موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (118-121)

ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ

غريب الكلمات :


لَيُوحُونَ: أي: ليُلْقُونَ بالوَسْوَسَةِ، أو: لَيُوَسْوِسونَ، أو يَقْذِفونَ في قُلوبِهم، وأصْلُ الوَحْيِ: يَدلُّ على إلْقاءِ عِلمٍ في خفاءٍ، وكلُّ ما أَلْقَيْتَه إلى غيرِك حتَّى عَلِمَه، فهو وحيٌ كيفَ كانَ [1823] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 159)، ((تفسير ابن جرير)) (5/402)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/93)، ((المفردات)) للراغب (ص: 858)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 101)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 992). .

مشكل الإعراب :


قوله تعالى: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ: (إنَّ) وما دخلتْ عليه جملةٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ، جوابُ قَسَمٍ مُقَدَّر وطَّأَتْ له لامُ قَسَمٍ محذوفةٌ قبل (إنْ) على تقديرِ (إنْ) بـ (لَئِنْ)، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ دلَّ عليه جوابُ القَسَمِ، ولا يجوزُ أن تكونَ الجُمْلَةُ الاسميَّةُ جَوابَ الشَّرْطِ على إضْمارِ الفاءِ؛ لأنَّ ذلِكَ خاصٌّ بالشِّعرِ، وقيل غيرُ ذلك [1824] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/536)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/132-133)، ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) لابن هشام الأنصاري (ص: 311). .

المعنى الإجمالي :


يأمُرُ اللهُ عبادَه أن يأكلوا مِمَّا ذُكِرَ اسمُ الله إن كانوا بحُجَجِه وأدِلَّتِه مؤمنينَ.
وما الذي يمنَعُهم أن يأكلوا مِمَّا ذُكِرَ اسمُ الله عليه، وقد أوضَحَ لهم تعالى ما حَرَّمَ عليهم أكْلَه إلَّا ما اضطُرُّوا إليه، وأخبر تعالى أنَّ كثيرًا يَضِلُّون ويُضِلُّون أتباعَهم، بغيرِ حُجَّةٍ ولا بُرهانٍ. وإنَّ الله تعالى هو أعلمُ بالمعتدينَ.
ثم يأمُرُ اللهُ تعالى عبادَه أن يَجْتَنبوا جميعَ المعاصي، فلا يَقْتَرفوها في السِّرِّ ولا في العَلَن، مُخبرًا تعالى أنَّ الذي يُخالِفُ هذا الأمرَ، ويكتسِبُ الإثمَ؛ فإنَّه سَيُجازيه بما اقتَرَف مِنَ المعاصي.
ثم ينهَى عبادَه عن الأكلِ مِمَّا لم يُذْكَرْ عليه اسْمُه؛ فإنَّ أكلَه خروجٌ عن الطَّاعةِ، ويُبَيِّنُ تعالى أنَّ الشَّياطينَ يُوَسْوِسونَ إلى أوليائِهم من المشركينَ بالشُّبُهاتِ؛ ليُجادِلوا المؤمنينَ، وأن المؤمنينَ إنْ أَطاعوهم في أكْلِ المَيْتَةِ وما حَرَّم اللهُ عليهم مُستحِلِّينَ ذلك، فإنَّهم سَيَصِيرونَ مِثْلَهم مُشْركينَ.

تفسير الآيات :


فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ (120) وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121).
سببُ النُّزولِ:
عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما، قال: (أتى ناسٌ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، أنأكُلُ ما نَقْتُلُ، ولا نأكُلُ ما يَقتُلُ اللهُ؟ فأنزَلَ اللهُ: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ إلى قوله: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [1825] أخرجه الترمذي (3069). قال الترمذي: حسن غريب، وصححه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (3069). .
فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى لرسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ أكثرَ أهلِ الأَرْضِ يُضِلُّونَ مَن أطاعَهم لأنَّهم ضالُّونَ خَرَّاصون؛ يُحَرِّمونَ الحلالَ، ويُحِلُّون الحرامَ، وأنَّه هو أعلَمُ بالضَّالينَ والمُهتدَينَ- رتَّبَ على ذلك أمْرَ أَتْباعِ هذا الرَّسولِ بمخالفَةِ الضَّالينَ مِن قَومِهم وغيرِ قَومِهم في مسألَةِ الذَّبائحِ، وبِتَرْكِ جميعِ الآثامِ [1826] ينظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/15). ، فقال تعالى:
فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118).
أي: فَكُلوا- أيُّها المؤمنونَ- من الذَّبائحِ التي ذُكِرَ اسمُ الله عزَّ وجلَّ عليها مِن بهيمةِ الأَنْعامِ، وغيرِها من الحيواناتِ الْمُحَلَّلِ أكلُها، إنْ كُنتم بحُجَجِ الله وأدِلَّتِه التي أتَتْكُم مؤمنينَ، ولأَحْكامِه مُنقادينَ [1827] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/511)، ((تفسير ابن كثير)) (3/323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 270-271). قال الشنقيطي: (ومعنى ذِكْرِ اسمِ الله عليه: هو أنْ يُسَمَّى على الذبيحةِ عند الذَّكاةِ، أو على العقيرةِ عند الاصطيادِ، أو على الجارِحِ إذا أُرْسِلَ إلى الصَّيدِ، كلُّ هذا يُسمَّى اللهُ عليه ويؤكَلُ منه... والآيةُ على التَّحقيقِ في الذَّكاة، خلافًا لبعض العلماءِ القائلِ: هي عامَّةٌ. أي: كلُّ طعامٍ؛ مِن خُبز أو لَحْم أو غيره أو فاكهة تُسَمِّي اللهَ عليه، وأن تأكُلَ منه) ((العذب النمير)) (2/208-209). .
وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119).
وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ.
أي: وأيُّ شيءٍ يَمنَعُكم أن تَأْكُلوا مِمَّا ذُكرَ اسمُ الله عليه، وقد أوْضَحَ اللهُ تعالى لكم ما يَحْرُم أكْلُه، فلم يَبْقَ في ذلك إشكالٌ ولا لَبْسٌ، ولكِنْ يُباحُ لكم تناوُلُ الحرامِ في الحالِ التي تُضْطَرُّونَ فيها إلى ذلك [1828] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/512-514)، ((تفسير ابن كثير)) (3/323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 271)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/216-220). .
وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التفسيرِ:
في قَوْلِه تعالى: وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ قراءتان:
1- قراءة لَيُضِلُّونَ من الإِضْلالِ، أي: يُضِلُّونَ غَيرَهم [1829] قرأ بها الكوفيون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 241). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((تفسير ابن جرير)) (9/515)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 269). ، فهو من المتعدِّي (أضَلَّ).
2- قراءة لَيَضِلُّونَ- بِفَتْحِ اليَاءِ- بمعنى: أنَّهم يَضِلُّونَ في أنفُسِهم عن الحَقِّ [1830] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 241). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((تفسير ابن جرير)) (9/515)، ((الكشف)) لمكي (1/449). ، فهو من اللازمِ (ضَلَّ).
وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
أي: وإنَّ كثيرًا من النَّاسِ يَحْرِفُون أنفُسَهم وأَتباعَهم عن طريقِ الحَقِّ، بسببِ اتِّباعِ ما تهوَى أنفُسُهم من الباطِلِ، بغيرِ حُجَّةٍ منهم، ولا بُرهانٍ على صِحَّةِ ما يدَّعونَ [1831] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/515-516)، ((تفسير ابن كثير)) (3/323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 271)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/222-223). .
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ.
أي: إنَّ ربَّك- يا محمَّد- الذي أحلَّ لك ما أحَلَّ، وحَرَّمَ عليكَ ما حَرَّمَ، هو أعلمُ بِمَن تعدَّوْا حُدودَه، فتَجاوَزُوا الحلالَ إلى الحرامِ، وهو لهم بالمِرصادِ، ولن يُفْلِتوا مِن عِقابِه [1832] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/515)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 372)، ((تفسير ابن كثير)) (3/323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 271)، ((تفسير ابن عاشور)) (8/36-37). .
وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ (120).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى أنَّه فصَّلَ المُحَرَّمات؛ أتْبَعَه بما يَجِبُ تَرْكُه بالكلِّيَّة؛ فقال [1833] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/403). :
وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ.
أي: دَعُوا- أيُّها النَّاسُ- جميعَ المعاصي؛ فلا تَرتَكِبوها في السِّرِّ ولا في العَلانِية، ولا تَقْتَرِفوها بِجَوارِحِكم ولا بِقُلوبِكم [1834] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/516، 519)، ((تفسير ابن كثير)) (3/323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 271)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/224-226). .
كما قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف: 33] .
إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ.
أي: إنَّ الَّذين يَعملونَ بما نهاهم اللهُ عنه، ظاهرًا كان أو خفِيًّا؛ فإنَّ اللهَ سيُجازِيهم عليه، على قَدْرِ ذُنُوبهم [1835] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/519)، ((تفسير ابن كثير)) (3/323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 271). .
وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا أمَرَ بأكْلِ ما سُمِّيَ اللهُ عليه، وكان مفهومُه أنَّه لا يُؤْكَلُ مِمَّا لم يُذْكَرِ اسمُ اللهِ عليه؛ أكَّدَ هذا المفهومَ بالنَّصِّ عليه [1836] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/632). ، فقال:
وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ.
أي: ولا تأكُلوا- أيُّها المؤمنونَ- مِمَّا لم يُذبَحْ على اسْمِ الله تعالى؛ فإنَّ أكْلَ ذلك خروجٌ عن الحقِّ وطاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ [1837] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/520، 529)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 373)، ((تفسير ابن عطية)) (2/340)، ((تفسير السعدي)) (ص: 271). .
وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ.
أي: إنَّ الشَّياطينَ يُوَسْوِسون إلى المشركينَ؛ لِيُجادِلوكم- أيُّها المؤمنونَ- بِشُبَهٍ سَقيمةٍ وآراءٍ عَقيمةٍ؛ يريدونَ بها دَفْعَ الحقِّ، وإقناعَكم بالباطِلِ، ومِنْ ذلك المجادلةُ في تحريمِ أكْلِ المَيْتَة كَقَولهم: أتأكُلونَ ما قَتَلْتم، ولا تأكلونَ ما قَتَلَ اللهُ- يَعْنون: الْمَيْتَةَ- فَيَكُون ما ذَبَحْتموه إذَن حلالًا، وما ذَبَحَه اللهُ حرامًا؟! فأنتم إذَنْ أحسَنُ مِنَ الله ِتعالى [1838] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/527-531)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/316-317)، ((تفسير القرطبي)) (7/77)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/522)، ((تفسير السعدي)) (ص: 271)، ((تفسير ابن عاشور)) (8/41). !
عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما، إِنَّ الشَّياطين لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ قالَ: (كانوا يقولونَ: ما ذُكِرَ عليه اسمُ اللَّهِ، فلا تَأكُلوا، وما لم يُذكَرِ اسمُ اللَّهِ عليه، فَكُلوه، فقالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [1839] أخرجه أبو داود (2818)، وابن ماجه (3173) واللفظ له. صحَّح إسنادَه ابنُ كثير في ((تفسير القرآن)) (3/321)، وابنُ حجر في ((فتح الباري)) (9/539)، وصحَّحه الألبانيُّ في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (3173). .
وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ.
أي: وإنْ أَطَعْتُموهم في استحلال أكْلِ المَيْتَةِ وما حَرَّمَ عليكم ربُّكم؛ فقد صِرْتُم مِثْلَهم مُشركينَ [1840] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/531)، ((تفسير ابن كثير)) (3/329)، ((تفسير السعدي)) (ص: 271). قال الشنقيطيُّ: (قَسمٌ من الله جلَّ وعلا أقسم به على أنَّ مَن اتَّبع الشيطانَ في تحليلِ الميتةِ أنَّه مشركٌ، وهذا الشركُ مخرجٌ عن الملةِ بإجماعِ المسلمين) ((أضواء البيان)) (3/41). .

الفوائد التربوية :


1- في قولِه تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ بيانُ أنَّه مِن علاماتِ المؤمِنِ مخالَفةُ أهلِ الجاهليَّةِ؛ في عادَتِهم الذَّميمَةِ، المتضَمِّنةِ لتَغييرِ شَرْعِ اللهِ، وتحريمِ كثيرٍ مِن الحلالِ [1841] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 271). .
2- قولُه تعالى: وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فيه تحذيرُ العبدِ مِن أمثالِ هؤلاءِ؛ وعلامَتُهم- كما وصفهم اللهُ لعباده- أنَّ دَعْوَتَهم غيرُ مَبنِيَّةٍ على بُرهانٍ، ولا لهم حُجَّةٌ شرعيَّةٌ، وإنَّما يُوجَدُ لهم شُبَهٌ بِحَسَب أهوائِهم الفاسدَةِ، وآرائِهم القاصِرَة، فهؤلاءِ مُعْتَدونَ على شَرْعِ اللهِ وعلى عبادِ الله، واللهُ لا يُحِبُّ المُعْتدينَ [1842] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 271). .
3- قولُ اللهِ تعالى: وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ هذه الجملةُ مِنْ جوامِعِ الكَلِم، والأُصولِ الكليَّةِ في تحريمِ الآثامِ؛ حتى قيل: إنَّ المرادَ بهذا التعبيرِ تَرْكُ الإثمِ مِن جميعِ جِهاتِه؛ أي: جميع أنواعِ الظُّهورِ والبُطونِ فيه [1843] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/19). .

الفوائد العلمية واللطائف :


1- قولُه تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فيه النَّهيُ عن أكْلِ المَيْتة ونحوِها؛ مِمَّا لم تُقصَد ذَكاتُه؛ لأنَّ ذِكْرَ اسْمِ الله أو اسْمِ غيره إنَّما يكونُ عند إرادةِ ذَبْحِ الحيوانِ، كما هو معروفٌ لديهم، فدَلَّ هذا على تعيينِ أكْلِ ما ذُكِّيَ دون المَيْتَةِ [1844] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/32). .
2- قولُ اللهِ تعالى: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ يدلُّ على أنَّ الأصلَ في جميعِ الأعيانِ الموجودةِ على اختلافِ أصنافِها، وتبايُنِ أوصافِها، أنْ تكونَ حلالًا مُطلَقًا للآدميِّينَ، وأنْ تكونَ طاهرةً لا يَحْرُم عليهم مُلابَسَتُها ومُباشَرَتُها ومُماسَّتُها، وقد دلَّتْ الآيةُ على ذلك مِن وجهينِ: أحدُهما: أنَّه تعالى وَبَّخَهم وعنَّفَهم على تَرْكِ الأكلِ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ الله عليه قبل أن يُحِلَّه باسْمِه الخاصِّ، فلو لم تَكُنِ الأشياءُ مُطلقةً مُباحةً لم يَلْحَقْهم ذمٌّ ولا توبيخٌ؛ إذ لو كان حُكْمُها مجهولًا أو كانت محظورةً لم يكن ذلك. الوجه الثاني: أنَّه قال: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ والتَّفصيلُ: التَّبيينُ، فبَيَّنَ أنَّه بَيَّنَ المُحَرَّماتِ؛ فما لم يُبَيَّنْ تحريمُه فليس بمُحَرَّمٍ، وما ليس بمُحَرَّمٍ فهو حلالٌ؛ إذ ليس إلَّا حلالٌ أو حرامٌ [1845] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (21/535، 536)، ((تفسير السعدي)) (ص: 271). .
3- فرَّقَت الشَّريعةُ بين ما يُذْكَر اسمُ اللهِ عليه، وما لا يُذْكَرُ اسمُ الله عليه، كما في قول اللهِ تعالى: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقوله: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ممَّا يدلُّ على أنَّ نَفْسَ أسمائِه تعالى مُباركةٌ، وبَرَكَتُها مِن جِهَةِ دَلالَتِها على المُسَمَّى [1846] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/193). .
4- قولُ اللهِ تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ يُرْشِدُنا إلى يُسْرِ الشَّريعةِ الإسلاميَّة؛ فمتى وَقَعَت الضرورةُ- بأنْ لم يوجَدْ مِنَ الطَّعامِ عند شدَّةِ الجوعِ إلَّا المحرَّمُ- زالَ التحريمُ [1847] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/17). .
5- قولُ اللهِ تعالى: وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ استنبَطَ بعضُهم منه تحريمَ القولِ في الدِّينِ بمجرَّدِ التَّقليدِ، وعصبيَّة المذاهِبِ؛ لأنَّ القولَ في الدِّينِ بمجَرَّدِ التقليدِ قولٌ بمَحْضِ الهَوى والشَّهوةِ، والآيةُ دلَّتْ على أنَّ ذلك حرامٌ [1848] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/18). .
6- قولُ اللهِ تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ جَعَلَ الأَكْلَ منه نفسَ الفِسْقِ- وهو الخروجُ عمَّا ينبغي إلى ما لا ينبغي-؛ لأنَّه عريقٌ جدًّا في كَوْنِه سَبَبَه؛ لِمَا تأصَّلَ عند المشركينَ مِن أَمْرِه، وانتشَرَ مِن شَرِّه [1849] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/246). .
7- دلَّ قوله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطين لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ على أنَّ ما يقَعُ في القلوبِ من الإِلْهاماتِ والكُشُوف- التي يكثُرُ ادِّعاؤُها عند المنتسبين إلى التصوُّف ونحوِهم- لا تدلُّ بمُجَرَّدِها على أنَّها حقٌّ، ولا تُصَدَّقُ حتى تُعْرَضَ على كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم [1850] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 271). .
8- قولُ اللهِ تعالى: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ، فيه دليلٌ على أنَّ كلَّ مَن أحَلَّ شيئًا ممَّا حرَّمَ اللهُ، أو حَرَّم شيئًا ممَّا أحلَّ اللهُ؛ فهو مُشْرِكٌ [1851] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/447)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/41). .
9- قولُه تعالى: إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ حُجَّةٌ على أنَّ الإيمانَ اسمٌ لجميعِ الطَّاعاتِ، مثلما جعل الله تعالى الشِّرْكَ اسمًا لكُلِّ ما كان مُخالِفًا له سبحانه، بدليلِ أنَّه تعالى سَمَّى طاعةَ المؤمنينَ للمُشركينَ في إباحَةِ المَيْتَةِ شِرْكًا [1852] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/132). .

بلاغة الآيات :


1- قوله: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ التعبيرُ بحرفِ (على) يدلُّ على شدَّةِ اتِّصالِ فِعلِ الذِّكرِ بذاتِ الذَّبيحةِ [1853] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/32). .
          - قوله: إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ تقييدٌ للاقتصارِ المفهومِ مِن فِعْل الإباحةِ، وتعليقِ المجرورِ به في قولِه: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهو تحريضٌ على التزامِ ذلك، وعدمِ التَّساهُلِ فيه، حتى جُعِلَ من علاماتِ كَوْنِ فاعِلِه مؤمِنًا، وذلك حيث كان شعارُ أهلِ الشِّرْك ذِكْرَ اسْمِ غيرِ اللهِ على مُعْظَمِ الذَّبائحِ [1854] يُنظر: ((المصدر السابق)). .
2- قوله: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الاستفهامُ يتضمَّنُ الإنكارَ على من امتَنَعَ من ذلك؛ أي: لا شيءَ يَمْنَعُ من ذلك [1855] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/630)، ((تفسير أبي السعود)) (3/179). ، وهو مستعملٌ في معنى النَّفْي: أي لا يثبُتُ لكم عدَمُ الأكلِ مِمَّا ذُكِرَ اسمُ الله عليه؛ أي: كُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسمُ اللهِ عليه [1856] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/33). .
- وفيه: تعريضٌ؛ حيث أعرَضَ عن محاجَّةِ المُشركينَ؛ لأنَّ الخطابَ مَسوقٌ إلى المسلمينَ لإبطالِ مُحاجَّةِ المُشركينَ؛ فآلَ إلى الرَّدِّ على المشركينَ بطريقِ التَّعريضِ [1857] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/34). .
3- قوله: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ جملةٌ حاليَّةٌ مؤكِّدةٌ للإنكارِ [1858] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/179). .
4- قوله: إِنَّ رَبَّكَ هو أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ تذييلٌ؛ فالإخبارُ بعلْمِ اللهِ بهم كنايةٌ عَن أخْذِه إيَّاهم بالعُقوبةِ، وأنَّه لا يُفْلِتُهم، لأنَّ كَونَه عالِمًا بهم لا يُحتَاجُ إلى الإخبارِ به [1859] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/36). .
5- قولُه تعالى: سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ فيه وعيدٌ وتهديدٌ للعُصاة [1860] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/632). .
- وفيه أنَّهم كانوا يُبالِغونَ في إِفْسادِ فِطْرَتِهم، وتَدْسِيَةِ أنفُسِهم؛ بالإصرارِ عليه، ومُعاوَدَتِه المرَّةَ بعد المرَّةِ، كما يدلُّ عليه فِعْلُ الكَونِ، وصيغةُ المضارعِ الدَّالَّةِ على الاستمرارِ [1861] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/19). .
- صيغةُ الافتعالِ في يَقْتَرِفُونَ تدلُّ على أنَّ أفعالَ الشَّرِّ إنَّما تكون بمعالجةٍ من النَّفسِ للفِطرةِ الأُولى السَّليمةِ [1862] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/245). .
6- قولُه تعالى: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ هذه الجملةُ إخبارٌ يتضَمَّنُ الوعيدَ لِمَن أطاعَ المُشركينَ من المؤمنينَ [1863] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/634). .