيليَّةٌ لاسمِ أَحْسَنُ، والكلامُ على حَذْفِ مُضافٍ تَقديرُه: مِن قَولِ مَن دَعا إلى اللهِ [537] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/288). .
- وجُملةُ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَناءٌ على المُسلِمينَ بأنَّهمُ افتَخَروا بالإسلامِ، واعتَزُّوا به بيْن المُشرِكينَ، ولم يَتسَتَّروا بالإسلامِ. والاعتِزازُ بالدِّينِ عَمَلٌ صالِحٌ، ولكِنَّه خُصَّ بالذِّكرِ؛ لِأنَّه أُرِيدَ به غَيظُ الكافِرينَ، وإنَّما لم يُذكَرْ نَظيرُ هذا القَولِ في الصِّلةِ المُشيرةِ إلى سَبَبِ تَنَزُّلِ المَلائِكةِ على المُؤمِنينَ بالكَرامةِ، وهي الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت: 30]؛ لِأنَّ المَقصودَ مِن ذِكرِها هنا الثَّناءُ عليهم بتَفاخُرِهم على المُشرِكينَ بعِزَّةِ الإسلامِ، وذلك مِن آثارِ تلك الصِّلةِ؛ فلا حاجةَ إلى ذِكرِه هُنالك، بخِلافِ مَوقِعِه هنا [538] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/288، 289). .
- وأيضًا قولُه: وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ جامعٌ للمعاني السَّابقةِ، وليس مَحْصورًا في القَولِ المُجَرَّدِ؛ لِمَجيئِه على طَريقةِ التَّذييلِ، وعلى أُسلوبِ قَولِكَ: زَيدٌ مِنَ العُلَماءِ، أيْ: له إسْهامٌ مَعَهم في هذا الوَصفِ، والعِلْمُ له كاللَّقبِ المَشهورِ، كأنَّه قال: إنَّني لَمِنَ الَّذين لهمُ القِدْحُ المُعَلَّى [539] القِدْحُ المُعَلَّى: أي: النَّصيبُ الأوفَرُ. والقِدْحُ: السَّهْمُ. والمُعَلَّى: السَّهمُ السَّابِعُ في المَيسِرِ، وهو أفضَلُها. يُنظر: ((تاج العروس)) للزَّبِيدي (39/92)، ((معجم اللغة العربية المعاصرة)) لأحمد مختار عمر (3/1779). في التَّسليمِ والتَّفويضِ [540] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/199)، ((تفسير البيضاوي)) (5/71)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/607)، ((تفسير أبي حيان)) (9/306)، ((تفسير أبي السعود)) (8/14). .
5- قولُه تعالَى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
- جُملةُ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ جُملةٌ مُستَأنَفةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ مَحاسِنِ الأعمالِ الجارِيةِ بيْن العِبادِ، إثْرَ بَيانِ مَحاسِنِ الأعمالِ الجاريةِ بيْن العَبدِ وبيْن الرَّبِّ عزَّ وجلَّ؛ تَرغيبًا لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الصَّبرِ على أذيَّةِ المُشرِكينَ، ومُقابَلةِ إساءَتِهم بالإحسانِ [541] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/14)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/561). .
- وقيل: هذه الجُملةُ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ معطوفةٌ، وعَطفُها له مَوقِعٌ عَجيبٌ؛ فإنَّه يَجوزُ أنْ يَكونَ عَطفًا على جُملةِ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ... [فصلت: 33] إلخ، تَكمِلةً لها؛ فإنَّ المَعطوفَ عليها تَضَمَّنتِ الثَّناءَ على المُؤمِنينَ إثْرَ وَعيدِ المُشرِكينَ وذَمِّهم، وهذه الجُملةُ فيها بَيانُ التَّفاوُتِ بيْن مَرتَبةِ المُؤمِنينَ وحالِ المُشرِكينَ؛ فإنَّ الحَسَنةَ اسمٌ مَنقولٌ مِن الصِّفةِ، فتَلمُّحُ الصِّفةِ مُقارِنٌ له، فالحَسَنةُ حالةُ المُؤمِنينَ، والسَّيِّئةُ حالةُ المُشرِكينَ؛ فيكون المعنى كمَعْنى آياتٍ كَثيرةٍ مِن هذا القَبيلِ، مِثلُ قولِه تعالى: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ [غافر: 58]، فعطْفُ هذه الجُملةِ على الَّتي قبْلَها على هذا الاعتبارِ يكونُ مِن عطْفِ الجُمَلِ الَّتي يَجمَعُها غرَضٌ واحدٌ، وليس مِن عطْفِ غرَضٍ على غرَضٍ.
ويَجوزُ أنْ تَكونَ عَطفًا على جُملةِ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: 26] الواقِعةِ بَعدَ جُملةِ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت: 5]؛ فإنَّ ذلك مُثيرٌ في نَفْسِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الضَّجَرَ مِن إصرارِ الكافِرينَ على كُفرِهم، وعَدَمِ التَّأثُّرِ بدَعوةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى الحَقِّ، فهو بحالِ مَن تَضيقُ طاقةُ صَبْرِه على سَفاهةِ أولئك الكافِرينَ، فأردَفَ اللهُ ما تَقدَّمَ بما يَدفَعُ هذا الضَّيقَ عن نَفْسِه بقَولِه: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ الآيةَ، فالحَسَنةُ تَعُمُّ جَميعَ أفرادِ جِنسِها، وأُولاها تَبادُرًا إلى الأذهانِ حَسَنةُ الدَّعوةِ إلى الإسلامِ؛ لِمَا فيها مِن جَمِّ المَنافِعِ في الآخِرةِ والدُّنيا، وتَشملُ صِفةَ الصَّفحِ عنِ الجَفاءِ الَّذي يَلقَى به المُشرِكونَ دَعوةَ الإسلامِ؛ لِأنَّ الصَّفحَ مِنَ الإحسانِ، وفيه تَركُ ما يُثيرُ حَميَّتَهم لِدينِهم، ويُقَرِّبُ لِينَ نُفوسِ ذَوي النُّفوسِ اللَّيِّنةِ؛ فالعَطفُ مِن عَطفِ غَرَضٍ على غَرَضٍ، وهي تَمهيدٌ وتَوطِئةٌ لِقَولِه عَقِبَها: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الآيةَ [542] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/289، 290). .
- قولُه: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ نفْيُ الاستواءِ مُرادٌ به تَفضيلُ الحَسَنةِ على السَّيِّئةِ؛ فكانَ مُقتَضى الظَّاهِرِ أنْ يُقالَ: ولا تَستَوي الحَسَنةُ والسَّيِّئةُ، دُونَ إعادةِ (لا) النَّافيةِ بَعدَ الواوِ الثَّانيةِ، كما قالَ تَعالى: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ [غافر: 58]؛ فإعادةُ (لا) النَّافيةِ تَأكيدٌ لِأُختِها السَّابِقةِ، وأحسَنُ مِنِ اعتِبارِ التَّأكيدِ أنْ يَكونَ في الكَلامِ إيجازُ حَذفٍ [543] الإيجازُ: هو الاختصارُ والجمعُ للمعاني الكثيرةِ بالألفاظِ القليلةِ، وأداءُ المقصودِ مِن الكلامِ بأقلَّ مِن عباراتِ مُتعارَفِ الأوساطِ. ويكونُ الإيجازُ محمودًا إذا لم يُخِلَّ بالمقصودِ. وقيل: الإيجازُ حذْفُ الفُضولِ، وتقريبُ البعيدِ. وقيل عن البلاغة كُلِّها: هي إصابةُ المعنى، وحُسنُ الإيجازِ. والإيجازُ نوعان؛ الأوَّلُ: إيجازُ القِصَرِ (ويُسمَّى إيجازَ البَلاغةِ)، وهو ما ليس بحَذْفٍ؛ كقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة: 179]؛ فإنَّه لا حذْفَ فيه، مع أنَّ معناه كثيرٌ يَزيدُ على لفْظِه؛ لأنَّ المرادَ به أنَّ الإنسانَ إذا علِم أنَّه متَى قَتَل قُتِل، كان ذلك داعيًا له قويًّا إلى ألَّا يُقدِمَ على القِتال؛ فارتفع بالقتْلِ -الَّذي هو قِصاصٌ- كثيرٌ مِن قتْلِ النَّاسِ بعضِهم لبعضٍ؛ فكان ارتفاعُ القتلِ حياةً لهم. الثَّاني: إيجازُ الحَذْفِ، وهو حذْفُ ما يُعلَمُ ويُفهَمُ مِن سِياقِ الكلامِ بشرطِ وُجودِ مُقدَّرٍ يدُلُّ عليه؛ فقد يكونُ الإيجازُ بالحذفِ وغيرِه. والفرقُ بيْنَ الحذفِ والإيجازِ: أنَّ الحذفَ يكونُ فيه مُقدَّرٌ، بخِلافِ الإيجازِ؛ فإنَّه عبارةٌ عن اللَّفظِ القليلِ الجامعِ للمعاني الجَمَّةِ بنفْسِه. يُنظر: ((البيان والتبيُّن)) للجاحظ (1/99)، ((العمدة في محاسن الشعر وآدابه)) لابن رَشِيق (1/242)، ((الإيضاح في علوم البلاغة)) للقزويني (3/181 وما بعدها)، ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 277)، ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (3/102)، ((جواهر البلاغة)) للهاشمي (ص: 198). مُؤْذِنٌ باحتِباكٍ [544] الاحتِباكُ: هو الحذفُ مِن الأوائلِ لدَلالةِ الأواخِرِ، والحذفُ مِن الأواخرِ لدَلالةِ الأوائلِ، إذا اجتمَع الحَذفانِ معًا، وله في القرآنِ نظائرُ، وهو مِن إبداعاتِ القرآنِ وعناصرِ إعجازِه، وهو مِن ألطفِ الأنواعِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/204)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (1/347). في الكَلامِ، تَقديرُه: وما تَستَوي الحَسَنةُ والسَّيِّئةُ ولا السَّيِّئةُ والحَسَنةُ؛ فالمُرادُ بالأوَّلِ نَفيُ أنْ تَلتَحِقَ فَضائِلُ الحَسَنةِ بمَساوِئِ السَّيِّئةِ، والمُرادُ بالثَّاني نَفيُ أنْ تَلتَحِقَ السَّيِّئةُ بشَرَفِ الحَسَنةِ، وذلك هو الاستِواءُ في الخَصائِصِ، وفي ذلك تَأكيدٌ وتَقويةٌ لِنَفيِ المُساواةِ؛ لِيَدُلَّ على أنَّه نَفيٌ تامٌّ بيْن الجِنسَيْنِ: جِنسِ الحَسَنةِ وجِنسِ السَّيِّئةِ، لا مُبالَغةَ فيه ولا مَجازَ [545] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/200)، ((تفسير البيضاوي)) (5/71)، ((تفسير أبي السعود)) (8/14)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/290، 291). .
- وفي التَّعبيرِ بالحَسَنةِ والسَّيِّئةِ في قولِه: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ دُونَ (المُحسِنِ والمُسيءِ) إشارةٌ إلى أنَّ كُلَّ فَريقٍ مِن هذَيْنِ قد بَلَغ الغايةَ في جِنسِ وَصفِه مِن إحسانٍ وإساءةٍ، على طَريقةِ الوَصفِ بالمَصدَرِ، ولِيَتأتَّى الانتِقالُ إلى مَوعِظةِ تَهذيبِ الأخلاقِ في قَولِه: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؛ فيُشبِهُ أنْ يَكونَ إيثارُ نَفيِ المُساواةِ بيْن الحَسَنةِ والسَّيِّئةِ تَوطِئةً لِلانتِقالِ إلى قَولِه: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [546] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/291). .
- قولُه: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ استِئنافٌ مُبَيِّنٌ لِحُسنِ عاقِبةِ الحَسَنةِ، وإخراجُه مُخرَجَ جَوابِ مَن قالَ: كيف أصنَعُ؟ فقيلَ: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؛ لِلمُبالَغةِ؛ ولذلك وُضِعَ أَحْسَنُ مَوضِعَ الحَسَنةِ [547] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/200)، ((تفسير البيضاوي)) (5/72)، ((تفسير أبي السعود)) (8/13، 14). .
- وأيضًا قولُه: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ تَخَلُّصٌ مِن غَرَضِ تَفضيلِ الحَسَنةِ على السَّيِّئةِ إلى الأمْرِ بخُلقِ الدَّفعِ بالَّتي هي أحسَنُ؛ لِمُناسَبةِ أنَّ ذلك الدَّفعَ مِن آثارِ تَفضيلِ الحَسَنةِ على السَّيِّئةِ؛ إرشادًا مِنَ اللهِ لِرَسولِه وأُمَّتِه بالتَّخَلُّقِ بخُلُقِ الدَّفعِ بالحُسْنى. أو واقعةٌ مَوقِعَ النَّتيجةِ مِنَ الدَّليلِ، والمَقصدِ مِنَ المُقَدِّمةِ؛ فمَضمونُها ناشِئٌ عن مَضمونِ الَّتي قَبْلَها. وكِلَا الاعتبارَينِ في الجُملةِ الأُولى مُقتضٍ أنْ تكونَ جُملةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مَفصولةً غيرَ مَعطوفةٍ [548] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/291). .
- ومَفعولُ ادْفَعْ مَحذوفٌ، دَلَّ عليه انحِصارُ المَعنى بيْن السَّيِّئةِ والحَسَنةِ، فلَمَّا أُمِرَ بأنْ تَكونَ الحَسَنةُ مَدفوعًا بها، تَعيَّنَ أنَّ المَدفوعَ هو السَّيِّئةُ؛ فالتَّقديرُ: ادفَعِ السَّيِّئةَ بالَّتي هي أحسَنُ [549] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/292). .
- ومَعنى بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أيْ: بالحَسَنةِ، وإنَّما صِيغَتْ بصِيغةِ التَّفضيلِ؛ تَرغيبًا في دَفعِ السَّيِّئةِ بها؛ لِأنَّ ذلك يَشُقُّ على النَّفْسِ؛ فإنَّ الغَضَبَ مِن سُوءِ المُعامَلةِ مِن طِباعِ النَّفْسِ، وهو يَبعَثُ على حُبِّ الانتِقامِ مِنَ المُسيءِ؛ ولكِنَّ مَن دَفَعَ بالحُسْنى هانَ عليه الدَّفعُ بما هو دُونَها، فلَمَّا أُمِرَ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنْ يُجازيَ السَّيِّئةَ بالحَسَنةِ أُشيرَ إلى فَضلِ ذلك [550] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/200)، ((تفسير أبي حيان)) (9/306)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/292). .
- وفُرِّعَ على الأمْرِ بالدَّفعِ بالَّتي هي أحسَنُ قَولُه: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ؛ لِبَيانِ ما في ذلك الأمْرِ مِنَ الصَّلاحِ؛ تَرويضًا على التَّخَلُّقِ بذلك الخُلُقِ الكَريمِ، وهو أنْ تَكونَ النَّفسُ مَصدَرًا لِلإحسانِ [551] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/292، 293). .
- و(إذا) لِلمُفاجَأةِ، وهي كِنايةٌ عن سُرعةِ ظُهورِ أثَرِ الدَّفعِ بالَّتي هي أحسَنُ في انقِلابِ العَدُوِّ صَديقًا [552] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/293). ، وبتأمُّلِ كَونِ الجوابِ بـ (إذا) الفُجائيَّةِ يَتبيَّنُ أنَّ انقلابَ عَداوتِه إلى ولايةٍ حَميمةٍ لا يَتأخَّرُ كثيرًا؛ لأنَّ (إذا) الفُجائيَّةَ تدُلُّ على الفَوريَّةِ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، فلو كان المُخبِرُ بذلك غيرَ اللهِ عزَّ وجلَّ لَكان الإنسانُ يَتردَّدُ ويَتساءلُ: كيف يَنقلِبُ العَدُوُّ صَديقًا حَميمًا بهذه السُّرعةِ؟! فنقولُ: إنَّ الَّذي أخبَرَ بذلك هو اللهُ عزَّ وجلَّ؛ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [553] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فصلت)) (ص: 188). [النساء: 122].
- وعُدِلَ عن ذِكرِ العَدُوِّ مُعَرَّفًا بلامِ الجِنسِ إلى ذِكرِه بالاسمِ المَوصولِ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ؛ لِيَتأتَّى تَنكيرُ عَدَاوَةٌ لِلنَّوعيَّةِ، وهو أصلُ التَّنكيرِ؛ فيَصدُقَ بالعَداوةِ القَويَّةِ ودُونِها، كما أنَّ ظَرفَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ يَصدُقُ بالبَينِ القَريبِ والبَينِ البَعيدِ -يعني: مُلازَمةَ العَداوةِ أو طُروءَها- وهذا تَركيبٌ مِن أعلى طَرَفِ البَلاغةِ؛ لِأنَّه يَجمَعُ أحوالَ العَداواتِ؛ فيُعلَمُ أنَّ الإحسانَ ناجِعٌ في اقتِلاعِ عَداوةِ المُحسَنِ إليه لِلمُحسِنِ على تَفاوُتِ مَراتِبِ العَداوةِ قُوَّةً وضَعفًا، وتَمَكُّنًا وبُعدًا، ويُعلَمُ أنَّه يَنبَغي أنْ يَكونَ الإحسانُ لِلعَدُوِّ قَويًّا بقَدرِ تَمَكُّنِ عَداوَتِه؛ لِيَكونَ أنجَعَ في اقتِلاعِها. ومِن الأقوالِ المَشهورةِ: (النُّفوسُ مَجبولةٌ على حُبِّ مَن أحسَنَ إليها) [554] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/293). .
- والتَّشبيهُ في قَولِه: كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ تَشبيهٌ في زَوالِ العَداوةِ، ومُخالَطةِ شَوائِبِ المَحَبَّةِ؛ فوَجهُ الشَّبَهِ هو المُصافاةُ والمُقارَبةُ، وهو مَعنًى مُتَفاوِتُ الأحوالِ، أيْ: مَقولٌ على جِنْسِه بالتَّشكيكِ على اختِلافِ تَأثُّرِ النَّفْسِ بالإحسانِ، وتَفاوُتِ قُوَّةِ العَداوةِ قبْلَ الإحسانِ، ولا يَبلُغُ مَبلَغَ المُشَبَّهِ به؛ إذْ مِنَ النَّادِرِ أنْ يَصيرَ العَدُوُّ وَليًّا حَميمًا، فإنْ صارَه فهو لِعَوارِضَ غَيرِ داخِلةٍ تَحتَ مَعنى الإسراعِ الَّذي آذَنَتْ به (إذا) الفُجائيَّةُ [555] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (5/16)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/293). .
- الوليُّ هو: الحليفُ والنَّاصِرُ، والحَميمُ: القَريبُ والصَّديقُ، ووَجْهُ الجَمعِ بيْن وَلِيٌّ حَمِيمٌ أنَّه جَمَعَ خَصلَتَيْنِ كِلتاهما لا تَجتَمِعُ مع العَداوةِ، وهُما خَصلَتا الوَلايةِ والقَرابةِ [556] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/294). ، وذلك على قولٍ.
6- قولُه تعالَى: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ عطْفٌ على جملةِ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، أو حالٌ مِن (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، وضميرُ يُلَقَّاهَا عائدٌ إلى (الَّتي هي أحسنُ) باعتبارِ تعلُّقِها بفعلِ (ادْفَعْ)، وهذا تَحريضٌ على الارتياضِ بخَصلةِ الدَّفعِ بالَّتي هي أحسَنُ؛ بإظهارِ احتياجِها إلى قُوَّةِ عَزمٍ، وشِدَّةِ مِراسٍ لِلصَّبرِ على تَرْكِ هَوى النَّفْسِ في حُبِّ الانتِقامِ، وفي ذلك تَنويهٌ بفَضلِها بأنَّها تُلازِمُها خَصلةُ الصَّبرِ، وهي في ذاتِها خَصلةٌ حَميدةٌ، وثَوابُها جَزيلٌ، كما عُلِمَ مِن عِدَّةِ آياتٍ في القُرآنِ [557] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/294، 295). .
- ومَعنى يُلَقَّاهَا يُجعَلُ لاقيًا لها، وهو مُعبَّرٌ به هنا عن السَّعيِ لِتَحصيلِها؛ لِأنَّ التَّحصيلَ على الشَّيءِ بَعدَ المُعالَجةِ والتَّخَلُّقِ يُشبِهُ السَّعيَ لِمُلاقاةِ أحَدٍ فيَلقاهُ [558] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/295). .
- وجِيءَ في يُلَقَّاهَا بالمُضارِعِ في المَوضِعَيْنِ، باعتِبارِ أنَّ المَأمورَ بالدَّفعِ بالَّتي هي أحسَنُ مَأْمورٌ بتَحصيلِ هذا الخُلُقِ في المُستَقبَلِ [559] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/295). .
- وكرَّر وَمَا يُلَقَّاهَا لِوُجوهٍ؛ الأوَّلُ: تأْكيدٌ لهذه الفعلةِ الجَميلةِ الجَليلةِ [560] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/307). . الثَّاني: أنَّه كرَّر إظهارَ البناءِ للمَفعولِ؛ للتَّنبيهِ على أنَّه لا قُدْرةَ عليها أصلًا إلَّا بتَوفيقِ الخالقِ بأمْرٍ باطِنيٍّ، يَقْذِفُه اللهُ في القلْبِ قذْفًا وَحْيًا، تَظهَرُ ثَمرتُه على سائرِ البَدنِ [561] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (17/189). . الثَّالثُ: أنَّ في إعادةِ فِعلِ وَمَا يُلَقَّاهَا دُونَ اكتِفاءٍ بحَرفِ العَطفِ؛ إظهارًا لِمَزيدِ الاهتِمامِ بهذا الخَبَرِ، بحيث لا يَستتِرُ مِن صَريحِه شَيءٌ تحت العاطفِ [562] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/295). .
- وجيءَ في الصِّلةِ -وهي الَّذِينَ صَبَرُوا- بالماضي؛ لِلدَّلالةِ على أنَّ الصَّبرَ خُلُقٌ سابِقٌ فيهم، هو العَونُ على مُعامَلةِ المُسِيءِ بالحُسْنى، ولهذه النُّكتةِ عُدِلَ عن أنْ يُقالَ: (إلَّا الصَّابِرونَ)؛ لِنُكتةِ كَونِ الصَّبرِ سَجيَّةً فيهم مُتَأصِّلةً، ثمَّ زِيدَ في التَّنويهِ بها بأنَّها ما تَحصُلُ إلَّا لِذي حَظٍّ عَظيمٍ. والحَظُّ: النَّصيبُ مِنَ الشَّيءِ مُطلَقًا، وقيلَ: خاصٌّ بالنَّصيبِ مِن خَيرٍ، والمُرادُ هنا: نَصيبُ الخَيرِ، بالقَرينةِ أو بدَلالةِ الوَضعِ، أيْ: ما يَحصُلُ دَفعُ السَّيِّئةِ بالحَسَنةِ إلَّا لِصاحِبِ نَصيبٍ عَظيمٍ مِنَ الفَضائِلِ، أيْ: مِنَ الخُلُقِ الحَسَنِ، والاهتِداءِ والتَّقوى، فتَحَصَّلَ مِن هذا أنَّ التَّخَلُّقَ بالصَّبرِ شَرْطٌ في الاضطِلاعِ بفَضيلةِ دَفعِ السَّيِّئةِ بالَّتي هي أحسَنُ، وأنَّه ليس وَحْدَه شَرطًا فيها، بلْ وَراءَه شُروطٌ أُخَرُ، يَجمَعُها قَولُه: حَظٍّ عَظِيمٍ، أيْ: مِنَ الأخلاقِ الفاضِلةِ -على قولٍ-، والصَّبرُ مِن جُملةِ الحَظِّ العَظيمِ؛ لِأنَّ الحَظَّ العَظيمَ أعَمُّ مِنَ الصَّبرِ، وإنَّما خُصَّ الصَّبرُ بالذِّكرِ؛ لأنَّه أصلُها، ورَأْسُ أمْرِها، وعَمودُها [563] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/295). .
- وأيضًا أفادَ قَولُه: ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ أنَّ الحَظَّ العَظيمَ مِنَ الخَيرِ سَجيَّتُه ومَلَكَتُه، كما اقتَضَتْه إضافةُ ذُو [564] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/295). .
7- قولُه تعالَى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
- قولُه: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ عطْفٌ على جُملةِ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا [فصلت: 35]؛ فبَعدَ أنْ أرشَدَ القُرآنُ إلى ما هو عَونٌ على تَحصيلِ الخُلُقِ المَأمورِ به، وهو دَفْعُ السَّيِّئةِ بالَّتي هي أحسَنُ، وبعْدَ أنْ شُرِحَتْ فائدةُ العمَلِ بها بقولِه: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: 34]؛ صُرِفَ العِنانُ هنا إلى التَّحذيرِ مِن عوائِقِها الَّتي تَجتَمِعُ كَثرَتُها في حَقيقةِ نَزْغِ الشَّيطانِ، فأمَرَ بأنَّه إنْ وَجَدَ في نَفْسِه خَواطِرَ تَصرِفُه عن ذلكَ، وتَدْعوه إلى دَفْعِ السَّيِّئةِ بمِثلِها، فإنَّ ذلك نَزْغٌ مِنَ الشَّيطانِ، دَواؤُه أنْ تَستَعيذَ باللهِ منه؛ فقد ضَمِنَ اللهُ له أنْ يُعيذَه إذا استَعاذَه؛ لِأنَّه أمَرَه بذلك، والخِطابُ لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ [565] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/296). .
- قولُه: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ النَّزغُ: النَّخسُ، وهو مَسٌّ شَديدٌ لِلجِلدِ بطَرَفِ عُودٍ أو إصبَعٍ، فهو مَصدَرٌ، وهو هنا مُعبَّرٌ به هنا عن اتِّصالِ القُوَّةِ الشَّيطانيَّةِ بخَواطِرِ الإنسانِ تَأمُرُه بالشَّرِّ وتَصرِفُه عنِ الخَيرِ. ويَجوزُ أنْ يَكونَ المُرادُ بالنَّزغِ هنا النَّازِغَ، وهو الشَّيطانُ، وُصِفَ بالمَصدَرِ لِلمُبالَغةِ، و(مِن) بَيانيَّةٌ، أيْ: يَنزَغَنَّكَ النَّازِغُ الَّذي هو الشَّيطانُ، والمُبالَغةُ حاصلةٌ على التَّقديرينِ، مع اختِلافِ جِهتِها [566] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/297). .
- وكذلك في جَعْلِ تَرْكِ الدَّفعِ بالأحسَنِ مِن آثارِ نَزَغاتِ الشَّيطانِ مَزيدُ تَحذيرٍ وتَنفيرٍ عنه [567] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/14). .
- قولُه: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ ... جيءَ في هذا الشَّرطِ بـ (إنْ) الَّتي الأصلُ فيها عَدَمُ الجَزْمِ بوُقوعِ الشَّرطِ؛ تَرفيعًا لِقَدْرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فإنَّ نَزْغَ الشَّيطانِ له إنَّما يُفرَضُ كما يُفرَضُ المُحالُ؛ ألَا تَرى إلى قولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف: 201]؛ فجاء في ذلك الشَّرطِ بحَرْفِ (إذا) الَّتي الأصْلُ فيها الجزْمُ بوُقوعِ الشَّرطِ أو بغَلَبةِ وُقوعِه [568] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/297). .
- وضَميرُ الفَصلِ في قَولِه: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ لِتَقويةِ الحُكمِ، وهو هنا حُكمٌ كِنائيٌّ؛ لِأنَّ المَقصودَ لازِمُ وَصفِ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وهو مُؤاخَذةُ مَن تَصدُرُ منهم أقوالٌ وأعمالٌ في أذَى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والكَيدِ له، مِمَّن أُمِرَ بأنْ يَدفَعَ سَيِّئاتِهم بالَّتي هي أحسَنُ، والمَعنى: فإنْ سَوَّلَ لكَ الشَّيطانُ ألَّا تُعامِلَ أعداءَكَ بالحَسَنةِ، وزَيَّنَ لكَ الانتِقامَ، وقالَ لكَ: كيف تُحسِنُ إلى أعداءِ الدِّينِ، وفي الانتِقامِ منهم قَطعُ كَيدِهم لِلدِّينِ؟! فلا تَأخُذْ بنَزْغِه، وخُذْ بما أمَرْناكَ، واستَعِذْ باللهِ مِن أنْ يُزِلَّكَ الشَّيطانُ؛ فإنَّ اللهَ لا يَخفَى عليه أمْرُ أعدائِكَ، وهو يَتوَلَّى جَزاءَهم [569] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/297، 298). .
- وفيه مُناسَبةٌ حسَنةٌ، حيثُ قال هنا: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فقالَه هنا بزِيادةِ هُوَ و(أل)، وفي سُورةِ (الأعرافِ) بدُونِهما، فقال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأعراف: 200]؛ ووجْهُ ذلك: أنَّ ما هنا في (فُصِّلت) مُتَّصِلٌ بمُؤَكِّدَيْنِ: بالتَّكرارِ، وبالحَصرِ في قولِه وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ؛ فناسَبَ التَّأكيدُ بما ذُكِرَ، وما في (الأعرافِ) ليس فيه ذلك؛ فجَرَى على القياسِ مِن كَونِ المُسنَدِ إليه مَعرِفةً، والمُسنَدِ نَكِرةً [570] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 506)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/415). . وقيل: الَّذي ذُكِرَ في (الأعراف) أخَفُّ على النَّفْسِ ممَّا ذُكِر في سُورةِ (فُصِّلت)؛ لأنَّ الإعراضَ عن الجاهلِ وترْكَه أخَفُّ على النَّفْسِ مِن الإحسانِ إلى المُسِيءِ، فتَتأفَّفُ النَّفْسُ مِن ذلك، ولا تَنقادُ له إلَّا بمُعالَجةٍ، ويُساعِدُها الشَّيطانُ في هذه الحالِ، فتَنفعِلُ له وتَسْتعصي على صاحِبِها، فتَحتاجُ إلى مُجاهَدةٍ وقُوَّةِ إيمانٍ؛ فلهذا أُكِّدَ ذلك هاهنا بضَميرِ الفصْلِ والتَّعريفِ باللَّامِ فقال: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [571] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/181). قال ابن القيم: (تأمَّلْ سِرَّ القُرآنِ الكريمِ؛ يتَّضحُ كيف أَكَّدَ الوصْفَ بـ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ بذِكْرِ صِيغةِ «هو» الدَّالِّ على تأْكيدِ النِّسبةِ واختِصاصِها، وعَرَّفَ الوصْفَ بالألِفِ واللَّامِ في سورة «حم» [فصلت]؛ لاقتِضاءِ المقامِ لهذا التَّأكيدِ، وتَرَكه في سُورةِ «الأعرافِ»؛ لاستِغناءِ المقامِ عنه؛ فإنَّ الأمْرَ بالاستعاذةِ في سورةِ «حم» [فصلت] وَقَعَ بعدَ الأمرِ بأشَقِّ الأشياءِ على النَّفْسِ؛ وهو مُقابَلةُ إساءةِ المُسيءِ بالإحسانِ إليه، وهذا أمْرٌ لا يَقْدِرُ عليه إلَّا الصَّابِرون، ولا يُلَقَّاهُ إلَّا ذو حظٍّ عَظيمٍ -كما قال اللهُ تعالى-، والشَّيطانُ لا يَدَعُ العبدَ يَفْعَلُ هذا؛ بلْ يُرِيه أنَّ هذا ذُلٌّ وعجْزٌ، ويُسَلِّطُ عليه عَدُوَّه فيَدْعُوه إلى الانتقامِ، ويُزَيِّنُه له، فإنْ عَجَز عنه دَعاهُ إلى الإعراضِ عنه؛ وألَّا يُسيءَ إليه ولا يُحْسِنَ، فلا يُؤْثِرُ الإحسانَ إلى المُسيءِ إلَّا مَن خالَفَه وآثَرَ اللهَ تعالى وما عِنْدَه على حَظِّه العاجلِ؛ فكان المقامُ مَقامَ تأْكيدٍ وتحريضٍ؛ فقال فيه: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وأمَّا في سُورةِ «الأعرافِ»؛ فإنَّه أمَرَه أنْ يُعْرِضَ عن الجاهِلين، وليس فيها الأمْرُ بمُقابَلةِ إساءتِهم بالإحسانِ؛ بلْ بالإعراضِ، وهذا سَهْلٌ على النُّفوسِ؛ غيرُ مُستعْصٍ عليها، فليس حِرْصُ الشَّيطانِ وسَعْيُه في دَفْعِ هذا كحِرْصِه على دَفْعِ المُقابَلةِ بالإحسانِ؛ فقال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف: 200]). ((بدائع الفوائد)) (2/267). .
وقيل: إنَّما قال هاهنا: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، فأكَّدَ بـ (إنَّ) وبضَميرِ الفصْلِ، وأتَى باللَّامِ في السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وقال في (الأعرافِ): إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف: 200]؛ لأنَّ سِرَّ ذلك -واللهُ أعلَمُ- أنَّه حيثُ اقتصَرَ على مُجرَّدِ الاسمِ ولم يُؤكِّدْه أُريدَ إثباتُ مُجرَّدِ الوصْفِ الكافي في الاستِعاذةِ، والإخبارِ بأنَّه سُبحانه يَسمَعُ ويَعلَمُ، فيَسمَعُ استِعاذتَك فيُجِيبُك، ويَعلَمُ ما تَستعيذُ منه فيَدفَعُه عنك، فالسَّمْعُ لِكلامِ المُستعيذِ، والعِلْمُ بالفِعلِ المُستعاذِ منه، وبذلك يَحصُلُ مَقصودُ الاستعاذةِ، وهذا المعنى شاملٌ لِلموضعَينِ، وامتازَ المذْكورُ في سُورةِ (فُصِّلَتْ) بمَزيدِ التَّأكيدِ والتَّعريفِ والتَّخصيصِ؛ لأنَّ سِياقَ ذلك بعْدَ إنكارِه سُبحانه على الَّذين شَكُّوا في سمْعِه لِقَولِهم وعِلْمِه بهم؛ فجاء التَّوكيدُ في قولِه: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ في سِياقِ هذا الإنكارِ، أي: هو وحْدَه الَّذي له كَمالُ قُوَّةِ السَّمْعِ وإحاطةِ العِلْمِ، لا كما يَظُنُّ به أعْداؤُه الجاهِلون أنَّه لا يَسمَعُ إنْ أخْفَوا، وأنَّه لا يَعلَمُ كثيرًا ممَّا يَعمَلون! وحسَّنَ ذلك أيضًا: أنَّ المأمورَ به في سُورةِ (فُصِّلت) دفْعُ إساءتِهم إليه بإحْسانِه إليهم، وذلك أشَقُّ على النُّفوسِ مِن مُجرَّدِ الإعراضِ عنهم، ولهذا عقَّبَه بقولِه: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: 35]، فحسُنَ التَّأكيدُ لِحاجةِ المُستعيذِ. وأيضًا فإنَّ السِّياقَ هاهنا لإثباتِ صِفاتِ كَمالِه، وأدِلَّةِ ثُبوتِها، وآياتِ رُبوبيَّتِه، وشَواهدِ تَوحيدِه، ولهذا عُقِّبَ ذلك بقولِه: وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ [فصلت: 37]، وبقولِه: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً [فصلت: 39]، فأتَى بأداةِ التَّعريفِ الدَّالَّةِ على أنَّ مِن أسمائِه (السَّميعَ العليمَ)، كما جاءت الأسماءُ الحُسْنى كلُّها مُعرَّفةً، والَّذي في (الأعرافِ) في سِياقِ وَعيدِ المشركينَ وإخوانِهم مِن الشَّياطينِ، ووَعْدِ المُستعيذِ بأنَّ له ربًّا يَسمَعُ ويَعلَمُ، وآلهةُ المُشرِكين الَّتي عبَدَوها مِن دُونِه ليس لهم أعيُنٌ يُبصِرون بها، ولا آذانٌ يَسْمَعون بها؛ فإنَّه سَميعٌ عَليمٌ، وآلِهَتُهم لا تَسمَعُ ولا تُبصِرُ ولا تَعلَمُ، فكيف تُسَوُّونَها به في العِبادةِ؟! فعلِمْتَ أنَّه لا يَلِيقُ بهذا السِّياقِ غيرُ التَّنكيرِ، كما لا يَلِيقُ بذلك غيرُ التَّعريفِ، واللهُ أعلَمُ بأسرارِ كَلامِه [572] يُنظر: ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/96، 97). .