موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (46 - 50)

ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ

غريب الكلمات:


وَخَتَمَ: الخَتْمُ على الشَّيءِ: هو الطَّبْع عليه ووسْمُه، وسدُّه ورَبْطُه، والخاتِم بمنزلة الطَّابِع [750] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 40)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 204)، ((المفردات)) للراغب (ص: 275 يُنظر: 276)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 48). .
نُصَرِّفُ: أي: نبيِّن ونوضِّح ونُفَسِّر، والصَّرْف: ردُّ الشَّيءِ من حالةٍ إلى حالةٍ، أو إبدالُه بغيرِه، وأصل (صرف): يدلُّ على رَجْعِ الشَّيءِ [751] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/342)، ((المفردات)) للراغب (ص: 482)، ((تفسير القرطبي)) (7/11)، ((تفسير ابن كثير)) (3/257). .
يَصْدِفُونَ: أي: يُعْرِضون، ويَعدِلون عن الحَقِّ، والصُّدُوف: الإعراضُ عن الشَّيء؛ يُقال: صَدَفَ عن الشَّيء، أي: أعرض عنه إعراضًا شديدًا يجري مجرى الصَّدَف، أي: الميل في أرجُل البعير، وأصل (صدف): يدلُّ على المَيْلِ [752] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 154)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/338)، ((المفردات)) للراغب (ص: 478)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 191)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 987). .
جَهْرَةً: أي: علانيةً ظاهرًا، وأصل (جهر): إعلانُ الشَّيءِ وكَشفُه وعُلُوُّه [753] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 49)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 173)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/487)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 75). .
مُبَشِّرِينَ: مُخبِرينَ بما يَسُرُّ؛ يُقال: أبشرتُ الرَّجُلَ وبشَّرْتُه: أخبرتُه بسارٍّ بسَط بشَرةَ وجْهِه، وأصل (بشر): ظهورُ الشَّيءِ مع حُسنٍ وجمالٍ [754] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 449)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/251)، ((المفردات)) للراغب (ص: 125). .
مُنْذِرِينَ: مُخبِرينَ ومُبلِّغين ومُحذِّرين ومُخوِّفين، والإنذارُ: إخبارٌ فيه تخويفٌ، أو الإبلاغُ [755] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/198)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 463)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/414)، ((المفردات)) للراغب (ص: 797). .
خَزَائِنُ اللهِ: الخَزْن: حِفظُ الشَّيء في الخِزانةِ، ثم يُعبَّرُ به عن كلِّ حِفْظ؛ كحِفْظِ السرِّ ونحوِه، وأصل (خزن): يدلُّ على صيانةِ الشَّيء [756] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/178)، ((المفردات)) للراغب (ص: 280)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 161). .

المعنى الإجمالي:


يأمرُ اللهُ نبيَّهُ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يقولَ للمشركين: أخبِروني إنْ أخَذَ اللهُ سَمْعَكم؛ فأصمَّكم، وأخَذَ أبصارَكم؛ فأعماكم، وطبَعَ على قلوبكم؛ فلم تفقهوا شيئًا، فهل هناك إلهٌ غيرُ اللهِ قادرٌ على إرجاعِ ذلك لكم؛ فتعبدوه أو تُشْرِكوه في عبادةِ ربِّكم؟ انظُرْ أيُّها الرَّسولُ كيف نتابِعُ عليهم الحُجَجَ، ونوضِّحُها، ثم هم يُعْرِضون عنها!
ثم يأمُرُ اللهُ نبيَّه أنْ يقولَ لهؤلاءِ المشركينَ: أخْبِروني إنْ أتاكُم عذابُ اللهِ فجأةً، وأنتم لا تشعرونَ به، أو أتاكم عقابُه ظاهرًا عِيانًا؛ هل يُهلَك بذلِك العذابِ إلَّا أنتُم لِظُلْمِكم؟!
ثمَّ يخبِرُ تعالى أنَّه ما يُرْسِلُ المرسَلينَ إلَّا مُبَشِّرينَ مَن أطاع بالفَوْزِ العظيم، ومُنذرِينَ مَن عصَى بالخُسرانِ المُبين، فمَن آمَنَ وأصلح فلا خوفٌ عليهم فيما يَسْتَقبلونَ، ولا هم يَحزنونَ على ما مضَى، والذين كذَّبوا بآيات الله ينالُهم العذابُ بِسببِ فِسقِهم.
ثم يأمُرُه سبحانَه بأنْ يُخْبِرَهم لَمَّا كَثُرَ اقتراحُهم عليه، وتعنُّتُهم بإنزالِ الآياتِ التي تضطرُّهم إلى الإيمانِ، أنَّه لم يكُنْ عِندَه خزائنُ الله حتَّى يأتيَهم بما اقترَحوه من الآياتِ، وأنْ يقولَ لهم: إنَّه لا يعلمُ الغَيْبَ حتى يُخْبِرَهم به، ويُعَرِّفَهم بما سيكونُ في مُستقبَلِ الدَّهْرِ، ولا يدَّعي أنَّه مَلَكٌ حتى يُكَلِّفوه من الأفعالِ الخارقَةِ للعادَةِ ما لا يُطيقُه البَشَر، وإنَّما هو رسولٌ أرسلَه اللهُ للدَّعوة، ولا يقولُ ما يقولُ، ويفعلُ ما يفعلُ، إلَّا وَفْقًا لوَحْيِ الله؛ فهل يَستوي مَن اتَّبَعَ الحَقَّ وهُدِيَ إليه، ومَن ضَلَّ عنه ولم ينقَدْ له؟! أفلا تتفكَّرونَ؟!

تفسير الآيات:


قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا ذَكَر تعالى آنفًا: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا [الأنعام: 25] وكان ذلك تنبيهًا لهم على عَدَمِ إجداءِ هذه المواهِبِ عليهم مع صلاحيتها للانتفاعِ- هدَّدَهم هنا بزوالِها بالكلِّيةِ إن داموا على تعطيلِ الانتفاعِ بها فيما أمر به خالِقُها، فقال تعالى [757] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/235). :
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم.
أي: قل- يا محمَّدُ- لهؤلاءِ المُشركينَ: أخبروني إنْ سَلَبَكم اللهُ سَمْعَكم وأبصارَكم، فأصمَّكم وأعماكم، وطبَع على قلوبِكم، فتركَكم بلا عقلٍ [758] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/251)، ((تفسير ابن كثير)) (3/257)، ((تفسير السعدي)) (ص: 256)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/264-267)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 229). قال ابن كثير: (ويحتمل أنْ يكونَ هذا عبارةً عن منْع الانتفاعِ بهما الانتفاع الشرعيِّ). ((تفسير ابن كثير)) (3/257). وقيل المعنى: أنَّه يأخُذ الأُذنَ بحاسَّتها، ولا يترك لها أثرًا، ويأخذ العينَ حتى يترُكَ الوجه مَطْمُوسًا. يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/266). .
مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ.
أي: هل ثَمَّ إلهٌ غيرُ الله يَقْدِرُ على أنْ يَرُدَّ عليكم الأسماعَ والأبصارَ والأفهامَ إذا سلبَها اللهُ منكم، فتعبدوه أو تُشْرِكوه في عِبادة ربِّكم [759] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/251)، ((تفسير ابن كثير)) (3/257)، ((تفسير السعدي)) (ص: 256)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/274). ؟
انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ.
مُناسَبَتُها لما قَبْلها:
لَمَّا غَمَرَهم اللهُ تعالى بالأدلَّةِ على الوحدانيَّةِ، وصِدْقِ الرَّسولِ، وأبطَلَ شُبَهَهم، في كثيرٍ مِمَّا تقدَّمَ من آياتٍ- عقَّب ذلك كُلَّه بالتعجيبِ من قوَّةِ الأدِلَّةِ، مع استمرارِ الإِعراضِ والمكابرةِ، فقال تعالى [760] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/235). :
انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ.
أي: انظُرْ- يا محمَّدُ- كيف نُتابِعُ عليهم الحُجَجَ ونُنَوِّعُها، ونَضْرِبُ لهم الأمثالَ والعِبَرَ ونُبَيِّنُها؛ تارةً بالوعدِ، وتارةً بالوعيدِ، وتارةً بالابتلاءِ بالسرَّاءِ، وتارةً بالضرَّاءِ، وغير ذلك؛ ليعتَبِروا ويَذَّكَّرُوا، فيُنِيبوا ويَعْلَموا أنَّ ما يَعبدونَ من دونه سبحانه باطِلٌ وضَلالٌ [761] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/251)، ((تفسير ابن كثير)) (3/257)، ((تفسير السعدي)) (ص: 257)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/275). .
ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ.
أي: ثُمَّ هم مع مُتابَعَتِنا عليهم الحُجَجَ، وتنبيهِنا إيَّاهم بالعِبَر، وإيضاحِ الحَقِّ، وتبيُّنِه لهم بهذا البيانِ التَّامِّ- يُعْرِضُون عن ذلك كُلِّه، ويَنصرفونَ عن الحَقِّ [762] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/251)، ((تفسير ابن كثير)) (3/257)، ((تفسير السعدي)) (ص: 257)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/275)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 229). .
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47).
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً.
أي: قُلْ- يا محمَّدُ- لهؤلاءِ المشركينَ: أخبروني إنْ أتاكُم عِقابُ اللهِ على ما تُشْركون به بعدَ بيانِ الحقِّ واتِّضاحِه، فجأةً على حينِ غِرَّةٍ، وأنتم لا تَشعرونَ، أو أتاكم عِقابُه وأنتُم تُعاينونَه ظاهرًا بعدَ أن ترَوْا مُقَدِّماتِه [763] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/253-254)، ((تفسير ابن كثير)) (3/258)، ((تفسير السعدي)) (ص: 257)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/276-277). .
هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ.
أي: لا يُهْلِكُ اللهُ منَّا ومنكم إلَّا مَن كان يَعبدُ غيرَه، فيُحيطُ العذابُ بالظَّالِمينَ أنفُسَهم بالشِّرْكِ باللهِ عزَّ وجلَّ، وينجو الذين كانوا يعبدونَ اللهَ وحْدَه لا شريكَ له [764] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/254)، ((تفسير ابن كثير)) (3/258)، ((تفسير السعدي)) (ص: 257)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/277)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 231). .
كما قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: 82].
وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (48).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا كان صُدوفُهم وإعراضُهم يَتعلَّلون له بأنَّهم يَرُومونَ آياتٍ على وَفْقِ مُقْتَرَحِهم، وأنَّهم لا يَقْنعونَ بآياتِ الوحدانيَّةِ، ألَا تَرَى إلى قولهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا [الإسراء: 90] إلى آخِرِ ما حُكِيَ عنهم في تلك الآيَةِ- أنبأَهُم اللهُ بأنَّ إرسالَ الرُّسُل للتبليغِ والتبشيرِ والنَّذارةِ، لا للتلهِّي بهم باقتراحِ الآياتِ [765] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/238). ، فقال تعالى:
وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ.
أي: وما نُرْسِلُ رُسُلَنا [766] قال الشنقيطيُّ: (المرادُ بهم هنا: المرسَلونَ مِنْ بَنِي آدمَ، مع أنَّ المرسلين يكونون من الآدميِّين ومن غيرِهم كالملائكةِ، كما يأتي في قولِه: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج: 75]). ((العذب النمير)) (1/279). إلَّا ببشارةِ مَن أطاعَهم بالخيراتِ، والفَوْزِ بالجنَّاتِ، وبإنذارِ مَن عصاهم بالنِّيرانِ، والنِّقْمات والعُقُوباتِ [767] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/254)، ((تفسير ابن كثير)) (3/258)، ((تفسير السعدي)) (ص: 257)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/280)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 233-234). .
فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.
أي: فمَن آمَنَ قلبُه بما جاء به الرُّسُل الكرامُ ممَّا وجب الإيمانُ به، وأصلَحَ عَمَلَه بالإخلاصِ لله تعالى واتِّباعِهم؛ فلا خَوْفٌ عليه فيما يَستقبِلُ، ولا هو يَحْزَن على ما مَضَى [768] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/254-255)، ((تفسير ابن كثير)) (3/258)، ((تفسير السعدي)) (ص: 257)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/282-285)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 235-236). .
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (49).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ حالَ المصْلِحينَ، أتْبَعَه بذكْرِ حالِ المفْسدينَ؛ فقال [769] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/121). :
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (49).
أي: وأمَّا الذين كذَّبوا برُسُلِنا، ودافعوا حُجَّتنا، فإنَّهم ينالُهم العذابُ؛ جزاءً لهم على كُفْرِهم، وخُروجِهم عن أوامِرِ اللهِ تعالى، وارتكابِ مناهيه [770] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/255)، ((تفسير ابن كثير)) (3/258)، ((تفسير السعدي)) (ص: 257)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/286-290). .
قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ (50).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا تَقَضَّت المجادلةُ مع المُشْركينَ في إبطالِ شِرْكِهم، ودَحْضِ تعاليلِ إنكارِهم نبوَّةَ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ بأنَّهم لا يُؤمنونَ بنُبُوتِه إلَّا إذا جاء بآيةٍ على وَفْقِ هواهم، وأُبْطِلَت شُبْهَتُهم بقوله: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [الأنعام: 48]، وكان محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ممَّن شَمِلَه لفظُ المُرْسَلين- نَقَل الكلامَ إلى إبطالِ معاذيرِهم، فأعْلَمَهم اللهُ حقيقةَ الرِّسالةِ، واقترانِها بالآياتِ، فبيَّنَ لهم أنَّ آيةَ صِدْقِ الرَّسولِ تجيءُ على وَفْقِ دعواه الرِّسالةَ، فلو ادَّعى أنَّه مَلَكٌ، أو أنَّه بُعِثَ لإنقاذِ النَّاسِ من أَرزاء الدُّنيا، ولإدْناءِ خيراتِها إليهم، لكان مِن عُذْرِهم أنْ يسألوه آياتٍ تؤيِّدُ ذلك، فأمَّا والرَّسولُ مبعوثٌ للهُدى، فآيتُه أنْ يكونَ ما جاء به هو الهُدى، وأنْ تكون مُعجزَتُه هو ما قارَنَ دَعْوَتَه، ممَّا يَعْجِز البَشَرُ عن الإتيانِ بِمِثْلِه في زَمَنِهم [771] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/240). .
قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ.
أي: قل- يا محمَّدُ- لهؤلاءِ المشْركينَ: لستُ أقولُ لكم إنِّي أمْلِكُ خزائِنَ رِزْقِ الله تعالى [772] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/258)، ((تفسير السعدي)) (ص: 257)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 247). .
وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ.
أي: ولا أقولُ لكم: إنِّي أعلمُ غُيوبَ الأشياءِ الخَفِيَّةِ التي لا يَعْلَمُها إلَّا اللهُ وحده، الذي لا يَخفَى عليه شيءٌ [773] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/255)، ((تفسير ابن كثير)) (3/258)، ((تفسير السعدي)) (ص: 257)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 247). .
كما قال تعالى: قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 188].
وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ.
أي: ولا أدَّعي أنِّي مَلَكٌ، فأكونَ نافِذَ التصرُّفِ قويًّا، غنيًّا عن الأكلِ والمالِ، أشاهِدُ مِن أَمْرِ الله تعالى ما لا يُشاهِدُه البَشَر [774] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/255-256)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 354)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (11/313)، ((تفسير ابن كثير)) (3/258-259)، ((تفسير السعدي)) (ص: 257). .
إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ.
أي: ما أتَّبِعُ إلَّا وَحْيَ اللهِ الذي يُوحيه إليَّ، فأَمضِي لِوَحْيِه، وأَأْتَمِرُ لأمْرِه، لستُ أخرجُ عنه قِيدَ شِبْرٍ ولا أدْنى منه، وهذا مُنتهَى أمْري وأعلاه، فأعْمَلُ به في نفْسي، وأدْعو الخَلْقَ كُلَّهم إلى ذلك، كما أُوحِيَ إليَّ [775] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/256)، ((تفسير ابن كثير)) (3/259)، ((تفسير السعدي)) (ص: 257)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/301-303). .
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ.
أي: قل- يا محمَّدُ- لهم: هل يستوي الذي عَمِيَ عن الحَقِّ وأَعْرَض عنه، مع من أَبْصَرَ الحَقَّ وانقادَ إليه [776] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/256)، ((تفسير ابن كثير)) (3/259)، ((تفسير السعدي)) (ص: 257)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/294). ؟
كما قال تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الرعد: 19].
أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ.
أي: أتَغْفُلونَ وتُعْرِضونَ عن تلك الآياتِ والحُجَجِ، فلا تتفكَّرونَ فيها حتى تَفْهموها، وتَعْلَموا صِحَّةَ ما أَدْعوكم إليه، فتختاروا اتِّباعَ الحَقِّ [777] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 257)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/303-304)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 250). ؟!

الفوائد التربوية:


1- قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ... هذه الآيةُ الكريمةُ ينبغي لِكُلِّ مسلمٍ أن يَعتبرَ بها، فيعلمَ أنَّ اللَّهَ شقَّ له في وَجْهِه عَيْنَيْنِ، وصبَغَ له بعضَهما بصبغٍ أسودَ، وبعضَهما بصبغٍ أبيضَ، وأعطاه لهما سِلْكًا من جفونِه، وجعلَ لعَيْنيه شحمًا؛ لئلَّا يُجَفِّفَهما الهواءُ، وجعلَ ماءَ عينِه مِلْحًا؛ لئلَّا تُنْتِنَ الشحمةُ، وجعلَ له عقلًا، وهو هذا العقلُ الذي يُمَيِّزُ به بين الأشياءِ، ويفعلُ به هذه الأفعالَ الغريبةَ العجيبةَ، وأعطاه حاسَّةَ السَّماعِ، كُلُّ هذا أعطاه له؛ ليبذُلَ هذه النِّعَمَ فيما يُرْضِي رَبَّهُ جلَّ وعلا؛ فلا ينبغي منه ولا يَجْمُلُ به أنْ يَستعينَ بِنِعَمِ رَبِّهِ على مَعصيةِ خالقِه جلَّ وعلا، فهذا عَمَلٌ لا يليقُ بعاقلٍ؛ ثم إنَّه يُلَاحِظُ قُدرةَ اللَّهِ وعظمتَه وجلالَه، وأنه قادرٌ على أن يَنزِعَ منه السَّمعَ والبصرَ والعقلَ فيتركَه كالجمادِ لا يسمعُ شيئًا، ولا يُبصرُ شيئًا، ولا يعقِلُ شيئًا، فلا ملجأَ له غيرُ اللَّهِ يُزِيلُ ذلك عنه؛ وَلِذَا قال: مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ [778] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/274). .
2- قوله تعالى: إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ... فيه تذكيرٌ لهم بأنَّ اللهَ هو خالِقُ أسماعِهم وأبصارِهم وألبابِهم؛ فليس غَيرُه جديرًا بأنْ يعبدوه [779] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/235). .
3- قوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ فيه بيانُ رحمةِ الله عزَّ وجلَّ؛ حيث صَرَّف الآياتِ للعبادِ، ولو شاء لَتَرَك التَّصريفَ وجَعَل النَّاسَ يتخبَّطونَ خَبْط عَشْواء، لكنْ مِن نعمةِ الله عزَّ وجلَّ ورَحْمتِه بعِباده أنَّه يُريهِم الآياتِ ويُصَرِّفُها ويُنوِّعها لهم، فإذا لم يؤمنْ بهذه الآيةِ آمَنَ بالآيةِ الأخرى وحَصَلَ المقصودُ، وكم من إنسانٍ تفوتُه آياتٌ كثيرةٌ لا يعتَبِرُ بها، ثم يُصابُ بآيةٍ واحدةٍ فيَعتبِرُ [781] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 230). !
4- التحذيرُ من نزولِ العذابِ؛ إمَّا بغتةً، وإمَّا جهرةً؛ فلا يأمَنِ الإنسانُ إذا كان عاصيًا أن يَنزِلَ به العذابُ، لكنْ أيظُنُّ أنَّ العذابَ هو عقوبةُ الجَسَدِ فقط، فرغمَ أنَّ عقوبةَ الجَسَد عذابٌ في حدِّ ذاتِها إلَّا أنَّ هناك ما هو أكبرُ منها، وهو الإعراضُ عن دِين الله عزَّ وجلَّ؛ كما قال تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [782] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 232). [المائدة: 49].
5- قوله تعالى: هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ فيه وعْدٌ مِنَ اللهِ تعالى بأنَّه مُنْجي المؤمنينَ [783] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/238). .
6- قوله تعالى: فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ فيه تشجيعُ الإنسانِ على الإيمانِ والعمل ِالصَّالحِ، والحثُّ على ذلك بذِكْر عاقبةِ هذا المؤمِنِ المُصْلحِ [784] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 240). .
7- يُستَفاد من قوله تعالى: فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ أنَّ الإيمانَ وَحْده لا يكفي، بل لا بدَّ معه من إصلاحٍ [785] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 240). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- المرادُ مِن قَولِه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ الدَّلالةُ على وجودِ الصَّانعِ الحكيمِ المُختارِ؛ لأنَّ أشرَفَ أعضاءِ الإنسانِ هو السَّمْع والبَصَر والقَلْب؛ والأذنُ محلُّ القوَّةِ السَّامعة، والعينُ محلُّ القوَّةِ الباصِرَةِ، والقلبُ محلُّ الحياةِ والعِلْم والعَقْل، فلو زالتْ هذه الصِّفاتُ عن هذه الأعضاءِ اختلَّ أمرُ الإنسانِ، وبطَلَت مصالِحُه في الدُّنيا والدِّينِ، ومِن المعلومِ بالضَّرورةِ أنَّ القادِرَ على تحصيلِ هذه القُوى فيها، وَصْونِها عن الآفاتِ والمخافاتِ ليس إلَّا الله، وإذا كان الأمرُ كذلك كان المُنْعِم بهذه النِّعَم العالِيَةِ، والخيراتِ الرَّفيعةِ هو الله سبحانه وتعالى؛ فوجَبَ أن يقال: المُستحِقُّ للتعظيمِ والثَّناءِ والعبوديَّةِ ليس إلَّا الله تعالى [787] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/153) ، وقوله تعالى: مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ فيه دليلٌ على توحيدِ الله تعالى، وأنَّه المتصَرِّفُ في العالَمِ، الكاشِفُ للعَذاب، والرادُّ لِمَا شاء بعدَ الذَّهاب [788] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/516). ، كما أنَّه دليلُ بُطلانِ الشِّرْكِ؛ فإذا لم يكن غيرُ الله يأتي بذلك، فلِمَ يَعبدونَ معه من لا قدرةَ له على شيءٍ إلَّا إذا شاءَه اللهُ [789] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 256). ؟!
2- التَّشنيعُ على هؤلاء الذين صُرِّفَت لهم الآياتُ فأَعرضوا؛ لقوله: انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [790] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 230، 231). .
3- ما المرادُ بقوله: هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ مع العِلْمِ بأنَّ العذابَ إذا نزلَ لم يَحصُلْ فيه التمييزُ؟ والجواب: أنَّ الهلاكَ وإنْ عمَّ الأبرارَ والأشرارَ في الظَّاهرِ، إلَّا أنَّ الهلاكَ في الحقيقةِ مختصٌّ بالظَّالِمينَ الشِّريرينَ؛ لأنَّ الأخيارَ يَستوجبونَ بسببِ نُزُولِ تلك المضارِّ بهم أنواعًا عظيمةً من الثَّوابِ، والدَّرجاتِ الرفيعةِ عند اللهِ تعالى، فذاك وإنْ كان بلاءً في الظَّاهرِ، إلَّا أنَّه يُوجِبُ سعاداتٍ عظيمةً، أمَّا الظَّالِمونَ فإذا نزَلَ البلاءُ بهم فقد خَسِروا الدُّنيا والآخرةَ معًا؛ فلذلك وَصَفَهم اللهُ تعالى بكونِهم هالِكينَ، وذلك تنبيهٌ على أنَّ المؤمِنَ التقيَّ النقيَّ هو السَّعيدُ، سواءٌ كان في البلاءِ أو في الآلاءِ والنَّعْماءِ، وأنَّ الفاسِقَ الكافِرَ هو الشقيُّ، كيف دارت قضيَّتُه، واختلفت أحوالُه، والله أعلم [791] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/537). قال الشِّنقيطي: (وفي الآيةِ سؤالٌ معروفٌ: جاء في الأحاديثِ الصَّحيحةِ أن العذابَ إذا نَزَلَ بقومٍ كفارٍ شَمِلَ مَنْ فيهم مِنَ المسلمين، وهذه الآيةُ بَيَّنَتْ أنه لا يُهْلَكُ إِلَّا القومُ الظالمون؟ أُجِيبَ عن هذا: بأن العذابَ لو شَمِلَ، وأهْلَكَ مَن هو معهم، أنَّ هذا الهلاكَ تمحيصٌ له، وأنه يُبْعَثُ يومَ القيامةِ في نعمةٍ من اللَّهِ ورحمةٍ وأجور). ((العذب النمير)) (1/277). .
4- في قوله: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ دَلالةٌ على أنَّ الأنبياءَ إنَّما بُعِثوا مُبَشِّرينَ بالثَّوابِ على الطَّاعاتِ، ومُنذرينَ بالعقابِ على المعاصي، ولا قُدرَةَ لهم على إظهارِ الآياتِ والمُعجزاتِ، بل ذلك مُفَوَّضٌ إلى مشيئةِ الله وحِكْمَتِه [792] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/155). .
5- قوله تعالى: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ فيه بيانُ منَّةِ اللهِ عزَّ وجلَّ على عِبادِه بإرسالِ الرُّسُل، وحِكمةُ اللهِ عزَّ وجلَّ تقضي بإرسالِ الرُّسُل؛ لأنَّ العقلَ البَشريَّ لا يستقلُّ بمعرفةِ ما يجب لله من الأسماءِ والصِّفاتِ والأحكامِ، ولا يُمكِنُ أن يستقلَّ بمعرفةِ العباداتِ، فالنَّاسُ مضطرُّونَ غايةَ الضَّرورةِ إلى الرُّسُل، قال الله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً، أي: على دينٍ واحدٍ، فلما كثُروا تفَرَّقوا واختلفَوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [793] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 238). [البقرة: 213].
6- قوله تعالى: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فيه أنَّ رسالةَ الرُّسُل تتضمَّنُ هذينِ الشَّيئينِ، وهما: البِشارةُ والإِنْذارُ؛ فالبشارةُ تكونُ لِمَن أطاع واتَّبعَ الرُّسُل، والإنذارُ بالعقوبةِ يكونُ لِمَن كذَّبَ، ويتفرَّعُ على هذا أنَّ الرُّسُل عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ لم يأتوا بمجرَّدِ الأحكامِ، أي: لمجرَّدِ أن يقولوا: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ، بل قَرَنوا ذلك بالبِشارَةِ والإنذارِ؛ لأنَّ البِشارةَ تَحمِلُ الإنسانَ على فِعْل المأمورِ؛ فلو بُشِّر إنسانٌ بأنَّه سيحصُل على كَنزٍ في المكانِ الفلانيِّ لوُجِدَ يُسابِقُ، فيفعل ما يُوصله إليه، والإنذارُ يحصُلُ به البُعدُ عن المعاصي، وعلى هذا تتركَّبُ دعوةُ الرُّسُل [794] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 238). .
7- قَوْله تعالى: فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ ووَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فيهما بيانُ حِكْمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ في انقسامِ النَّاسِ بالنِّسبةِ إلى قَبُولِ دَعوةِ الرُّسُل إلى قِسْمَينِ: مؤمنٌ يعملُ عملًا صالحًا، ومُكَذِّبٌ يرتكِبُ المعاصِيَ، هذا من الحِكْمةِ بل ومِنَ الرَّحْمة؛ لأنَّه لو لم يكُنْ كُفْرٌ لم يُعرَف قَدْرُ الإسلامِ، ومِن رحمةِ اللهِ وحِكْمَتِه أنَّه قسَّمَ النَّاسَ إلى قِسْمينِ؛ لأنَّه لولا هذا الانقسامُ لَمَا حَصَلَت فُروضٌ من الشَّريعةِ: مِثل الجِهادِ، والأَمْر بالمعروفِ والنَّهْي عن المنكَر، والامتحان والاختِبار؛ لأنَّ النَّاسَ كُلَّهم كانوا سيصيرونَ على وتيرةٍ واحدةٍ، لكنْ إذا انقَسَمُوا إلى مؤمنٍ وكافرٍ، حصَل الامتحانُ والاختبارُ للمؤمِنِ والكافِرِ، فلا تَظُنَّ أنَّ الله عزَّ وجلَّ إذا أزاغَ قُلُوبَ الكافرينَ أنَّ في ذلك لَغْوًا، بل هو عَيْنُ الحِكْمةِ [795] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 238، 239). .
8- أنَّ التكذيبَ بآياتِ اللهِ سببٌ للعقوبة؛ لقولِه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [796] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 241).
9- أنَّ هؤلاءِ المكذِّبينَ سيُصيبُهم العذابُ مباشرةً؛ لقوله: يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ، وإنْ أَفْلَتوا من العذابِ في الدُّنيا فلن يُفْلِتوا منه في الآخِرةِ [797] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 243). .
10- أنَّ الفِسْقَ يُطْلَق على الكُفْرِ؛ لقوله: بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، والتَّكذيبُ بالآياتِ كُفْرٌ، ثمَّ قال: بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [798] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 244). .
11- قولُه تعالى: بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فيه تمامُ عَدْلِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ حيث إنَّه لم يُعَذِّبْ هؤلاء إلَّا لأنَّهمُ استَحَقُّوا العذابَ لفِسْقِهم؛ جزاءً وِفاقًا [799] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 245). .
12- أنَّ كُلَّ ما صُدِّرَ بــقُل بالنِّسْبةِ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان دليلًا على أهَمِّيتِه، وأنَّ اللهَ تعالى أوْصَى نَبِيَّه أن يُبَلِّغَه خاصَّةً؛ مِمَّا يدلُّ على العِنايةِ به [800] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 250). .
13- أُمِرَ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَبْرَأَ مِن دَعْوى هذه الثَّلاثةِ بقولِه تعالى: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وكذلك قال نوحٌ عليه السَّلامُ: وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ [هود: 31]، فهذا أوَّلُ أُولِي العَزْمِ، وأَوَّلُ رسولٍ بَعَثَه اللهُ تعالى إلى أهْلِ الأَرْضِ، وهذا خاتَمُ الرُّسُلِ وخاتَمُ أُولِي العَزْمِ؛ كلاهما يَتَبَرَّأُ من ذلك [801] يُنظر: ((مجموع فتاوى)) لابن تيمية (11/312). .
14- يُؤخَذُ من قوله تعالى: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ أنَّه إذا كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّم لا يَمْلِك خزائنَ الله، فإنَّه لا يجوزُ أن يُطْلَبَ الرِّزْقُ منه مباشرةً؛ لأنَّه لو طُلِبَ الرِّزْقُ من الرَّسولِ مُباشرةً لكان هذا شِرْكًا، وتجاوزًا لِمَا هو عليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [802] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 250). .
15- في قَوْلِه تعالى: وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ قد يقولُ قائلٌ: أليس النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُحدِّثُ عن أشياءَ مُستقبَلةٍ، فكيفَ قيلَ: وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ؟ فالجوابُ: بلى، ولكِنْ بِوَحْيٍ من الله عزَّ وجلَّ، والله تبارك وتعالى يَعْلَمُ الغَيْبَ؛ ولِهذا نقولُ: كُلُّ ما أخبَرَ به النبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آلِه وسلَّم مِنْ أمورِ المُسْتَقبلِ؛ فهو بِوَحْيٍ خاصٍّ من الله عزَّ وجلَّ، وحينئذٍ لا يُنافي ما أَخْبَر به من أمورِ الغَيبِ ما ذكره اللهُ تعالى في هذه الآيَةِ: وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ؛ لأنَّ عِلْمَه بالمستقبَلِ بما أَوْحَى اللهُ إليه، ليس عِلْمًا ذاتيًّا أدْرَكَه بنفْسِه، لكنَّه عِلْمٌ مِنْ عِند الله، كما أنَّ الإنسانَ يرى الرُّؤْيا الصَّالحةَ في المنامِ، وينتفعُ بها في المُستقبَل، و((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جزءٌ من سِتَّةٍ وأربعينَ جُزءًا من النبوَّةِ )) [803] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 251). والحديث  أخرجه البخاري (6989) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وأخرجه مسلم (8) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. .
16- أنَّ المَلَك قد يَتصوَّرُ بصُورةِ إنسانٍ؛ لقوله: وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ؛ لأنَّه لولا أنَّه يُمْكِن تصوُّرُه بصورةِ إنسانٍ ما احْتِيجَ إلى النَّفيِ؛ إذ إنَّه معلومٌ بدونِ نَفيٍ، وهذا هو الواقِعُ، وقد جاء جبريلُ عليه السلامُ بصورةِ البَشَر [804] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 252). .
17- قوله تعالى: وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ردٌّ على الذين قالوا: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ فإنَّ الملائكةَ لا يُمْكنُ أن يَنْزِلوا ليكونوا رُسُلًا إلى البَشَر، كما قال الله عزَّ وجلَّ: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ [805] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 252). [الأنعام: 9].
18- لَمَّا كانَ عِلْمُ الغيبِ أمرًا يُمْكِن أن يَظْهَرَ على لسانِ البَشَر، بل قد يدَّعيه كثيرٌ من النَّاسِ كالكُهَّانِ وضُرَّابِ الرَّمْل والمُنَجِّمينَ، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد أخبر بأشياءَ من المُغَيَّباتِ، وطابقَتْ ما أخبَرَ به- نفى علمَ الغيبِ من أصله؛ فقال: وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ تنصيصًا على مَحْضِ العبوديَّةِ والافتقارِ، وأنَّ ما صَدَر عنه من إخبارٍ بِغَيبٍ إنَّما هو من الوَحْيِ الواردِ عليه لا من ذاتِ نَفْسِه، فقال: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوْحَى إِلَيَّ كما قالَ فيما حَكَى اللهُ عنه: وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [806] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/519). [الأعراف: 188].
19- الفائدةُ مِن ذِكْر نفيِ الأحوالِ الثلاثةِ في قوله تعالى: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ:
قيل: ليُظْهِرَ الرَّسولُ مِن نَفْسِه التواضُعَ لله، والاعترافَ بعُبودِيَّتِه؛ حتى لا يُعتقَدَ فيه مِثْلُ اعتقادِ النَّصارى في المسيحِ عليه الصَّلاة والسَّلام.
وقيل: إنَّ القومَ كانوا يقترحونَ عليه إظهارَ المُعْجزاتِ القاهِرَةِ، فكان المقصودُ من هذا الكلامِ إظهارَ العَجْزِ والضَّعفِ، وأنَّه لا يَستَقِلُّ بتحصيلِ هذه المعْجزاتِ التي طَلَبوها منه.
وقيل: إنَّ المرادَ مِن قَولِه: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ، أي: لا أدَّعي كوني موصوفًا بالقُدْرةِ، وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ، أي: ولا أدَّعي كوني موصوفًا بِعْلِم الله تعالى، وبمجموعِ هذينِ الكلامينِ حصل أنَّه لا يدَّعي الإلهيَّة، ثمَّ قال: وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ وذلك؛ لأنَّه ليس بعد الإلهيَّة درجةٌ أعلى حالًا من الملائكةِ، فصار حاصلُ الكلامِ كأنَّه يقولُ: لا أدَّعي الإلهيَّةَ، ولا أدَّعي المَلَكيَّةَ، ولكنْ أدَّعي الرِّسالَةَ، وهذا مَنْصِبٌ لا يَمْتنعُ حصولُه للبَشَر، فكيف أَطْبَقْتُم على استنكارِ قولي [807] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/538). ؟!
20- في قوله تعالى: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ جاء النَّفيُ على سبيلِ الترقِّي، فنفى أوَّلًا ما يتعلَّقُ به رغباتُ النَّاسِ أجمعينَ من الأرزاقِ التي هي قِوامُ الحياةِ الجُسمانيَّة، ثم نفى ثانيًا ما يتعلَّق به، وتتشوَّف إليه النُّفوسُ الفاضِلَة من معرفةِ ما يَجْهلونَ، وتَعَرُّف ما يقعُ من الكوائنِ، ثمَّ نفى ثالثًا ما هو مختصٌّ بذاتِه من صفةِ الملائكةِ التي هي مُبايِنةٌ لصفةِ البشريَّةِ، فترقَّى في النَّفيِ من عامٍّ إلى خاصٍّ إلى أخصَّ، ثمَّ حَصَر ما هو عليه في أحوالِه كُلِّها بقوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوْحَى إِلَيَّ أي: أنا مُتَّبِعٌ ما أوحى اللهُ غيرَ شارعٍ شيئًا مِن جِهَتي [808] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/519). .
21- قولُه تعالى: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ فيه أمْرُ اللهِ تعالى رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُعلِنَ للنَّاس أنَّه لا يعلمُ الغيبِ؛ ولذا لَمَّا رُمِيتَ عائشةُ رضي الله عنها بالإفكِ، لم يعلمْ أهي بريئةٌ أم لا حتَّى أخبره اللهُ تعالى بقولِه: أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ [النور: 26]، وقد ذَبَح إبراهيمُ عليه السَّلام عِجلَه للملائكةِ، ولا عِلمَ له بأنَّهم ملائكةٌ حتى أخبروه، وقالوا له: إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود: 70]، ويعقوبُ عليه السلام ابيضَّتْ عيناه من الحزنِ على يُوسُفَ، وهو في مصرَ لا يَدري خبرَه حتى أظهرَ الله خبْرَ يُوسُف، ونوحٌ عليه السَّلام ما كان يَدري أنَّ ابنه الذي غَرِق ليس مِن أهلِه الموعودِ بنجاتِهم حتى قال: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ الآية [هود: 45]، ولم يعلمْ حقيقةَ الأمرِ حتى أخْبَره الله بقوله: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود: 46]، والملائكةُ عليهم السَّلام لَمَّا قال لهم: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا [البقرة: 31-32]؛ فقد ظهَر أنَّ أعلمَ المخلوقاتِ- وهم الرُّسُل، والملائكة- لا يَعلمون مِن الغيبِ إلَّا ما عَلَّمهم اللهُ تعالى، وهو تعالى يُعلم رُسلَه من غيبِه ما شاءَ [810] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/481، 482). .
22- أنَّ الشَّرائِعَ توقيفيَّةٌ، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يبتدعَ منها شيئًا؛ لقوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ؛ ولهذا قرَّرَ أهْلُ العِلمِ أنَّ الأصلَ في العباداتِ المَنْعُ والحَظْرُ، وأنَّه لا يجوزُ للإنسانِ أن يتعبَّدَ لله تعالى بشيءٍ إلَّا ما أَذِنَ اللهُ فيه شَرْعًا، وهذا حقٌّ مستنِدٌ إلى آياتٍ متعدِّدةٍ، وإلى قولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليس منه؛ فهو رَدٌّ )) [811] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 253).  والحديث أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718)- واللفظ له- من حديث عائشة رضي الله عنها. .
23- بعد أن قال الله تعالى: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ أكَّدَ ذلك عزَّ وجلَّ بقوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ؛ وذلك لأنَّ العَمَلَ بغيرِ الوَحيِ يجري مَجرى عملِ الأعمى، والعَمَلُ بمقتضى نُزُولِ الوَحْيِ يجري مَجرى عَمَلِ البَصيرِ [812] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/539). .
24- في قوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ حجَّةٌ مِن حُجَج الله تعالى للمُستقِلِّينَ في هدايةِ الدِّينِ، على المُقَلِّدينَ فيه لآبائِهم ومشايخِهم الجاهلين [813] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/356). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ استئنافٌ ابتدائيٌّ عاد به إلى الجدالِ معهم في إشراكِهم باللهِ تعالى بعدَ أنِ انصرَفَ الكلامُ عنه بخصوصِه من قَوْلِه تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً [814] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/233). [الأنعام: 19].
- وهذا الكلامُ جارٍ مَجرَى التهديدِ والتَّخويفِ، واخْتِيرَ فيه التهديدُ بانتزاعِ سَمْعِهم وأبصارِهم وسَلْبِ الإدراكِ من قلوبِهم؛ لأنَّهم لم يَشْكُروا نعمةَ هذه المواهِبِ، بل عَدِموا الانتفاعَ بها [815] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/235). .
- ولم يؤكِّدْ هنا خِطابَ الضَّمير (التاء) بـ(الكاف) في قَوْلِه أَرَأَيْتُمْكما أكَّدَه في قَوْلِه أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ [الأنعام: 40]؛ وذلك لأنَّه لَمَّا ذَكَرَ أَوَّلًا تهديدَهم بإتيانِ العذابِ أو السَّاعةِ، كان ذلك أعظَمَ من هذا التهديدِ، فأكَّد خِطابَ الضميرِ بحَرْفِ الخطابِ (الكاف)، فقيل: أَرَأَيْتَكُمْ، ولَمَّا كان التهديدُ هنا أخَفَّ من ذلك لم يُؤَكَّد به، بل اكتُفِيَ بخطابِ الضَّميرِ، فقيل أَرَأَيْتُمْ [816] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/516). .
- وفيه أمرٌ لرسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بتكريرِ التبكيتِ عليهم، وتثنيةِ الإلزامِ بعدَ تكمِلَةِ الإلزامِ الأوَّلِ؛ ببيان أنَّه أمرٌ مستمِرٌّ لم يَزَلْ جاريًا في الأُمَم [817] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/134). .
- وقوله: إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ فيه تمثيلٌ؛ لأنَّ اللهَ هو معطي السَّمْع والبَصَر فإذا أزالَها كانت تلك الإزالةُ كحالةِ أخْذِ ما كان أعطاه، فشُبِّهَت هيئةُ إعدامِ الخالقِ بَعضَ مواهِبِ مخلوقِه بهيئةِ انتزاعِ الآخِذِ شيئًا من مَقَرِّه؛ فالهيئة المُشبَّهةُ هنا عقليَّةٌ غيرُ محسوسةٍ، والهيئةُ المُشَبَّهةُ بها محسوسةٌ [818] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/233). .
- قوله تعالى: سَمْعَكُمْ ذُكِرَ السَّمعُ مُفردًا؛ لأنَّه مصدرٌ دالٌّ على الجِنسِ، فكان في قوَّةِ الجَمعِ، فعمَّ بإضافتِه إلى ضَميرِ المخاطَبينَ، ولا حاجةَ إلى جَمْعِه، والعربُ إذا نَعَتَتْ بالمصدرِ ألْزَمَتْه الإفرادَ والتذكيرَ، ولأنَّ كُلَّ مفردٍ هو اسمُ جنسٍ، فمِن أساليبِ اللغةِ العربيةِ أن يُطْلَقَ مفردُه مُرَادًا به الجمعُ؛ نظرًا إلى أنَّ أصلَه اسمٌ شاملٌ للجنسِ. وهذا كثيرٌ في القرآنِ، وفي كلامِ العربِ؛ كقولِه: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان: آية 74] يعني: أئمةً، وغيره من الآياتِ [819] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/134)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/234)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/267- 268). .
- قوله: سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ فيه تقديمُ السَّمْعِ على الأبصارِ؛ وقد اطَّرد تقديمُ السَّمعِ على البَصر وما يَجري مَجراه في القرآنِ الكريم؛ وذلك لأنَّ السَّمعَ هو طريقُ تلقِّي الوحي، ولأنَّ السَّمع أهمُّ من البصر، وأفضلُ فائدةً لصاحبِه من البَصرِ؛ فإنَّ التقديمَ مُؤذِنٌ بأهميَّة المُقدَّمِ؛ وذلك لأنَّ السَّمعَ آلةُ تَلقِّي المعارفِ التي بها كمالُ العقل، وهو وسيلةُ بُلوغِ دَعوةِ الأنبياءِ إلى أفهامِ الأممِ على وجهٍ أكملَ مِن بُلوغِها بواسطة البصرِ لو فُقِدَ السَّمع، ولأنَّ السَّمعَ ترِدُ إليه الأصواتُ المسموعةُ من الجهاتِ الستِّ بدون توجُّه، بخلافِ البصرِ؛ فإنَّه يحتاجُ إلى التوجُّهِ بالالتفاتِ إلى الجهاتِ غيرِ المُقابلة؛ فما يحصُل من ضروبِ المعرفةِ عن طريقِ السَّمع لا يَحصُل عن البَصر، والبصرُ يَتوقَّفُ في تَحصيلِه للعلمِ على وسائطَ لا يتوقَّف عليها السَّمع؛ وكم من أناس فقَدوا نِعمةَ الإبصار فلم يَقعُدوا عن طلبِ العِلم، بل كانوا مِن المُبرَّزين فيه. أو قدَّم السَّمعَ؛ لأنَّ إدراكَ السَّمعِ أقدَمُ مِن إدراك البَصرِ؛ فإنَّ الإنسانَ يَسمعُ أوَّلًا كلامًا فينظر إلى قائلِه؛ ليعرفَه، ثم يَتفكَّر بقَلبِه في ذلك الكلامِ؛ ليفهمَ معناه [820] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/132)، ((تفسير الشربيني)) (3/205)،  ((خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية)) للمطعني (2/106- 108)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/258). .
- قوله: مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ الاستفهامُ في قوله: مَنْ مستعمَلٌ في التقريرِ يُقصَد منه إلجاءُ السَّامعينَ إلى النَّظَر في جوابِه، فيُوقِنوا أنَّه لا إلهَ غيرُ اللهِ يأتيهم بذلك؛ لأنَّه الخالِقُ للسَّمْعِ والأبصارِ والعقولِ [821] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/234). .
- وفيه لَطيفةٌ لغويَّة، حيثُ وحَّد الهاءَ في بِهِ في قوله: مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ، وقدْ مَضَى الذِّكرُ قبلَ ذلِك بالجَمْعِ في قوله: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ؛ قيل: لأنَّ معنَى مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ، أي: بما ذُكِرَ مِمَّا أَخَذَه اللَّهُ منكم، كقولِه جلَّ وعلا: لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ [البقرة: آية 68]، أي: ذلِكَ المذكور، ولم يقُل: (ذَلِكُمَا)؛ فجائزٌ أنْ تكونَ معنيًّا بها: مَن إلهٌ غيرُ اللهِ يأتيكم بما أُخِذ منكم مِن السَّمع والأبصارِ والأفئدة، فتكون موحَّدةً لتوحيدِ (ما)، والعربُ تفعلُ ذلك؛ إذا كَنَّتْ عن الأفعالِ وحَّدت الكنايةَ، وإنْ كَثُرَ ما يُكنَّى بها عنه مِن الأفاعيل، كقولهم: إقبالُك وإدبارُك يُعجبني. وجائزٌ أن تكون الهاء عائدةً على السَّمعِ، فتكون موحَّدةً لتوحيدِ السَّمع. وقيل: إنَّ الهاء التي في (به) كنايةٌ عن الهُدَى [822] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/252)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/274). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الزمخشري)) (2/24)، ((تفسير أبي السعود)) (3/134). .
- قوله: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ الجملةُ مستأنفةٌ استئنافًا ابتدائيًّا، وهي تَتنزَّلُ منزلةَ التَّذييلِ للآياتِ السَّابقةِ؛ فإنَّه لَمَّا غَمَرَهم بالأدلَّةِ على الوحدانيَّةِ، وصِدْقِ الرَّسولِ، وأبطَلَ شُبَهَهم؛ عقَّبَ ذلك كلَّه بالتَّعجيبِ من قُوَّةِ الأدلَّةِ مع استمرارِ الإعراضِ والمكابَرَةِ، والأمرُ في قوله: انْظُرْ مستعملٌ في التعجيبِ مِن حالِ إعراضِهم [823] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/235). ؛ فهو تعجيبٌ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من عدمِ تأثُّرهم بما عايَنوا مِن الآياتِ الباهرةِ، أي: انظر كيف نُكرِّرها ونُقرِّرها مصروفةً من أسلوبٍ إلى أسلوبٍ؛ تارةً بترتيبِ المقدِّمات العقليَّة، وتارةً بطريقِ الترغيبِ والترهيبِ، وتارةً بالتنبيهِ والتذكيرِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [824] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/134). !
- قوله: ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ثُمَّ في هذا المكانِ للاستبعادِ؛ لاستبعادِ صُدوفِهم، أي إعراضِهم عن تِلك الآيات بعدَ تصريفِها على هذا النَّمطِ البديعِ الموجِبِ للإقبالِ عليها، والتَّراخي المفهومُ بـ (ثم) للاستبعادِ؛ لأنَّه يُسْتَبْعَدُ عندَ العقولِ السليمةِ أنْ يكونَ اللَّهُ مع عَظمتِه وجلالِه، ومع ما يُحْسِنُ به إلى الإنسانِ يُصرِّفُ له الآياتِ، ومع هذا هم يَصدفُون [825] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/162)، ((تفسير أبي السعود)) (3/134)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/275). !
- وجيءَ بالمُسْنَدِ في جملةِ هُمْ يَصْدِفُونَ فعلًا مضارعًا للدَّلالة على تجدُّدِ الإعراضِ منهم، وتقديم المُسْنَد إليه هم على الخبَرِ الفِعليِّ يَصْدِفُونَ؛ لِتَقَوِّي الحُكْمِ [826] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/236). .
2- قوله: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ استئنافٌ للتَّهديدِ والتوعُّد، وإعذارٌ لهم بأنَّ إعراضَهم لا يَرجِعُ بالسُّوءِ إلَّا عليهم، ولا يَضُرُّ بغيرهم [827] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/236). ، وهو تبكيتٌ آخَرُ لهم بإلجائِهِم إلى الاعترافِ باختصاصِ العذابِ بِهِم [828] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/134). .
- قوله تعالى: بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً أوْقَعَ الجهرةَ هنا في مُقابلة البَغْتةِ، وكان الظَّاهِرُ أن تُقابَلَ البَغتةُ بالنَّظْرةِ، أو أن تُقابَلَ الجهرةُ بالخُفْيَةِ، إلَّا أنَّ البغتةَ لَمَّا كانت وقوعَ الشَّيءِ من غير شعورٍ به، كان حصولُها خفيًّا؛ فحَسُنَ مقابلَتُه بالجَهرةِ، فالعذابُ الذي يجيءُ بغتةً هو الذي لا تسبِقُه علامةٌ، ولا إعلامٌ به، والذي يجيء جهرةً هو الذي تسبِقُه علامةٌ؛ كما في قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا [الأحقاف: 24]، أو يسبِقُه إعلامٌ به؛ كما في قوله تعالى: فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ [هود: 65] [829] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/237). .
- قوله: هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ الاستفهامُ في قوله: هَلْ بمعنى النَّفيِ؛ ولذلك دَخَلت (إلَّا)، وهو مُستعمَلٌ في الإنكارِ والتقريرِ، أي: قلْ لهم تقريرًا لهم باختصاصِ الهلاكِ بهم: أخبروني إن أتاكُم عذابُه تعالى حَسَبما تستحقُّونَه: هل يُهلَك بذلك العذابِ إلَّا أنتم [830] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/517)، ((تفسير أبي السعود)) (3/135)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/237). .
- ولَمَّا كانَ المُخَوَّفُ بالذَّاتِ هو الهُلاك، مِن غير نَظَرٍ إلى تَعيينِ الفاعلِ، بُنِيَ الفِعلُ يُهْلَكُ للمَفعولِ [831] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/119). .
- وفيهِ وَضْعُ الظَّاهِرِ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ مَوضِعَ المُضْمَر- حيثُ لم يَقُلْ: (هلْ يُهلَكُ غيرُكم)- وإنَّما وُضِعَ موضِعَه؛ تَسجيلًا عليهم بالظُّلْم، وإيذانًا بأنَّ مناطَ إهلاكِهِم ظُلْمُهم، الذي هو وَضْعُهم الكُفرَ موضِعَ الإيمانِ [832] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/135). .
3- قوله: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ كلامٌ مستأنَفٌ، مَسُوقٌ لبيانِ وظائِفِ مَنْصِب الرِّسالةِ على الإطلاقِ، وتحقيقِ ما في عُهْدةِ الرُّسُلِ عليهم السلامُ، وفيه: إظهارُ أنَّ ما يقترحُه الكَفَرةُ عليه- عليه السلامُ- ليس مما يتعلَّقُ بالرِّسالةِ أصلًا [833] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/135). .
- والتعبيرُ بصيغةِ المضارعِ نُرْسِلُ دون الماضي (أَرْسَلْنا)؛ لبيانِ أنَّ ذلك أمرٌ مستمرٌّ جَرَت عليه العادةُ الإلهيَّةُ، وللدَّلالةِ على تجدُّدِ الإرسالِ مُقارِنًا لهذين الحالَينِ، أي: ما أرسَلْنا، وما نُرْسِل، فقوله: مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ حالان مُقَدَّرتانِ باعتبارِ المُستقبلِ، ومُحَقَّقتانِ باعتبارِ الماضي [834] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/135)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/238). .
- والقَصْرُ بـ(ما... وإلَّا) هو الذي يُسَمِّيهِ البلاغيون: قصرًا إضافيًّا؛ لأنَّه يُرْسِلُهم بأعمالٍ أُخَرَ طيبةٍ من تعليمِ الآدابِ والمكارمِ، وغيرِ ذلك ممَّا هو زائدٌ على البِشارةِ والإنذارِ؛ للردِّ على مَن زعموا أنَّه إنْ لم يأتهم بآيةٍ كما اقترحوا فليس برسولٍ مِن عند الله، فهو قَصْرُ قَلْبٍ، أي: لم نُرْسِلِ الرَّسولَ للإعجابِ بإظهارِ خوارقِ العاداتِ [835] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/238)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/281). ، فحَصَرَ اللهُ تعالى وظيفةَ الرُّسُل في البِشارة والإنذارِ؛ حتى لا يدَّعيَ مُدَّعٍ أنَّ وظيفةَ الرُّسُل تتعلَّق بالربوبيَّة، وأنَّ لهم نصيبًا من تدبيرِ الخَلْقِ، فالرُّسُل ليس لهم إلَّا أن يُبشِّروا النَّاسَ، ويُنذِروهم فقط، أمَّا أن يَهْدُوهم، أو يَرْزقوهم، أو يدفعوا عنهم السُّوءَ؛ فليسَ من وظائِفِهم [836] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 235). .
- وقد كنَّى بالتَّبشيرِ والإنذارِ عن التَّبليغِ؛ لأنَّ التَّبليغَ يَسْتلزِمُ الأَمْرينِ، وهما التَّرغيبُ والتَّرهيبُ، فحَصَل بهذه الكِنايةِ إيجازٌ؛ إذِ استغنى بذِكْرِ اللَّازِمِ عن الجَمْع بينه وبين المَلزومِ [837] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/238). .
4- قوله: يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فيه: كِنايةٌ عن قُرْبِ العذابِ؛ حيثُ جَعَلَ العذابَ ماسًّا لهم؛ كأنَّه حيٌّ يَفعلُ بهم ما يُريدُ مِنَ الآلامِ [838] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/25)، ((تفسير أبي حيان)) (4/517)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/121). .
- وجِيءَ بِخَبَرِ (كان) جملةً مضارعيَّةً يَفْسُقُونَ؛ للإشارةِ إلى أنَّ فِسْقَهم كان متجدِّدًا مُتكرِّرًا، وللدَّلالةِ أيضًا على الاستمرارِ؛ لأنَّ (كان) إذا لم يُقْصَدْ بها انقضاءُ خَبَرِها فيما مضَى، دَلَّتْ على استمرارِ الخَبَر بالقَرينةِ؛ كقولِه تعالى: وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: 96] [839] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/239). .
5- قوله: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ
- قوله: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ استئنافٌ ابتدائيٌّ انتقل بِه الكلامُ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ، وهو استئنافٌ مبنيٌّ على ما أُسِّسَ من السُّنَّة الإلهيَّةِ في شأنِ إرسالِ الرُّسُلِ، وإنزالِ الكُتُب؛ مسوقٌ لإظهارِ تَبَرُّئِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مما يدورُ عليه مقترحاتُهم، وقد افتتحَ الكلامَ بالأمْرِ بالقولِ؛ للاهتمامِ بإبلاغِه [840] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/136)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/240). .
- وفي قوله: وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ خاطبَهم مخاطبةً غيرَ الأُولى، يَعني: كرَّر المخاطبةَ لَكُمْ؛ لأنَّ المقامَ هنا- وهو نفيُ أن يكون مَلَكًا- أبلغُ وأشدُّ، والإتيان بكافِ الخِطاب يدلُّ على شِدَّة توجيهِ الخِطاب للمُخاطَب، كما في قولِ الخَضِر لموسى في الآيةِ الأُولى: قَالَ أَلَمْ أَقُل إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا [الكهف: 72]، وفي الثانية: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا [841] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 248). [الكهف: 75].
- وأعادَ قولَه: لَا أَقُولُ لَكُمْ في قولِه: وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ، ولم يُعِدْها في نَفْيِ عِلْم الغَيبِ؛ حيث قال: وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ، ونُكتةُ ذلك: أنَّ نفيَ عِلم الغيبِ ونَفْيَ التصرُّفِ في خزائنِ الله يؤلِّفانِ التبرُّؤَ من دَعْوَى واحدةٍ، هي دعوَى الصِّفاتِ الخاصَّةِ بالله تعالى، وأمَّا نفيُ ادِّعاءِ المَلَكِيَّة فهو شيءٌ آخرُ، فأُعيدَ العامِلُ لإفادة ذلك، كأنَّه قال: إنَّني لا أدَّعي صفاتِ الإله حتى تطلُبوا منِّي ما لا يقدِرُ عليه أو ما لا يَعْلَمُه إلَّا اللهُ، ولا أدَّعي أنِّي مَلَك- وهو دون ما قَبْلَه- حتى تطلبوا منِّي ما جعله الله في قدرةِ الملائكةِ، ولم يجعَلْه من مقدورِ البَشَرِ، بل ادَّعَيْتُ أنِّي عبدُ اللهِ ورسولُه، وإنَّما وظيفةُ العبدِ الطاعةُ، ووظيفةُ الرَّسولِ التبليغُ، وعبَّر عن هذا بقولِه: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ أي: ما أفعلُ مِن حيثُ أنا عبدٌ رسولٌ إلَّا اتِّباعَ ما يُوحِيه إليَّ مَن أَرْسَلَني، مِن تَبليغِ دِينِه بالتبشيرِ والإنذارِ والعَمَلِ به [842] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/355). .
- وفي قوله: وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ مناسبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ كرَّر ضَميرَ الخِطابِ المجرورَ مِن قَولِه: لَكُمْ وفي سُورة هودٍ قال: وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ [هود: 31] بغيرِ تكريرِ الخِطابِ؛ وذلِك لأنَّ الواردَ في سُورةِ هودٍ إنَّما هو حِكايةُ قَولِ نوحٍ عليه السَّلامُ مُتلطِّفًا، ومشْفِقًا من حالِ قَومِه، ويُلْحَظ ذلك من النَّظَرِ فيما استَفْتَحَ به خطابَه لهم، وذلك بقوله: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ... الآية، وقوله: وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إلى قوله إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ، فهو عليه السَّلامُ يُلاطِفُهم، ويَظهَرُ من كلامه عظيمُ الإشفاقِ مِن حالِهم، وإرادتُه ما به نجاتُهم من العذابِ، فهذا كلُّه استلطافٌ في الدُّعاءِ، لا يلائِمُه تَكرارُ كلمةٍ تُفْهِمُ تعنيفًا أو توبيخًا، والتأكيدُ والتَّكرارُ يُفْهِمانِ ذلك، ويَرِدانِ حيثُ يُقْصَد.
وأمَّا قولُه تعالى هنا في آيةِ الأنعام: وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ فوارِدٌ في أثناءِ كلامٍ أمَرَ اللهُ رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتبليغه عُتاةَ قُريشٍ والعربِ؛ توبيخًا لهم وتقريعًا؛ فقيل له: قُلْ والمراد: قلْ لهم يا محمَّدُ: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ... الآية، فعَنى به من يقولُ: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا فمن يصدُرْ عنه هذا وأشباهُه ممَّا يُنْبئُ عن الإزراءِ، وفسادِ الظَّاهِرِ والباطِنِ، فَهُم المَقولُ لهم: لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ...، فتكَرَّر فيها قولُه: لَكُمْ تأكيدًا يُفْهِم التَّعنيفَ ويُناسِبُ التَّوبيخَ والتَّقريعَ [843] يُنظر: ((ملاك التأويل)) للغرناطي (1/161). .
وقيل: كرَّر في هذِه الآية قوله: لَكُمْ؛ لعدمِ ذِكْرِه قبلَها وبعدَها، ولم يُكرِّر قولَه: لَكُمْ في سورةِ هودٍ؛ لأَنَّه تقدَّم فيها قولُه تعالى: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ وعَقِبَه وَمَا نَرَى لَكُمْ وَبعدَه أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ فَلَمَّا تكَرَّرَ (لكم) فِي القِصَّةِ أَربعَ مَرَّاتٍ اكْتفى بذلك [844] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 109- 110)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 168). .
- وتقديمُ المسْنَدِ، وهو قوله: عِنْدِي على قوله: خَزَائِنُ اللَّهِ؛ للاهتمامِ به، لِمَا فيه مِن الغَرابةِ والبِشَارةِ للمُخْبَرينَ به [845] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/241). .
- قوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ جملةٌ مستأنفَةٌ استئنافًا بيانيًّا؛ لأنَّه لَمَّا نفى أن يقولَ هذه المقالاتِ، كان المقامُ مثيرًا سؤالَ سائلٍ يقولُ: فماذا تدَّعي بالرِّسالةِ، وما هو حاصِلُها؟ لأنَّ الجَهَلةَ يَتوهَّمونَ أنَّ معنى النبوةِ هو تلك الأشياءُ المتبَرَّأُ منها في قوله: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ... إلخ، فيُجابُ بقولِه: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ، أي: ليستِ الرِّسالةُ إلَّا التبليغَ عَنِ الله تعالى بواسطةِ الوَحْيِ [846] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/242). .
- قوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ خِتامٌ للمجادَلَةِ معهم، وتذييلٌ للكلامِ المُفْتَتَحِ بقوله: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ، أي: قلْ لهم هذا التذييلَ عَقِبَ ذلك الاستدلالِ [847] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/243). .
- وتكريرُ الأمرِ قُلْ؛ لتَثنيةِ التَّبكيتِ، وتَأكيدِ الإلزامِ [848] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/137). .
- والاستفهامُ في قوله: هَلْ استفهامٌ إنكاريٌّ، والمرادُ إنكارُ استواءِ من لا يعلمُ ما ذُكِرَ من الحقائِقِ ومن يَعْلَمُها، وفيه من الإشعارِ بكمالِ ظُهُورها، ومن التَّنفيرِ عن الضَّلالِ، والتَّرغيبِ في الاهتداءِ ما لا يخفى [849] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/137). .
- وفيه تشبيهُ حالةِ من لا يَفْقَهُ الأدلَّةَ، ولا يُفَكِّك بين المعاني المتشابهةِ بحالةِ الأعمى الذي لا يَعْرِف أين يَقْصِد، ولا أين يَضَعُ قدَمَه، وتشبيهُ حالةِ من يُمَيِّزُ الحقائقَ، ولا يلتبسُ عليه بعضُها ببعضٍ بحالةِ القَوِيِّ البَصَرِ؛ حيث لا تختلطُ عليه الأشباحُ، وهذا تمثيلٌ لحالِ المشركينَ في فسادِ الوَضْعِ لأدِلَّتِهم، وعُقْم أَقْيِسَتِهم، ولحالِ المؤمنينَ الذين اهتَدَوْا، ووضعوا الأشياءَ مَوَاضِعَها، أو تمثيلٌ لحالِ المُشْركينَ التي هم متلبِّسونَ بها، والحالِ المطلوبة منهم التي نَفَروا منها؛ ليعلموا أيُّ الحالينِ أَوْلى بالتخلُّقِ [850] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/243). .
- قوله: أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ توبيخٌ وتقريعٌ لهم، والاستفهامُ للإنكارِ، وهو معطوفٌ بالفاءِ على الاستفهامِ الأَوَّلِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ؛ لأنَّه مترتِّبٌ عليه؛ لأنَّ عدمَ استواءِ الأعمى والبصيرِ بديهيٌّ، لا يسَعُهُم إلَّا الاعترافُ بعَدَمِ استوائِهما؛ فلا جَرَمَ أن يتفرَّعَ عليه إنكارُ عدمِ تفكُّرِهم في أنَّهم بأيِّهما أشبَهُ [851] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/137)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/243). .