موسوعة التفسير

سُورةُ المائِدَةِ
الآيات (48 - 50)

ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ

غريب الكلمات:


وَمُهَيْمِنًا: أي: شاهدًا ورَقيبًا، وأَمينًا ومؤتمَنًا، وحاكمًا [949]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 11، 144)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 437)، ((تفسير ابن كثير)) (3/128)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 152)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 875). .
أَهْوَاءَهُمْ: جمْعَ هوًى: وهو مَيلُ النَّفسِ إلى الشَّهوةِ، وأصلُه: الخلوُّ والسقوطُ، ومنه قيل للآراء الزَّائفةِ: أهواءٌ [950] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/491)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/15)، ((المفردات)) للراغب (ص: 849)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 106)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 211). .
شِرْعَةً: أي: سُنَّةً وطَريقَةً، والشَّرعُ: نهجُ الطريقِ الواضِح، وكُلُّ ما شُرِع فيه مِن شَيءٍ فهو شَريعةٌ، ومِنه الشِّرْعَةُ والشَّريعةُ: وهي الطريقةُ الظاهرةُ، ومنه قيل لشريعةِ الماءِ (نهر- أو واد) شريعة؛ لأنَّها أظهرُ طُرقِه إليه، وأصل (شرع): شيءٌ يُفتَح في امتدادٍ يكونُ فيه [951]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 144)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 292)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/262)، ((تفسير الماوردي)) (2/45)، ((المفردات)) للراغب (ص: 450)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 152)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/223). .
مِنْهَاجًا: طَرِيقًا وَاضحًا، والمنهاجُ: الطَّرِيقُ المستمرُّ، وأصل النَّهج: الطريقُ الواضِح [952]  يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/361)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 292، 455)، ((المفردات)) للراغب (ص: 825). .
لِيَبْلُوَكُمْ: أي: لِيَختبِرَكم ولِيَمتَحِنَكم، وأَصْلُ (بلي): الامتحانُ والاختبارُ، ويكون البلاءُ في الخيرِ والشرِّ [953] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (1/92)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/433)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/293)، ((التبيان)) لابن الهائم (1/112). .
الْجَاهِلِيَّةِ: نِسبةً إلى الجاهِل، والمرادُ بالجاهليَّة: ما كان في الفترةِ قبلَ الإسلامِ من الجَهلِ باللهِ ورسولِه وشرائعِ الدِّين- وقد يُوصَفُ بها مَن تَشبَّه ببعضِ أحوالِها- وأَصْلُ (جهل): خِلافُ العِلمِ، ويُطلَقُ الجهلُ على: خلوِّ النَّفْس من العِلم، وعلى اعتقادِ الشيءِ بخِلافِ ما هو عليه، وعلى فِعلِ الشيءِ بخِلافِ ما حقُّه أن يُفعَل، سواءٌ اعتَقَد فيه اعتقادًا صحيحًا أو فاسدًا [954] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/489)، ((المفردات)) للراغب (1/209)، ((النهاية)) لابن الأثير (1/323)، ((شرح النووي على مسلم)) (2/110). .
يَبْغُونَ: أي: يَطلُبون، وأصل (بغي): طلَب الشَّيءَ [955] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/271)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 247). .
يُوقِنُونَ: يَعلمُونَ عِلمًا مُتمكِّنًا في نفوسِهم، لا يمكن أن يَدخُلَه شكٌّ، وأصلُ اليقين: زوال الشكِّ [956] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/157)، ((تفسير ابن عطية)) (1/86). .

مشكل الإعراب:


1- قوله: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا.
لِكُلٍّ: اللامُ فيها مُتعلِّقةٌ بـجَعَلْنَا، وتقديمُها عليه للتَّخصيص.
جَعَلْنَا: فِعلٌ وفاعلٌ، والفِعلُ (جَعَل) يَحتمِل أنْ يَتعدَّى لمفعولٍ واحدٍ، أو يَتعدَّى لمفعولَينِ- كما سيأتي.
مِنْكُمْ مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ وقَع صِفةً للاسْمِ المحذوفِ الذي عُوِّضَ عنه بتنوينِ العِوَضِ في كُلٍّ؛ أي: لكُلِّ أمَّةٍ مِنكم جَعَلْنا...، ولا ضَيرَ في توسُّط جَعَلْنَا بَينَ الصِّفة والموصوفِ، ونَظيرُه قوله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ... الآية [الأنعام: 14]؛ لأنَّه فصَل بين الجلالةِ وصِفتِها بالعَملِ في المَفعولِ الأوَّل.
شِرْعَةً: مفعولٌ به لـجَعَلْنَا المتعدِّي لمفعولٍ واحد، ويَحتمل أنْ يكونَ الفِعلُ جَعَلْنَا متعدِّيًا لاثنينِ بمعنى (صَيَّرْنا)؛ فيكون لِكُلٍّ مَفعولًا ثانيًا مقدَّمًا، ويكون قوله: شِرْعةً مفعولًا أوَّلَ [957] ينظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/291)، ((تفسير أبي السعود)) (3/45). .
2- قوله: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ.
أَنْ يَفْتِنُوكَ: مَصدرٌ مؤوَّل بالصَّريح (فِتنتهم إيَّاك)، وفي إعرابِه وجهان؛ الأوَّل: أنَّه مفعولٌ مِن أجلِه، أي: احْذَرهم مَخافةَ أَنْ يَفْتِنوك. والثاني: أنَّه بدلُ اشْتِمالٍ من المفعولِ؛ كأنَّه قال: واحْذَرْهُمْ فِتنتَهم؛ كقولك: أعجبَني زيدٌ عِلمُه [958] ينظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/228)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/442)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/294-295) ((الجدول في إعراب القرآن)) (6/369). .

المعنى الإجمالي:


يُخاطِبُ اللهُ تعالى نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قائلًا له: أنزَلْنَا إليك القرآنَ بالحقِّ، شاهدًا بصِدْقِ الكتُبِ السَّماويَّة التي سبقَتْه، وأمينًا عليها، وحافظًا لها، مُشتمِلًا على ما اشتمَلَتْ عليه وزيادة، وناسخًا وحاكمًا عليها، وأمَرَه الله سُبحانَه بعدَها أن يَحكُم بين أهلِ الكتابِ وغيرِهم بما أنزَلَه اللهُ من القُرآن، ونهاه عن اتِّباعِ أهوائِهم التي تُعارِض ما جاءَه من الحقِّ، وقد جعَل اللهُ لكلِّ أهل مِلَّةٍ سبيلًا وسُنَّةً يتَّبِعونها، ولو شاءَ سُبحانَه لجعَلَ النَّاسَ جميعًا على شريعةٍ ومنهاجٍ واحدٍ، لكنَّ اللهَ جعَلَ الشَّرائِعَ مختلفةً ليختبرَ عبادَه، ثم أمَر تعالى بالمبادَرَةِ والمسابقةِ إلى فِعلِ الخيراتِ؛ فإنَّ المعادَ والمرجِعَ إليه، فيُخبِر العبادَ بالذي كانوا يَختلِفون فيه.
وأمَر اللهُ نبيَّه أن يَحكُمَ بينهم بما أنزَلَه إليه في القُرآنِ، ولا يَتَّبع أهواءَهم، ولْيكُنْ حَذِرًا منهم أن يَصدُّوه عن بعضِ ما أَنزلَ اللهُ إليه في كتابه، فإنْ أعرَضوا عما حَكَمَ به عليهم، فليعلمْ أنَّ سببَ تولِّيهم هي إرادةُ الله تعالى أن يُعاقِبَهم ببعضِ ما اقترفوه من ذنوبٍ، وأخبره تعالى أنَّ كثيرًا من النَّاسِ خارجونَ عن طاعةِ ربِّهم.
ثم يقولُ تعالى لنبيِّه: أيُريدُ هؤلاء اليهودُ وغيرُهم الأحكامَ المخالِفَةَ للحقِّ، المبنيَّة على الجهلِ والظُّلم؟! ثم بيَّن تعالى أنَّه لا أحدَ أحسنُ حُكمًا منه سُبحانَه، يَتبيَّن ذلك ويتَّضِحُ لِمَن أَيقنَ باللهِ تعالى وآمَنَ به.

تفسير الآيات:


وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48).
مناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى التوراةَ التي أنزَلَها على موسَى عليه السَّلامُ، ومدَحَها وأثْنَى عليها، وأمَر باتِّباعِها؛ حيثُ كانتْ سائغةَ الاتِّباعِ، وذكَر الإنجيلَ ومدَحَه، وأمَر أهْلَه بإقامَتِه واتِّباع ما فيه؛ شَرَع تعالى في ذِكرِ القرآنِ العظيم، ومكانِه من الكتُب التي قَبلَه، وهو الذي أنزلَه على عبدِه ورسولِه الكريمِ محمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، مُقرِّرًا لنبوَّته وكتابِه؛ لأنَّ اليهودَ والنَّصارى يُنكِرونَ نُبوَّتَه وكتابَه، وأنَّ حِكْمتَه تعالى اقتضَتْ تعدُّدَ الشَّرائعِ ومناهجِ الهداية؛ فتلك مُقدِّماتٌ ووسيلةٌ، وهذا هو المقصِدُ والنتيجة [959] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/127)، ((تفسير أبي حيان)) (4/281)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/332). ، فقال:
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ.
أي: وأَنزلْنا إليك- يا محمَّدُ- القرآنَ العظيمَ الذي نزولُه حقٌّ من عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ، ونزلَ مُتضمِّنًا للحقِّ، فأخبارُه صِدْقٌ، وأحكامُه عَدلٌ، فلا كَذِبَ فيه ولا جَورَ، ولا ريبَ أنَّه مِن عندِ اللهِ تبارَك وتعالى [960] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/485- 486)، ((تفسير ابن كثير)) (3/127)، ((تفسير السعدي)) (ص: 234)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/469، 475). .
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ.
أي: وأنزلْناه شاهدًا للكتُبِ الإلهيَّةِ السابقةِ بصِدقها، وموافقًا لها، ومطابِقًا لأخبارِها وأصولِ شرائعها، وفي وجودِه أيضًا دَلالةٌ على صِدقها؛ لأنَّها أَخبرتْ بنُزولِ القُرآن [961] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/486)، ((تفسير ابن كثير)) (3/127)، ((تفسير السعدي)) (ص: 234)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/474). .
وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ.
أي: وأنزلْناه أمينًا على الكتُبِ الإلهيَّة السابقة، حافظًا لها، مشتملًا على ما اشتملَتْ عليه الكتُبُ السَّابقَة وزيادة، وناسخًا لها، وحاكمًا عليها كلِّها، فما شهِد له القرآنُ منها بالصِّدقِ فهو مقبولٌ، وما شهِد له بالردِّ فهو مردودٌ، قد دخلَه التحريفُ والتبديلُ، وإلَّا فلو كان من عندَ اللهِ تعالى، لم يُخالِفْه [962] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/486)، ((تفسير ابن كثير)) (3/128)، ((تفسير السعدي)) (ص: 234)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/470). .
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
أي: وما دام أنَّ هذه هي حالُ القرآن؛ فاحكمْ إذنْ- يا محمَّدُ- بينَ أهلِ الكتاب وغيرِهم بهذا القرآنِ العظيم، في كلِّ ما احتَكموا فيه إليك [963] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/491- 492)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/470). .
وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ.
أي: لا تَترُكَنَّ تحكيمَ كتابي بَينهم- يا محمَّدُ- متابعةً منك لأهوائِهم الفاسدةِ المعارِضةِ للحقِّ، فتحكمَ بها إرضاءً لهم بدلًا عن الحُكمِ بما أتاك من الحقِّ الذي هو أحقُّ أن يُحكمَ به [964] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/492)، ((تفسير ابن كثير)) (3/128)، ((تفسير السعدي)) (ص: 234)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/470- 471). .
لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا.
أي: لكلِّ أهلِ ملَّةٍ منكم- أيُّها الأممُ- جعَلْنا سبيلًا تَسلُكونَه، وسنَّةً واضحةً تتَّبعونها [965] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/492- 495)، ((تفسير ابن كثير)) (3/129)، ((تفسير السعدي)) (ص: 234)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/471). قال السعديُّ: (وهذه الشرائعُ التي تختلف باختلاف الأُمم، هي التي تَتغيَّرُ بحسَب تغير الأزمنة والأحوال، وكلُّها ترجع إلى العدل في وقتِ شِرعتها، وأمَّا الأصولُ الكِبار التي هي مصلحةٌ وحِكمةٌ في كلِّ زمان، فإنَّها لا تختلفُ، فتُشرَعُ في جميعِ الشرائع) ((تفسير السعدي)) (ص: 234). وقال ابنُ عاشور: (فمنهاجُ المسلمين لا يُخالف الاتِّصال بالإسلام، فهو كمنهاج المهتدين إلى الماء، ومنهاج غيرِهم منحرفٌ عن دِينهم، كما كانتِ اليهودُ قد جَعلتْ عوائدَ مخالفة لشريعتِهم، فذلك كالمنهاج الموصل إلى غير المورود، وفي هذا الكلامِ إبهامٌ أريد به تنبيهُ الفريقين إلى الفَرق بين حاليهما، وبالتأمُّل يظهر لهم) ((تفسير ابن عاشور)) (6/223). .
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ.
أي: ولو شاء اللهُ لجَمَعَكم- أيُّها النَّاسُ- على دينٍ واحدٍ، وجعل شَرائِعَكم شريعةً واحدةً؛ لا يختلِفُ متأخِّرُها عن مُتقدِّمها، ولكنَّه تعالى خالَفَ بينها؛ لِيَختبرَكم وينظرَ كيف تَعملون [966] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/498- 499)، ((تفسير ابن كثير)) (3/130)، ((تفسير السعدي)) (ص: 234)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/472). ، فيبتلي كلَّ أُمَّةٍ بحسَب ما تَقتضيه حِكمتُه، ويُؤتي كلَّ أحدٍ ما يَليقُ به، وليحصلَ التنافسُ بين الأُمم؛ فكلُّ أمَّةٍ تحرِصُ على سَبْقِ غيرِها [967] ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 234). .
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ.
مُناسَبَتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا كان في الاختبارِ أعظمُ تهديدٍ في قوله: وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ سبَّب عنه قولَه: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ؛ ليحُثَّ على السَّبقِ للخَيرِ [968] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/182)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/347)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/477). ؛ فقال تعالى:
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ.
أي: فبادِروا- أيُّها الناسُ- إلى الطاعاتِ والأعمالِ الصالحاتِ، وسارِعوا إليها وَفقًا لشرعِه ونهْجِه الذي أنزلَه في كتابِه القرآنِ [969] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/500)، ((تفسير ابن كثير)) (3/130)، ((تفسير السعدي)) (ص: 234)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/472). .
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا.
أي: معادُكم- أيُّها الناسُ- مِن جميعِ الأُمم، ومصيرُكم إلى الله تعالى وحْدَه يومَ القيامة [970] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/130)، ((تفسير السعدي)) (ص: 234)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/472). وقال ابنُ عُثَيمين: (هل المرادُ: المرجعُ في الدُّنيا أو في الدُّنيا والآخِرة؟ الجواب: مرجعُنا إلى اللهِ في الدنيا والآخرة، أمَّا في الدُّنيا فإنَّ مرجعنا إلى الله: هو الذي يَحكُم بيننا، وهو الذي يَحكُم علينا، ويحكم فينا، وأمَّا في الآخرة فكذلك يَفصِلُ بيننا يومَ القيامة؛ فريق في الجَنَّة، وفريق في السَّعير) ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/472). .
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.
أي: فيُخبِرُكم بما اختلفتُم فيه من الحقِّ، وحينئذٍ يحصُلُ الفصلُ بالعدلِ، ويَتبيَّنُ المحِقُّ مِن المبطِلِ، ويُثابُ أهلُ الحقِّ، ويُعاقَبُ أهلُ الباطِلِ [971] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/500)، ((تفسير ابن كثير)) (3/130)، ((تفسير السعدي)) (ص: 234)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/473). .
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49).
مناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا كان الأمرُ بالحُكمِ فيما مضَى مِنْ قَوْلِه: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ لكونِه مُسبَّبًا عمَّا قَبلَه من إنزالِ الكتابِ على الأحوالِ المذكورة؛ أعادَ الأمرَ به سُبحانَه مصرِّحًا بذلك لِذاتِه لا لشيءٍ آخَر؛ ليكونَ الأمرُ به مؤكَّدًا غايةَ التأكيدِ بالأمرِ به مرَّتين: مرَّةً لأنَّ اللهَ أمَرَ به، وأخرى لأنَّه على وَفْقِ الحِكمة، فقال تأكيدًا له وتنويهًا بعظيمِ شأنِه، ومحذِّرًا من الأعداءِ فيما يُلقُونه من الشُّبَه للصدِّ عنه [972] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/183) :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
أي: واحْكُمْ بينهم إذا تنازَعوا إليك- يا مُحمَّدُ- بحُكمِ الله تعالى الذي أنزلَه إليكَ في القرآنِ، ولا تَحكُمْ بما عندَهم [973] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/501)، ((تفسير ابن كثير)) (3/130)، ((تفسير السعدي)) (ص: 234)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/479). قال السعدي: (هذه الآيةُ تدلُّ على أنَّه إذا حكَم، فإنَّه يحكمُ بينهم بما أنزل الله مِن الكتابِ والسُّنَّة، وهو القسطُ الذي تقدَّم أنَّ الله قال: وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ودلَّ هذا على بيانِ القسطِ، وأنَّ مادتَه هو ما شرَعه الله مِن الأحكامِ، فإنَّها المشتملةُ على غايةِ العدلِ والقسطِ، وما خالف ذلك فهو جورٌ وظلمٌ) ((تفسير السعدي)) (ص: 234). .
وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ.
أي: والْزمِ العملَ بالقرآنِ الذي أُنزِلَ إليك- يا محمَّدُ- ولا تتَّبعْ أهواءَ اليهودِ، ولا أهواءَ غيرِهم [974] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/501). .
وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ.
أي: وإيَّاك- يا محمَّد- والاغترارَ بهؤلاء الأعداءِ من اليهودِ وغيرِهم ممَّن يَحتكِمون إليك، فكنْ على حَذرٍ من أنْ يصدُّوك عن بعضِ ما أنزَلَ اللهُ تعالى إليك من أحكامِ القُرآنِ، فيَحْملوك على ترْكِ العملِ بها، واتِّباعِ أهوائِهم [975] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/501)، ((تفسير ابن كثير)) (3/130)، ((تفسير السعدي)) = = (ص: 234)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/480). .
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ.
أي: فإنْ أعرَضَ هؤلاءِ الذين يَحتكِمون إليك- يا محمَّدُ- من اليهودِ وغيرِهم عن العملِ بما حَكمتَ به عليهم، فاعلمْ أنَّهم لم يَتولَّوا عن حُكْمِك وقد قضيتَ بالحقِّ إلَّا بقَدَرِ اللهِ تعالى وحِكْمَتِه فيهم؛ مِن أجلِ أنَّه يُريدُ صرْفَهم عن الهُدى، وتعجيلَ عُقوبتِهم في الدنيا؛ لِمَا صدَرَ منهم من ذُنوبٍ اقتضتْ إضلالَهم ونَكالَهم [976] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/501)، ((تفسير ابن كثير)) (3/130)، ((تفسير السعدي)) (ص: 234- 235). .
وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ.
أي: وإنَّ كثيرًا من الناسِ خارجونَ عن طاعةِ ربِّهم، مخالِفونَ للحقِّ، فالفِسْقُ طبيعةٌ لهم وسجيَّة [977] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/501)، ((تفسير ابن كثير)) (3/130)، ((تفسير السعدي)) (ص: 235)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/480). قال ابنُ عُثَيمين: (قوله: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ الجملةُ هذه كالتسليةِ للرسولِ عليه الصَّلاة والسَّلام؛ لكي لا يحزنَ؛ لأنَّ كثيرًا من النَّاس فاسقون) ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/480). .
أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50).
أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ.
أي: أفيَطلُبُ هؤلاءِ اليهودُ وغيرُهم الأحكامَ المخالِفةَ للحقِّ، المبنيَّةَ على الجهلِ والظُّلمِ، والتي وضَعَها الناسُ بلا مُستنَدٍ من شريعةِ اللهِ تعالى، بحسَب آرائِهم وأهوائِهم؛ أفيَطلُبون ذلك وعندهم كتابُ اللهِ فيه الهدى والنُّور، والعَدْلُ والحقُّ المُبِينُ الذي لا يجوزُ خِلافُه، ومع ذلِك يَعدِلون عنه [978] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/503)، ((تفسير ابن كثير)) (3/131)، ((تفسير السعدي)) (ص: 235)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/486). ؟!
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.
أي: لا أحدَ أحسنُ وأعدلُ مِن الله تعالى في حُكمِه، ولكنَّ ذلك يَتبيَّن لِمَن أيقنَ باللهِ تعالى وأسمائِه وصِفاتِه- ومن ذلك أنَّه أحكمُ الحاكِمينَ سُبحانَه- فعَرَف الفرقَ بين حُكمِه سُبحانَه وحُكمِ الجاهليَّة، وميَّز بإيقانِه ما في حُكمِ الله عزَّ وجلَّ من الحُسن، ودَفعَه يقينُه إلى العملِ به [979] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/503)، ((تفسير ابن كثير)) (3/131)، ((تفسير السعدي)) (ص: 235)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/487- 488). .

الفوائد التربوية:


1- أنَّه يَنبغي لِمَن نهَى عن شيءٍ قبيحٍ أن يُبيِّنَ قُبْحَه، وأنْ يَنقُل النَّاسَ إلى ما هو خيرٌ منه؛ لقوله: عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ، فكأنه قال: لا تتَّبِعْ أهواءَهم، واتَّبِع ما جاءَك من الحقِّ [980] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/475). .
2- أنَّه يجِبُ على المسلمينَ أنْ تكونَ لهم شخصيَّةٌ قائمةٌ بعزَّة الإِسلامِ، وألَّا يكونوا أذنابًا لأعداءِ الله؛ لقوله: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ [981] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/475). .
3- قولُه تعالى: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ موجَّهٌ مِن الله عزَّ وجلَّ إلى رسولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، مع أنَّنا نعلمُ عِلمَ اليقينِ أنَّه لن يَفعلَ ذلك؛ لكن لِيَعتبرَ النَّاسُ أنَّه إذا كان محمَّدٌ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ينهاه ربُّه ومُرسِلُه عن اتِّباعِ أهوائِهم عمَّا جاءَه من الحقِّ، فكيف بغَيْرِه [982] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/470) ؟!
4- يُستفادُ مِن قولِه: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً أنَّه لا بدَّ لبني آدَمَ من الاختلافِ، وهذا هو الواقِعُ [983] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/478). .
5- أنَّ الذنوبَ لها آثارٌ سيِّئة، مِن أعظمِها التولِّي عن دِينِ اللهِ وعمَّا أنزَلَ الله؛ فالإنسانُ كلَّما عصَى اللهَ ابتعَدَ عن قَبولِ الوحي والشَّريعةِ؛ ولهذا قال: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [984] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/348)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/482). .
6- الحَذرُ الشَّديدُ مِن موافقةِ الكفَّارِ؛ لقولِه تعالى: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ [985] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/484). .
7- أنَّ حُكمَ اللهِ أحسنُ الأحكامِ؛ لقوله: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا، ويترتَّبُ على هذا أنَّ الإنسانَ إذا آمَن بأنَّ حُكمَ اللهِ أحسنُ الأحكامِ، استسلمَ لحُكمِ الله ورضِيَ به تمامًا، سواءٌ علِم الحِكمةَ أم لم يعلمْ، وهذا حقٌّ؛ فأيُّ إنسانٍ يرى أنَّ حُكمَ أحدٍ هو أحسنُ الأحكام فسوف ينقادُ له، ولا يُعارِض ولا يمانِع [986] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/488). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- الثَّناءُ على القرآن؛ لقوله: بِالْحَقِّ؛ لأنَّ جميعَ ما في القرآن حقٌّ، إنْ كان خبرًا فهو صِدْق، وإنْ كان قَصَصًا فهو نافعٌ، وإنْ كان أحكامًا فهو عَدْلٌ [987] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/475). .
2- القرآنُ مهيمِنٌ على الكتُبِ؛ لأنَّه الكتابُ الذي لا يصيرُ منسوخًا ألبتةَ، ولا يتطرَّقُ إليه التبديلُ والتحريفُ؛ على ما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9]، وإذا كان كذلِك كانتْ شهادةُ القرآن على أنَّ التوراةَ والإنجيلَ والزبورَ حقٌّ وصدقٌ باقيةً أبدًا، فكانتْ حقيقةُ هذه الكتُبِ معلومةً أبدًا؛ قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [988] ينظر: ((تفسير الرازي)) (12/371). .
3- أنَّ القرآنَ ناسِخٌ لِمَا قبْلَه من الكتُب؛ لقوله: وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [989] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/475). .
4- وجوبُ الحُكم بما أنزلَ اللهُ في القرآنِ إذا تحاكَم إلينا أهلُ الكتابِ؛ لقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وهذا الخطابُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، لكن يَشمَلُ الأمَّةَ [990] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/475). .
5- قال تعالى: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ولم يقُلْ: (شريعتهم أو نحوها)؛ لأنَّهم على هوًى، وليسوا على هُدًى، فكُفرُهم بما جاء به محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن هوًى، ليس عن عقلٍ ولا عن شَرْعٍ [991] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/470). .
6- يُستفادُ مِن قولِه: عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ أنَّ ما جاءَ به الرسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حقٌّ لا يُمكِنُ العدولُ عنه إلى غيرِه؛ لأنَّه لم يقل: (عمَّا جاءَك) أو (عمَّا نزَل) فقط، بل أضافَ: مِنَ الْحَقِّ [992] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/471). .
7- أنَّ المرجِعَ إلى اللهِ تبارك وتعالى شَرْعًا وقدَرًا؛ لقولِه: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ فالمرجِعُ إلى اللهِ شرعًا؛ هو الذي يَحكُم بيننا، وقدَرًا؛ فإنَّ الأمرَ كما قال الله: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [993] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/477). [الغاشية: 25- 26].
8- في قولِه تعالى: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ... هذه الآيةُ تدلُّ على أنَّ الخطأَ والنِّسيانَ جائزانِ على الرَّسولِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ، والتعمُّدُ في مِثل هذا غيرُ جائزٍ على الرَّسولِ، فلم يَبقَ إلَّا الخطأُ والنِّسيان [994] ينظر: ((تفسير الرازي)) (12/374). .
9- وجوبُ الحَذرِ مِن اليهودِ والنَّصارى وغيرِهم؛ لقوله: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ [995] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/481). .
10- في قوله تعالى: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ الإشارةُ إلى أنَّ مِن أكبرِ غاياتِ اليهودِ والنَّصارى أن يَفتِنوا المسلمينَ عمَّا أَنزلَ اللهُ إليهم، وإذا كانَ اللهُ تعالى قد تَكلَّمَ في هذا في عهدِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فالأمرُ في وقتِنا أشدُّ؛ لأنَّهم الآن يَرَوْن أنَّهم أقوى منَّا في المادَّةِ الحِسيَّة، فيكونُ حِرصُهم على صَدِّنا عن سبيلِ الله أشدَّ [996] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/482). .
11- في قولِه: بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ أبْهَم الذنوبَ؛ زيادةً في استدراجِهم وإضلالِهم، وتحذيرًا لهم من جميعِ مساوي أعمالِهم؛ لئلَّا يَعلموا عينَ الذنبِ الذي أُصيبوا به، فيحملَهم ذلك على الرجوعِ عنه، ويَصيرَ ذلك كالإلجاءِ [997] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/183). .
12- يُستفادُ مِن قولِه: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أنَّ كلَّ حُكمٍ مخالفٍ لحُكمِ الله فهو حُكمٌ جاهليٌّ [998] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/488). .
13- يُستفادُ مِن قولِه: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أنَّه لا يجوزُ للإنسانِ أن يُعارِضَ أحكامَ الشَّرع بعقلِه، هذا في العمليَّات الفقهيَّات، وفي العَقَديَّات العِلميَّات مِن باب أَوْلى؛ لأنَّه إذا كان لا يجوزُ للإنسان أن يُعارِضَ الشرعَ في الأمورِ العمليَّةِ التي يَدخُلها القياسُ، فالأمورُ العِلميَّةُ الخبريَّة من باب أَوْلى [999] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/490). .
14- قولُه تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ فيه الإنكارُ على من خَرَجَ عن حُكمِ اللهِ المُحكَم، المشتَمِل على كلِّ خيرٍ، النَّاهي عن كلِّ شَرٍّ، وعَدَلَ إلى ما سواه مِنَ الآراءِ والأهواءِ والاصطلاحاتِ، التي وضَعَها الرِّجالُ بلا مُستنَدٍ مِن شريعةِ اللهِ، كما كان أهلُ الجاهليَّةِ يحكُمونَ به من الضَّلالاتِ والجَهالات، مِمَّا يضعونَها بآرائِهم وأهوائِهم، وكما كان يحكُمُ به التَّتارُ مِنَ السِّياساتِ المَلَكيَّةِ المأخوذةِ عَن مَلِكِهم جنكيزخان، والتي اقتبَسَها مِن شرائِعَ شتَّى، من اليهوديَّةِ والنَّصرانيَّةِ والملَّةِ الإسلاميَّةِ، وفيها كثيرٌ مِنَ الأحكامِ أخَذَها من مجرَّدِ نَظَرِه وهواه، فصارَتْ في بَنِيه شَرعًا مُتَّبعًا، يُقَدِّمونها على الحُكمِ بكِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فمَن فعل ذلك فهو كافِرٌ يجِبُ قِتالُه، حتى يرجِعَ إلى حُكمِ اللهِ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلا يُحكِّمُ سواه في قليلٍ ولا كثيرٍ [1000] يُنظَر: ((تفسير ابن كثير)) (3/131). .
15- أنَّه لا يَعرِف حُسنَ أحكامِ اللهِ إلَّا مَن عنده يقينٌ، وكلَّما كان الإنسانُ أشدَّ يقينًا، كان بيانُ حُسنِ أحكامِ الله عنده أكثرَ وأشدَّ؛ لقوله: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [1001] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/379)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/490) .

بلاغة الآيات:


1- قوله: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فيه: إظهارٌ في محلِّ الإضمار بقولِه: الْكِتَابَ؛ لبيانِ أهميَّته، وأنَّه المرجعُ والملاذُ والمعتصَم إذا حَزَبَ الأمرُ [1002] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/495). .
- وفي قوله هنا: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ، وقوله عن التوراة: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ وقوله عن الإنجيل: وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ... وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ، لطيفةٌ ومناسبةٌ حسنةٌ في كلِّ سِياق؛ فإنَّه لَمَّا ذكَر تعالى أنَّه أنزلَ التوراةَ فيها هدًى ونورٌ في قولِه تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ لم يَذكُرْ مَن أَنزلها عليه؛ لاشتراكِ كلِّهم في أنَّها نزلتْ على موسى؛ فترَك ذِكْرَه للمَعرفةِ بذلك، ثم ذكَر عيسى وأنَّه آتاهُ الإنجيلَ في قولِه تعالى: وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ، فذَكَره ليُقرُّوا أنَّه من جُملةِ الأنبياء؛ إذ اليهودُ تُنكِر نبوَّتَه، وإذا أنكرتْه أنكرتْ كِتابَه، فنصَّ تعالى عليه وعلى كِتابِه، ثمَّ ذكَر إنزالَ القُرآنِ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فذَكَر الكتابَ ومَن أَنزلَه، مُقرِّرًا لنبوَّته وكِتابِه؛ لأنَّ الطائفتَينِ يُنكرون نُبوَّتَه وكتابَه، وجاءَ هنا ذِكرُ المُنزَلِ إليه بكَافِ الخِطاب؛ لأنَّه أنصُّ على المقصودِ [1003] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/281). .
2- قوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ تعريفُ الكِتاب للجِنس؛ لأنَّه عنَى به جِنسَ الكتُبِ المنزلَة، ويجوزُ أن يُقال: هو للعَهد؛ لأنَّه لم يُرَدْ به ما يقعُ عليه اسمُ الكتاب على الإطلاقِ، وإنَّما أُريد نوعٌ معلومٌ منه، وهو ما أُنزِلَ من السماء سِوى القرآنِ [1004] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/638). ، وقيل: لَمَّا كانتِ الكتُبُ السَّماويَّة مِن شدَّةِ تَصادُقِها كالشيءِ الواحدِ عبَّر تعالى عنها بالمفردِ؛ فقال: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ [1005] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/180)، ((تفسير الشربيني)) (1/378). .
3- قوله: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وفيه: الخطابُ بطريق التلوينِ والالتفاتِ للنَّاس كافَّةً؛ ولكن ليس للموجودينَ خاصَّةً، بل للماضين أيضًا بطريق التَّغليبِ [1006] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/45)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/223). .
- وقوله: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا: فيه حذف، والتقدير: لكلِّ أمَّة منكم أيُّها النَّاس، أو لكلِّ نبيٍّ مِنكم أيُّها الأنبياءُ، وعلى هذا الوجهِ يكون فيه تنبيهٌ لمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، أي: فاحفظْ شِرعتك ومِنهاجَك؛ لئلَّا تستزلَّك اليَهودُ وغيرُهم في شيءٍ منه [1007] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/373)، ((تفسير أبي حيان)) (4/283- 284). .
- وهو كالتَّعليلِ للنَّهي؛ أي: إذا كانتْ أهواؤُهم في متابعةِ شريعتِهم أو عَوائدِهم؛ فدَعُوهم وما اعتادُوه، وتمسَّكوا بشَرعِكم [1008] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/223). .
- وعلى القولِ بأنَّ الشِّرعة والمنهاجِ عِبارتان عن معنًى واحدٍ- والمرادُ بهما الدِّين- فيكونُ فيه تكريرٌ بعطفِ أحدِ المترادفَينِ على الآخَر، أو ما هو قَريبٌ منه في المعنى؛ لقَصدِ التَّأكيد [1009] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/373)، ((تفسير أبي حيان)) (4/284)، ((البرهان)) للزركشي (2/472- 473). .
4- قوله: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا استئنافٌ في معنى التَّعليلِ؛ لأمْرِه تعالى باسْتِباقِ الخيراتِ؛ كأنَّه يقول: يَظهَرُ ثمرةُ استباقِ الخيراتِ والمبادرةِ إليها في وقتِ الرجوعِ إلى اللهِ تعالى ومُجازاتِه [1010] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/285). .
5- قوله: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فيه: إظهارُ الاسمِ الجليلِ اللَّهُ؛ لتأكيدِ الأمرِ بتهويلِ الخَطب [1011] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/46). .
6- قوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ: تأكيدٌ لِمَا تقدَّم مِن الأمرِ بذلك في الآيةِ السَّابقة، والنهيِ عن خِلافِه [1012] ينظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/130). ، وكرَّر النهيَ عن اتِّباع أهوائِهم في قوله: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ؛ لشدَّةِ التحذير منها، ولأنَّ ذلك في مقامِ الحُكم والفتوى، وهو أوسعُ، وهذا في مقامِ الحُكم وحْدَه، وكلاهما يلزمُ فيه ألَّا يتَّبِعَ أهواءَهم المخالفةَ للحقِّ [1013] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 234). .
7- قوله: بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ يعنى: بذَنْبِ التَّولِّي عن حُكْمِ اللَّه، وإرادةِ خِلافِه، فوَضَعَ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ مَوضِعَ ذلك، وأرادَ أنَّ لهم ذُنوبًا جمَّةً كثيرةَ العددِ، وأنَّ هذا الذَّنبَ- مع عِظَمه- بعضُها وواحدٌ منها؛ وهذا الإبهام لتعظيمِ التولِّي، واستسرافِهم في ارتكابِه، وجَسامَته وفَداحةِ التطاوُلِ به؛ فما أخسرَ صفقتَهم، وما أبشعَ ما اقترَفوه! واستعمالُ (بعض) في الإبهامِ واردٌ كثيرًا في كلامِ العرب [1014] ينظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/641)، ((تفسير أبي السعود)) (3/47). .
8- قوله: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ اعتراضٌ تذييليٌّ مُقرِّرٌ لمضمونِ ما قَبْلَه؛ ليَهُون عِندَه بَقاؤهم على ضَلالِهم؛ إذ هو عادَةُ أكثرِ النَّاس، وفيه كِنايةٌ عن كون أكْثرِ اليهودِ فاسِقين [1015] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/47)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/227). .
9- قوله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ الاستفهامُ إنكاريٌّ، وتقديمُ المفعول أَفَحُكْمَ على فِعله يَبْغُونَ؛ للتخصيصِ المفيدِ لتأكيدِ الإنكارِ والتعجُّب [1016] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/287)، ((تفسير أبي السعود)) (3/47)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/227). ، ولإفادةِ الحَصرِ، يعني: كأنَّ هؤلاءِ لا يُريدون إلَّا الحُكمَ الجاهليَّ المبنيَّ على الجهلِ أو الجهالةِ [1017] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/485). .
10- قوله: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ فيه ما يُعرَفُ في البَلاغةِ بـ(الإيغال) [1018] الإيغال: هو استكمالُ الكلام قبل الإتيانِ بمقطعِه، فإذا أُريدَ الإتيانُ بذلك أُتي بما يُفيد معنى زائدًا على معنى ذلك الكلام، وهو ضربان: 1- إيغال تخيير: كما في هذه الآية. 2- إيغال احتياط: وهو استكمال معنى الكلام قبل قَطْعِه، فإذا أُريد الإتيانُ بذلك أُتي بما يُفيد معنى زائدًا تتمَّةً للمبالغة، كقوله تعالى: وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ [النمل: 80]، ثم علم عزَّ وجلَّ أنَّ الكلام يحتاج إلى فاصلةٍ تماثل مقاطعَ ما قبلها وما بعدها، فأتى بها مفيدةً معنى زائدًا على معنى الكلام، حيث قال: إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فإنْ قيل: ما معنى مُدبرين؟ وقد أغنى عنها ذِكرُ التولِّي؟ قيل: ذلك لا يُغني عنها؛ إذ التولِّي قد يكون بجانبٍ دون جانب، كما يكون الإعراض. ينظر: ((تحرير التحبير))، لابن أبي الإصبع (ص: 223)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/500- 501). ، ونوعه: الإيغالُ التَّخييريُّ؛ إذ إنَّ المعنى قد تمَّ بقَولِه: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا، ولَمَّا احتاجَ الكلامُ إلى فاصلةٍ تُناسِبُ ما قَبلَها وما بَعدَها، أتتْ هذه الفاصلةُ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ لتُفيدَ معنًى زائدًا، لولاها لم يَحصُل؛ وذلك أنَّه لا يَعلَمُ أنَّ حُكمَ الله أحسنُ مِن كلِّ حُكمٍ إلَّا مَن أَيقنَ أنَّه واحدٌ حكيمٌ عادلٌ، وعدَلَ عن قوله: (يَعْلمونَ) إلى قولِه: يُوقِنُونَ؛ ليكون عِلمُهم برَبِّهم عِلْمَ قَطعٍ ويقينٍ [1019] ينظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/500- 501). .