موسوعة التفسير

سُورةُ الأعرافِ
الآيات (199-203)

ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ

غريب الكلمات:


الْعَفْوَ: أي: الميسورَ مِن أخلاقِ النَّاسِ، والعفوُ يُطلق على ضدِّ الجهدِ، فكلُّ شيءٍ متيسرٍ، لا مجهودَ فيه يسمَّى عفوًا، وأصلُ العَفْوِ: القَصدُ لِتَناوُلِ الشَّيءِ [2411] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 176)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/56)، ((المفردات)) للراغب (ص: 574)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 124)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 214). .
بِالْعُرْفِ:أي: المَعْرُوف مِن الإحسانِ، وأصلُ (عرف) يدلُّ على السُّكونِ والطُّمأنينةِ، ومنه العُرفُ والمعروفُ، سُمِّي بذلك؛ لأنَّ النُّفوسَ تسكُنُ إليه [2412] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 176)، ((تفسير ابن جرير)) (7/105)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/281)، ((المفردات)) للراغب (ص: 561)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 214)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 617). .
يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ: أي: يستَخِفَّنَّك منه خِفَّةٌ وغضَبٌ وعَجَلةٌ، أو يُحَرِّكنَّك بِالشَّرِّ. وأصلُ (نزغ): يدلُّ على إفسادٍ بينَ اثنَينِ [2413] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 176)، ((تفسير ابن جرير)) (10/645)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 508)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/416)، ((المفردات)) للراغب (ص: 798)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 124)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 215). .
مَسَّهُمْ: أي: أصابَهم، أو ألمَّ بِهم، والمسُّ يقالُ في كلِّ ما يَنالُ الإنسانَ مِن أذًى، وأصلُ (مس): جَسُّ الشَّيءِ باليَدِ [2414] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/646)، ((المفردات)) للراغب (1/767)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 83). .
طَائِفٌ: أي: عارِضٌ أو وَسْوَسةٌ مِن الشَّيطانِ، وأصلُ (طيف): يَدُلُّ على دَوَرانِ الشَّيءِ على الشَّيءِ [2415] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 317)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/432). ((المفردات)) للراغب (ص: 531)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 124)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 215). .
يَمُدُّونَهُمْ في الْغَيِّ : أي: يُزَيِّنونَه لهم، أو يُطِيلونَ لهم فيه، وأصلُ (مَدَّ): يدلُّ على جَرِّ شيءٍ في طُولٍ. والغَيُّ: خِلافُ الرُّشدِ، والانهماكُ في الباطِلِ [2416] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 176)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 508)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/399 و5/269))، ((المفردات)) للراغب (ص: 763)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 124)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 215). .
لَا يُقْصِرُونَ: أي: لا يَسأَمونَ، وأصلُ (قصر): كفٌّ مع القُدرةِ عليه [2417] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/651)، ((المفردات)) للراغب (ص: 673)، ((تفسير ابن كثير)) (3/535). .
اجْتَبَيْتَهَا: أي: تقوَّلْتَها مِن نَفْسِك؛ مِن اجتَبيتُ الشَّيءَ: إذا اختَرَعتَه وارتجَلْتَه واختَلقْتَه والاجتباءُ: الجَمعُ على طريقِ الاصْطفاءِ [2418] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 176)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/505)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1 /503)، ((المفردات)) للراغب (1 /186)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 55، 124)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 133، 215)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 52). .
بَصَائِرُ: أي: حُجَجٌ ظاهِرةٌ بَيِّنة، واحدتُها بَصِيرة، وأصلُ (بصر): العِلمُ بالشَّيءِ [2419] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/470)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 121)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/253)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 215). .

المعنى الإجمالي:


يأمُرُ اللهُ نبيَّه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَقبَلَ ما تيسَّرَ مِن أخلاقِ النَّاسِ، وأن يأمُرَ بالمَعروفِ الذي يُقِرُّه الشَّرعُ، وأن يُعرِضَ عمَّن جَهِلَ عليه.
ويأمُرُه إن ناله مِن الشَّيطانِ وَسوسةٌ ما أو غَضَبٌ أو غيرُ ذلك، أن يَستعيذَ باللهِ؛ إنَّه هو السَّميعُ العَليمُ.
ويخبِرُ تعالى أنَّ الذينَ اتَّقَوا إذا أصابَتْهم وسْوَسةٌ مِن الشَّيطانِ أو غضَبٌ أو غيرُ ذلك، تذكَّرُوا؛ فإذا هم يُبصِرونَ بقُلوبِهم هُدى الله، فيَنتَهونَ عن مَعصِيتِه.
كما يخبِرُ تعالى أنَّ إخوانَ الشَّياطينِ- وهُم كَفَرةُ الإنْسِ وفجَرَتُهم- تُزَيِّنُ لهم الشَّياطينُ الضَّلالَ، وتُعينُهم على الكُفرِ والمعاصي، ثمَّ لا يسأمُ الشَّياطينُ ولا يَفتُرونَ عن ذلك، كما أنَّ أولياءَهم مِن الإنسِ لا يُقصِرونَ في ارتكابِ تلك السَّيئاتِ.
ويُخاطِبُ اللهُ نَبيَّه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قائلًا له: وإذا لم تأتِ المُشركينَ بآيةٍ وَفْقَ ما يَطْلبونَ، قالوا: هلَّا أتَيتَ بها مِن تِلقاءِ نَفسِك، قل لهم- يا مُحمَّد: إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحيه إليَّ ربِّي، وهذا القُرآنُ عَلاماتٌ واضحة للهُدى، وحُجَجٌ قاطعةٌ على الحَقِّ مِن الله سبحانَه وتعالَى، ومُرشِدٌ إلى الصِّراطِ المُستقيمِ، ورحمةٌ في الدُّنيا والآخرةِ للمُؤمنينَ.

تفسير الآيات:


خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لما أشبعتِ السُّورة مِن أفانينِ قوارعِ المشركين، وعظتِهم، وإقامةِ الحجَّةِ عليهم، وفضحِ ضلالِهم، وفسادِ معتقدِهم، والتشويهِ بشركائِهم، وقد تخلَّل ذلك كلَّه التسجيلُ بمكابرتِهم، والتعجيبُ منهم كيفَ ينأَوْن بجانبِهم، وكيف يصمُّون أسماعَهم، ويغمضونَ أبصارَهم عما دُعوا إلى سماعِه وإلى النَّظر فيه، إلى غيرِ ذلك، وإذ قد كان مِن شأنِ ذلك أن يثيرَ في أنفسِ المسلمين كراهيةَ أهلِ الشِّرك، ويحفزَهم للانتقامِ منهم، ومجافاتِهم، والإعراضِ عن دعائِهم إلى الخيرِ- لا جرمَ شرَع في استئنافِ غرضٍ جديدٍ، يكونُ ختامًا لهذا الخوضِ البديعِ، وهو غرضُ أمرِ الرَّسول والمؤمنين بقلَّةِ المبالاةِ بجفاءِ المشركينَ وصلابتِهم، وبأن يَسَعوهم مِن عفوِهم، والدأبِ على محاولةِ هديِهم، والتبليغِ إليهم [2420] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/226-227). .
وأيضًا لَمَّا بَيَّن اللهُ تعالى أنَّه هو الذي يتولَّى رَسولَه، وأنَّ الأصنامَ وعابِدِيها لا يَقدِرونَ على الإيذاءِ والإضرارِ؛ بَيَّن في هذه الآيةِ ما هو المَنهَجُ القَويمُ والصِّراطُ المُستقيمُ في مُعاملةِ النَّاسِ [2421] يُنظَر: ((تفسير الرازي)) (15/434). ، فقال تعالى:
خُذِ الْعَفْوَ
أي: اقبَلْ ما تيسَّرَ مِن أخلاقِ النَّاسِ، وما سَمَحت به أنفُسُهم، ولا تُغلِظْ عليهم، فإنْ وَجدْتَ منهم خُلُقًا طَيِّبًا فاقبَلْه، وما جاءَك مِن غَيرِ ذلك فاصفَحْ عنه وتجاوَزْه، واترُكْ ما لك من الحَقِّ عليهم [2422] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/642)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 427)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/71)، ((تفسير ابن كثير)) (3/531)، ((تفسير السعدي)) (ص: 313)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/439). قال ابنُ عطيَّة: (وصيةٌ مِن اللهِ عَزَّ وجَلَّ لنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تعُمُّ جميعَ أمَّتِه، وأخْذٌ بِجَميعِ مَكارِمِ الأخلاقِ... معناه: اقبَلْ مِن النَّاسِ في أخلاقِهم وأقوالِهم ومُعاشَرتِهم، ما أتى عَفْوًا دونَ تكَلُّفٍ). ((تفسير ابن عطية)) (2/490). .
كما قال تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: 34-35] .
وعن عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: (أمَرَ اللهُ نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يأخُذَ العَفْوَ مِن أخلاقِ النَّاسِ) [2423] رواه البخاري (4644). .
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
أي: وأْمُرِ النَّاسَ- يا مُحمَّد- بالمَعروفِ الذي يُقِرُّه الشَّرعُ؛ مِن كُلِّ قَولٍ وفِعلٍ تَعرِفُ حُسنَه ونَفعَه العُقولُ والفِطَرُ السَّليمةُ، وتطمئِنُّ إليه النُّفوسُ المُستقيمةُ [2424] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/644)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 427)، ((تفسير البغوي)) (2/260)، ((تفسير القرطبي)) (7/346)، ((زاد المعاد)) لابن القيم (3/146)، ((تفسير الشوكاني)) (2/318)، ((تفسير السعدي)) (ص: 313)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/227)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/439). .
كما قال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: 104] .
  وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ
أي: وأعرِضْ عمَّن جَهِلَ عليك، فإذا سَفِهَ عليك، وأساءَ إليك، فلا تؤاخِذْه بزَلَّتِه [2425] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/645)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (2/291)، ((تفسير السعدي)) (ص: 313)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/442). قال الرَّازي: (المقصودُ منه أمرُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأنْ يصبِرَ على سُوءِ أخلاقِهم، وألَّا يُقابِلَ أَقوالَهم الرَّكيكةَ ولا أفعالَهم الخَسيسةَ بأمثالِها، وليس فيه دَلالةٌ على امتناعِه مِن القتالِ؛ لأنَّه لا يمتنِعُ أن يُؤمَرَ عليه السَّلامُ بالإعراضِ عن الجاهلينَ مع الأمرِ بقِتالِ المُشركينَ.. فحينئذ لا حاجةَ إلى التزامِ النَّسخِ، إلَّا أنَّ الظَّاهريَّةَ مِن المُفَسِّرينَ مَشغوفونَ بتَكثيِر النَّاسِخِ والمنسوخِ مِن غيرِ ضرورةٍ ولا حاجةٍ). ((تفسير الرازي)) (15/435). ويُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/645)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/181)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/227). وقال ابنُ القَيِّم: (ليس المرادُ إعراضَه عمَّن لا عِلمَ عِندَه، فلا يُعَلِّمُه ولا يُرشِدُه، وإنَّما المرادُ إعراضُه عن جَهلِ مَن جَهِلَ عليه، فلا يُقابِلُه ولا يُعاتِبُه). ((مفتاح دار السعادة)) (1/101). .
كما قال تعالى: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان: 63] .
وقال سبحانه: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص: 55] .
وعن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: ((قَدِمَ عُيينةُ بنُ حِصنِ بنِ حُذيفةَ، فنزل على ابنِ أخيه الحُرِّ بنِ قيسٍ، وكان مِن النَّفَرِ الذين يُدنِيهم عُمَرُ، وكان القُرَّاءُ أصحابَ مجالسِ عمرَ ومُشاورتِه، كهولًا كانوا أو شبَّانًا، فقال عُيينةُ لابنِ أخيه: يا ابنَ أخي، هل لك وجهٌ عندَ هذا الأميرِ؟ فاستأذِنْ لي عليه، قال: سأستأذِنُ لك عليه، فاستأذَنَ الحرُّ لِعُيَينةَ، فأذِنْ له عُمرُ، فلما دخَل عليه قال: هِيْ [2426] هِيْ: كَلمةٌ للزَّجرِ وطَلَبِ الكَفِّ، كما يُقال: إيهٍ عنَّا، أي: كُفَّ. ينظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (13/259). يا ابنَ الخطَّابِ، فواللهِ ما تُعطينا الجَزلَ [2427] الجَزْل: العَطاء الكثير. يُنظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (25/37). ولا تَحكمُ بيننا بالعَدلِ! فغضِبَ عُمرُ حتى همَّ أن يوقِعَ به، فقال له الحرُّ: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ اللهَ تعالى قال لنبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وإنَّ هذا مِن الجاهِلينَ. واللهِ ما جاوَزها عمرُ حينَ تلاها عليه، وكان وقَّافًا عندَ كتابِ اللهِ )) [2428] رواه البخاري (4642). .
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لما كان الشيطانُ بعداوتِه لبني آدمَ مجتهدًا في التنفيرِ من هذه المحاسنِ المذكورةِ في قولِه تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ والترغيبِ في أضدادِها- شرَع لأُمتِه ما يعصمُهم منه عندَ نزغِه، مخاطبًا له بذلك؛ ليكونَ أدعَى لهم إلى القبولِ، وأجدرَ باشتدادِ الخوفِ المقتضي للفرارِ، المثمرِ للنَّجاة [2429] يُنظَر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/203، 204). .
وأيضًا لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى في الآيةِ السَّابقةِ أفضَلَ ما يُعامِلُ البَشَرُ به بعضُهم بعضًا، ولو عَمِلَ النَّاسُ بهذه الوصايا لصَلَحَت أحوالُهم، ولم يجِدِ الفَسادُ إليهم سبيلًا- قفَّى عليها بالوصيَّةِ باتِّقاءِ إفسادِ الشَّيطانِ [2430] يُنظَر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/450). .
وأيضًا أنَّه عندَ الأمرِ بالعُرفِ ربَّما يَهيجُ سَفيهٌ ويُظهِرُ السَّفاهةَ، فعند ذلك أمرَ تعالى نبيَّه بالسُّكوتِ عن مُقابَلتِه، فقال: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ولَمَّا كان مِن المَعلومِ أنَّه عند إقدامِ السَّفيهِ على السَّفاهةِ يَهيجُ الغَضَبُ والغَيظُ، ولا يبقى الإنسانُ على حالةِ السَّلامةِ، وعند تلك الحالةِ يَجِدُ الشَّيطانُ مَجالًا في حَملِ ذلك الإنسانِ على ما لا ينبغي- لا جرَمَ بَيَّن تعالى ما يَجري مَجْرى العلاجِ لهذا الغَرَضِ، فقال [2431] يُنظَر: ((تفسير الرازي)) (15/435-436). :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
أي: وإن نالَك مِن الشَّيطانِ وَسوسةٌ ما أو غَضَبٌ أو غيرُ ذلك؛ لِيُثبِّطَك عن الخيرِ، أو يَحُثَّك على الشَّرِّ والفَسادِ، أو يحمِلَك على الغَضَبِ، ومُجازاةِ مَن جَهِلَ عليك- فالتجِئْ إلى اللهِ، واطلُبْ منه أن يحفَظَك مِن الشَّيطانِ [2432] يُنظَر: ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (1/236)، ((تفسير ابن جرير)) (10/645، 646)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/396)، ((تفسير ابن كثير)) (3/533)، ((تفسير السعدي)) (ص: 313)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/229، 230)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/444). قال ابن عطية: (النزغُ حركةٌ فيها فسادٌ، وقلَّما تُستعمَلُ إلَّا في فعلِ الشَّيطانِ؛ لأنَّ حركاتِه مسرعةٌ مفسدةٌ). ((تفسير ابن عطية)) (2/491). وقال ابنُ عاشور: (وهذا الأمرُ مرادٌ به رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ابتداءً، وهو شامِلٌ لأمَّتِه... وحَظُّ المؤمنينَ منه أقوى؛ لأنَّ نَزغَ الشَّيطانِ إيَّاهم أكثَرُ؛ فإنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُؤيَّدٌ بالعِصمةِ، فليس للشَّيطانِ عليه سبيلٌ). ((تفسير ابن عاشور)) (9/229، 230). .
عن سُلَيمانَ بنِ صُرَدٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: كنتُ جالسًا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ورجلانِ يَستبَّانِ، فأحَدُهما احمَّرَ وَجهُه، وانتفخَتْ أوداجُه [2433] أوداجُه: جَمعُ وَدَجٍ: وهو عِرقٌ في الحَلقِ في المَذبحِ. وانتفاخُ الأوداجِ كنايةٌ عن شِدَّةِ الغَضَبِ. ينظر: ((عمدة القاري)) للعيني (15/175). ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنِّي لأعلَمُ كَلمةً لو قالَها، ذهب عنه ما يَجِدُ، لو قال: أعوذُ باللهِ مِن الشَّيطانِ، ذهَبَ عنه ما يجِدُ )) [2434] رواه البخاري (3282)، واللفظ له، ومسلم (2610). .
وعن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عنه، قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقولُ: مَن خلَق كذا؟ مَن خلَق كذا؟ حتى يقولَ: مَن خلَق ربُّك؟ فإذا بلَغه فليستعِذْ بالله ولْيَنْتَهِ )) [2435] رواه البخاري (3276)، ومسلم (134). .
إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
أي: إنَّ اللهَ الذي تستعيذُ به مِن نَزغِ الشَّيطانِ، سَميعٌ لِدُعائِك، ولِوَسْوسةِ الشَّيطانِ، ولكلِّ صوتٍ، عليمٌ باستعاذَتِك، وبِوَسْوسةِ الشَّيطانِ، ولا يخفَى عليه شيءٌ؛ فهو الذي بيَدِه إنجاؤُك منه، وحمايَتُك مِن نَزَغاتِه [2436] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/645)، ((تفسير السعدي)) (ص: 313)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/445). .
كما قال تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: 36] .
وقال عزَّ وجلَّ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس: 1- 6].
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا بَيَّنَ تعالى في الآيةِ السَّابِقةِ أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد ينزَغُه الشَّيطانُ، وبيَّنَ أنَّ علاجَ هذه الحالةِ الاستعاذةُ بالله؛ بيَّنَ هنا في هذه الآيةِ أنَّ حالَ المتَّقينَ يَزيدُ على حالِ الرَّسولِ في هذا البابِ [2437] يُنظَر: ((تفسير الرازي)) (15/436-437). ، فقال:
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا
أي: إنَّ الَّذينَ اتَّقَوا اللهَ تعالى بفِعلِ الواجِباتِ، وتَرْكِ الشِّرْكِ والسَّيِّئاتِ، إذا أصابَتْهم وَسْوسةٌ مِن الشَّيطانِ، أو غضَبٌ أو غيرُ ذلك، فَهَمُّوا بتَرْكِ طاعةِ اللهِ، أو اقترافِ مَعصيَتِه- تذَكَّروا عَظَمةَ اللهِ تعالى، وما يَعلَمونَه مِن عِقابِه وثَوابِه، وما أمَرَهم به مِن الاستعاذةِ مِن الشَّيطانِ [2438] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/646 - 651)، ((تفسير ابن عطية)) (2/492)، ((تفسير القرطبي)) (7/350)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/347)، ((تفسير ابن كثير)) (3/534)، ((تفسير القاسمي)) (5/243). قال ابنُ تيميَّةَ: (الشَّيطانُ إذا زيَّنَ المَعصيةَ يجعَلُ في القَلبِ ظُلمةً، ويُضعِفُ نورَ الإيمانِ، ولهذا سمَّاه طائفًا، أي: يَطيفُ بالقَلبِ مثلَ ما يَطيفُ الخيالُ بالنَّائمِ، ويغيبُ عن القلبِ حينئذٍ مِن أمرِ اللهِ ونَهيِه ووَعْدِه ووَعيدِه ما يُناقِضُ ذلك، فإذا كان العَبدُ مُتَّقيًا للهِ أمَدَّه اللهُ تعالى بنورِ الإيمانِ، فذكرَ ما في الذَّنبِ مِن عذابِ اللهِ وسَخَطِه، وما يَفوتُه به مِن كرامةِ اللهِ وثَوابِه). ((جامع المسائل)) (5/256). وقال مُحمَّد رشيد رضا: (تَذَكَّرُوا أنَّ هذا مِن عَدُوِّهم الشَّيطانِ وإغوائِه، وما أمرَ اللهُ تعالى به في هذه الحالِ مِن الاستعاذةِ به، والالتجاءِ إليه في الحِفظِ منه، وقال بعضُهم: تذكَّروا ما أمَرَ اللهُ تعالى به ونهى عنه، وقال آخَرونَ: تذكَّروا عِقابَ اللهِ لِمَن أطاع الشَّيطانَ وعصى الرَّحمنَ، وجزيلَ ثوابِه لِمَن عصى الشَّيطانَ وأطاع الرَّحمنَ، وقال بعضُهم: تذكَّروا وَعدَه ووعيدَه، ومآلُ الأقوالِ كُلِّها واحدٌ، وهو يَعُمُّها كما تُفيدُه قاعدةُ حَذفِ المَفعولِ). ((تفسير المنار)) (9/453). .
كما قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: 135] .
فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ
أي: فإذا المُتَّقونَ بِسَببِ ذلك التذكُّرِ يُبصِرونَ بقُلوبِهم هُدى اللهِ، ومكائِدَ الشَّيطانِ، ومَواطِنَ الزَّلَلِ، فيَنتَهونَ عَن مَعصِيَتِه سُبحانه [2439] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/650)، ((تفسير القاسمي)) (5/243)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/233)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/446). .
عن حُذيفةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((تُعرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ كالحَصيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قَلبٍ أُشْرِبَها، نُكِتَ فيه نُكتةٌ [2440] نُكِتَ فيه نُكتةٌ: أي: نُقِطَتْ وَأَثَّرَتْ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للملا الهروي (8/3378) سَوداءُ، وأيُّ قَلبٍ أنكَرَها، نُكِتَ فيه نُكتةٌ بَيضاءُ، حتى تصيرَ على قَلبينِ؛ على أبيضَ مِثلِ الصَّفَا [2441] الصَّفا: الحَجَر الأملَس؛ من غايةِ البَياضِ والصَّفاءِ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للملا الهروي (8/3378). ، فلا تَضَرُّه فتنةٌ ما دامَتِ السَّمَواتُ والأرضُ، والآخَرُ أسوَدُ مُرْبادًّا [2442] مُربادًّا: أي: صار كلَونِ الرَّمادِ؛ مِنَ الرُّبدةِ: لونٌ بين السَّوادِ والغُبرةِ. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (2/183)، ((مرقاة المفاتيح)) للملا الهروي (8/3378). كالكُوزِ مُجَخِّيًا [2443] كالكُوزِ مُجَخِّيًا: أي: كالكوزِ المائِلِ المنكوسِ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للملا الهروي (8/3378). ، لا يَعرِفُ مَعروفًا، ولا يُنكِرُ مُنكرًا، إلَّا ما أُشْرِبَ مِن هَواه )) [2444] رواه مسلم (144). .
وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّها عَطفٌ على جُملةِ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا عطفَ الضِّدِّ على ضِدِّه؛ فإنَّ الضِّدِّيةَ مُناسَبةٌ يحسُنُ بها عَطفُ حالِ الضِّدِّ على ضِدِّه، فلمَّا ذَكَر شَأنَ المتَّقينَ في دَفْعِهم طائِفَ الشَّياطينِ، ذكَرَ شَأنَ أضدادِهم مِن أهْلِ الشِّركِ والضَّلالِ [2445] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/233). ، فقال:
وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ
أي: وإخوانُ الشَّياطينِ- وهم كَفَرةُ الإنسِ وفَجَرتُهم- تُزَيِّنُ لهم الشَّياطينُ الضَّلالَ، وتُساعِدُهم على الكُفرِ والمعاصي [2446] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/650)، ((تفسير البغوي)) (2/262)، ((تفسير ابن عطية)) (2/492)، ((تفسير الزمخشري)) (2/191)، ((تفسير القرطبي)) (7/351)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/32)، ((تفسير ابن كثير)) (3/534)، ((تفسير القاسمي)) (5/244)، ((تفسير السعدي)) (ص: 313)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/447). وهذا القولُ- وهو أنَّ إخْوانَ الشَّياطِينِ يَمُدُّهُم الشَّياطينُ في الغيِّ- هو قَولُ جُمهورِ المُفَسِّرينَ.ينظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/492)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/548)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/235). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلف: ابنُ عبَّاس، والسُّدِّي، ومجاهدٌ، وقتادةُ، وعبدُ الله بنُ كثيرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (5/1641)، ((تفسير ابن جرير)) (10/651)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (3/633). وقيل: وإخوانُ الشَّياطينِ- وهُم كَفَرةُ الإنسِ- يَمُدُّونَ الشَّياطينَ في الغَيِّ بإغواءِ النَّاسِ. هذا ما استظهَرَه الرَّازي. يُنظَر: ((تفسير الرازي)) (15/438). .
كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [مريم: 83] .
وقال سبحانه: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا [الأنعام: 128] .
وقال عزَّ وجلَّ: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء: 27] .
ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ
أي: إنَّ الشَّياطينَ لا تَسأمُ ولا تَفتُرُ مِن إمدادِ أوليائِهم مِن الإنسِ بالضَّلالِ، ولا تتوقَّفُ عن تَزيِينِ الكُفرِ والمعاصي لهم، وكذلك أولياؤُهم مِن الإنسِ لا يُقصِرونَ أيضًا في ارتكابِ تلك السَّيِّئاتِ، فهم دائمًا في ازديادٍ مِن الآثامِ [2447] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/650، 651)، ((تفسير ابن كثير)) (3/535)، ((تفسير السعدي)) (ص: 313)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/447). واختار أنَّ قولَه: ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ يشملُ الشياطينَ وأولياءَهم مِن الإنسِ: ابنُ جريرٍ والسعديُّ، وذكَر ابنُ كثيرٍ القولينِ، واختار الشنقيطيُّ أنَّ المقصودَ به الشَّياطين. .
وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى أنَّ شياطينَ الجِنِّ والإنسِ لا يُقصِرونَ في الإغواءِ والإضلالِ؛ بيَّنَ في هذه الآيةِ نوعًا مِن أنواعِ الإغواءِ والإضلالِ، وهو: أنَّهم كانوا يَطلُبونَ آياتٍ مُعَيَّنةً، ومعجزاتٍ مَخصوصةً على سبيلِ التعنُّتِ [2448] يُنظَر: ((تفسير الرازي)) (15/438). ، فقال تعالى:
وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا
أي: وإذا لم تأتِ المُشركينَ- يا مُحمَّدُ- بآيةٍ وَفقَ ما يطلُبونَ، قالوا: هلَّا أتيتَ بها، وافتعلتَها مِن تلقاءِ نفسِك [2449] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/654، 656)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/182، 183)، ((تفسير القرطبي)) (7/352)، ((تفسير ابن كثير)) (3/535)، ((تفسير السعدي)) (ص: 314)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/236، 237). المرادُ بالآيةِ هنا قيل: المعجزةُ الخارقةُ ممَّا يقتَرِحونَ عليه- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقيل: المرادُ: آيةٌ يتلوها عليهم مِن غَيرِ ما أُنزِلَ إليه. ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/236-237). وقال الشِّنقيطي: (اجْتَبَيْتَهَا أصلُ الاجتباءِ معناه المشهورُ في لغة العَرَبِ: الاختيارُ والاصطفاءُ. هذا أشهَرُ معانيه المعروفةِ... وقالت جماعةٌ مِن المفسِّرين: العربُ تقول: اجتبيتُ الكلامَ: إذا اختلقْتَه واخترعتَه مِن وَقتِه، ولم يكُن عندكَ فيما سبق... قَالُواْ لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا هلَّا جِئتَ بها مُختَرَعةً مُختلَقةً في عَجَلةٍ؛ لأنَّهم يَزعمونَ أنَّ كلَّ القُرآنِ اختلاقٌ... وذهبت جماعةٌ أخرى مِن أهلِ التَّأويلِ إلى أنَّ الآيةَ المطلوبةَ هنا آيةٌ كونيَّةٌ قَدَريَّةٌ، كما قال: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا [الإسراء: آية 90]... وعلى أنَّ الآيةَ المطلوبةَ هنا كونيَّةٌ قَدَريَّةٌ، قال بعضُ العُلماءِ: معنى لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا هلَّا اقترحتَها وتَلقَّيتَها مِن تلقاءِ رَبِّك؛ لأنَّك تزعُمُ أنَّ كُلَّ ما سألتَ منه يُعطيك إيَّاه). ((العذب النمير)) (4/450-451). .
كما قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا [الفرقان: 21].
وقال سبحانه: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ [الإسراء: 90-93] .
وقال تبارك وتعالى: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ [العنكبوت: 50] .
وقال عز وجل: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ [يونس: 15] .
قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي
أي: قُلْ- يا مُحمَّدُ- للمُشركينَ الذينَ يَطلبونَ مِنك الآياتِ: ليس لي ذلك، وهو ليس مِن شأني، إنَّما أنا عبدٌ مأمورٌ، لا أتَّبِعُ إلَّا ما يُوحيه إليَّ ربِّي [2450] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/657)، ((تفسير ابن كثير)) (3/535)، ((تفسير السعدي)) (ص: 314)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/451). .
كما قال تعالى: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ [الأنعام: 50] .
وقال سبحانه: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت: 50-51] .
هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ
مُناسَبَتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا حكى اللهُ تعالى قَولَ المُشركينَ: لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا؛ بَيَّنَ لهم أنَّ هذا القُرآنَ العظيمَ أعظَمُ آيةٍ، لا ينبغي للإنسانِ أن يطلُبَ آيةً غَيرَه [2451] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (8/582)، ((تفسير ابن كثير)) (3/158)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة المائدة)) (2/217-218). ، فقال تعالى:
هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ
أي: هذا القُرآنُ العظيمُ عَلاماتٌ للهُدى بَيِّناتٌ، وحُجَجٌ على الحَقِّ قاطعاتٌ، وأنوارٌ للقُلوبِ ساطعاتٌ مِن ربِّكم سبحانه وتعالى [2452] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/657)، ((تفسير ابن عطية)) (2/493)، ((تفسير السعدي)) (ص: 314)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/453). .
وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
أي: وهذا القُرآنُ مُرشِدٌ إلى الصِّراطِ المُستقيمِ، ورحمةٌ في الدُّنيا والآخرةِ للمُؤمنينَ الذين يعملونَ بما فيه [2453] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/657)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/238)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/456). .
كما قال تعالى: هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [الجاثية: 20] .
وقال سبحانه: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: 15-16] .
وقال جلَّ جلاله: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: 89] .
وقال عزَّ وجلَّ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9] .
وقال سبحانه وتعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [فصلت: 44] .
وقال تبارك وتعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء: 82] .

الفوائد التربوية:


1- قال الله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ هذه الآيةُ مِن ثلاثِ كلماتٍ، تضمَّنَت قواعِدَ الشَّريعةِ في المأموراتِ والمنهِيَّاتِ؛ فَقولُه: خُذِ الْعَفْوَ دخل فيه صلةُ القاطعينَ، والعَفوُ عن المُذنِبينَ، والرِّفقُ بالمؤمنينَ، وغيرُ ذلك من أخلاقِ المُطيعينَ، ودخَلَ في قولِه: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ صِلةُ الأرحامِ، وتَقْوى اللهِ في الحَلالِ والحرامِ، وغضُّ الأبصارِ، والاستعدادُ لدارِ القَرارِ، وفي قولِه: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ الحَضُّ على التعلُّقِ بالعِلمِ، والإعراضُ عن أهلِ الظُّلمِ، والتنَزُّهُ عن مُنازعةِ السُّفَهاءِ، ومُساواةِ الجَهَلةِ الأغبياءِ، وغيرُ ذلك من الأخلاقِ الحميدةِ، والأفعالِ الرَّشيدةِ [2454] يُنظَر: ((تفسير القرطبي)) (7/344). .
2- قَولُ الله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ فيه جِماعُ الأخلاقِ الكريمةِ، وقد تضمَّن الحثَّ على حُسنِ المعاشرةِ مع الخلقِ، وأداءَ حقِّ الله فيهم، والسلامةَ مِن شرِّهم، فلو أخَذ النَّاس كلُّهم بهذه الآيةِ لكفَتْهم وشَفَتْهم؛ فإنَّ الإنسانَ مع النَّاسِ مأمورٌ أن يأخُذَ منهم ما يحِبُّ، ما سَمَحوا به، ولا يُطالِبَهم بزيادةٍ؛ فإنَّ العفوَ ما عفا مِن أخلاقِهم، وسمحَتْ به طبائعُهم، ووسِعهم بذلُه مِن أموالِهم وأخلاقِهم، فهذا ما منهم إليه. وأمَّا ما يكونُ منه إليهم فأمرُهم بالمعروفِ، وهو ما تشهدُ به العقولُ، وتعرفُ حسنَه، وهو ما أمَر الله به. وإذا فعَل معه جاهلُهم ما يَكرَهُ فإنَّه يُعرضُ عنه، ويتركُ الانتقامَ لنفسِه والانتصارَ لها، فأيُّ كمالٍ للعبدِ وراءَ هذا؟ وأيُّ معاشرةٍ وسياسةٍ لهذا العالمِ أحسنُ مِن هذه المعاشرةِ والسياسةِ؟ فلو فكَّر الرجلُ في كلِّ شرٍّ يلحقُه مِن العالمِ- أي الشرِّ الحقيقيِّ الذي لا يوجبُ له الرفعةَ والزلفَى مِن الله- وجَد سببَه الإخلالَ بهذه الثلاثِ أو بعضِها، وإلا فمع القيامِ بها فكلُّ ما يحصلُ له مِن النَّاس فهو خيرٌ له، وإن كان شرًّا في الظاهرِ [2455] يُنظَر: ((الرسالة التبوكية)) لابن القيم (ص:75)، ويُنظَر أيضًا: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (30/370، 371). قال بعضُ العُلَماءِ: النَّاسُ رَجُلانِ: فرَجُلٌ مُحسِنٌ، فخُذ ما عفا لك من إحسانِه، ولا تُكَلِّفْه فوقَ طاقَتِه ولا ما يُحرِجُه. وإمَّا مُسيءٌ، فمُرْه بالمعروفِ، فإنْ تمادى على ضَلالِه واستعصى عليك، واستمَرَّ في جَهلِه؛ فأعرِضْ عنه، فلعَلَّ ذلك أن يَرُدَّ كَيدَه. ينظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/532). .
3- قَولُه تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وقَولُه تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون: 96-98] ، وقَولُه تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: 34-36] هذه الآياتُ الثَّلاثُ- في «الأعرافِ» و«المؤمنون» و«فُصِّلَت»- لا رابعَ لهنَّ، فإنَّه تعالى يُرشِدُ فيهنَّ إلى مُعاملةِ العاصي من الإنسِ بالمَعروفِ، والتي هي أحسَنُ؛ فإنَّ ذلك يكُفُّه عمَّا هو فيه مِن التَّمرُّدِ بإذنه تعالى؛ ولهذا قال: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ثم يُرشِدُ تعالى إلى الاستعاذةِ به من شيطانِ الجانِّ؛ فإنَّه لا يكفُّه عنك الإحسانُ، وإنَّما يُريدُ هَلاكَك ودَمارَك بالكُليَّةِ؛ فإنَّه عَدوٌّ مُبينٌ لك ولأبيك مِن قَبلِك [2456] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/532، 533). .
4- قال الله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ الأمرُ بالاستعاذةِ قد عُلِّلَ بعلَّتينِ:
أولاهما: أنَّ الاستعاذةَ باللهِ مَنجاةٌ للرَّسولِ- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- مِن نَزغِ الشَّيطانِ.
والثانية: أنَّ في الاستعاذةِ باللهِ مِن الشَّيطانِ تَذكُّرَ أنَّ الواجِبَ مُجاهدةُ الشَّيطانِ، والتيقُّظُ لِكَيدِه، وأنَّ ذلك التيقُّظَ سُنَّةُ المُتَّقينَ؛ فالرَّسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مأمورٌ بِمُجاهدةِ الشَّيطانِ؛ لأنَّه مُتَّقٍ، ولأنَّه يبتهِجُ بمُتابعةِ سِيرةِ سَلَفِه مِن المتَّقينَ، كما قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [2457] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/231). [الأنعام: 90] .
5- قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ لا شيءَ أقوى على طَردِ الشَّيطانِ مِن ذِكرِ اللهِ تعالى بالقَلبِ، ومُراقَبتِه في السِّرِّ والجَهرِ؛ فذِكرُ اللهِ تعالى بأيِّ نَوعٍ مِن أنواعِه يُقَوِّي في النَّفسِ حُبَّ الحقِّ، ودواعيَ الخَيرِ، ويُضعِفُ فيها المَيلَ إلى الباطِلِ والشَّرِّ، حتى لا يكونَ للشَّيطانِ مَدخلٌ إليها [2458] يُنظَر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/453). .
6- قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ المتَّقونَ إذا أصابَهم هذا الطَّيفُ الذي يَطيفُ بِقُلوبِهم، يتذَكَّرونَ ما عَلِمُوه قبل ذلك، فيزولُ الطَّيفُ، ويُبْصِرونَ الحَقَّ الذي كان معلومًا، ولكِنَّ الطَّيفَ يمنَعُهم عن رُؤيَتِه [2459] يُنظَر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/347، 348). .
7- قَولُ اللهِ تعالى: إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ فيه تنبيهٌ على أنَّ مَن تمادى مع الشَّيطانِ عَمِيَ، وأنَّ مَسَّ الشَّيطانِ يُعمِي ويَطمِسُ ويُغلِقُ البصيرةَ [2460] يُنظَر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/206).
8- القرآنُ العظيمُ يُستبصَرُ به في جميعِ المَطالِبِ الإلهيَّةِ، والمقاصِدِ الإنسانيَّةِ؛ يُبَيِّنُ ذلك قَولُ اللهِ تعالى: هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [2461] يُنظَر: ((تفسير السعدي)) (ص:313). .
9- ذَكرَ اللهُ في غيرِ مَوضعٍ مِن كِتابِه أنَّ الرَّحمةَ تَحصُلُ بالقرآنِ، كقَولِه تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: 82] ، وقال هنا في سورةِ الأعرافِ: هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [2462] يُنظَر: ((الاستقامة)) لابن تيمية (1/396). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قال الله تعالى: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ الأمرُ يشمَلُ النَّهيَ عَن الضِّدِّ؛ فإنَّ النَّهيَ عَن المُنكَرِ أمْرٌ بالمعروفِ، والأمرَ بالمَعروفِ نَهيٌ عن المُنكَرِ؛ لأنَّ الأمرَ بالشَّيءِ نَهيٌ عَن ضِدِّه، وإنَّما اقتصَرَ على الأمرِ بالعُرفِ هنا؛ لأنَّه الأهَمُّ في دَعوةِ المُشركينَ، لأنَّه يدعوهم إلى أصولِ المَعروفِ واحدًا بعد واحدٍ [2463] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/228). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ أشار إلى مَزيدِ اعتنائِهم بالإغواءِ، ومُثابَرتِهم على الإضلالِ والإغراءِ بأداةِ التَّراخي، فقال: ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ أي: لا يتركُونَ إغواءَهم ولو لحظةً؛ لِجَهلِهم وشَرِّهم [2464] يُنظَر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/207). .
قال تعالى وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ فإخوانُ الشَّياطينِ تَمُدُّهم الشَّياطينُ في غَيِّهم ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ لا تُقصِرُ الشَّياطينُ عَن المَدَد والإمدادِ، ولا الإنسُ عن الغَيِّ، فلا يُبصِرونَ مع ذلك الغَيِّ ما هو معلومٌ لهم مُستقِرٌّ في فِطَرِهم، لكِنَّهم يَنسَونَه؛ ولِهذا كانت الرُّسُل إنَّما تأتي بتَذكيرِ الفِطرةِ ما هو معلومٌ لها، وتقويَتِه وإمدادِه، ونَفيِ المُغَيِّر للفِطرةِ، فالرسُلُ بُعِثوا بتقريرِ الفِطرةِ وتكميلِها، لا بِتَغييرِ الفِطرةِ وتَحويلِها، والكمالُ يَحصُلُ بالفِطرةِ المُكَمَّلة بالشِّرعةِ المُنَزَّلة [2465] يُنظَر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/347، 348). .

بلاغة الآيات:


قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ
التَّعريفُ في الْعَفْوَ تعريفُ الجِنسِ؛ فهو مُفيدٌ للاستغراقِ [2466] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/226). .
والاجتزاءُ بالأمرِ بالعُرفِ عنِ النَّهيِ عن المُنكَرِ مِن الإيجازِ [2467] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/228). .
وحُذِفَ مَفعولُ الأمرِ في قَولِه: وَأْمُرْ لإفادةِ عُمومِ المأمورينَ، فأمَرَ اللهُ رسولَه بأن يأمُرَ النَّاسَ كُلَّهم بكلِّ خَيرٍ وصلاحٍ، فيدخُلُ في هذا العمومِ المُشركونَ دُخولًا أوَّليًّا؛ لأنَّهم سبَبُ الأمرِ بهذا العُمومِ [2468] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/228). .
قوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
جملة: إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ في موقِعِ العلةِ للأمرِ بالاستعاذةِ بالله مِن الشَّيطانِ [2469] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/231). .
وقال اللهُ تعالى هنا: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وقال في سُورةِ فُصِّلَت: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: 36] ، فجاء في الآيةِ هنا سَمِيعٌ عَلِيمٌ على لفظِ النَّكرةِ، وفي سورةِ فُصِّلَت مُعرَّفتينِ بالألفِ واللَّامِ، مُؤَكَّدَتينِ بـ (هو)، وذلك لمناسبةٍ حسنة؛ أنَّ التي هنا وقع في فاصلةِ ما قَبلَها من الفواصِلِ أفعالُ جماعةٍ، وأسماءٌ مأخوذةٌ من الأفعالِ: نحوُ قَولِه تعالى: فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، وبَعْدَه يُخْلَقُونَ، و يَنْصُرُونَ، و لَا يُبْصِرُونَ، والْجَاهِلِينَ، فأُخرِجَت هذه الفاصلةُ بأقرَبِ ألفاظِ الأسماءِ المُؤدِّيةِ معنى الفِعلِ، وهي النَّكِرةُ، وكان المعنى: استعِذْ باللهِ إنَّه يسمَعُ استعاذَتَك، ويعلَمُ استجارَتَك.
والتي في سورة فُصِّلَت: قبلها فواصِلُ سلك بها طريقَ الأسماءِ، وهي ما في قَولِه تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: 34، 35]. فقولُه: وَلِيٌّ حَمِيمٌ ليس من الأسماءِ التي يُرادُ بها الأفعالُ، وكذلك قَولُه: ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ليس ذو حَظِّ بمعنى فِعلٍ، فأُخرِجَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ بعد الفواصِلِ التي هي على سَنَنِ الأسماءِ على لفظٍ يَبعُدُ عَن اللَّفظِ الذي يؤدِّي معنى الفِعلِ، فكأنَّه قال: إنَّه هو الذي لا يَخفى عليه مسموعٌ ولا معلومٌ، فليس القصدُ الإخبارَ عن الفِعلِ، كما كان في الأولى: إنَّه يَسمَعُ الدُّعاءَ، ويعلَمُ الإخلاصَ، فهذا فَرقُ ما بين المَكانَينِ [2470] يُنظَر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (2/687 - 688). .
وفيه وجهٌ آخَرُ: وهو أنَّ آيةَ فُصِّلَت تَقَدَّمَ قَبلَها قولُه تعالى وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: 35] فكان مُؤَكَّدًا بالتَّكرارِ، وبالنَّفي والإثباتِ، فبالغَ في قَولِه: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: 36] بزيادة هُوَ وبالألفِ واللَّامِ، ولم يكُنْ في الأعرافِ هذا النَّوعُ مِن الاتِّصالِ، فأتى على القِياسِ: المُخبَرُ عنه معرفةٌ، والخَبَرُ نَكرةٌ [2471] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 222). .
وقيل: سِرُّ ذلك- والله أعلم- أنَّه حيث اقتصَرَ على مجرَّدِ الاسمِ، ولم يؤكِّدْه، أُريدَ إثباتُ مُجرَّدِ الوَصفِ الكافي في الاستعاذةِ، والإخبارُ بأنَّه سبحانه يسمَعُ ويَعلَمُ، فيسمَعُ استعاذتَك فيُجيبُك، ويَعلَمُ ما تستعيذُ منه فيدفَعُه عنك، فالسَّمعُ لكلامِ المُستعيذِ، والعِلمُ بالفِعلِ المُستعاذِ منه، وبذلك يحصُلُ مَقصودُ الاستعاذةِ، وهذا المعنى شامِلٌ للمَوضِعَينِ، وامتاز المذكورُ في سورة فُصِّلت بمزيدِ التأكيدِ والتَّعريفِ والتَّخصيصِ؛ لأنَّ سياقَ ذلك بعد إنكارِه سُبحانه على الذين شَكُّوا في سَمْعِه لِقَولِهم وعِلْمِه بهم، كما جاء في الصَّحيحينِ مِن حديثِ ابنِ مَسعودٍ، قال: ((اجتمَعَ عند البيتِ ثلاثةُ نفَرٍ: قُرشيَّانِ وثَقَفيٌّ، أو ثَقَفيَّانِ وقُرَشيٌّ، كثيرٌ شَحمُ بُطونِهم، قليلٌ فِقهُ قُلوبِهم، فقالوا: أتَرَونَ اللهَ يسمَعُ ما نقولُ؟ فقال أحدُهم: يسمَعُ إن جَهَرْنا، ولا يسمَعُ إن أخَفَينا، فقال الآخَرُ: إن سَمِعَ بعضَه، سَمِعَ كلَّه، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ إلى قَولِه: فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [فصلت: 22- 23] )) [2472] أخرجه البخاري (4817)، ومسلم (2775). .
فجاء التوكيدُ في قَولِه: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: 36] في سياقِ هذا الإنكارِ، أي: هو وَحدَه الذي له كمالُ قُوَّةِ السَّمعِ وإحاطةِ العِلمِ، لا كما يظُنُّ به أعداؤُه الجاهلونَ: أنَّه لا يسمَعُ إنْ أخْفَوا، وأنَّه لا يعلَمُ كثيرًا ممَّا يعملونَ، وحَسَّنَ ذلك أيضًا: أنَّ المأمورَ به في سورةِ فُصِّلَت دفْعُ إساءتِهم إليه بإحسانِه إليهم، وذلك أشَقُّ على النُّفوسِ مِن مجرَّدِ الإعراضِ عنهم؛ ولهذا عقَّبَه بقَولِه: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: 35] فحَسُنَ التأكيدُ لحاجةِ المُستعيذِ.
وأيضًا فإنَّ السِّياقَ هاهنا لإثباتِ صِفاتِ كَمالِه وأدلَّةِ ثُبوتِها، وآياتِ رُبُوبيَّتِه وشواهِدِ تَوحيدِه؛ ولهذا عقَّبَ ذلك بقَولِه: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ [فصلت: 37] وبِقَولِه: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً [فصلت: 39] فأتى بأداة التَّعريفِ الدَّالَّةِ على أنَّ مِن أسمائِه «السَّميع العليم» كما جاءت الأسماءُ الحُسنى كلُّها مَعرفةً، والذي في الأعرافِ في سياقِ وعيدِ المُشركين وإخوانِهم مِن الشَّياطينِ، ووعْدِ المستعيذِ بأنَّ له ربًّا يسمَعُ ويعلَمُ، وآلهةُ المُشرِكين التي عَبَدوها من دونِه ليس لهم أعيُنٌ يُبصِرون بها، ولا آذانٌ يَسمَعونَ بها؛ فإنَّه سميعٌ عليمٌ، وآلهتُهم لا تسمَعُ ولا تُبصِرُ ولا تَعلَمُ، فكيف تُسَوُّونَها به في العبادةِ؟! فعُلِمَ أنَّه لا يليقُ بهذا السِّياقِ غيرُ التَّنكيرِ، كما لا يليقُ بذلك غيرُ التعريفِ، واللهُ أعلَمُ بأسرار كلامِه.
وختَم الآيةَ هنا، وفي سورةِ فُصِّلت بصِفتي السَّمعِ والعِلم، وختَمها في سورةِ غافر بقوله: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لأنه لَمَّا كان المُستعاذُ منه في سورة غافر هو شَرَّ مجادلةِ الكُفَّارِ في آياتِه، وما ترتَّبَ عليها من أفعالِهم المرئيَّةِ بالبَصرِ في قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ فلَمَّا كان المستعاذُ منه كلامَهم وأفعالَهم المُشاهَدةَ عِيانًا، قال: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر: 56] ، وهنا المُستعاذُ منه غيرُ مُشاهَدٍ لنا؛ فإنَّه يَرانا هو وقَبيلُه من حيثُ لا نراه. بل هو معلومٌ بالإيمانِ، وإخبارِ اللهِ ورَسولِه [2473] يُنظَر: ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/96). .
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ
هذا تأكيدٌ وتقريرٌ لِما تقدَّمَ مِن وُجوبِ الاستعاذةِ باللهِ عند نَزغِ الشَّيطانِ، فتتنَزَّلُ جُملةُ: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إلى آخِرِها، مَنزلةَ التَّعليلِ للأمرِ بالاستعاذةِ مِن الشَّيطانِ إذا أحسَّ بِنَزغِ الشَّيطانِ [2474] يُنظَر: ((تفسير الزمخشري)) (2/191)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/231). .
والطَّائِفُ هو النَّازِلُ بالمكانِ قبل دُخولِه المكانَ، أُطلِقَ هنا على الخاطِرِ الذي يخطُرُ في النَّفسِ، يبعَثُ على فِعلِ شَيءٍ نهى اللهُ عن فِعلِه؛ شَبَّه ذلك الخاطِرَ في مَبدأِ جَوَلانِه في النَّفسِ بِحُلولِ الطَّائِفِ قبل أن يستقِرَّ [2475] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/232). .
في كَلمةِ (إذا) مِن قَولِه: إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا مع التعبيرِ بِفعلِ مَسَّهُمْ الدَّالِّ على إصابةٍ غيرِ مَكينةٍ- إشارةٌ إلى أنَّ الفَزَعَ إلى اللهِ مِن الشَّيطانِ، عند ابتداءِ إلمامِ الخواطِرِ الشَّيطانيَّةِ بالنَّفسِ؛ لأنَّ تلك الخواطِرَ إذا أُمهِلَت لم تلبَثْ أن تصيرَ عَزمًا ثم عملًا [2476] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/232-233). .
والفاءُ في فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ لتفريعِ الإبصارِ على التذكُّرِ، وأكَّدَ معنى (فاء) التَّعقيبِ بـ(إذا) الفُجائيَّةِ الدَّالةِ على حُصولِ مَضمونِ جُملَتِها دفعةً بدونِ تَريُّثٍ، أي: تذكَّروا تذكُّرَ ذوي عَزْمٍ، فلم تتريَّثْ نفوسُهم أن تَبَيَّنَ لها الحقُّ الوازِعُ عن العَملِ بالخواطِرِ الشَّيطانيَّةِ، فابتعَدَت عنها، وتمسَّكَت بالحَقِّ، وعَمِلَت بما تذكَّرَت [2477] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/233). قال البقاعي: (لَمَّا كانوا بإسراعِ التذكُّرِ كأنَّهم لم يَمسَّهم شيءٌ مِن أمْرِه؛ أشار إلى ذلك بالجُملةِ الاسميَّةِ مُؤَكِّدًا لسرعةِ البَصرِ بإذا الفُجائيَّة) ((نظم الدرر)) (8/206).
ووصْفُهم باسمِ الفاعِل مُبْصِرُونَ دونَ الفِعلِ؛ للدَّلالةِ على أنَّ الإبصارَ ثابِتٌ لهم مِن قَبلُ، وليس شيئًا مُتجدِّدًا، ولذلك أخبَرَ عنهم بالجملةِ الاسميَّةِ الدَّالةِ على الدَّوامِ والثَّباتِ [2478] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/233). .
قَولُه تعالى: وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ عطفٌ على جُملةِ إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِن الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا عطفَ الضِّدِّ على ضِدِّه [2479] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/233). .
قولُه: وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
قوله: هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ مُستأنفةٌ لابتداءِ كَلامٍ في التَّنويهِ بشأنِ القُرآنِ، مُنقطعةٌ عَن المَقولِ؛ للانتقالِ مِن غَرَضٍ إلى غرَضٍ، بمنزلةِ التَّذييلِ لِمَجموعِ أغراضِ السُّورةِ، والخطابُ للمُسلمين. ويجوزُ أن تكونَ مِن تمامِ القَولِ المأمورِ بأن يجيبَهم به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيكون الخِطابُ للمُشركينَ، ثمَّ وقع التخلُّصُ لِذكرِ المُؤمنينَ بِقَوله: وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [2480] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/237). .
وجمَعَ (البصائِرَ)؛ لأنَّ في القرآنِ أنواعًا مِن الهدى على حسَبِ النَّواحي التي يَهدِي إليها [2481] مِن تنويرِ العَقلِ في إصلاحِ الاعتقادِ، وتسديدِ الفَهمِ في الدِّينِ، ووضعِ القَوانينِ للمُعاملاتِ والمعاشرةِ بين النَّاسِ، والدَّلالةِ على طُرُقِ النَّجاحِ والنَّجاةِ في الدنيا، والتَّحذيرِ مِن مهاوي الخُسرانِ. يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/238). ، وأفرَدَ (الهدى والرحمة)؛ لأنَّهما جِنسانِ عامَّانِ يَشملانِ أنواعَ البَصائِرِ؛ فالهُدى يُقارِنُ البَصائِرَ، والرَّحمةُ غايةٌ للبصائِرِ [2482] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/238). .