موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (122-127)

ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ

غريب الكلمات:


أَكَابِرَ: أي: عُظَمَاءَ ورؤساءَ، وأصلُ (كبر): يدلُّ على خِلافِ الصِّغَر [1864] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 159)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 58)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/153)، ((المفردات)) للراغب (ص: 696)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 102)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 198). .
مُجْرِمِيهَا: مُذْنِبيها أو كَافِريها، والجُرم- بِالضَّمِّ-: لَا يُطلَقُ إِلَّا على الذَّنْبِ الغَليظِ، وأَصلُ (جرم): القطْعُ [1865] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/445)، ((المفردات)) للراغب (ص: 192)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 198، 21)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 41). .
لِيَمْكُرُوا: أي: ليَصْرِفوا الغيرَ عمَّا يقصِدُه- عن دِين اللَّه وأنبيائِه- بِحِيلةٍ؛ بغرورٍ من القولِ، أو بباطلٍ من الفِعل، وأصل المَكْر: الاحتِيالُ والخِداعُ [1866] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/537)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/345)، ((المفردات)) للراغب (ص: 772). .
صَغَارٌ: ذُلٌّ وحَقارةٌ، والصَّغارُ أشدُّ الذُّلِّ؛ يقال: فلانٌ صغيرٌ باعتبارِ السِّنِّ، وتارةً باعتبارِ الجُثَّة، وتارةً باعتبارِ القَدْرِ والمنزِلَة؛ يقال: صَغُر صِغَرًا: إذا كان ضِدَّ الكِبَر، وصَغِرَ صَغَارًا: إذا هان قدْرُه وذَلَّ، وأَصل (صغر): يدُلُّ على قِلَّةٍ وحَقارَةٍ [1867] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 159)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/290)، ((المفردات- مع الحاشية)) للراغب (ص: 485)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 102)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 198)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 566). .
يَشْرَحْ صَدْرَهُ: أي: يَفْتَحْه ويُفْسِحْه، أو يُوَسِّعْه بِالبَيانِ، وشَرْحُ الصَّدْرِ: توسِعتُه لقَبولِ الحقِّ، وبسْطُه بنورٍ إلهيٍّ وسكينةٍ من جِهَةِ اللهِ ورُوحٍ منه، وأصل الشَّرْحِ: يدلُّ على بَسْطِ اللَّحْم، وعلى الفَتحِ والبَيانِ [1868] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 159)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/269،337)، ((المفردات)) للراغب (ص: 477، 449)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 538). .
حَرَجًا: الحَرَج: أشدُّ الضِّيقِ، وأصْلُ (حرج): تجمُّع الشَّيءِ وضِيقُه، ومنه الحَرَج جمْعُ حَرَجة: وهي الشجرةُ الملتَفُّ بها الأشجارُ، لا يدخلُ بينها وبينها شيءٌ؛ لشِدَّةِ التفافِها بها [1869] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (1/130)، ((تفسير ابن جرير)) (9/544، 547)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/50)، ((المفردات)) للراغب (ص: 226)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (1/67). .
يَصَّعَّدُ: أي: يَتَصَعَّدُ معَ مَشَقَّةٍ، والصُّعُودُ: هو الذَّهابُ إلى الأمكِنَةِ المرتفِعَةِ، وأَصْلُ (صعد) يدُلُّ على ارْتِفاعٍ وَمَشَقَّةٍ [1870] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/287)، ((المفردات)) للراغب (ص: 484)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 102). .
الرِّجْسَ: أي: العذابَ، ويُطلَق أيضًا على: القَذَر المُنتِن، وأَصْلُ (رجس): يَدُلُّ على اختِلاطٍ [1871] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 145)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/490)، ((المفردات)) للراغب (ص: 342)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 102)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 199). .

مشكل الإعراب:


قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ
اللَّهُ أَعْلَمُ: مبتدأٌ وخبرٌ، وحَيْثُ خرجتْ عنِ الظرفيَّة، وصارتْ مفعولًا به على السَّعةِ، وعامِلُها فِعلٌ يدلُّ عليه أَعْلَمُ، وليس العامِلُ أَعْلَمُ؛ لأنَّ (أفعل) لا ينْصِبُ المفعولَ به، والتقديرُ: يعلمُ الموضعَ الصَّالِحَ لوَضْعِ رِسالتِه، ولا يصحُّ هنا أن تكونَ حَيْثُ ظرفًا؛ لفسادِ المعنى؛ لأنَّه تعالى لا يكونُ في مكانٍ أعلمَ منه في مكانٍ آخَرَ [1872] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/537)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5-137)، ((المجتبى من مشكل إعراب القرآن)) للخراط (1/293). .

المعنى الإجمالي:


يقول الله تعالى: هل يستوي مَن كان كافرًا هالكًا حائِرًا في الضَّلالةِ، فهَداه اللهُ للإسلامِ، وأحْيَا قَلْبَه بالإيمانِ، وجعَلَ له نورًا يمشي به في النَّاسِ؛ ومن كان في ظُلماتِ الكُفْرِ ليس بخارجٍ منها؟
وكما حُسِّن لهؤلاءِ الكفَّارِ- الَّذين يجادلونَ المؤمنينَ في أكلِ ما حرَّم الله تعالى عليهم- سوءُ أعمالِهم، كذلك حُسِّن لِمَنْ كان على مِثْلِ ما هم عليه- مِن الكُفر باللهِ وآياتِه- ما كانوا يعتقدونَه ويَعْمَلونَه من الضَّلال.
وكذلك جَعَلَ اللهُ في كلِّ قريةٍ رُؤساءَ مُجرمينَ؛ ليَمْكُروا فيها بدُعاءِ النَّاسِ إلى الكُفرِ والضَّلالةِ، وبِصَدِّهم عن سبيلِ الله، لكنَّهم بِمَكْرِهم ذلك لا يَمكُرونَ إلَّا بأنفُسِهم، وما يشعرونَ.
وإذا جاءت هؤلاءِ المجرمينَ حُجَّةٌ قاطعةٌ من الله على صحَّةِ ما جاءَهم به محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ قالوا: لن نؤمِنَ حتى نُعطَى مِثلَ ما أُعطِيَ رُسُلُ اللهِ؛ من الرِّسالةِ والوَحيِ والمُعجزاتِ، فبيَّنَ اللهُ أنَّه أعلَمُ بمَوْضِعِ رِسالَتِه، ومن يَصْلُحُ أن يتحَمَّلَها ويقومَ بها، وأخبَرَ أنَّه سينالُ الَّذين أجرموا ذِلَّةٌ وهوانٌ عند الله، وسيُعَذَّبونَ عذابًا شديدًا؛ جزاءً لِكَيْدِهم للإسلامِ وأهْلِه.
ويُخبِر تعالى أنَّه من أراد أنْ يَهْدِيَه يشْرَحْ صدْرَه للإسلامِ، ومن أراد أنْ يُضِلَّه يجعَلْ صَدْرَه ضيِّقًا لا ينْفُذُ إليه نورُ الإيمانِ؛ مَثَلُه في هذه الحال كمَثَلِ من تكَلَّفَ الصُّعودَ في السَّماءِ، وعَجَزَ عن ذلك؛ لأنَّه ليس في وُسْعِه، ولا حيلةَ له فيه، وكما يجعلُ الله تعالى صَدْرَه ضيِّقًا حَرجًا، كذلك يسلِّط اللهُ عزَّ وجلَّ الشَّيطانَ عليه وعلى أمثاله؛ ممَّن أبى الإيمانَ باللهِ ورسولِه؛ فيُضِلُّه.
ثم خاطَبَ اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ ما بيَّنَه له في هذه السُّورةِ وغيرِها مِن سُوَرِ القرآنِ هو طريقُه جلَّ وعلا الذي ارتضاه ليكونَ دِينَه، وجَعَلَه مُستقيمًا؛ قد فصَّلَ الآياتِ والحُجَجَ على صحَّةِ ذلك لقومٍ يَذَّكَّرون. ولهؤلاءِ القَومِ دارُ السَّلامِ عند ربِّهم، وهي الجنَّة؛ إذ هي سالِمَةٌ مِن كلِّ عيبٍ وآفةٍ ومُنَغِّصٍ، وهو سبحانه ولِيُّهم بما كانوا يعملونَ.

تفسير الآيات:


أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (122) .
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
أنَّه جاء في الآياتِ التي قَبْلها أنَّ أكثَرَ أهلِ الأرضِ ضالُّونَ مُتَّبِعونَ للظَّنِّ، وأنَّ كثيرًا منهم يُضِلُّون غيرَهم بأهوائِهم بغيرِ عِلمٍ، وأنَّ الشَّياطينَ المتمَرِّدينَ العاتينَ عن أمرِ ربِّهم يُوحونَ إلى أوليائِهم ما يُجادلونَ به المؤمنينَ؛ لِيُضِلُّوهم، ويَحمِلوهم على اقترافِ الآثامِ التي نَهَت تلك الآياتُ عن ظاهِرِها وباطِنِها، بل لِيَحْمِلوهم على الشِّرْكِ أيضًا بالذَّبْحِ لغيرِ الله تعالى، فلَمَّا بيَّنَ الله تعالى ما ذكرَ؛ ضَرَبَ له مثلًا يتبيَّنُ به الفَرْقُ بين المؤمنينَ المهتدينَ؛ للاقتداءِ بهم، والكافرينَ الضَّالينَ؛ للتَّنفيرِ من طاعَتِهم، والحَذَرِ من غَوايَتِهم، وبيَّنَ أنَّ سَبَبَه ما زُيِّنَ للكافرينَ مِن أعمالِهم؛ فلم يُمَيِّزوا بين النُّورِ والظُّلماتِ، فقال [1873] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/634)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/25)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/43). :
أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ.
أي: هل مَن كان كافرًا هالكًا، حائرًا في الضَّلالةِ، فهَدَيناه للإسلامِ، وأحْيَيْنا قَلْبَه بالإيمانِ، واتِّباعِ القرآنِ، فصار يرى الحَقَّ والباطِلَ، والنَّفْعَ والضُّرَّ، وصار يمشي بين النَّاسِ في النُّورِ، متبِّصرًا في أمورِه، مهتديًا لسَبيلِه [1874] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/532-533)، ((الفوائد)) لابن القيم (ص: 90)، ((تفسير ابن كثير)) (3/330)، ((تفسير السعدي)) (ص: 272)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/284). .
كما قال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: 257].
كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا.
أي: أفَيَسْتوي مَن أحْيَيْناه بنورِ الإيمانِ والقرآنِ بمن هو في ظُلُماتِ الكُفرِ؛ مترددًا لا يعرِفُ المَخْرَج منها، قد التبَسَتْ عليه الطُّرُق، وأظلَمَت عليه المسالِكُ، فحَضَره الهَمُّ والغمُّ والحَزَن والشَّقاء، فلا يدري كيف يتوجَّه؟ وأيَّ طريقٍ يأخُذُ؛ لشدَّةِ ظُلمةِ اللَّيلِ، وإضلالِه الطَّريقَ [1875] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/533)، ((تفسير ابن كثير)) (3/330)، ((تفسير السعدي)) (ص: 272). قال السعدي: (فنبَّه تعالى العقولَ بما تُدرِكُه وتعرفه، أنَّه لا يستوي هذا ولا هذا، كما لا يستوي اللَّيل والنَّهار، والضِّياء والظُّلمة، والأحياء والأموات) ((تفسير السعدي)) (ص: 272). .
كما قال تعالى: أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: 40].
كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لمَّا قال اللهُ تعالَى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كأنَّه قِيل: فكيفَ يُؤثِرُ مَن له أدنَى مُسكةٍ مِن عقلٍ، أن يكونَ بهذه الحالةِ، وأن يبقَى في الظُّلماتِ متحيِّرًا: فأجاب [1876]  ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 271). بقولِه:
كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.
أي: كما حُسِّن لهؤلاءِ الكفَّارِ- الَّذين يجادلونَكم أيُّها المؤمنونَ في أكلِ ما حرَّمتُ عليكم- كما حُسِّن لهم سوءُ أعمالِهم، كذلك حُسِّن [1877] قال ابن عاشور: (وحُذِف فاعِلُ التَّزْيينِ فبُنِي الفعلُ للمجهولِ؛ لأنَّ المقصودَ وُقوعُ التَّزييِنِ لا معرفةُ مَنْ أوْقعَه، والمزَيِّنُ شياطينُهم وأوْلِياؤُهم، كقولِه: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [الْأَنْعَام: 137]، ولأنَّ الشَّياطينَ مِنَ الإنسِ هم المُباشرونَ للتَّزْيينِ، وشياطينُ الجنِّ هم المسوِّلون المزيِّنون). ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/46). لِغَيْرهم ممَّن كان على مِثْلِ ما هم عليه مِن الكُفر باللهِ وآياتِه، ما كانوا يعتقدونَ، ويَعْمَلون من ضَلالاتٍ، وذلك حكمةٌ من الله بالغةٌ [1878] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/536-537)، ((تفسير القرطبي)) (7/79)، ((تفسير ابن كثير)) (3/331)، ((تفسير السعدي)) (ص: 272)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/46). .
كما قال تعالى: فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: 43].
وقال تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [التوبة: 37].
وقال سبحانه: لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النحل: 63].
وقال عزَّ وجلَّ: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [فاطر: 8].
وقال تعالى: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد: 14].
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) .
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا.
أي: وكذلك [1879] قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ جلَّ ثَناؤُه: وكما زَيَّنَّا للكافِرين مَا كانوا يَعْملون، كذلك جَعَلْنا بكلِّ قَرْيَةٍ عُظَماءَها مُجْرِميها). ((تفسير ابن جرير)) (9/537) وقال ابنُ كثيرٍ: (يقولُ تعالى: وكما جعَلْنا في قَرْيَتِك- يا محمَّدُ- أكابِرَ مِنَ المجرِمين، ورُؤساءَ ودُعاةً إِلى الكفرِ وَالصَّدِّ عَنْ سبيلِ اللَّه، وإِلى مُخالَفَتِك وعداوَتِك، كذلك كانتِ الرُّسلُ مِنْ قبلك يُبْتَلون بذلك، ثُمَّ تكونُ لهم العاقِبَةُ، كما قال تَعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان: 31]). ((تفسير ابن كثير)) (3/331). صَيَّرْنا في كلِّ قريةٍ عُظماءَ ورُؤساءَ مِن المجرمينَ فيها؛ ليمْكُروا فيها، بِدُعائِهم النَّاسَ إلى الكُفْرِ والضَّلالة، وقيامِهم بصَدِّهم عن سبيلِ الله تعالى [1880] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/537-539)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 374)، ((تفسير ابن عطية)) (2/341)، ((تفسير القرطبي)) (7/79)، ((تفسير ابن كثير)) (3/331)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/491-492)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/47). وممَّن قال بهذا القولِ من السَّلف مجاهدٌ وقتادةُ. ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/537، 538)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (4/1383). .
قال سبحانه: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء: 16].
وقال تعالى: قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِين [سبأ: 32 - 35].
وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ.
أي: ما يحيقُ وَبالُ مَكْرِهم ذلك ويعود إلَّا على أنفُسِهم، وهم لا يَدْرونَ أنَّهم يَمْكُرون بها، ولا يدرونَ ما أعدَّ الله تعالى لهم من العذابِ؛ جزاءً لذلك [1881] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/537)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 374)، ((تفسير القرطبي)) (7/79)، ((تفسير ابن كثير)) (3/332)، ((تفسير السعدي)) (ص: 272)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/51). .
وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ (124) .
أي: وإذا جاءَتْ هؤلاءِ المجرمينَ حُجَّةٌ قاطعةٌ مِن الله، على صِحَّةِ ما جاءهم به محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم، قالوا: لن نؤمِنَ بما دعانا إليه محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم من الإيمانِ به، وبما جاء به مِنْ تحريمِ ما ذَكَر أنَّ اللهَ حرَّمَه علينا؛ حتى تأتِيَنا الملائكةُ من الله بالرِّسالة، فيُوحَى إلينا كما يُوحَى إلى الرُّسُلِ، ونُعطَى من المعجزاتِ مِثْلَهم [1882] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/539)، ((تفسير القرطبي)) (7/79-80)، ((تفسير ابن كثير)) (3/332)، ((تفسير السعدي)) (ص: 272)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/53-54). .
اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ.
أي: فالله عزَّ وجلَّ أعلَمُ بموضِعِ رسالَتِه، ومن يَصْلُحُ لها، ويقومُ بأعبائِها [1883] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/539-540)، ((تفسير ابن كثير)) (3/332)، ((تفسير السعدي)) (ص: 272). .
كما قال تعالى: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: 31-32].
سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ.
أي: سَيَنالُ الذين اكتَسَبوا الإثمَ- بشِرْكِهم باللهِ، وعبادتِهم غيرَه- ذِلَّةٌ وهوانٌ عند الله، ولهم عذابٌ شديدٌ بسبَبِ كيدِهم للإسلامِ وأهْلِه [1884] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/540-541)، ((تفسير ابن كثير)) (3/334)، ((تفسير السعدي)) (ص: 272). قال الزجَّاج: (أي هم وِإن كانوا أكابرَ في الدُّنيا سيصيبُهم صَغارٌ عِنْد اللَّه؛ أي مَذَلَّة) ((معاني القرآن)) (2/289). وقال ابن عاشور: (الصَّغَارُ والعذابُ يحصُلانِ لهم في الدُّنيا بالهزيمةِ وزوالِ السِّيادةِ، وعذابِ القَتل والأَسْر والخوفِ، قال تعالى: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا [التوبة: 52] وقد حصل الأمرانِ يومَ بدْر ويومَ أُحُد، فهلكت سادةُ المشركين، وفي الآخرةِ بإهانتِهم بين أهل المحشَرِ، وعذابِهم في جهنم. ومعنى عِنْدَ اللَّهِ أنَّه صَغارٌ مُقَدَّر عند الله، فهو صَغار ثابتٌ مُحقَّق؛ لأنَّ الشيءَ الذي يجعلُه الله تعالى يحصُلُ أثَرُه عندَ النَّاس كُلِّهم؛ لأنَّه تكوين لا يفارِقُ صاحبَه، كما ورد في الحديثِ: «إنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا أمر جبريلَ فأحَبَّه، ثم أمر الملائكةَ فأحَبُّوه، ثم يُوضَع له القَبولُ عند أهلِ الأرضِ»، فلا حاجةَ إلى تقديرِ (مِن) في قولِه: عِنْدَ اللَّهِ، ولا إلى جَعْلِ العِنْدية بمعنى الحصولِ في الآخرةِ، كما درج عليه كثيرٌ من المفسِّرين) ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/56) .
فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (125).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى عاقبةَ المجرمينَ الماكرين الَّذين حُرِمُوا الاستعدادَ للإسلامِ بعد بيانِ حالِهم- قَفَّى عليه بالمُقابلةِ بينهم وبين المُستَعِدِّينَ له، ثم ببيانِ ظُهورِ هِدايَتِه، واستقامةِ مَحَجَّته، وبجزاءِ المُهْتَدينَ به، على حَسَب سُنَّتِه تعالى في كتابِه [1885] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/36). ، فقال:
فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ.
أي: فمَن يُردِ الله تعالى هِدايَتَه وتوفيقَه للتَّوحيدِ، والإيمانِ به وبرسولِه؛ يفسَحْ صَدرَه لذلك، فيتَّسِعُ لِقَبولِه، ويهوِّنه عليه ويسهَّله له، فيستنيرُ قَلْبُه بنورِ الإيمانِ، ويحيا بضَوْءِ اليقينِ، وتطمَئِنُّ نفسُه بذلك [1886] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/541)، ((تفسير ابن كثير)) (3/334)، ((تفسير السعدي)) (ص: 272). .
كما قال تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الزمر: 22].
وقال تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحجرات: 7-8].
وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا.
أي: ومن يُرِدِ اللهُ تعالى إضلالَه عن سبيلِ الهُدى يجعلْ صَدْرَه بخِذْلانِه، وغَلَبَةِ الكُفرِ عليه، وانغماسِ قَلْبِه في الشُّبُهات والشَّهوات؛ في أشَدِّ ما يكون من الضِّيقِ، فلا ينْفُذُ فيه نورُ الإيمانِ مِن شِدَّةِ ضِيقِه، ولا تَصِلُ إليه الموعظَةُ، ولا يدخُلُه اليقينُ والاطمئنانُ [1887] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/544)، ((تفسير ابن كثير)) (3/336)، ((تفسير السعدي)) (ص: 272). .
كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء.
أي: هذه حالُه في عَدَمِ تقَبُّل الإيمانِ وصُعُوبَتِه وثِقَلِه عليه؛ فهي تُشْبِه صعوبةَ تَكَلُّفِ الصُّعودِ في السَّماءِ، وعَجْزَه عن ذلك؛ لأنَّه ليس في وُسْعِه، ولا حيلةَ له فيه [1888] وهذا اختيارُ ابنِ جريرٍ في ((تفسيره)) (9/544)، والواحديِّ في ((الوجيز)) (ص: 374)، والقرطبيِّ في ((تفسيره))، والسعديِّ في ((تفسيره)) (ص: 272). وقال به من السَّلف: ابنُ عبَّاس، وعطاءٌ الخراسانيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/549)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (4/1386). .
كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ.
أي: كما يجعلُ الله تعالى صَدْرَ من أراد إضلالَه ضيِّقًا حَرجًا كأنَّما يصَّعَّد في السَّماءِ، كذلك يسلِّط اللهُ الشَّيطانَ عليه وعلى أمثاله، ممَّن أبى الإيمانَ بالله ورسولِه؛ فيُغْوِيه ويَصُدُّه عن سبيلِ الحَقِّ [1889] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/544). والقولُ بأنَّ الرِّجسَ المرادُ به الشَّيطانُ: قال به مِن السَّلف ابنُ عبَّاسٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/552)،  ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/76). .
كما قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: 5-10].
وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لمَّا ذَكَر الله تعالَى طريقَةَ الضَّالِّينَ عن سبيلِه، الصَّادِّين عنها، نَبَّه على أشرفِ ما أرْسل به رَسولَه مِنَ الهُدَى ودينِ الحَقِّ [1890] ينظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/337. ، فقال:
وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا.
أي: وهذا الذي بيَّنَّا لك- يا مُحمَّدُ- في هذه السُّورة وغيرِها من سُوَر القرآنِ، هو طريقُ ربِّك ودِينُه الذي ارتضاه لنَفْسِه دينًا، وجَعَلَه مستقيمًا لا اعوجاجَ فيه؛ معتدلًا مُوصِلًا إليه، وإلى دارِ كرامَتِه؛ فاثْبُتْ أنت عليه [1891] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/553)، ((تفسير ابن كثير)) (3/337)، ((تفسير السعدي)) (ص: 273). .
قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ.
أي: قد بَيَّنَّا الآياتِ والحُجَجَ على صحَّةِ ذلك لِمَن لهم فَهْمٌ ووعْيٌ يَعْقِلون به عن اللهِ مُرادَه؛ الَّذين عَلِموا، فانتَفَعوا بعِلْمِهم [1892] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/553)، ((تفسير ابن كثير)) (3/337)، ((تفسير السعدي)) (ص: 273). .
لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (127).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ تعالى عظيمَ نِعَمِه في الصِّراطِ المستقيمِ، بَيَّنَ الفائدةَ الشَّريفةَ التي تحصُلُ من التمسُّك بذلك الصِّراطِ المستقيمِ؛ فقال [1893] ينظر: ((تفسير الرازي)) (13/146). :
لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ.
أي: لهؤلاء القومِ الَّذين يذَّكَّرون، دارُ اللهِ تعالى التي أعَدَّها لأوليائِه في الآخِرةِ، وهي جَنَّتُه، السَّالِمة من كلِّ عيبٍ وآفةٍ، وَهَمٍّ وغَمٍّ، وغيرِ ذلك من مُنَغِّصاتٍ [1894] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/554)، ((تفسير ابن كثير)) (3/337-338)، ((تفسير السعدي)) (ص: 273). قال الخازن: (لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ يعني الجنَّة في قولِ جميعِ المفسِّرين) ((تفسير الخازن)) (2/156). .
وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.
أي: واللهُ تعالى ناصرٌ هؤلاءِ القومَ الَّذين يذَّكرون، وحافِظُهم ومُؤَيِّدُهم؛ يتولَّى تدبيرَهم وتربيتَهم ورعايَتَهم، وهذا جزاءٌ لهم على أعمالِهم الصَّالِحةِ، واتِّباعِهم رضا مولاهم؛ فلذلك يتولَّاهم، ويُثِيبُهم الجنَّةَ بكَرَمِه [1895] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/554)، ((تفسير ابن كثير)) (3/338)، ((تفسير السعدي)) (ص: 273). .

الفوائد التربوية:


1- قولُ اللهِ تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا العِبرةُ في هذا المَثَل أن يُطالِبَ المسلمُ نفسَه بأن يكونَ حيًّا عالِمًا؛ على بصيرةٍ في دينِه وأعمالِه، وحُسْنِ سِيرَتِه في النَّاس، وقدوةً لهم في الفضائِلِ والخَيْرات، وحُجَّةً على فَضْلِ دِينِه على جميعِ الأديانِ، وعُلُوِّ آدابِه على جميعِ الآدابِ [1896] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/26). .
2- شَأْنُ أكثَرِ أكابِرِ الأُمَم والشُّعوب- ولا سيَّما في الأزمِنَةِ التي تكثُرُ فيها المطامِعُ، ويعظُمُ حُبُّ الرِّياسَةِ والكبرياءِ- أنَّهم يَمْكرونَ بالنَّاسِ مِن أفرادِ أُمَّتِهم وجَماعاتِها؛ ليَحْفَظوا رياسَتَهم ويُعَزِّزوا كبرياءَهم، ويُثَمِّروا مطامِعَهم فيها، ويمكُرُ الرُّؤساءُ والسَّاسةُ منهم بغيرِهم من الأُمَم والدُّول؛ لإرضاءِ مَطامِعِ أُمَّتِهم، وتعزيزِ نفوذِ حُكومَتِهم في تلك الأُمَم والدُّوَلِ. وقد عَظُمَ هذا المكرُ في هذا العَصرِ، فصار قُطْبَ رَحَى السِّياسَةِ في الدُّول، وعَظُمَ الإفكُ بعِظَمِه؛ لأنَّه أعظَمُ أركانِه؛ يُرشِدُنا إلى ذلك قولُ الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا [1897] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/29). .
3- إنَّ أكابِرَ المجرمينَ- الَّذين يُعادونَ الرُّسُلَ في عَصرِهم، ودعاةَ الإصلاحِ مِن وَرَثَتِهم بَعْدَهم- مهما ضَخُمَ واستطالَ كَيْدُهم؛ فلا يحيقُ إلَّا بهم في نهايةِ المطافِ؛ فالمؤمنونَ لا يخوضون المعركةَ وَحْدَهم، فاللهُ تعالى وليُّهم فيها، وهو حَسْبُهم، وهو يَرُدُّ على الكائِدينَ كَيْدَهم؛ يُبَيِّنُ ذلك قولُ الله تعالى: وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [1898] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/30).
4- قولُه تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا فيه مِن السُّلوك والعبادةِ أنَّه يجبُ على الإنسانِ أن يتقبَّلَ الإسلامَ كلَّه؛ أصلَه وفرعَه، وما يتعلَّق بحقِّ الله، وما يتعلَّق بحقِّ العبادِ، وأنَّه يجبُ عليه أن يشرحَ صدرَه لذلك، فإن لم يكنْ كذلك، فإنَّه من القسمِ الثاني الذين أراد الله إضلالَهم [1899] يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) للعثيمين (ص: 221). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- في قولِ اللهِ تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ جُعِلَ الإيمانُ حياةً؛ لأنَّ الحيَّ صاحِبُ بَصَرٍ يهتدي به إلى رُشْدِه، وكذلك لَمَّا كان الإيمانُ يهدي إلى الفَوْزِ العظيمِ، والحياةِ الأبديَّة؛ شُبِّه بالحياةِ [1900] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/447). .
2- لمَّا ذَكَر جَعْلَ النُّورِ للمَيِّتِ قال: يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ أيْ: يَصْحَبُه كيف تَقَلَّب، وقال: فِي النَّاسِ إشارةً إلى تَنْويرِه على نَفْسِه، وعلى غيرِه مِنَ النَّاسِ، فذكَر أَنَّ منفعةَ المؤْمنِ ليست مقتصِرَةً على نَفْسِه [1901] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/635). .
3- قولُه تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فيه لطيفةٌ جميلةٌ، وهي أنَّه تعالى لَمَّا ذَكَرَ صِفةَ الإحِسانِ إلى العبْدِ المؤمِنِ؛ نَسَبَ ذلك إليه جلَّ وعلا؛ فقال: فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ وفي صِفَةِ الكافِرِ لم ينسُبْها إلى نَفْسِه، بل قال: كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ [1902] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/635). .
4- قوله: لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا فيه دقيقةٌ عقليَّةٌ، وهي أنَّ الشَّيْءَ إذا دام حُصولُه مع الشَّيْءِ صار كالأَمْرِ الذاتيِّ والصِّفةِ اللَّازِمَة له؛ فإذا دام كونُ الكافِرِ في ظُلُماتِ الجَهْلِ، والأَخْلاقِ الذَّميمةِ، صارت تلك الظُّلُماتُ كالصِّفةِ الذاتيَّةِ اللَّازِمَةِ له؛ يعسُر إزالتُها عنه، نعوذُ باللهِ من هذه الحالَةِ [1903] ينظر: ((تفسير الرازي)) (13/134). .
5- في قَوْلِه تعالى: كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ جاءت الظُّلماتُ جمعًا؛ لتُناسِبَ تعدُّدَ أنواعِ الكُفرِ المتعدِّدةِ [1904] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/635). .
6- قوله: زُيِّنَ حُذِفَ فاعل التَّزيينِ؛ فبُنِيَ الفعلُ للمفعولِ: لأنَّ المقصودَ وقوعُ التَّزيينِ لا معرفةُ مَن أَوقَعَه [1905] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/46). .
7- في قَوْلِه تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا خَصَّ الأكابِرَ؛ لأنَّهم أقدَرُ على الفَسادِ، والتَّحيُّلِ، والمَكرِ؛ لرِئاسَتِهم، وسَعَةِ أرزاقِهم، واستِتْباعِهم الضُّعَفاءَ والمحاويجَ [1906] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/636). .
8- قولُه تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا فيه تنبيهٌ على أنَّ أهْلَ البَداوَةِ أقربُ إلى قَبولِ الخيرِ من أهْلِ القُرى؛ لأنَّهم لبساطَةِ طِباعِهم من الفِطْرةِ السَّليمةِ، فإذا سَمِعوا الخيرَ تَقَبَّلوه، بخلافِ أَهْلِ القرى؛ فإنَّهم لتَشَبُّثِهم بعوائِدِهم وما أَلِفُوه؛ يَنْفِرونَ من كلِّ ما يُغَيِّره عليهم؛ ولهذا قال اللهُ تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ، فجعل النِّفاقَ في الأَعْرابِ نفاقًا مجرَّدًا، والنِّفاقَ في أهْلِ المدينةِ نِفاقًا مارِدًا [1907] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/47). .
9- قولُه تعالى: وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ في الآيةِ دليلٌ على كمالِ حِكمةِ اللهِ تعالى؛ لأنَّه وإن كان تعالى رحيمًا واسعَ الجودِ، كثيرَ الإحسانِ، فإنَّه حكيمٌ لا يَضَعُ جُودَه إلَّا عند أهْلِه [1908] ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 272). .
10- كلُّ مَن لم يُقِرَّ بما جاء به الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم إلَّا بعد أن يقومَ على صِحَّتِه عنده دليلٌ مُنْفَصِلٌ مِن عقْلٍ أو كشْفٍ أو منامٍ أو إلهامٍ، لم يكُنْ مؤمنًا به قَطْعًا، وكان من جِنْس الَّذينَ قال اللهُ تعالى فيهم: وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ [1909] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (3/1167). .
11- في قوله: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ إشارةٌ لعَظيمِ مِقدارِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وتنبيهٌ لانْحِطاطِ نُفوسِ سادةِ المشركينَ عن نَوالِ مَرْتبةِ النُّبوةِ، وانعدامِ اسْتِعْدادِهم [1910] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/55). .
12- قولُه تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ فيه تنبيهٌ على دقيقةٍ جليلةٍ، وهي أنَّ أقَلَّ ما لا بدَّ منه في حصولِ النبوَّةِ والرِّسالةِ البراءةُ عن المكْر والغَدْرِ والغِلِّ والحسَد. وقولُهمْ: لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ عَيْنُ المكْرِ والغَدْرِ والحَسَد؛ فكيف يُعْقَلُ حُصولُ النبوَّة والرِّسالةِ لهم مع اتِّصافِهم بهذه الصِّفاتِ [1911] ينظر: ((تفسير الرازي)) (13/137). .
13- لَمَّا كان العقابُ إنَّما يتِمُّ بأمرينِ: الإهانةِ والضَّرَرِ؛ توَعَّدَهم اللهُ تعالى بمجموعِ هذينِ الأَمْرينِ في هذه الآيةِ؛ فقال تعالى: سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ الصَّغارِ على ذِكْرِ الضَّرَر؛ لأنَّ القومَ إنَّما تَمَرَّدوا عن طاعةِ محمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلام طلبًا للعِزِّ والكرامةِ؛ فاللهُ تعالى بَيَّنَ أنَّه يُقابِلُهم بضِدِّ مَطْلوبِهم، فأَوَّلُ ما يُوصِلُ إليهم إنَّما يُوصِل الصَّغارَ والذُّلَّ والهوانَ [1912] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/137). .
14- قولُ اللهِ تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا فيه ردٌّ على القدريَّة، وبيانُ أنَّ الهدايةَ والضَّلالَ من الله تعالى [1913] يُنظر: ((الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار)) للعمراني (2/384)، ((تفسير ابن عادل)) (8/421)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/263). .
15- قولُ اللهِ تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا فيه إثباتُ إرادةِ الله عزَّ وجلَّ، والإرادةُ المذكورةُ هنا إرادةٌ كونيةٌ لا غيرُ؛ لأنَّه قال: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ، وهذا التقسيمُ لا يكونُ إلَّا في الأمورِ الكونيَّات، أمَّا الشرعيةُ فالله يريدُ مِن كلِّ أحدٍ أن يستسلمَ لشرعِه [1914] يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) لابن عثيمين (ص: 220). .
16- التوفيقُ عنايةٌ خاصَّةٌ من الله تعالى؛ يتفَضَّلُ بها على بعضِ عِباده، فهو سبحانه عليمٌ بمَن يَصْلُح لهذا الفَضْلِ ومَن لا يصْلُحُ له، وحكيمٌ يَضَعُه في مواضِعِه وعند أهْلِه؛ يُبَيِّنُ ذلك قولُه تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [1915] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/39). .
17- قولُ اللهِ تعالى: لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ، إضافةُ الدَّارِ إلى (السَّلام) للإيذانِ بسَلامَتِها من العيوبِ، وسلامةِ أَهْلِها مِن جميعِ المنَغِّصاتِ والكُروبِ [1916] يُنظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: 95-96)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/54). ، وقيل إنَّما وَصَفَ اللهُ الجنَّة هاهنا بدارِ السَّلامِ؛ لسَلامَتِهم فيما سَلَكوه من الصِّراطِ المستقيمِ، المقتفي أثَرَ الأَنبياءِ وطرائِقَهم، فكما سَلِمُوا من آفاتِ الاعوجاجِ، أَفْضَوْا إلى دارِ السَّلامِ [1917] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/337- 338). .
18- قولُ اللهِ تعالى: لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فيه نفيُ القوْلِ بالجَبرِ، وإبطالُ القَولِ بإنكارِ القَدَرِ بصراحَةِ نَوْطِ الجزاءِ بالعَمَلِ؛ فإسنادُ العَمَل إليهم ينفي الجبْرَ، ونَوْطُ الجزاءِ به يُثْبِت القَدَر؛ الذي هو جعْلُ شيءٍ مُرَتَّبًا على شيءٍ آخَرَ، مُقَدَّرًا بقَدْرِه، وليس خَلْقًا أُنُفًا، أي مُبتدَأً ومُستأنَفًا [1918] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/54). .
19- قال تعالى: لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ في هذه الآيَةِ عِدَّةُ تشريفاتٍ لِمَن عَنَاهم الله بالآيةِ:
النوع الأول: قولُه: لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ وهذا يوجِبُ الحَصْرَ؛ فمعناه: لهم دارُ السَّلامِ لا لغَيْرِهم.
النوع الثاني: قوله تعالى: عِنْدَ رَبِّهِمْ وهذا يدلُّ على قُرْبِهم مِنَ اللهِ تعالى.
النوع الثالث: وَهُوَ وَلِيُّهُمْ وهذا يدلُّ على قُرْبِ اللهِ منهم [1919] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/146، 147). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ في الآيةِ التَّشبيهُ التمثيليُّ، ووجهُ الشَّبَه فيه صورةٌ منتَزَعةٌ من متعدِّدٍ، وهذا مَثَلٌ ضَرَبَه اللهُ تعالى لحالِ المؤمِنِ والكافِرِ؛ فبيَّنَ أنَّ المؤمِنَ المهتديَ بمنزلةِ من كان مَيتًا فأحياه، وأعطاه نورًا يهتدي به في مصالحه، وأنَّ الكافِرَ بمنزلَةِ مَن هو في الظُّلماتِ منغمِسٌ فيها، وإنَّما ائتلفَتْ هذه الأجناسُ المختلفةُ، وتصادَفَتْ هذه الأشياءُ المُتباينةُ للتَّمثيلِ على حُكمِ المشبَّه؛ لأنَّه رُوعِي فيها ما يَستحضِرُ العقلُ، وما تتَعلَّقُ به البصيرةُ، والتروِّي في الأمْر، لا ما يَحضُر العينَ، أو يُنال بمُجرَّدِ الرُّؤيةِ [1920] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/180)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (3/216) .
- ولقد جاء التَّشبيه بديعًا؛ إذ جَعَل حالَ المُسلِم، بعد أن صار إلى الإسلامِ، كحالِ مَن كان عديمَ الخيرِ، عديمَ الإفادَةِ كالميِّت، وهو في ظُلمةٍ لو أفاق لم يَعْرِفْ أين ينصَرِفُ، فإذا هداه اللهُ إلى الإسلامِ تَغَيَّر حالُه، فصار يُمَيِّزُ بين الحقِّ والباطِلِ، ويعلَمُ الصَّالِحَ من الفاسِدِ، فصار كالحيِّ، وصار يسعى إلى ما فيه الصَّلاحُ، ويتنَكَّبُ عن سبيلِ الفسادِ، فصار في نورٍ يمشي به في النَّاسِ [1921] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/44). .
- والهمزة في قوله: أَوَمَنْ للاستفهامِ المستعمَلِ في إنكارِ تماثُلِ الحالتينِ:
فالحالةُ الأولى: حالةُ الَّذين أَسْلَموا بعد أنْ كانوا مُشركينَ، وهي المشَبَّهة بحالِ من كان مَيْتًا مُودَعًا في ظلماتٍ، فصار حيًّا في نورٍ واضحٍ، وسار في الطَّريقِ الموصِلَة للمَطْلوبِ بين النَّاسِ، والحالة الثانية: حالةُ المُشرِك، وهي المشبَّهة بحالةِ مَن هو في الظُّلماتِ ليس بخارجٍ منها؛ لأنَّه في ظُلُماتٍ [1922] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/180)- يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/43). .
- قوله: يَمْشِي بِهِ الجملةُ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشَأَ من الكلامِ؛ كأنَّه قيل: فماذا يصنعُ بذلك النُّورِ؟ فقيل: يمشي به [1923] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/180). .
- قوله: كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ استئنافٌ بيانيٌّ؛ لأنَّ التَّمثيلَ المذكورَ قَبْلَها يُثيرُ في نفسِ السَّامِعِ سؤالًا؛ أن يقول: كيف رَضُوا لأنفُسِهم البقاءَ في هذه الضَّلالاتِ، وكيف لم يَشْعُروا بالبَوْن بين حالِهم وحالِ الَّذين أَسْلَموا؟ فكان حقيقًا بأن يُبَيَّنَ له السَّببُ في دوامِهم على الضَّلالِ، وهو أنَّ ما عَمِلوه كان تُزَيِّنُه لهم الشَّياطينُ [1924] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/46 - 47). .
2- قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فيه تَشبيهٌ؛ حيث شبَّه أكابِرَ المجرمينَ مِن أهْلِ مكَّةَ في الشِّرْك بأكابِرِ المجرمينَ في أهْلِ القُرى في الأُمَم الأخرى [1925] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/47). .
- وقوله: وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ اعتراضٌ على سبيلِ الوَعدِ لرسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والوعيدِ للكَفَرِة [1926] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/182). ، وقد جيء بصيغَةِ القَصْرِ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يَلْحَقُه أذًى ولا ضُرٌّ مِن صَدِّهم النَّاسَ عن اتِّباعِه، ويلحَقُ الضُّرُّ الماكرينَ؛ في الدُّنيا: بعذابِ القَتْلِ والأَسْرِ، وفي الآخرة: بعذابِ النَّارِ إن لم يؤمِنوا؛ فالضُّرُّ انحصَرَ فيهم على طريقةِ القَصْرِ الإِضافيِّ، وهو قَصْرُ قلبٍ [1927] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/51). .
- وفيه تسليةٌ لرَسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، إذ حالُه في أنْ كان رؤساءُ قومِه يُعادونَه كما كان في كلِّ قريةٍ مَن يعانِدُ الأنبياءَ، وفيه تقديمُ مَوعِدٍ بالنُّصْرَةِ عليهم [1928] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/63)، وينظر أيضًا: ((تفسير أبي حيان)) (4/636)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/50). .
3- قولُه تعالى: وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ لَمَّا ذَكَرَ اسمَ الجلالةِ في قوله: رُسُلُ اللَّهِ إيذانًا بعظيمِ ما اجتَرَؤوا عليه؛ لِعَماهم عمَّا للرُّسُلِ من الجلالِ الذي يخضَعُ له شوامِخُ الأنوفِ؛ أعادَها أيضًا تهويلًا للأَمْرِ، وتنبيهًا على ما هناك من عظيمِ القَدْرِ، فقال ردًّا عليهم: اللَّهُ أَعْلَمُ... الآية [1929] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/257). .
- قوله: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ فيه: استئنافٌ للرَّدِّ والإنكارِ عليهم بأنَّ النبوَّةَ ليست بالنَّسَبِ والمالِ، وإنَّما هي اصطِفاءٌ من اللهِ تَعالى؛ يخصُّ الله سبحانه وتعالى بها من يشاءُ مِن عباده، فيَجْتبي لرسالاتِه مَن عَلِمَ أنَّه يَصْلُح لها، وهو أعلَمُ بالمكانِ الذي يَضَعُها فيه منهم [1930] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/63)، ((تفسير البيضاوي)) (2/181)، ((تفسير أبي حيان)) (4/637)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/53). .
وفيه: تعريضٌ بأنَّ أمثالَهم ليسوا بأهْلٍ لحملِ الرِّسالة [1931] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/54). .
4- قوله: سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ استئنافٌ ناشئٌ عن قولِه: لِيَمْكُرُوا فِيهَا وهو وعيدٌ لهم على مَكْرِهم [1932] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/183)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/55). .
- وفيه: إظهارٌ في مقامِ الإضمارِ في قوله: الَّذِينَ أَجْرَمُوا لأنَّ مُقتَضى الظَّاهِرِ أن يُقالَ: سيُصِيبهم صَغارٌ، وإنَّما خُولِفَ مُقتَضى الظَّاهِر، فأُتِيَ بالموصولِ؛ للإشعارِ بأنَّ إصابةَ ما يُصيبُهم؛ لإجرامِهم المستَتْبِعِ لجميعِ الشُّرورِ والقبائحِ، أي: إنَّما أصابَهم صَغارٌ وعَذابٌ لإجرامِهم [1933] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/183)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/55). .
- والسِّينُ في قوله: سَيُصِيبُ للتَّأكيدِ [1934] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/183). .
- وعَلَّقَ الإصابةَ بِمَن أجرَمَ؛ ليَعُمَّ الأكابِرَ وغَيرَهم [1935] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/638)، ((تفسير السعدي)) (ص: 272). .
5- قوله: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ
فيه إِتْباعُ الضِّيقِ بالحَرَج؛ لتأكيدِ معنى الضِّيقِ؛ لأنَّ في الحَرَجِ من معنى شِدَّةِ الضِّيقِ ما ليس في (ضَيِّقٍ) [1936] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/59). .
- وفي قوله: كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ تشبيهٌ تمثيليٌّ؛ مُثِّلَ حالُ المُشرِك حين يُدْعَى إلى الإسلامِ، أو حين يخلو بنَفْسِه، فيتأَمَّل في دعوةِ الإسلامِ، بحالِ الصَّاعِد؛ فإنَّ الصَّاعِد يَضِيقُ تنفُّسُه في الصُّعودِ، فشَبَّهَه مُبالغةً في ضِيقِ صَدْره بمَن يُزاوِلُ ما لا يَقدِرُ عليه؛ فإنَّ صُعودَ السماءِ مَثَلٌ فيما يَبعُدُ عن الاستطاعةِ، ونبَّه به على أنَّ الإِيمان يمتنعُ منه كما يَمتنعُ الصُّعودُ [1937] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/181)، ((تفسير أبي السعود)) (3/183)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/60)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (3/220-221). .
6- قوله: كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ تذييلٌ لِمَا قَبْلَه؛ فلذلك فُصِلَ [1938] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/60). ، ووُضِعَ الموصولُ مَوْضِعَ المُضمَر في قوله: الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ للإشعارِ بأنَّ جَعْلَه تعالى مُعَلَّلٌ بما في حَيِّزِ الصِّلَة من كمالِ نُبُوِّهم عن الإيمانِ، وإصرارِهم على الكُفْرِ [1939] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/181)، ((تفسير أبي السعود)) (3/184). .
- وجيء بالمضارِعِ في قوله: يَجْعَلُ لإفادَةِ التجدُّدِ في المستقبلِ؛ أي: هذه سُنَّةُ اللهِ في كُلِّ من ينصَرِفُ عن الإيمانِ، ويُعْرِضُ عنه [1940] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/61). .
7- قوله: وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا تمثيلٌ لحالِ هَدْيِ القُرآنِ بالصِّراطِ المستقيمِ، الذي لا يُجْهِدُ مُتَّبِعَه، وتمثيلُ الإسلامِ بالصِّراطِ المستقيمِ يتضَمَّنُ تمثيلَ المسلمِ بالسَّالِك صِراطًا مستقيمًا [1941] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/62). .
- وإضافَةُ الصِّراطِ إلى الرَّبِّ في قوله: صِرَاطُ رَبِّكَ لتَعظيمِ شَأنِ المُضافِ، فيُعْلَم أنَّه خيرُ صراطٍ [1942] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/62). .
- وإضافةُ الرَّبِّ إلى ضميرِ الرَّسولِ في قولِه: صِرَاطُ رَبِّكَ فيه: تشريفٌ للمُضافِ إليه، وترضيةٌ للرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم بما في هذا السَّنَن مِن بقاءِ بَعضِ النَّاسِ غَيْرَ مُتَّبِعينَ دِينَه [1943] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/62). .
- وقوله: مُسْتَقِيمًا حالٌ مِنْ صِرَاطُ مؤكِّدةٌ لمعنى إضافَتِه إلى اللهِ [1944] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/184)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/62). .
8- قوله: قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ استئنافٌ، وفذلَكَةٌ لِمَا تَقَدَّم [1945] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/63). .
9- قوله: لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ الجملةُ إمَّا مُستأنفةٌ استئنافًا بيانيًّا؛ لأنَّ الثَّناءَ عليهم بأنَّهم فُصِّلَت لهم الآياتُ، ويتَذَكَّرون بها؛ يثيرُ سؤالَ من يسألُ عن أثَرِ تَبْيينِ الآياتِ لهم، وتذَكُّرِهم بها، فقيل: لهم دارُ السَّلامِ، وإمَّا صِفَةٌ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [1946] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/63). .
- والعدولُ عن إضافَةِ قَولِه: عِنْدَ لضَميرِ المتكَلِّم إلى إضافَتِه للاسْمِ الظَّاهِر في قوله: رَبِّهِمْ لقَصْدِ تشريفِهم بأنَّ هذه عطِيَّةُ مَن هو مولاهُم [1947] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/64). .
- وقوله: دارُ السَّلامِ أي: دارُ الله، يعنى الجنَّة؛ أضافَها إلى نَفْسِه تعظيمًا لها، أو دار السَّلامَة من كلِّ آفةٍ وكَدَرٍ [1948] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/64)، ((تفسير البيضاوي)) (2/182). .
- وتقديمُ المجرورِ في قوله: لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ لإفادَةِ الاختصاصِ للقومِ الَّذين يذَّكَّرون لا لِغَيْرِهم [1949] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/63). .