موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (114-117)

ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ

غريب الكلمات:


الْمُمْتَرِينَ: أي: الشاكِّين، والمِرْيَة: التردُّدُ في الأمرِ، وهو أخصُّ من الشكِّ [1784] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 766)، ((التبيان)) لابن الهائم (1/97، 125). .
يَخْرُصُونَ: يكْذِبونَ، وأصلُ (خرص): كَذَب، والخرَّاص الكذَّاب، وكُلُّ قولٍ عن ظنٍّ وتخمينٍ يُقال له: خَرْص، سواء كان ذلك مُطابقًا للشَّيءِ، أو مُخالِفًا له [1785] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 158، 198)، ((تفسير ابن جرير)) (9/509)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 507)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/169)، ((المفردات)) للراغب (ص: 279)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 155)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 198، 231، 373)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 989). .

مشكل الإعراب:


1- قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا
صِدْقًا وَعَدْلًا: صِدْقًا: منصوبٌ على التَّمييزِ، ويجوزُ أنْ يكونَ مفعولًا من أجْلِه، وأنْ يكونَ مصدرًا في موضِعِ الحالِ بمعنى: صادِقةً وعادلةً [1786] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن لمكي)) (1/266)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/534)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/124). .
2- قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ
مَنْ يَضِلُّ: فيمَنْ وجهان:
الوجه الأول: أَنَّها موصولةٌ بمعنى (الذي) في موضِعٍ نصبٍ بفِعلٍ دلَّ عليه أَعْلَمُ لا بنَفْسِ أَعْلَمُ؛ لأنَّ (أَفْعَل) لا يعملُ في الاسْمِ الظَّاهِرِ النَّصْبَ، والتَّقديرُ: هو أعلمُ يَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ، أي: الضَّالِّين، ولا يجوزُ أن يكون مَنْ في موضِع جرٍّ بالإِضافةِ؛ لفسادِ المعنى؛ لأنَّ التَّقديرَ سيَصير: هو أعلمُ الضَّالِّين- تعالى اللهُ عن ذلك عُلوًّا كبيرًا. وقيل: في موضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ وهو الباءُ، كما دلَّ عليه وجودُ الباءِ في قوله وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
 والوجه الثاني: أنَّ مَنْ اسمُ استفهامٍ في موضِعِ رفعٍ مبتدأٌ، ويَضِلُّ جملةُ الخبَرِ، وموضِعُ الجملة نصْب بـ(يَعْلَمُ) المقَدَّرَة لا بِنَفْسِ أَعْلَمُ، وقرئ (مَنْ يُضِلُّ) بضمِّ الياءِ، ومَنْ أيضًا في موضع نصبٍ بـ (يَعْلَمُ) مقَدَّرَةً، أو بِنَزْعِ الخافِضِ [1787] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/266)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/535-534)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/127-126)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/23). .

المعنى الإجمالي:


يأمرُ اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم أن يقولَ لأولئك المُشركينَ: أَغَيْرَ اللهِ أتَّخِذُ حاكِمًا أتحاكَمُ إليه، وهو الذي أنزلَ إليكم الكتابَ مُبَيَّنًا فيه حُكمُ ما تختصمونَ، موضَّحًا فيه العقائِدُ والأَحكامُ، وإنَّ اليهودَ والنَّصارى الَّذين أَعْطاهم اللهُ التوراةَ والإنجيلَ يعلمونَ أنَّ هذا القرآنَ مُنَزَّلٌ منه جلَّ وعلا بالحقِّ، ثمَّ نهى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم عن الشَّكِّ في القرآنِ.
وأخبر تعالى أنَّه كَمُلَت كَلِماتُه عزَّ وجلَّ صِدْقًا في جميعِ الأخبارِ، وعدلًا في جميعِ الأَحْكامِ، لا أحَدَ بإمكانِه تغييرُ كلماتِه سبحانه، وهو السَّميعُ العليمُ.
ثم وجَّه الخِطابَ إلى نبيِّه محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه إن أطاعَ أكثرَ أهْلِ الأَرْضِ، فإنَّهم يُضِلُّونه عن دِينِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فهم لا يتَّبعونَ إلا ظُنونًا باطِلَةً، ويَكْذِبونَ على اللهِ تعالى فيقولونَ عليه ما لا يَعْلمونَ.
ثم أخبَرَه أنَّه تعالى هو أعلمُ بمن ينحَرِفُ عن الطَّريقِ الحَقِّ، وهو أعلَمُ بمن هو على هدايةٍ واستقامةٍ.

تفسير الآيات:


أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
أنه لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى في السِّياقِ الذي قبل هذا أنَّ الَّذين اقترحُوا على رسولِه الآياتِ الكونيَّةَ، وأقسموا بأنَّهم يؤمنونَ بها إذا جاءَتْهم؛كاذبونَ في دعواهم وأَيمانِهم، كما ثبَتَ فيما مَضَتْ به سُنَّةُ اللهِ في أمثالِهم من أعداءِ الرُّسُلِ المعانِدِينَ، وهم شياطينُ الإِنسِ والجنِّ الَّذين يُغْرُونَ الجاهلينَ بِزُخْرفِ أقوالِهم- قَفَّى على هذا البيانِ هاتينِ الآيتينِ المُبَيِّنَتينِ لآيةِ اللهِ الكُبرى التي هي أقوى دَلالةٍ على رسالةِ نَبيِّه مِن جميعِ ما اقترَحُوا، ومِمَّا لم يقترحوا من الآياتِ الكونيَّةِ، وهي القرآنُ الحكيمُ، وكَونُ مُنْزِلِها هو الذي يجِبُ الرُّجوعُ إليه في الحُكْم في أمْرِ الرِّسالةِ وغيرِه [1788] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/9). .
أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا.
أي: قلْ- يا محمَّدُ- لأولئك المُشركينَ: أأضِلُّ عن طريقِ الحقِّ؛ فأجعلَ حاكمًا أتحاكَمُ إليه، وأتقيَّدُ بأوامِرِه ونواهِيه دونَ الله تعالى؟ كلَّا؛ فلا يكونُ ذلك، ولا ينبغي أن يُتَّخَذَ حاكمٌ، سِوى اللهِ وحْدَه لا شريكَ له، الذي له الخلْقُ والأمْرُ، والذي لا حَكَمَ أَعدَلُ منه، ولا قائِلَ أَصدَقُ منه؛ فليس لي أنْ أتجاوَزَ حُكْمَه [1789] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/506)، ((تفسير ابن كثير)) (3/322)، ((تفسير السعدي)) (ص: 270)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/159-167). .
وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً.
أي: وهو الذي أنزَلَ إليكم الكتابَ مبيَّنًا فيه الحُكمُ فيما تختصمونَ فيه، موضَّحًا فيه العقائدُ، والأحكامُ الشَّرعيَّة، والحقُّ والباطلُ؛ فهو الكتابُ الذي لا بَيانَ فَوقَه، ولا بُرهانَ أَجْلى منه، ولا حَكَم أحسَنُ منه [1790] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/506)، ((تفسير ابن كثير)) (3/322)، ((تفسير السعدي)) (ص: 270)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/167-169). .
كما قال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: 89].
وقال سبحانه: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: 213].
وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ.
أي: واليهودُ والنَّصارى، الَّذين أَعْطَيْناهم التَّوراةَ والإنجيلَ، يعلمونَ أنَّ القرآنَ أُنْزِلَ إليك- يا محمَّدُ- مِن ربِّك متلبِّسًا بالحقِّ، فكلُّه حقٌّ وهُدًى، وماذا بعد الحقِّ إلَّا الضَّلالُ [1791] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/506-507)، ((تفسير ابن كثير)) (3/322)، ((تفسير السعدي)) (ص: 270)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/170). قال ابن تيمية: (وذلك أنَّ الكتاب الأوَّلَ مُصَدِّقٌ للقرآنِ؛ فمن نظَرَ فيما بأيدي أهل الكتاب من التوراة والإنجيل عَلِمَ علمًا يقينًا لا يحتمل النقيضَ أنَّ هذا وهذا جاءا من مشكاةٍ واحدة، لا سيما في بابِ التوحيد والأسماء والصفاتِ؛ فإنَّ التوراةَ مطابقةٌ للقرآن، موافِقةٌ له مُوافَقَةً لا ريبَ فيها. وهذا ممَّا يبيِّنُ أنَّ ما في التوراة من ذلك ليس هو من المُبَدَّل الذي أنكره عليهم القرآنُ، بل هو من الحقِّ الذي صَدَّقَهم عليه). ((درء تعارض العقل والنقل)) (5/222). ؟
فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.
أي: وما دامَ هذا القرآنُ حقًّا لا مِرْيَةَ فيه؛ فَلا تشُكَّنَّ فيه، يا محمَّدُ [1792] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/507)، ((تفسير السعدي)) (ص: 270)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/170). قال الشنقيطي: (ومعلومٌ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يكن شاكًّا فيما أوحى اللهُ إليه، وإنَّما هذا كقوله: وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا [الإنسان: 24] وكقوله: وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: 14] وكقوله: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب: 1] ولا يخفى أنَّ رسولَ الله صلواتُ الله وسلامُه عليه أنَّه مُتَّقٍ لله، وأنَّه لا يطيعُ منهم آثمًا ولا كَفورًا، وأنَّه لا يُشرك. وقد جرت العادةُ في القرآن أنَّ الله جلَّ وعلا يأمر نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم وينهاه ليُشَرِّعَ ذلك الأمرَ والنَّهيَ لأمَّتِه على لسانِه صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّه هو القدوةُ لهم، المُشَرِّع لهم بِقولِه وفِعْلِه وتقريرِه) ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/171). .
كما قال تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [يونس: 94].
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115).
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً.
أي: وكَمُلَت كلماتُ ربِّكَ صِدْقًا في جميعِ الأخبارِ، وعَدْلًا في جميعِ الأَحْكامِ، فما في القرآنِ من أحكامٍ فهو في غايةِ العدالةِ والإنصافِ، وما فيه من الأخبارِ فهو حقٌّ مُطابِقٌ للواقِعِ؛ فلا أصدَقَ مِنْ أخبارِ الله التي أوْدَعَها هذا الكتابَ العزيزَ، ولا أَعدَلَ مِن أوامِرِه ونواهِيه [1793] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/507)، ((تفسير ابن كثير)) (3/322)، ((تفسير السعدي)) (ص: 270)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/174-175). وممن اختار أنَّ المرادَ بالكلماتِ هنا القرآنُ: ابنُ جريرٍ، وابنُ عاشورٍ، ونسَبه لجمهورِ المفسِّرين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/507)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/18-19). وممن قال به من السَّلف: قتادةُ. يُنظر: ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/69). .
لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ.
أي: لا أحدَ يُمكِنُه تغييرُ كلماتِ الله تعالى؛ فقد حَفِظَها وأحْكَمَها بأعلى أنواعِ الصِّدْقِ، والحقِّ؛ فلا يمكنُ تغييرُها، ولا الإتيانُ بأحْسَنَ منها [1794] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/508)، ((تفسير السعدي)) (ص: 270). .
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
أي: وهو السَّميعُ لأقوالِ عبادِه، العليمُ بحركاتِهم وسَكَنَاتهم، الذي أحاط سَمْعُه وعِلْمُه بكلِّ شيءٍ، فيجازي كلَّ عاملٍ بعمَلِه؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشَرٌّ [1795] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/322)، ((تفسير السعدي)) (ص: 270). .
وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا أجابَ اللهُ تعالى عن شُبُهاتِ الكُفَّارِ، وبيَّنَ صحَّةَ نبوَّة نبيِّه عليه السَّلامُ- شَرَعَ في الحثِّ على الإعراضِ عَن جَهْل الجُهَّالِ، والإقبالِ على ذي الجلالِ [1796] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/239). ، فقال تعالى:
وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ.
أي: وإنْ تُطِعْ أكثرَ أهْلِ الأرضِ- يا مُحمَّد- يَصْرِفوك ويصدُّوكَ عَن دِينِ الله عزَّ وجلَّ؛ فإنَّ أكثَرَهم قد انحَرَفوا عن طريقِ الحَقِّ [1797] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/509)، ((تفسير السعدي)) (ص: 270)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/194-199). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ [الصافات: 71].
وقال سبحانه: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: 103].
وقال عزَّ وجلَّ: المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ [الرعد: 1].
وعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((يقولُ اللهُ تعالى: يا آدمُ، فيقول: لبَّيكَ وسَعْدَيكَ، والخيرُ في يدَيكَ، فيقولُ: أَخرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قال: وما بَعْثُ النَّارِ؟ قال: مِن كلِّ ألفٍ تِسعَمائةٍ وتسعةً وتسعينَ، فعنده يَشيبُ الصَّغيرُ، وتضعُ كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وترى النَّاسَ سُكارَى وما هم بسُكارَى، ولكنَّ عذابَ اللهِ شديدٌ )) [1798] رواه البخاري (3348) واللفظ له، ومسلم (222). .
إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ.
أي: وهُم في ضَلالِهم ليسوا على يقينٍ مِن أَمْرِهم، وليس لديهم مُستنَدٌ علميٌّ يُثبِتُ صِحَّةَ طريقِهم، فغايَتُهم أنَّهم يتَّبعونَ ظُنونًا باطلةً، لا تُغني من الحَقِّ شيئًا، ويَكْذِبونَ على الله تعالى فيقولونَ عليه ما لا يَعْلَمونَ [1799] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/509)، ((تفسير ابن كثير)) (3/322)، ((تفسير السعدي)) (ص: 270)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/199-201). .
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117).
أي: إنَّ ربَّك- يا مُحمَّدُ- أعلمُ منك ومِن جميعِ خَلْقِه، بمن ينحَرِفُ عن طريقِ الحَقِّ، فيُيَسِّرُه لذلك، وبمن يَسِيرُ على استقامةٍ وسَدادٍ، فيُيَسِّرُه لذلك [1800] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/510)، ((تفسير ابن كثير)) (3/322)، ((تفسير السعدي)) (ص: 270)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/201-205). .

الفوائد التربوية:


في قَوْلِه تعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ دليلٌ على أنَّه لا يُستدَلُّ على الحقِّ بكثرةِ أهْلِه، ولا تدُلُّ قلَّةُ السَّالكينَ لأَمْرٍ من الأُمورِ أن يكون غيرَ حَقٍّ، بل الواقِعُ بخلافِ ذلك؛ فإنَّ أهلَ الحقِّ هم الأقلُّونَ عددًا، الأَعْظمونَ عند الله قَدْرًا وأجْرًا، بل الواجبُ أن يُستدَلَّ على الحقِّ والباطِلِ بالطُّرقِ الموصلَةِ إليه [1801] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 270). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قولُ اللهِ تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا أي: إنَّ الكتابَ الحاكِمَ مُفصَّلٌ بَيِّنٌ؛ ففيه ردٌّ على من يَزْعُم أنَّ نُصوصَ الكتابِ لها معانٍ لا تُفهَم، ولا يُعْلَمُ المرادُ منها، أو أنَّ لها تأويلاتٍ باطنةً خِلافَ ما دلَّت عليه ظواهِرُها [1802] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (3/1043-1044). .
2- قولُه تعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يدلُّ على أنَّ أكثَرَ أهلِ الأرضِ كانوا ضُلَّالًا؛ لأنَّ الإِضْلالَ لا بدَّ أن يكون مَسْبوقًا بالضَّلالِ [1803] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/126). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُو الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا الاستفهامُ معناه الإنكارُ والنَّفيُ، أي: لا أبتغِي حَكَمًا غيرَ اللهِ [1804] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/627)، ((تفسير أبي السعود)) (3/177)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/14). .
- وقوله: وَهُو الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا جملةٌ حاليَّةٌ مؤكِّدةٌ لإنكارِ ابتغاءِ غيرِه تعالى حَكَمًا، ونسبةُ الإنزالِ إليهم خاصَّةً مع أنَّ مقتضى المقامِ إظهارُ تَساوِي نِسْبَتِه إلى المُتَحاكِمينَ؛ لاستمالَتِهم نحْوَ الْمُنْزَلِ، واستنزالِهم إلى قَبولِ حُكْمِه بإيهامِ قُوَّةِ نِسْبَتِه إليهم [1805] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/177)، ((تفسير الألوسي)) (4/254). .
2- قوله: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ كلامٌ مستأنَفٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِه سبحانه؛ لتحقيقِ حَقِّيَّةِ الكتابِ الذي نِيطَ به أمرُ الحَكَميَّة [1806] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/177). .
- وفي التعبيرِ عن التَّوراةِ والإنجيلِ باسْمِ الكِتَاب إيماءٌ إلى ما بينهما وبينَ القرآنِ مِن المجانَسَة المقتضِيَة للاشتراكِ في الحقِّيَّة، والنُّزولِ مِن عِندِه تعالى، مع ما فيه من الإيجازِ [1807] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/177). .
- وقوله: مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ فيه التَّعرُّضُ لعنوانِ الربوبيَّةِ، مع الإضافةِ إلى ضميرِه صلَّى الله عليه وسلَّم فيرَبِّكَ؛ لتشريفِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ [1808] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/177). .
- قوله: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ يحتملُ أن يكونَ المخاطَبُ الرَّسولَ عليه الصَّلاة والسَّلام، والمقصودُ من الكلامِ المشركونَ الْمُمْتَرون، على طريقة التَّعريضِ، كما يُقال: (إيَّاكِ أعني، واسْمَعي يا جارةُ)، ويحتَملُ أن يكون خِطابًا لغَيْرِ مُعَيَّن؛ ليعُمَّ كلَّ مَن يحتاجُ إلى مِثْلِ هذا الخطابِ؛ أي فلا تكونَنَّ- أيُّها السَّامِعُ- مِنَ المُمْتَرينَ [1809] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/17). .
3- قوله: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ فيه إظهارٌ في مَوْضِعِ الإضمارِ- حيث قال رَبِّكَ ولم يقل (كَلِمَتُه)؛ لتذكيرِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بما له سبحانَه من الإحسانِ، والتَّنبيهِ على ما يريدُ به من التَّشْريفِ والإِكرامِ [1810] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/238). .
- قوله: لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ استئنافٌ مُبَيِّنٌ لفَضْلِ كَلِماتِه على غيرِها، إثْرَ بيانِ فَضْلِها في نَفْسِها [1811] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/178). .
- قوله: وَهُو السَّمِيعُ الْعَلِيمُ تذييلٌ لجملة: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ، أي: وهو المطَّلِعُ على الأقوالِ، العليمُ بما في الضَّمائِرِ [1812] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/22). ، وفيه: تعريضٌ بالوعيدِ لِمَن يسعى لتبديلِ كلماتِه [1813] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/22). .
4- قوله: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ  فيه: تمثيلٌ لحالِ الدَّاعي إلى الكُفْرِ والفسادِ مَن يقبَلُ قولَه، بحالِ مَن يُضِلُّ مستهدِيَه إلى الطَّريقِ، فينعَتُ له طريقًا غيرَ الطَّريقِ المُوصِلَة، وهو تمثيلٌ قابِلٌ لتوزيعِ التشبيهِ: بأنْ يُشَبَّه كلُّ جزءٍ مِن أجزاءِ الهيئةِ المشبَّهةِ بجزءٍ من أجزاءِ الهيئةِ المشَبَّهِ بها، وذلِك أكملُ التَّمثيلِ وأعلاه في البلاغةِ العربيَّة [1814] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/26). .
- قوله: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ استئنافٌ بيانيٌّ نَشَأَ عن قوله: يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ فبيَّن سببَ ضلالِهم: أنَّهم اتَّبَعوا الشُّبهةَ مِن غيرِ تأمُّلٍ في مفاسِدِها [1815] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/27). .
5- قولُه تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ يتضَمَّنُ الوعيدَ والوَعْدَ؛ لأنَّ كَونَه تعالى عالِمًا بالضَّالِّ والمهْتدي كنايةٌ عن مُجازاتِهما [1816] ينظر: ((تفيسر أبي حيان)) (4/630). .
- والآيةُ تعليلٌ لقوله: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ؛ لأنَّ مضمونَه التَّحذيرُ من نَزَغاتِهم، وتوقُّعُ التَّضليلِ منهم، وهو يقتضي أنَّ المسلمينَ يريدونَ الاهتداءَ، فلْيَجْتَنِبوا الضَّالِّينَ، ولْيَهْتَدوا باللهِ الذي يَهديهم [1817] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/28- 29). .
- قوله: إنَّ رَبَّكَ فيه تعريفُ المُسنَد إليه بالإضافةِ؛ لتشريفِ المضافِ إليه، وإظهارِ أنَّ هَدْيَ الرَّسولِ عليه الصَّلاة والسَّلام هو الهُدَى، وأنَّ الَّذين أخبَرَ عنهم بأنَّهم مُضِلُّون لا حَظَّ لهم في الهُدى؛ لأنَّهم لم يتَّخِذوا اللهَ ربًّا لهم [1818] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/29). .
- وقوله: وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ تذييلٌ لجميعِ تلك الأغراضِ التي اشتَمَلَت عليها الآياتُ المتقَدِّمةُ مِن بيانِ ضلالِ الضَّالينَ، وهُدى المُهْتدينَ [1819] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/29). .
- والضَّمير (هو) في قوله: هُوَ أَعْلَمُ ضميرُ الفَصْلِ؛ لإفادَةِ قَصْرِ المُسنَد أعلم على المُسنَد إليه رَبَّكَ، فالأَعْلَمِيَّة بالضَّالِّينَ والمُهتدينَ مقصورةٌ على اللهِ تعالى، لا يُشارِكُه فيها غيرُه [1820] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/29). .
- قال الله تعالى هنا: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ بالمضارع في (يَضِلُّ)، وقال في سورة القَلَم: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القلم: 7]، بالماضي، وذلك لمناسَبةٍ حَسَنةٍ؛ فقولُه: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ معناه: اللهُ أَعْلَمُ أيُّ المأمورينَ يَضِلُّ عن سبيله، وهذا المعنى يَقْتَضيه ما تقدَّمَ هذه الآيةَ وما جاء بَعْدَها من إتيانِ الفِعْلِ بصيغَةِ الاستقبالِ؛ فالذي قَبْلَها: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام: 116]، والذي بَعْدَها وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ [الأنعام: 119].
وأمَّا قَوْلُه: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ فمعناه: اللهُ أَعْلَمُ بأحوالِ مَنْ ضَلَّ، كيف كان ابتداءُ ضلالِه وما يكون مِن مآلِه، أَيُصِرُّ على باطِلِه، أم يَرْجِعُ عنه إلى حَقِّه، وقَبْلَها: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ [القلم: 5-6] فناسب الفعل الماضي [1821] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (2/540-543)، ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (1/169). .
- وقال اللهُ تعالى هنا: هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّبِسُقوطِ الباءِ، وقال في سورة النَّحل والنَّجْم والقَلَم: هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ [النحل: 125، النجم: 30، القلم: 7] بإثباتِ الباءِ في بِمَنْ، وذلك لمناسبةٍ حسنةٍ؛ هي أنَّ سُقوطَ الباءِ الداخلةِ على (من) في آيَةِ الأنعامِ؛ لاستثقالِ زيادتها مع الزِّيادةِ اللَّازمةِ للمضارع مع التَّقاربِ إيثارًا للإيجازِ، أمَّا في المواضع الثلاثة فلا زيادةَ في الفعلِ لِكَونه ماضيًا، فزِيدَ باءُ التأكيدِ الداخلةِ على (من) [1822] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (1/168-169). .