موسوعة التفسير

سورةُ النَّملِ
الآيات (76-82)

ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ

غَريبُ الكَلِماتِ:


الصُّمَّ: جمعُ الأصَمِّ، وهو الَّذي لا يسمَعُ، والصَّمَمُ: فِقدانُ حاسَّةِ السَّمعِ، وبه يُوصَفُ مَن لا يُصغِي إلى الحقِّ ولا يَقْبَلُه، وأصلُ (صمم): يدُلُّ على تضامِّ الشَّيءِ، وزوالِ الخرقِ والسمِّ (الثقبِ) [1041] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3 /277)، ((المفردات)) للراغب (ص: 492)، ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (3/53)، ((تفسير القرطبي)) (13/232)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 61). .
دَابَّةً: كلُّ شيءِ دبَّ على وجهِ الأرضِ فهو دابَّةٌ، ويُطْلَقُ عُرفًا على الخَيلِ والحِمارِ والبغلِ، ويُستعملُ في كلِّ حيوانٍ، وأصلُ (دبب): حركةٌ على الأرضِ أخَفُّ مِنَ المشيِ [1042] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 217)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/263)، ((المفردات)) للراغب (ص: 306)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 438). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ الله تعالى مادحًا كتابَه الكريمَ: إنَّ هذا القرآنَ يُبيِّنُ لبني إسرائيلَ الحَقَّ في أكثَرِ ما يختَلِفون فيه، ولو اتَّبَعوه لاهتَدَوا به، وإنَّ هذا القرآنَ لَهُدًى ورحمةٌ للمُؤمنينَ.
ثمَّ يقولُ تعالى: إنَّ ربَّك -يا محمَّدُ- سيَحكُمُ بيْنَ عبادِه المُختَلفينَ يومَ القيامةِ بحُكمِه العادِلِ، وهو العزيزُ في انتِقامِه، الغالِبُ القاهِرُ لعبادِه، العليمُ بكُلِّ شَيءٍ مِن أعمالِ العبادِ ونيَّاتِهم وغيرِ ذلك؛ فاعتَمِدْ -يا محمَّدُ- على اللهِ وَحْدَه، وفَوِّضْ جميعَ أمورِك إليه؛ إنَّك على الحقِّ الظَّاهِرِ الواضحِ.
إنَّك -يا محمَّدُ- لا تستطيعُ هدايةَ هؤلاءِ الكفَّارِ الَّذين أعرَضوا كلَّ الإعراضِ عن قَبولِ الحقِّ وسماعِه، فحالُهم كحالِ الموتَى الَّذين لا يُدرِكون، وكحالِ الصُّمِّ الَّذين لا يَسمعونَ. وما أنتَ -يا محمَّدُ- بهادي الكُفَّارِ الَّذين عَمُوا عن الحَقِّ، فرادِّهِم عن ضَلالِهم؛ إنَّك ما تُسمِعُ الحقَّ إلَّا الَّذين يُؤمِنون بآياتِنا، ويَنقادونَ للعَمَلِ بها خاضِعينَ مُخلِصينَ.
ثمَّ يَذكُرُ اللهُ تعالى بعضَ أشراطِ السَّاعةِ وعلاماتِها، فيقولُ: وإذا نزَل الوعدُ بعذابِ هؤلاء الكافرينَ أخرَجْنا لهم دابَّةً مِنَ الأرضِ تُخاطِبُ الكافرينَ بأنَّ النَّاسَ كانوا لا يُؤمِنون بآياتِ اللهِ تعالى.

تَفسيرُ الآياتِ:


إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذَكَر تعالى المبدأَ والمعادَ؛ ذَكَر ما يَتعلَّقُ بالنُّبوَّةِ، وكان المعتمَدُ الكبيرُ في إثباتِ نبوَّةِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ هو القرآنَ، ومِن جملةِ إعجازِه إخبارُه بما تضمَّنَ مِن القَصَصِ الموافقِ لِمَا في التَّوراةِ والإنجيلِ [1043] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/267). .
وأيضًا فللآيةِ مُناسَبةٌ بقولِه: وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [النمل: 75]؛ فإنَّ القرآنَ وحْيٌ مِن عندِ اللهِ إلى رسولِه محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فكلُّ ما فيه فهو مِن آثارِ عِلْمِ اللهِ تعالى، فإذا أراد اللهُ تَعليمَ المسلمينَ شيئًا ممَّا يَشتمِلُ عليه القرآنُ، فهو العِلْمُ الحقُّ إذا بلَغَتِ الأفهامُ إلى إدراكِ المُرادِ منه. ومِن ذلك ما اشتمَلَ عليه القرآنُ مِن تَحقيقِ أُمورِ الشَّرائعِ الماضيةِ والأُمَمِ الغابرةِ ممَّا خَبَطَتْ فيه كُتبُ بني إسرائيلَ خبْطًا، ولِمَا في القرآنِ مِن الأصولِ الصَّريحةِ في الإلهيَّاتِ ممَّا يَكشِفُ سُوءَ تأويلِ بني إسرائيلَ لِكَلِماتِ كِتابِهم [1044] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/30). .
إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76).
أي: إنَّ هذا القُرآنَ يُبيِّنُ لبني إسرائيلَ الحَقَّ في أكثَرِ ما يختَلِفونَ فيه، فلو اتَّبَعوه لاهتَدَوا [1045] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/116)، ((البسيط)) للواحدي (17/295)، ((تفسير القرطبي)) (13/231)، ((تفسير ابن كثير)) (6/210)، ((تفسير الشوكاني)) (4/173). وممَّا اختلفوا فيه: أمرُ عيسى عليه السَّلامُ، وقِصَّةُ عُزَيرٍ، وأحوالُ الجنَّةِ والنَّارِ، إلى غيرِ ذلك. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/116)، ((تفسير البيضاوي)) (4/167)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/212). .
كما قال تعالى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 62 - 68].
وقال سبحانه: ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ [مريم: 34].
وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا بان بما سبَق دليلُ عِلْمِه؛ أتْبَعه دليلَ فضْلِه وحِلْمِه [1046] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/213). .
وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77).
أي: وإنَّ القرآنَ لهُدًى مِن كلِّ ضلالةٍ، ومُوصِلٌ إلى المقصودِ، ورحمةٌ للمُؤمِنينَ العامِلينَ به، في دينِهم ودُنياهم وأُخْراهم [1047] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/117)، ((تفسير ابن كثير)) (6/210)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/213)، ((تفسير السعدي)) (ص: 609). .
كما قال الله تعالى: هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 203].
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا سَبَق ذِكْرُ المشركين بطَعْنِهم في القرآنِ، وتكذيبِهم بوعيدِه، وذِكْرُ بني إسرائيلَ بما يقتضي طعْنَهم فيه، وذِكْرُ المؤمنينَ بأنَّهم اهتَدَوْا به؛ وكان لهم رحمةً فهُم مُوقِنونَ بما فيه؛ تَمَخَّض الكلامُ عن خلاصةٍ هي افتراقُ الناسِ في القرآنِ فريقَينِ: فريقٍ طاعِنٍ، وفريقٍ موقنٍ، فلا جَرَمَ اقتضى ذلك حدوثَ تدافُعٍ بيْنَ الفريقينِ، وهو ممَّا يُثيرُ في نفوسِ المؤمنينَ سؤالًا عن مدَى هذا التَّدافُعِ والتَّخالُفِ بينَ الفريقينِ، ومتى يَنكشِفُ الحقُّ [1048] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/32). ؟
وأيضًا لَمَّا ذَكَرَ سبحانه دليلَ فَضلِه؛ أتبَعَه دليلَ عَدلِه، فقال مستأنِفًا لجوابِ مَن ظَنَّ أنَّ فضْلَه دائمُ العمومِ على الفريقَينِ [1049] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/213). :
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ.
أي: إنَّ ربَّك -يا محمَّدُ- سيَحكُمُ يومَ القيامةِ بيْنَ عِبادِه المُختَلِفينَ [1050] قيل: المرادُ بهم هنا: بنو إسرائيلَ الذين اختلفوا. وممَّن قال بذلك: مقاتلُ بن سليمان، وابنُ جرير، والقرطبي، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/316)، ((تفسير ابن جرير)) (18/117)، ((تفسير القرطبي)) (13/231)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 430، 431). وقال يحيى بن سلام: (قولُه عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ بيْنَ المؤمنينَ والكافرين في الآخرةِ؛ فيُدخِلُ المؤمنينَ الجنَّةَ، ويُدخِلُ الكافرين النَّارَ). ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/563). وقال السعدي: (إنَّ اللهَ تعالى سيَفصِلُ بيْنَ المُختصِمينَ، وسيَحكُمُ بيْنَ المُختلِفينَ بحُكمِه العدل، وقضائِه القِسْط، فالأمورُ وإنْ حصَل فيها اشتباهٌ في الدُّنيا بيْنَ المُختلفينَ لخفاءِ الدَّليلِ أو لبعضِ المَقاصِدِ، فإنَّه سيَبينُ فيها الحقُّ المُطابِقُ للواقِعِ حينَ يَحكُمُ اللهُ فيها). ((تفسير السعدي)) (ص: 609). بحُكمِه العادِلِ، ويُجازيهم بما يَستحِقُّون [1051] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/117)، ((تفسير ابن كثير)) (6/210)، ((تفسير السعدي)) (ص: 609)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 430، 431). .
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان القضاءُ يَقتضي تنفيذَ ما يَقضي به، والعِلمَ بما يَحكُمُ به؛ جاءت هاتان الصِّفتانِ عقِبَه [1052] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/267). ، فقال تعالى:
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ.
أي: واللهُ هو العزيزُ في انتِقامِه، الغالِبُ القاهِرُ لعبادِه، المُمتَنِعُ عن كُلِّ نَقصٍ وعَيبٍ، العليمُ بكلِّ شَيءٍ، فلا يخفَى عليه شَيءٌ مِن أعمالِ العبادِ ونيَّاتِهم وغيرِ ذلك، ويَعلَمُ ما يحكُمُ به بيْنَهم، ويُجازيهم بما يَستَحِقُّونَ [1053] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/117)، ((تفسير القرطبي)) (13/231)، ((تفسير ابن كثير)) (6/210)، ((تفسير السعدي)) (ص: 609)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 432). .
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ثَبَت له العِلمُ والحِكمةُ، والعَظَمةُ والقُدرةُ؛ تسَبَّب عن ذلك قَولُه [1054] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/213). :
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ.
أي: فاعتَمِدْ -يا محمَّدُ- على اللهِ وَحْدَه، وثِقْ به، وفوِّضْ جميعَ أمورِك إليه [1055] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/117)، ((تفسير القرطبي)) (13/231)، ((تفسير السعدي)) (ص: 609)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 436). .
إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ.
أي: إنَّك -يا محمَّدُ- على الحقِّ الظَّاهِرِ الواضِحِ غايةَ الوُضوحِ، فلا خَفاءَ فيه ولا اشتِباهَ، وإنْ خالَفَك مَنْ خالَفَك فلا يَحزُنْك تكذيبُ المُعرِضينَ وخِلافُهم، ولا يَضُرَّك ضَلالُهم، وامْضِ لِما أُمِرْتَ به؛ فإعراضُهم ليس عن خَلَلٍ في دعوتِك، وإنَّما الخَلَلُ في عقولِهم وإدراكِهم [1056] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/117)، ((تفسير القرطبي)) (13/232)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/214)، ((تفسير السعدي)) (ص: 609). ممَّن اختار في الجملةِ أنَّ المُرادَ بـ الْمُبِينِ: الواضحُ البَيِّنُ الظَّاهرُ: مقاتلُ بن سليمان، والثعلبي، ومكِّي، والواحدي، والبغوي، والقرطبي، والنسفي، والخازن، وجلال الدين المحلي، والعليمي، والشوكاني، والسعدي، وابن عاشور، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/316)، ((تفسير الثعلبي)) (7/222)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5463)، ((البسيط)) للواحدي (17/296)، ((تفسير البغوي)) (3/513)، ((تفسير القرطبي)) (13/232)، ((تفسير النسفي)) (2/620)، ((تفسير الخازن)) (3/352)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 503)، ((تفسير العليمي)) (5/160)، ((تفسير الشوكاني)) (4/173)، ((تفسير السعدي)) (ص: 609)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/34)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 439). وقيل: الْمُبِينِ أي: المُظهِرِ لِمَن تدبَّرَ وجْهَ الصَّوابِ. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/232). قال البِقاعي: (إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ أي: البَيِّنِ في نفْسِه، الموضحِ لغيرِه). ((نظم الدرر)) (14/214). لكنْ ذكر ابنُ عثيمين أنَّ الأنسَبَ تفسيرُ الْمُبِينِ بالبَيِّنِ، على أنَّه مِن بانَ يَبِينُ فهو بَيِّنٌ، فهذا الحقُّ بَيِّنٌ ظاهرٌ، لا تفسيرُه على أنَّه مِن أبانَ يُبِينُ فهو مُبِينٌ بمعنَى مُظهِر. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 439، 440). .
إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80).
إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى.
أي: إنَّك -يا محمَّدُ- لا تَهدي الكُفَّارَ الَّذين ماتت قلوبُهم بعْدَ أن خَتَم اللهُ عليها، فلا تَقدِرُ على إسماعِهم سَماعَ هُدًى ونَفعٍ وقَبولٍ يَستَجيبون معه للحَقِّ ويَنقادونَ إليه، إلَّا أن يَشاءَ اللهُ هِدايتَهم [1057] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/118)، ((تفسير القرطبي)) (13/232)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (4/298)، ((الروح)) لابن القيم (ص: 46)، ((تفسير ابن كثير)) (6/210)، ((أهوال القبور)) لابن رجب (ص: 81)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/124 - 128)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 445). قيل: المرادُ أنَّهم موتى القلوبِ. وممَّن قال بذلك: ابنُ جرير، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/118)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/124). وقيل: هذا تشبيهٌ بالموتى في عدَمِ سماعِهم. وممَّن قال بذلك: ابنُ تيميَّةَ، والبِقاعي. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (4/298)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/214). .
كما قال اللهُ عزَّ وجلَّ: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر: 22].
وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
1- قِراءةُ يَسْمَعُ الصُّمُّ بالرَّفعِ، بجَعلِ المُعرِضينَ هم الفاعلينَ، أي: لا يَنقادُون للحقِّ؛ لِعِنادِهم [1058] قرأ بها ابنُ كثير. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/339). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/245)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 536). .
2- قِراءةُ تُسْمِعُ الصُّمَّ بالنَّصبِ، على الخِطابِ لِرَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، أي: إنَّك -يا محمَّدُ- لا تَقدِرُ أن تُسمِعَ دُعاءَك الصُّمَّ المُعرِضينَ عنك [1059] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/239). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 536)، ((الكشف)) لمكِّي (2/165، 166). .
وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ.
أي: ولا تَقدِرُ -يا محمَّدُ- أن تُسمِعَ الحَقَّ الكفَّارَ الَّذين أصَمَّ اللهُ آذانَهم، إذا أعرَضوا عن سَماعِ الحَقِّ وتدَبُّرِه [1060] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/118)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 809)، ((تفسير القرطبي)) (13/232)، ((تفسير السعدي)) (ص: 609)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/128). .
كما قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ [الأنبياء: 45].
وقال تبارك وتعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: 22، 23].
وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81).
وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ.
أي: وما أنتَ -يا محمَّدُ- بهادي الكُفَّارِ الَّذين عَمُوا عن الحَقِّ، فتُخرِجَهم مِنَ الكُفرِ إلى الإيمانِ [1061] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/118، 119)، ((البسيط)) للواحدي (17/299)، ((تفسير البغوي)) (3/513)، ((تفسير القرطبي)) (13/233)، ((تفسير السعدي)) (ص: 609). .
كما قال تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص: 56].
إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ.
أي: لا تَقدِرُ -يا محمَّدُ- على أن تُفهِمَ الحَقَّ أحَدًا إلَّا الذين يُؤمِنونَ بآياتِنا فيَسمَعونَها ويتفَكَّرونَ فيها، ويَنقادونَ للعَمَلِ بها بإخلاصٍ وخُضوعٍ [1062] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/119)، ((تفسير القرطبي)) (13/233)، ((تفسير ابن كثير)) (6/210)، ((تفسير السعدي)) (ص: 609). .
كما قال تعالى: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ [الأنعام: 36].
وقال تبارك وتعالى: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الشورى: 26].
وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا فَرَغ سُبحانَه مِن عظيمِ زجْرِهم بتَسليتِه صلَّى الله عليه وسلَّمَ في أمْرِهم، وخَتَم بالإسلامِ؛ عَطَفَ عليه ذِكْرَ ما يُوعَدونَ مِمَّا تقَدَّمَ استِعجالُهم له استهزاءً به، وبدَأَ منه بالدَّابَّةِ الَّتي تُميِّزُ المسلمَ مِن غَيرِه [1063] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/215). .
وأيضًا فبَعْدَ أنْ ذكَرَ سُبحانَه ما يدُلُّ على كمالِ عِلمِه وقُدرتِه، وأبانَ بعدَئذٍ إمكانَ البَعثِ والحَشرِ والنَّشرِ، ثمَّ فَصَّل القَولَ فى إعجازِ القُرآنِ، ونبَّه بذلك إلى إثباتِ نبوَّةِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ- أردَفَ ذلك ذِكرَ مُقَدِّماتِ القيامةِ وما يحدُثُ مِنَ الأهوالِ حينَ قيامِها [1064] يُنظر: ((تفسير المراغي)) (20/21). .
وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ.
أي: وإذا حلَّ الوَعدُ بالعذابِ والسَّخَطِ على الكافِرينَ [1065] وممَّن قال: إنَّ المرادَ بوُقوعِ القولِ: هو حلولُ العذابِ والسَّخَطِ: السمرقنديُّ، والثعلبي، والواحدي. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (2/592)، ((تفسير الثعلبي)) (7/222)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 809). وممَّن اقتصر في تفسيرِه على العذابِ: مقاتلُ بن سليمان، والسمعاني، وابن عطية، وابن جُزَي، وأبو حيان. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/317)، ((تفسير السمعاني)) (4/113)، ((تفسير ابن عطية)) (4/270)، ((تفسير ابن جزي)) (2/107)، ((تفسير أبي حيان)) (8/268). وممَّن قال مِن السلفِ: إنَّ المرادَ: العذابُ: ابنُ عباس، ومجاهدٌ، وابنُ جريجٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/119)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/369). قال ابنُ جزي: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أي: إذا حانَ وقتُ عذابِهم الَّذي تضَمَّنه القولُ الأزَليُّ مِنَ الله في ذلك، وهو قضاؤُه، والمعنَى: إذا قرُبَتِ السَّاعةُ). ((تفسير ابن جزي)) (2/107). وقال الشوكاني: (واختُلِفَ في معنَى وُقوعِ القولِ عليهم؛ فقالَ قتادةُ: وَجَب الغضبُ عليهم. وقالَ مجاهدٌ: حَقَّ القولُ عليهم بأنَّهم لا يؤمنونَ. وقيلَ: حَقَّ العذابُ عليهم. وقيلَ: وجَب السُّخْطُ. والمعاني مُتقارِبةٌ). ((تفسير الشوكاني)) (4/174). ثمَّ قال مستكملًا باقيَ الأقوالِ: (وقيلَ: المرادُ بالقولِ ما نَطَق به القرآنُ مِنْ مجيءِ السَّاعةِ، وما فيها مِن فنونِ الأهوالِ الَّتي كانوا يَستعجِلونها، وقيل: وَقَع القولُ بموتِ العلماءِ وذهابِ العلمِ. وقيلَ: إذا لم يأمُروا بالمعروفِ ويَنهَوْا عن المنكَرِ). ((المصدر السابق)). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/120)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (9/2922)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/369). ، أخرَجْنا لهم دابَّةً مِنَ الأرضِ [1066] يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 809)، ((المفردات)) للراغب (ص: 880)، ((تفسير البغوي)) (3/513)، ((تفسير الزمخشري)) (3/383)، ((تفسير ابن عطية)) (4/270)، ((تفسير ابن كثير)) (6/210)، ((تفسير السعدي)) (ص: 610). قال ابن عاشور: (رُوِيَت في وَصفِ هذه الدَّابَّةِ ووقتِ خروجِها ومكانِه: أخبارٌ مُضطَرِبةٌ ضَعيفةُ الأسانيدِ). ((تفسير ابن عاشور)) (20/39). .
كما قال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [الأنعام: 158].
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((ثلاثٌ إذا خرَجْنَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إيمانُها لم تكُنْ آمَنَت مِن قَبْلُ أو كَسَبَت في إيمانِها خيرًا: طُلوعُ الشَّمسِ مِن مَغرِبِها، والدَّجَّالُ، ودابَّةُ الأرضِ )) [1067] رواه مسلم (158). قال الشنقيطي: (طلوعُ الشَّمسِ والدَّابَّةُ مُترادِفانِ، بيْنَهما قليلٌ، جاء في بعضِ الأحاديثِ أنَّ الشَّمسَ إذا طلَعت مِن مَغْرِبِها خرَجت الدَّابَّةُ ضُحًى [ينظر ما أخرجه مسلم (2941) من حديث عبد الله بن عَمرٍو رضي الله عنهما، مرفوعًا]،... قال بعضُ العلماءِ: والحكمةُ في إتيانِ الدَّابَّةِ بعدَ الشَّمسِ: أنَّ الشمسَ إذا طلَعت مِن مَغرِبها خُتِم على الأعمالِ، ولم يُقبَلْ مِن كافرٍ إيمانٌ، ولم يُقبلْ مِن عاصٍ توبةٌ، وانقطع تجديدُ إيمانٍ جديدٍ، أو تَوبةٍ جديدةٍ، فيُرسِلُ اللهُ بعدَ ذلك الدَّابَّةَ، فتَكتُبُ على جبهةِ كلِّ إنسانٍ: «سعيد» أو «شقي» يَعرِفُه مَن يَراه؛ لِتُبيِّنَ حالَ النَّاسِ عندَ انقطاعِ أعمالِهم: مَن هو الكافرُ منهم، ومَن هو السعيدُ؟). ((العذب النمير)) (2/597). .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عنه، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((بادِروا بالأعمالِ سِتًّا: الدَّجَّالَ، والدُّخَانَ، ودابَّةَ الأرضِ، وطُلوعَ الشَّمسِ مِن مَغرِبِها، وأمْرَ العامَّةِ [1068] أمْر العامَّةِ: قيل: أي: الفِتنة الَّتي تَعُمُّ النَّاسَ، وقيل: القيامة؛ لأنَّه يَعُمُّ الخلائقَ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (18/87)، ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3450). ، وخُوَيْصَّةَ أحَدِكم [1069] خُوَيْصَّة: تصغيرُ خاصَّة، أي: الوقعة الَّتي تخُصُّ أحدَكم؛ قيل: يريدُ الموتَ، وقيل: هي ما يختصُّ به الإنسانُ مِن الشَّواغلِ المُتعلِّقةِ في نفْسِه ومالِه وما يهتَمُّ به، وصُغِّرَتْ؛ لاستِصغارِها في جنبِ سائرِ الحَوادثِ مِنَ البعثِ والحسابِ وغيرِ ذلك. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) (8/3450). ) [1070] رواه مسلم (2947). .
وعن حُذيفةَ بنِ أَسِيدٍ الغِفاريِّ رَضِيَ الله عنه، قال: اطَّلَعَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ علينا ونحن نَتَذاكَرُ، فقال: ((ما تَذاكَرون؟ قالوا: نَذْكُرُ السَّاعةَ، قال: إنَّها لن تَقومَ حتَّى تَرَوْنَ قَبْلَها عَشْرَ آياتٍ، فذكَرَ: الدُّخَانَ، والدَّجَّالَ، والدَّابَّةَ، وطُلوعَ الشَّمسِ مِن مَغربِها، ونُزولَ عيسى ابنِ مريمَ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ويَأجوجَ ومَأجوجَ، وثلاثةَ خُسوفٍ: خَسفٌ بالمشرِقِ، وخَسفٌ بالمغرِبِ، وخَسفٌ بجزيرةِ العرب، وآخِرُ ذلك نارٌ تخرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهم )) [1071] رواه مسلم (2901). .
تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ.
أي: تخاطِبُ الدَّابَّةُ الكافرينَ [1072] ممَّن نصَّ على أنَّ معنى تُكَلِّمُهُمْ: تُحَدِّثُهم: مقاتلُ بن سليمان، والفَرَّاء، والسمرقندي، والبِقاعي، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/317)، ((معاني القرآن)) للفراء (2/300)، ((تفسير السمرقندي)) (2/592)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/216)، ((تفسير السعدي)) (ص: 610)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 459). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: عليُّ بنُ أبي طالب، وابنُ عباسٍ في روايةٍ، وقَتادةُ، والحسن. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/127)، ((تفسير ابن كثير)) (6/210). وقيل: معنى تُكَلِّمُهُمْ: تَجرَحُهم، مِنَ الكَلْمِ: وهو الجَرْحُ، والتَّشديدُ على معنى التَّكثيرِ. وممَّن ذكر هذا المعنى: الزمخشريُّ. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/385). وأنكر ابنُ عثيمين هذا المعنى وردَّه. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 459). وذكر الأزهريُّ أن قراءة (تَكْلِمُهُم) مِن الكَلْمِ: شاذَّةٌ لا يُعرَّجُ عليها. يُنظر: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/247)، ((تهذيب اللغة)) للأزهري (10/147)، ((الكامل في القراءات)) للهذلي (ص: 613). قال ابن كثير: (وقال ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ: تَجْرَحُهم. وعنه روايةٌ: قالَ: كُلًّا تَفعَلُ، يعني هذا وهذا. وهو قولٌ حسنٌ، ولا مُنافاةَ، واللهُ أعلمُ). ((تفسير ابن كثير)) (6/211). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (9/2926). بأنَّ [1073] اختلف المفسِّرون في تفسير قَولِه تعالى: أَنَّ النَّاسَ ... فقيل: هو مِن كلامِ الدَّابَّةِ. وممَّن ذهب إلى ذلك: مقاتلُ بنُ سليمان، وابنُ جرير، والسعدي، ونسبه ابن عثيمين إلى أكثَرِ المفسِّرينَ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/317)، ((تفسير ابن جرير)) (18/128)، ((تفسير السعدي)) (ص: 610)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 460). وممَّن رُويَ عنه أنَّه قال بهذا القولِ مِن السلفِ: عليُّ بنُ أبي طالب، وابنُ عباس، وقتادة، وعطاء الخراساني. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/127)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (9/2926)، ((تفسير ابن كثير)) (6/210). لكنْ قال ابنُ كثيرٍ: (وفي هذا القولِ نظرٌ لا يخفَى). ((تفسير ابن كثير)) (6/210). وممَّن جعَله تعليلًا لخروج الدَّابَّةِ، أي: أنَّنا أخرَجْناها؛ لأنَّ النَّاسَ كانوا بآياتِنا لا يوقِنون: البِقاعي. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/218). وفي أَنَّ قراءاتان: قراءةٌ بفتحِ الهمزةِ، وقرأ بها عاصمٌ وحمزةُ والكِسائيُّ، وقراءةٌ بكسر الهمزة، وقرأ بها الباقون، قال السمرقنديُّ: (فمَن قرَأ بالنَّصبِ، يكونُ حكايةَ قولِ الدَّابَّةِ، ومعناه: تُكلِّمُهم بأنَّ النَّاسَ كانوا بآياتِنا لا يوقِنونَ، أي: لا يؤْمِنون بآياتِ ربِّهم، وهي خروجُ الدَّابَّةِ. ومَن قرَأ بالكسرِ يكونُ بمعنَى الابتِداءِ، ويتِمُّ الكلامُ عندَ قولِه: تُكَلِّمُهُمْ، ثمَّ يقولُ الله تعالى: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ). ((تفسير السمرقندي)) (2/592). ويُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/300)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 538). النَّاسَ لا يُؤمِنونَ بآياتِ اللهِ تعالى إيمانًا تامًّا لا شكَّ فيه ولا شُبهةَ [1074] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/317)، ((تفسير ابن جرير)) (18/128)، ((المحتسب)) لابن جِنِّي (2/145)، ((تفسير الزمخشري)) (3/385)، ((تفسير ابن جزي)) (2/107)، ((تفسير ابن كثير)) (6/210، 211)، ((تفسير ابن عادل)) (15/201)، ((تفسير الشوكاني)) (4/175)، ((تفسير السعدي)) (ص: 610). مِنَ المفسِّرينَ مَن قصَرَ معنى الآياتِ هنا على خروجِ الدَّابَّةِ. ومنهم: مقاتلُ بنُ سُليمانَ، والسمرقنديُّ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/317)، ((تفسير السمرقندي)) (2/592). وقال ابنُ جُزَي: (يحتَمِلُ قَولُه: لَا يُوقِنُونَ بخروجِ الدَّابَّةِ، ولا يوقِنونَ بالآخِرةِ وأمورِ الدِّينِ، وهذا أظهَرُ). ((تفسير ابن جزي)) (2/107). .
الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:
1- قال الله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّما قصَّ عليهم أكثَرَ ما اختَلَفوا، وهو ما في بيانِ الحَقِّ منه نفعٌ للمُسلِمينَ، وأعرَض عمَّا دُونَ ذلك، وأكثَرُ الَّذي يختَلِفونَ فيه هو ما جاء في القُرآنِ مِن إبطالِ قَولِهم فيما يَقتضي إرشادُهم إلى الحَقِّ أن يُبَيَّنَ لهم، وغيرُ الأكثَرِ ما لا مَصلَحةَ في بيانِه لهم [1075] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/30، 31). ، وما لا فائدةَ مِن ذِكْرِه، أو ما لا داعيَ لذِكْرِه، ويُستفادُ مِن ذلك أنَّه ينبغي أنْ يُعتنَى بما هو مهِمٌّ؛ ويُترَكَ ما لا فائدةَ منه؛ لأنَّه إضاعةٌ للوقتِ، وتطويلٌ للكلامِ بلا فائدةٍ؛ لأنَّه لم يَقُصَّ عليهم جميعَ ما يَختلفون فيه [1076] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 425). .
2- في قَولِه تعالى: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ بيانُ أنَّ المُحِقَّ حقيقٌ بنُصرةِ اللهِ تعالى، وأنَّه لا يُخذَلُ [1077] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/571). . وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الَّذي يَعلَمُ أنَّ الحقَّ في جانِبِه حقيقٌ بأنْ يَثِقَ بأنَّ اللهَ مُظهِرٌ حقَّه ولو بعْدَ حينٍ [1078] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/383)، ((تفسير أبي حيان)) (8/267)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/34). .
3- في قَولِه تعالى: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ أنَّ كَوْنَ العبدِ على الحقِّ يقتضي تحقيقَ مقامِ التَّوكُّلِ على اللهِ، والاكتِفاءَ به، والإيواءَ إلى رُكنِه الشَّديدِ؛ فإنَّ اللهَ هو الحقُّ، وهو وَلِيُّ الحقِّ وناصرُه ومُؤيِّدُه، وكافي مَن قام به [1079] يُنظر: ((طريق الهجرتين)) لابن القيم (ص: 257). .
4- في ذِكْرِ أمْرِه سُبحانَه بالتَّوكُّلِ، مع إخبارِه بأنَّه على الحقِّ في قَولِه تعالى: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ، دَلالةٌ على أنَّ الدِّينَ بمَجموعِه في هذَينِ الأمْرينِ: أنْ يَكونَ العبدُ على الحقِّ في قولِه وعملِه واعتقادِه ونيَّتِه، وأنْ يكونَ متَوكِّلًا على اللهِ واثقًا به؛ فالدِّينُ كلُّه في هذَين المقامَينِ [1080] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (2/127). .
5- قَولُه تعالى: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ فيه شهادةُ اللهِ تعالى لِمَا جاء به الرسولُ بأنَّه حَقٌّ، ومِن هذه الفائدةِ نستفيدُ فائدةً أخرى، وهي: التَّرغيبُ في سُلوكِ طريقِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ما دام حقًّا؛ لأنَّ كلَّ إنسانٍ عاقلٍ يختارُ الحقَّ على الباطلِ [1081] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 442). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ دَلالةٌ على أنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ تعالى، والشَّاهدُ قولُه: يَقُصُّ؛ والقصصُ لا يكونُ إلَّا قولًا، فإذا كان القرآنُ هو الذي يَقُصُّ؛ فهو كلامُ اللهِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى هو الذي قَصَّ هذه القصصَ؛ قال اللهُ سبحانه وتعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ [يوسف: 3]؛ وحينَئذٍ يكونُ القرآنُ كلامَ اللهِ عزَّ وجلَّ [1082] يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) لابن عثيمين (1/436). .
2- في قَولِه تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أنَّه يجوزُ أنْ يُخَصَّ طائفةٌ ممَّن يُخاطَبون؛ مِن أجْلِ إقامةِ الحُجَّةِ عليهم؛ فإنَّ الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وغيرِهم، لكنَّ بني إسرائيلَ اعتنى بهم هنا؛ لأنَّ الموضوعَ فيما يتعلَّقُ بهم [1083] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 424). .
3- في قَولِه تعالى: وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّه لا يَنالُ هذا الهدى وتلك الرَّحمةَ إلَّا المؤمنون، ولا مُعارَضةَ بيْنَ هذه الآيةِ وبيْنَ قولِه تعالى في وصْفِ القرآنِ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة: 185].
والجمعُ بيْنَهما: أنَّ الإثباتَ هنا والإثباتَ هناك مُختَلِفَا الجهةِ؛ فهناك هُدًى لِلنَّاسِ بمعنى: دليلٍ لهم، فهو دليلٌ لكلِّ الناسِ، فهو نَفْسُه صالحٌ للهدايةِ لجميعِ البشرِ، ففي حالةِ العمومِ معناه: دالٌّ، ومَوضِعُ دَلالةٍ، وفي حالةِ التَّقييدِ بالمؤمنينَ والمُتَّقينَ: فمعناه أنَّهم المُنتفِعونَ به، المُوَفَّقونَ للاهتِداءِ به [1084] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 428، 429). . فالهدى يُستعمَلُ في القرآنِ استِعمالَينِ: أحدُهما عامٌّ، والثَّاني خاصٌّ؛ أمَّا الهدى العامُّ فمعناه إبانةُ طريقِ الحقِّ وإيضاحُ المَحَجَّةِ، سواءٌ سَلَكها المُبَيَّنُ له أمْ لا، ومنه بهذا المعنى قولُه تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ [فصلت: 17]، أي: بَيَّنَّا لهم طريقَ الحقِّ على لسانِ نبيِّنا صالحٍ عليه وعلى نبيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، مع أنَّهم لم يَسلُكوها؛ بدليلِ قولِه عزَّ وجلَّ: فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: 17].
ومنه أيضًا قولُه تعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ [الإنسان: 3]، أي: بَيَّنَّا له طريقَ الخَيرِ والشَّرِّ؛ بدليلِ قولِه: إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: 3].
وأمَّا الهدى الخاصُّ فهو تفضُّلُ اللهِ بالتَّوفيقِ على العبدِ، ومنه بهذا المعنى قولُه تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ الآيةَ [الأنعام: 90]، وقولُه سُبحانَه: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ [الأنعام: 125].
فإذا عَلِمتَ ذلك، فاعلَمْ أنَّ الهدى الخاصَّ بالمُتَّقينَ والمؤمنينَ هو الهدى الخاصُّ، وهو التفضُّلُ بالتَّوفيقِ عليهم، والهدى العامَّ للنَّاسِ هو الهدى العامُّ، وهو إبانةُ الطَّريقِ وإيضاحُ المَحَجَّةِ، وبهذا يرتفِعُ الإشكالُ [1085] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)) للشنقيطي (ص: 7). .
4- في قَولِه تعالى: وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّه كُلَّما كان الإنسانُ أقوى إيمانًا، كان أقوى اهتِداءً بالقُرآنِ، وهذا مأخوذٌ مِن قاعدة: «إنَّ الحُكْمَ إذا عُلِّقَ بوَصفٍ، قَوِيَ ذلك الحُكمُ بقوَّةِ ذلك الوصفِ، وضَعُفَ بضَعفِ ذلك الوصفِ»، فما دامتِ الهدايةُ والرَّحمةُ مُعَلَّقةً بوصفِ الإيمانِ؛ فكلَّما ازداد هذا الوصفُ ازداد الهدى وازدادتِ الرَّحمةُ [1086] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 429). .
5- قال الله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ؛ في قَولِه: بِحُكْمِهِ أضاف الحُكْمَ إلى اللهِ سبحانه وتعالى لأمورٍ:
الأمرِ الأولِ: أنه حُكْمٌ متضمنٌ للعدلِ.
والأمرِ الثاني: أنه حُكْمٌ لا يُعَقَّبُ، بل لا بُدَّ أنْ ينفُذَ [1087] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 431). .
والأمرِ الثالثِ: الإصلاحُ، يعني ما دام حُكْمًا مضافًا إلى اللهِ سبحانه وتعالى -وقد عُلِمَ أنَّه سبحانه وتعالى حكيمٌ-؛ فإنَّ هذا الحُكْمَ لا بُدَّ أنْ يكونَ مناسبًا وموافقًا لمحَلِّه، وكلُّ حُكْمٍ وافقَ مَحَلَّه فهو إصلاحٌ، وهذا بخلافِ حُكمِ غيرِه [1088] يُنظر:  ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 434). .
6- قال الله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ، قَولُه: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ يؤخَذُ مِن جمْعِ هذَينِ الوصفَينِ لله سُبحانَه وتعالى عَقِبَ ذِكرِ الحُكمِ: تمامُ حُكْمِ الله، حيث كان مَبنيًّا على العِزَّةِ والعِلمِ؛ فبِالعِزَّةِ يَكونُ التَّنفيذُ، وبالعِلمِ يكونُ الصَّوابُ، فمِن شُروطِ الحُكمِ العِلمُ والعِزَّةُ؛ فالعِلمُ لِيَحكُمَ بالصَّوابِ، والعِزَّةُ لِينفذَ ما حكَم به، وإنَّ خَلَلَ الحُكمِ يأتي إمَّا مِنَ الجهلِ، وإمَّا مِنَ الضَّعفِ؛ إمَّا لجهلِ الحاكمِ فيحكُم بغيرِ الصَّوابِ، وإمَّا لِضَعفِه فلا يستطيع أن ينفذَ [1089] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 435). .
7- قال الله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ، في قَولِه: الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ سؤالٌ: ما الحِكمةُ في تقديمِ «العِزَّةِ» هنا على «العلمِ»، مع أنَّ العِلمَ سابقٌ مِن حيثُ التَّرتيبُ الحُكمِيُّ؛ إذ إنَّه يَعلمُ ثمَّ يَحكمُ ثمَّ يُنَفِّذُ، والعِزَّةُ تَتعلَّقُ بالتَّنفيذِ الَّذي يكونُ بعدَ الحُكمِ؟!
الجوابُ: لأنَّ المقامَ هنا يقتضي بيانَ قوَّةِ حُكمِ اللهِ سُبحانه وتعالى، وأنَّ هذا الحُكمَ لا بُدَّ أنْ يُنَفَّذَ؛ لِكَونِه صادرًا عن عزيزٍ، فكان مِن المناسِبِ تقديمُ «العِزَّةِ» على «العِلمِ» [1090] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 433). .
8- قَولُه تعالى: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ فيه فضيلةُ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ حيثُ كان مَسلَكُه الحقَّ المبِينَ؛ ، فهذا فيه شهادةٌ مِن اللهِ وتزكيةٌ للرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ [1091] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 442). .
9- في قَولِه تعالى: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ أنَّ كلَّ ما خالَفَ ما كان عليه الرَّسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فهو باطلٌ؛ لأنَّنا لو قُلْنا: إنَّه حقٌّ لَلَزِم الجمْعُ بينَ النَّقيضَينِ! فلا بُدَّ أنَّ أحدَهما هو الحقُّ؛ ولهذا يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: 32]، ويقولُ تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ -إحداها- لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [سبأ: 24]، فإنْ كانتِ المخالَفةُ تامَّةً فهو باطلٌ كلُّه، وإنْ كانتِ المخالفةُ جزئيَّةً كان فيه مِن الباطلِ بقدرِ ما خالفَ ما كان عليه الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّمَ [1092] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 442). .
10- في قَولِه تعالى: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ أنَّ بيانَ الحقِّ لا يَلْزَمُ منه أنْ يكونَ بَيِّنًا لكلِّ أحدٍ، فإنَّ الخفافيشَ تَعمى بضياءِ النَّهارِ! فلا يلزمُ مِن كَونِ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على الحقِّ المبينِ ألَّا يُعرِضَ عنه أحدٌ! ولهذا أعقبَه بقوله: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى، يعني: لا تَظُنَّ أنَّ هؤلاء الَّذين أَعرَضوا أَعرَضوا لأنَّك على باطلٍ، بل لِعَدَمِ قابليَّةِ المَحَلِّ، وكما هو معروفٌ أنَّ الشَّيءَ -وإنْ كان تامًّا- إذا لم يَجِدْ محلًّا قابلًا لم يكُنْ له تأثيرٌ، فما كان عليه الرَّسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن الحقِّ المُبِينِ، وهو حقٌّ مُبِيْن بلا شكٍّ؛ بَيِّنٌ ظاهرٌ، وعدَمُ سماعِ هؤلاء له ليس لخللٍ فيه؛ فالسَّببُ تامٌّ، لكنَّ الخللَ في المَحَلِّ، فهو غيرُ قابلٍ لهذا الحقِّ [1093] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 443). .
11- في قَولِه تعالى: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى حَسُنَ جعْلُه سببًا للأمرِ بالتَّوكُّلِ؛ لأنَّ الإنسانَ ما دام يَطْمَعُ في أحدٍ أنْ يأخُذَ منه شَيئًا فإنَّه لا يقوى قلْبُه على إظهارِ مُخالَفتِه، فإذا قَطَعَ طمَعَه عنه قَويَ قلْبُه على إظهارِ مخالَفتِه، فاللهُ سبحانه وتعالى قَطَعَ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ عنهم بأنْ بَيَّنَ له أنَّهم كالموتى وكالصُمِّ وكالعُمْيِ؛ فلا يَفهَمون ولا يَسمَعون ولا يُبصِرون ولا يَلتَفِتون إلى شَيءٍ مِنَ الدَّلائلِ، وهذا سببٌ لقوَّةِ قلْبِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على إظهارِ الدِّينِ كما ينبغي [1094] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/571). .
12- في قَولِه تعالى: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ بيانُ أنَّ مُجَرَّدَ دعائِك وتبليغِك وحِرصِك على هُدى النَّاسِ، ليس بموجِبٍ ذلك، وإنَّما يَحصُلُ ذلك إذا شاء اللهُ هُداهم، فشَرَح صدورَهم للإسلامِ [1095] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/591). .
13- في قَولِه تعالى: وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ أنَّ الإنسانَ إذا وَلَّى مُدْبِرًا عن الشَّرعِ فإنَّه قد يُعاقَبُ بالصَّمَمِ عن سَماعِ الحقِّ، بحيثُ إنَّه لا يَنتَفِعُ بمَوعظةٍ ولا نصيحةٍ، وهذا هو الغالِبُ [1096] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 453). .
14- في قَولِه تعالى: وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ أنَّ الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَملِكُ هدايةَ الخلْقِ، ولا يُعارِضُ هذا قولَ اللهِ تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52]؛ لأنَّ الهدايةَ المُثبَتةَ غيرُ الهدايةِ المنفيَّةِ؛ الهِدايةُ المُثبَتةُ هدايةُ الدَّلالةِ والعِلمِ والبيانِ، فالرَّسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مُعَلِّمٌ ومُبَيِّنٌ ودالٌّ للخلْقِ على الحقِّ، وأمَّا التَّوفيقُ لذلك فهو بيدِ اللهِ، فالجمْعُ بيْنَ الهدايةِ المُثْبَتةِ للرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، والمَنْفيَّةِ عنه أن نقولَ: ما أُثبِتَ للرَّسولِ فهو هدايةُ العِلمِ والبيانِ، وما نُفيَ عنه فهو هدايةُ التَّوفيقِ والعملِ، فلا يستطيعُ هذا أبدًا [1097] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 454). .
15- في قَولِه تعالى: إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا أنَّه كُلَّما قَوِيَ إيمانُ الإنسانِ بآياتِ اللهِ قوِيَ انتفاعُه بها؛ لأنَّه عُلِّقَ على وصْفِ الإيمانِ بهذه الآياتِ؛ فكُلَّما قَوِيَ هذا الوصفُ قَوِيَ الانتفاعُ [1098] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 455). .
16- قال الله تعالى: إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ في قَولِه: فَهُمْ مُسْلِمُونَ أنَّ الإيمانَ يَستلزِمُ الإسلامَ [1099] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 455). .
17- في قَولِه تعالى: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ أنَّ مِن أشراطِ الساعةِ الكبرى خروجَ الدَّابَّةِ [1100] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 202). .
18- في قَولِه تعالى: أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ بيانُ قدرةِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ حيثُ كانت هذه الدَّابَّةُ تُكَلِّمُ الناسَ بكلامٍ يَفهمونه؛ مع أنَّ الحيواناتِ تَتكلَّمُ بكلامٍ لا يَفْهَمُه الإنسُ إلَّا مَن عَلَّمَه اللهُ تعالى مَنْطِقَها، كما في قصَّةِ سُلَيْمانَ عليه السَّلامُ [1101] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 464). .
19- في قَولِه تعالى: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ أنَّ عدَمَ اليقينِ بآياتِ اللهِ سُبحانَه وتعالى سببٌ للـهَلاكِ، وأنَّه لا يكفي التَّردُّدُ أو الإيمانُ الضَّعيفُ، بل لا بُدَّ مِن إيقانٍ؛ فالمترَدِّدُ بما يجبُ الإيمانُ به ليس بمؤمِنٍ، فلا بُدَّ مِن اليقينِ بما يجبُ الإيمانُ به [1102] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 465). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قولُه تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إبطالٌ لقولِ الذين كَفَروا: إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النمل: 68]، ومَوقِعُ هذه الآيةِ استكمالُ نَواحي هَدْيِ القرآنِ للأُمَمِ؛ فإنَّ السُّورةَ افتُتِحَتْ بأنَّه هُدًى وبُشرى للمؤمنينَ، وأنَّ المشركين الَّذين لا يُؤمِنون بالآخرةِ يَعْمَهون في ضَلالِهم، فلمْ يَنتفِعوا بهَدْيِه؛ فاسْتَكَمَلَتْ هذه الآيةُ ما جاء به مِن هَدْيِ بني إسرائيلَ لِمَا يُهِمُّ ممَّا اخْتَلفوا فيه [1103] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/30). .
- والتَّأكيدُ بـ (إنَّ) مَنظورٌ فيه إلى حالِ النَّاسِ لا إلى حالِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ فالتَّأكيدُ واقعٌ مَوقِعَ التَّعريضِ بهم [1104] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/30). .
2- قولُه تعالى: وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ تَعريضٌ كالتَّذييلِ [1105] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/580). ، وهذا راجعٌ إلى قولِه في طالعِ السُّورةِ: هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [النمل: 2]؛ ذُكِرَ هنا لاستيعابِ جِهاتِ هَدْيِ القرآنِ [1106] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/31). .
- والتَّأكيدُ بـ (إنَّ) واللَّامِ أيضًا مَنظورٌ فيه إلى حالِ النَّاسِ لا إلى حالِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ فالتَّأكيدُ واقعٌ مَوقِعَ التَّعريضِ بهم [1107] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/31). .
3- قولُه تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ استئنافٌ بَيانيٌّ، فيُعلَمُ أنَّ القضاءَ يَقْتضي مُختَلِفينَ، وأنَّ كلمةَ (بيْن) تَقْتضي مُتعدِّدًا، فأفاد أنَّ اللهَ يَقْضي بيْنَ المؤمنينَ بالقرآنِ والطَّاعنينَ فيه قضاءً يُبيِّنُ المُحِقَّ مِنَ المُبطِلِ. وهذا تَسليةٌ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وللمؤمنينَ عن اسْتبطائِهم النَّصرَ؛ فإنَّ النَّبيَّ أوَّلُ المؤمنينَ، وإنَّما تَقلَّدَ المؤمنون ما أنْبَأَهم به؛ فالقضاءُ للمؤمنينَ قضاءٌ له بادئَ ذي بَدْءٍ [1108] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/32). .
- قولُه: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ في تَوجيهِ الخِطابِ إلى جنابِ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وإسنادِ القضاءِ إلى اللهِ في شأْنِه بعُنوانِ أنَّه ربٌّ له: إيماءٌ بأنَّ القضاءَ سَيكونُ مُرْضِيًا له وللمؤمنينَ -فجُعِلَ الرَّسولُ في هذا الكلامِ بمَقامِ المُبلِّغِ، وجُعِلَ القضاءُ بيْنَ أُمَّتِه مؤمنِهم وكافرِهم-، وتَعجيلٌ لِمَسَرَّةِ الرَّسولِ بهذا الإيماءِ [1109] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/32). .
- وإسنادُ القضاءِ إلى اللهِ، وتَعليقُ حُكمٍ مُضافٍ إلى ضَميرِه به في قولِه: يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ، يعني: أنَّ ربَّك يَقْضي بيْنَهم بحُكْمِه المعروفِ المُشتهِرِ، اللَّائقِ بعُمومِ عِلْمِه واطِّرادِ عَدْلِه. أو يكونُ الحُكْمُ بمعنى الحِكمةِ، وهو إطلاقٌ شائعٌ؛ قال تعالى: وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم: 12]، ولم يكُنْ يَحيى عليه السلامُ حاكِمًا، وإنَّما كان حَكيمًا نَبِيًّا؛ فيكونُ المعنى على هذا: إنَّ ربَّك يَقْضي بيْنَهم بحِكمتِه، أي: بما تَقْتضيهِ الحِكمةُ، أي: مِن نَصْرِ المُحِقِّ على المُبطِلِ. ومآلُ التَّأويلَينِ إلى معنًى واحدٍ، وبه يَظهَرُ حُسنُ مَوقِعِ الاسمينِ الجليلينِ في تَذييلِه بقولِه: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ؛ فإنَّ العزيزَ لا يُصانِعُ، والعِليمَ لا يَفوتُه الحقُّ، ويَظهَرُ حُسنُ مَوقِعِ التَّفريعِ بقولِه: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [1110] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/32، 33). .
4- قولُه تعالى: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ كأنَّه قِيل له صَلَواتُ اللهِ عليه: أَعرِضْ عنهم وتارِكْهم؛ لأنَّك بالَغْتَ في الإنذارِ وأعْذَرْتَ، وأنَّهم لا يُؤمِنون الْبتَّةَ، ولم يَبْقَ لك إلَّا الاستِنصارُ، والتَّوكُّلُ على الغالبِ القاهرِ لأعدائِه، النَّاصرِ والمُتولِّي لِأوليائِه؛ لأنَّ الأصلَ: فتَوَكَّلْ عليه؛ لقولِه: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ؛ فوُضِعَ اسمُ الذَّاتِ اللَّهِ مَوضِعَ الضَّميرِ؛ فأفاد في هذا المقامِ هذا المعنى [1111] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/581). .
- والفاءُ في قولِه: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ؛ لتَرتيبِ الأمْرِ على ما ذُكِرَ مِن شُؤونِه عزَّ وجلَّ؛ فإنَّها مُوجِبةٌ للتَّوكُّلِ عليهِ، وداعيةٌ إلى الأمْرِ بهِ [1112] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/299). ، وفُرِّعَت الفاءُ على الإخبارِ بأنَّ ربَّ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقْضي بيْنَ المُختلِفينَ في شأْنِ القرآنِ أمْرًا للرَّسولِ بأنْ يَطْمئِنَّ بالًا، ويَتوكَّلَ على ربِّه فيما يَقْضي به؛ فإنَّه يَقْضي له بحَقِّه، وعلى مُعانِدِه بما يَستحِقُّه؛ فالأمْرُ بالتَّوكُّلِ مُستعمَلٌ في كِنايتِه وصَريحِه؛ فإنَّ مِن لازِمِه أنَّه أدَّى رِسالةَ ربِّه، وأنَّ إعراضَ المُعرِضينَ عن أمْرِ اللهِ ليس تَقصيرًا مِن الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ. وهو معنًى تَكرَّرَ في القرآنِ؛ كقولِه: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ [الكهف: 6]، وقولِه: وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ [1113] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/33). [النمل: 70].
- قولُه: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ التَّوكُّلُ: تَفعُّلٌ مِن: وكَلَ إليه الأمْرَ: إذا أسنَدَ إليه تَدبيرَه ومُباشَرتَه؛ فالتَّفعُّلُ للمُبالَغةِ [1114] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/33). .
- وفي قولِه: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ جِيءَ في فِعلِ التَّوكُّلِ بعُنوانِ اسمِ الجلالةِ اللَّهِ؛ لأنَّ ذلك الاسمَ يَتضمَّنُ معانيَ الكمالِ كلَّها، ومِن أعلاها العدْلُ في القضاءِ ونَصرُ المُحِقِّ، وذلك بعْدَ أنْ عُجِّلَتْ مَسرَّةُ الإيماءِ إلى أنَّ القضاءَ في جانبِ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، بإسنادِه القضاءَ إلى عُنوانِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَميرِ الرَّسولِ [1115] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/34). .
- وجاءت جُملةُ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ مَجِيءَ التَّعليلِ للأمْرِ بالتَّوكُّلِ على اللهِ؛ إشعارًا بأنَّه على الحقِّ، فلا يَترقَّبُ مِن تَوكُّلِه على الحَكَمِ العدْلِ إلَّا أنْ يكونَ حُكمُه في تأْييدِه ونفْعِه، وشأْنُ (إنَّ) إذا جاءت في مَقامِ التَّعليلِ أنْ تكونَ بمعنى (الفاءِ)؛ فلا تُفِيدُ تأْكيدًا، ولكنَّها للاهتِمامِ [1116] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/267)، ((تفسير أبي السعود)) (6/299)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/33، 34). .
- ووَقَعت إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ مَوقِعًا لم يُخاطِبِ اللهُ تعالى أحدًا مِن رُسلِه بمِثْلِه؛ فكان ذلك شَهادةً لرسولِه بالعَظَمةِ الكاملةِ المُنزَّهةِ عن كلِّ نقْصٍ؛ لِمَا دلَّ عليه حرفُ (على) مِن التَّمكُّنِ، وما دلَّ عليه اسمُ (الحقِّ) مِن معنًى جامعٍ لحقائقِ الأشياءِ، وما دلَّ عليه وصْفُ (مُبين) مِن الوُضوحِ والنُّهوضِ [1117] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/33). .
5- قولُه تعالى: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ استئنافٌ بَيانيٌّ جوابًا عمَّا يَخطُرُ في بالِ السَّامعِ عقِبَ قولِه: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [النمل: 79]، مِن التَّساؤلِ عن إعراضِ أهْلِ الشِّركِ لِمَا عليه الرَّسولُ مِن الحقِّ المُبِينِ [1118] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/34). .
- وهو أيضًا تعليلٌ آخَرُ للأمْرِ بالتَّوكُّلِ على اللهِ -الذي هو عبارةٌ عن التَّبتُّلِ إلى اللهِ تعالَى، وتَفويضِ الأمرِ إليهِ، والإعراضِ عن التَّشبُّثِ بما سِواهُ-؛ فمَوقِعُ حرفِ التَّوكيدِ (إنَّ) فيه كمَوقعِه في التَّعليلِ بالجُملةِ التي قبْلَه، وهذا عُذْرٌ للرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وتَسليةٌ له، ولكونِه تَعليلًا لجانبٍ مِن التَّركيبِ -وهو الجانبُ الكِنائيُّ- غيرَ الذي عُلِّلَ بجُملةِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [النمل: 79]؛ لم تُعطَفْ هذه الجُملةُ على التي قبْلَها؛ تَنبيهًا على استِقلالِها بالتَّعليلِ [1119] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/383)، ((تفسير البيضاوي)) (4/167)، ((تفسير أبي السعود)) (6/300)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/34). .
- قولُه: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى شُبِّهوا بالمَوتى وهم أحياءٌ صِحاحُ الحَواسِّ؛ لأنَّهم إذا سَمِعوا ما يُتْلى عليهم مِن آياتِ اللهِ لا تَعِيهِ آذانُهم، فكانت حالُهم -لانتفاءِ جَدْوى السَّماعِ- كحالِ المَوتى الَّذين فَقَدوا الحياةَ، وكذلك تَشبيهُهم بالصُّمِّ الَّذين يُنعَقُ بهم فلا يَسْمَعون. ولعلَّ المُرادَ تَشبيهُ قُلوبِهم بالمَوتى فيما ذُكِرَ مِن عدَمِ الشُّعورِ؛ فإنَّ القلبَ مَشْعَرٌ مِن المُشاعرِ أُشِيرَ إلى بُطلانِه بالمرَّةِ، ثمَّ بُيِّن بُطلانُ مَشْعَرَيِ الأُذنِ والعَينِ، كما في قولِه تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا [الأعراف: 179]، وإلَّا فبَعْدَ تَشبيهِ أنفُسِهم بالمَوتى لا يَظهَرُ لتَشبيهِهم بالصُّمِّ والعُمْيِ مَزيدُ مَزِيَّةٍ [1120] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/383)، ((تفسير البيضاوي)) (4/167)، ((تفسير أبي حيان)) (8/267)، ((تفسير أبي السعود)) (6/300). .
- وفي قولِه: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ لَمَّا كان المَيتُ لا يُمكِنُ أنْ يَسمَعَ لم يُذكَرْ له مُتعلَّقٌ، بلْ نفَى الإسماعَ، أي: لا يقَعُ منك إسماعٌ لهم الْبتَّةَ؛ لعَدمِ القابليَّةِ. وأمَّا الأصَمُّ فقد يكونُ في وقْتٍ يُمكِنُ إسماعُه وسماعُه؛ فأتى بمُتعلَّقِ الفِعلِ، وهو الدُّعاءُ [1121] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/268)، ((تفسير أبي السعود)) (6/300). .
- وقولُه: إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ مِن بابِ التَّتميمِ [1122] تقدم تعريفه. ؛ فتَقييدُ الصُّمِّ بزَمانِ تَوَلِّيهم مُدْبرينَ؛ لأنَّ تلك الحالةَ أوغَلُ في انتفاءِ إسماعِهم؛ لأنَّ الأصمَّ إذا كان مُواجِهًا للمُتكلِّمِ قد يَسمَعُ بعضَ الكلامِ بالصُّراخِ ويَستفيدُ بَقيَّتَه بحَركةِ الشَّفتينِ، فأمَّا إذا ولَّى مُدبِرًا فقد ابتَعَدَ عن الصَّوتِ، ولم يُلاحِظْ حَركةَ الشَّفتينِ؛ فذلك أبعَدُ له عن السَّمعِ [1123] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/383)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/582)، ((تفسير أبي حيان)) (8/268)، ((تفسير أبي السعود)) (6/300)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (20/209)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/35، 36)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/256). .
6- قوله تعالى: وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ
- قولُه: وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ شُبِّهوا بالعُمْيِ حيثُ يَضِلُّون الطَّريقَ، ولا يَقدِرُ أحدٌ أنْ يَنزِعَ ذلك عنهم، وأنَّ يَجعَلَهم هُداةً بُصراءَ إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ؛ ففي الآيةِ حَصرٌ مُستفادٌ مِن تَقديمِ الضَّميرِ (أنت) وذِكْرِ حَرفِ النَّفيِ (ما) بعْدَه [1124] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/383)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/582)، ((تفسير أبي حيان)) (8/268). .
- وعُدِلَ في هذه الجُملةِ عن صِيغتَيِ النَّفْيَيْنِ السَّابقَينِ في قولِه: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ [النمل: 80] الواقعَينِ على مُسندَينِ فِعلِيَّينِ، إلى تَسليطِ النَّفيِ هنا على جُملةٍ اسميَّةٍ وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ؛ للدَّلالةِ على ثَباتِ النَّفيِ. وأُكِّدَ ذلك الثَّباتُ بالباءِ المَزيدةِ لتأكيدِ النَّفيِ. ووَجْهُ إيثارِ هذه الجُملةِ بهذينِ التَّحقيقينِ: هو أنَّه لَمَّا أفْضى الكلامُ إلى نفْيِ اهتِدائِهم، وكان اهتِداؤُهم غايةَ مَطمَحِ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ كان المَقامُ مُشعِرًا ببَقيَّةٍ مِن طَمَعِه في اهتدائِهم حِرْصًا عليهم؛ فأُكِّدَ له ما يَقلَعُ طمَعَه، وهذا كقولِه تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: 56]، وقولِه: وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [1125] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/37). [ق: 45].
- وقولُه: إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا استِئنافٌ بَيانيٌّ؛ لِتَرقُّبِ السَّامعِ مَعرفةَ مَن يَهْتَدون بالقرآنِ [1126] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/37). . وإيرادُ الإسماعِ في النَّفيِ والإثباتِ دونَ الهِدايةِ مع قُرْبِها، بأنْ يُقالَ: إنْ تَهْدي إلَّا مَن يُؤمِنُ... إلخ؛ لِمَا أنَّ طريقَ الهِدايةِ هو إسماعُ الآياتِ التَّنزيليَّةِ [1127] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/300). .
- وفي قولِه: يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا أُوثِرَ التَّعبيرُ بالمُضارِعِ؛ لِيَشمَلَ مَن آمَنوا مِن قبْلُ؛ فيُفِيد المُضارِعُ استمرارَ إيمانِهم ومَن سيُؤْمِنون [1128] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/38). .
- وفرَّعَ على قولِه: إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا قولَه: فَهُمْ مُسْلِمُونَ المُفيدَ للدَّوامِ والثَّباتِ؛ لأنَّهم إذا آمَنوا فقد صار الإسلامُ راسخًا فيهم، ومُتَمَكِّنًا منهم، وكذلك الإيمانُ حين تُخالِطُ بَشاشَتُه القلوبَ [1129] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/38). . وقيل: هو تَعليلٌ لإيمانِهم بها، كأنَّه قِيلَ: فإنَّهم مُنقادونَ للحقِّ، وقيلَ: مُخلِصون للهِ تعالى [1130] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/300). .
7- قولُه تعالى: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ بَيانٌ لِمَا أُشِيرَ إليه بقولِه تعالى: بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ [النمل: 72] مِن بقيَّةِ ما يَستعجِلونَهُ مِن السَّاعةِ ومَبادِيها [1131] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/300). . وانتِقالٌ إلى التَّذكيرِ بالقيامةِ وما ادُّخِرَ لهم مِن الوعيدِ؛ فهذه الجُملةُ مَعطوفةٌ على الجُمَلِ قبْلَها عطْفَ قِصَّةٍ على قصَّةٍ [1132] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/38). .
- وقولُه: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ فيه التَّعبيرُ عن وُقوعِه بصِيغةِ الماضي؛ لتَقريبِ زَمنِ الحالِ مِن المُضِيِّ، أي: أشرَفَ وُقوعُه، على أنَّ فِعلَ المُضِيِّ مع (إذا) يَنقلِبُ إلى الاستِقبالِ [1133] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/38). .
- قولُه: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ المُرادُ بـ الْقَوْلُ ما نطَقَ مِن الآياتِ الكريمةِ بمَجِيءِ السَّاعةِ وما فيها مِن فُنونِ الأَهوالِ التي كانُوا يَستعجِلُونها، وبوُقوعِه قِيامُها وحُصولُها -وذلك على أحدِ الأقوالِ في التَّفسيرِ-؛ عبَّرَ عن ذلكَ به للإيذانِ بشِدَّةِ وقْعِها وتأْثيرِها، وإسنادُه إلى القولِ؛ لِمَا أنَّ المُرادَ بَيانُ وُقوعِها مِن حيثُ إنَّها مِصْداقٌ للقولِ النَّاطقِ بمَجيئِها [1134] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/300). .
- قولُه: أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ في التَّعبيرِ عنها باسمِ الجِنسِ دَابَّةً وتأكيدِ إبهامِه بالتَّنوينِ التَّفخيميِّ، مِنَ الدَّلالةِ على غَرابةِ شأنِها، وخُروجِ أوصافِها عن طَورِ البَيانِ: ما لا يَخْفى [1135] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/301). .
- وجُملةُ   أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ تَعليلٌ لإظهارِ هذا الخارِقِ للعادةِ؛ حيث لم يُوقِنِ المُشرِكون بآياتِ القرآنِ، فجُعِلَ ذلك إلجاءً لهم حينَ لا يَنفَعُهم [1136] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/39). ، وذلك على أحدِ الأقوالِ في التَّفسيرِ.
- وفي قولِه: كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ وصَفَهم بعَدمِ الإيقانِ بها مع أنَّهم كانُوا جاحِدينَ بها؛ للإيذانِ بأنَّه كان مِن حقِّهم أنْ يُوقِنوا بها ويَقْطَعوا بصِحَّتِها، وقد اتَّصَفوا بنَقيضِه [1137] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/301). .