موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (208 - 214)

ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ

غريب الكلمات:


السِّلْمِ: أي: الإسلام. وأصلُ السِّلم: الصُّلح، والسِّلم ضِدُّ الحرْب، والتَّعرِّي من الآفات الظاهرة والباطنة، والاستسلام والانقياد [1896] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 81) و(ص: 81)، ((المفردات)) للراغب (ص: 421، 423)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 31)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 106، 142). .
خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ: أي: سَبيلَه ومَسْلكَه، وآثارَه وعملَه، وخُطوات جمْع خُطْوَة، والخُطْوَة: ما بين القدمين [1897] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 68)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 213)، ((المفردات)) للراغب (ص: 288)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 51، 100)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 438). .
زَلَلْتُمْ: الزَّلَّةُ: استرسال الرِّجْلِ من غير قصْد، يقال: زَلَّتْ رِجله تَزِلُّ، والمَزِلَّةُ: المكان الزَّلق، وقيل للذَّنب من غير قصد: زَلَّةٌ؛ تشبيهًا بزلَّة الرِّجل [1898] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 381)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 492). .
يَنْظُرُونَ: ينتظرون [1899] يُنظر: ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 31). .
الْغَمَامِ: جمع غمامة، وهو سحابٌ أبيضُ يُواري وجْهَ السماء، لكنَّه يُبقيها مستنيرة؛ سُمِّي بذلك لأنَّه يغمُّ السَّماء، أي يَسترُها ويُواريها، وأصل الغَمِّ: ستر الشيءِ [1900] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 49)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/378)، ((المفردات)) للراغب (ص: 613)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 75-106)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 671)، ((شرح العقيدة الواسطية)) لابن عثيمين (ص: 275-276). .
بَغْيًا: طُغيانًا وتعديًا بالباطِل، وظلمًا وعدوانًا، وحسدًا، أو نتيجةً للحسد، وأصل البَغْي: طلَب الشيءِ، وجِنس من الفَساد، والظُّلم، والترفُّع والعلو، ومنه قيل للحَسد: بغي؛ لأنَّ الباغي طالبُ الظلم، والحاسد يظلم المحسودَ جَهدَه؛ طلبًا لإزالة نِعمة الله تعالى عنه [1901] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/271)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 19)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 251-252). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/628) و(5/283)، ((تفسير البغوي)) (1/142). .

المعنى الإجمالي:


يـأمُرُ اللهُ عبادَه المؤمنين بالعملِ بجميع شرائعِ الإسلامِ، محذِّرًا إيَّاهم مِن طاعة الشَّيطانِ، ومعلِّلًا ذلك بأنَّه عدوٌّ ظاهرٌ لهم؛ فلعداوتِه يُريد أنْ يقودَهم بطاعتِهم له إلى الهلاك، فإنْ وقَعوا في الزَّلل، وخالَفوا تعاليمَ الإسلامِ وشرائعه عامدين، وضلُّوا عن الحقِّ المبين- فلْيعلَموا أنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يُعجِزه شيءٌ عن الانتقام منهم، ومجازاتهم؛ فإنَّه يقهَرُ مَن يشاء بقوَّتِه، ويعذِّب مَن أراد بمقتضى حِكمته.
ثم يُنكر سبحانه وتعالى على هؤلاء الذين زلُّوا بعد ما جاءتهم البينات، إعراضَهم عن الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنَّ فعلهم هذا يُعَدُّ وكأنَّه انتظارٌ منهم لموعد هلاكهم، وذلك حين إتيان الرَّبِّ عزَّ وجلَّ يوم القيامة وإتيان الملائكة، ليقضي سبحانه فيهم بعدله، فيجازيهم على كفرهم، فيهلكون.
ثم يأمُرُ اللهُ تعالى نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنْ يسأَل اليهودَ عمَّا أعطاهم سبحانه وتعالى مِن الحُجَجِ الواضحة، والبراهينِ والدَّلائلِ والمعجزات الَّتي تدلُّ على صِدْقِ ما جاءهم به الأنبياءُ والرُّسلُ عليهم السلام، لكنَّهم كفَروا وكذَّبوا، وأعرَضوا عن تلك الآيات، ثم توعَّد اللهُ مَن يختارُ الكفرَ عِوضًا عن نعمةِ الإسلام بعد أنْ بلَغَتْه- بالعقابِ الشَّديد.
ثم يُخبِرُ تعالى أنَّ الدُّنيا جُمِّلت في أعيُنِ الكفَّارِ وقلوبِهم، فرَضُوا بها، وآثَروها على نعيمِ الآخرة، ومع ذلك يستهزئون بالَّذين آمَنوا؛ لعزوفِهم عن الدُّنيا وزُخرفِها، وغفَل هؤلاء الكفَّارُ عن أنَّ المفاضلةَ الحقيقيَّةَ هي في الآخرة؛ حيثُ إنَّ الَّذين امتثَلوا أوامرَ الله واجتنبوا نهيَه هم أعلى منهم، وفوقهم؛ وذلك بدخولِهم الجنَّة، لهم فيها ما يشتَهون، والَّذين كفَروا تحتهم في النار في عذابٍ دائمٍ لا ينقطعُ عنهم، والله يُعطي المتَّقين من فضلِه في الجنَّةِ بلا إحصاءٍ ولا حَصْرٍ.
ثمَّ يُخبِرُ تعالى أنَّ النَّاس كانوا مجتمعينَ منذ عهدِ آدَمَ عليه السلام على دينٍ واحدٍ، وهو الإسلامُ، واستمرُّوا على ذلك الحالِ لمدَّةِ عشرة قرونٍ متواصلة، ثم اختلفوا بعدها في دِينهم حتى عبَدوا الأصنام، فبعَث الله الأنبياءَ ينهَوْن عن الكفر، ويُبشِّرون بالنَّعيم لِمَن أطاعهم، ويُنذِرون بالنَّار مَن عَصاهم، وكان أوَّلَهم نوحٌ عليه السلام، وأنزَل اللهُ مع أنبيائه كتبًا مِن عنده تشتملُ على الأخبارِ الصَّادقة، والأوامر العادلة؛ لتَفْصِل بين النَّاس في كلِّ ما تنازَعوا فيه، وتُوضِّح لهم الحقَّ مِن الضَّلال، والصوابَ مِن الخطأ؛ لتقومَ بذلك حُجَّةُ اللهِ على عِبادِه، ومع كونِ تلك الكُتُبِ قد أُنزِلت ليتَّفق عليها الَّذين اختَلفوا في دِينهم، فإنَّهم خالَفوا مرادَ الله تعالى، فاختلَفوا فيها أيضًا بعد أنْ علِموا بالأدلَّة القطعيَّةِ أنَّ ما فيها هو الحقُّ، وكان الباعثُ لهم على هذا الاختلافِ، تعدِّيَ بعضِهم على بعض بالباطل، فتنازَعوا فيما بينهم، لكنَّ اللهَ أرشَد المؤمنين إلى الطَّريق المستقيم، ووفَّقهم إلى التمسُّكِ بالحقِّ القويم، الذي اشتملت عليه كتبُ الأنبياء، واللهُ تعالى يُرشِدُ للطَّريق الواضحِ البَيِّن مَن يشاءُ مِن خَلْقِه.
ثمَّ يوجِّهُ اللهُ الخطابَ لعباده المؤمنين ألَّا يظنُّوا أنَّ الطَّريقَ إلى الجنَّة خالٍ من الصُّعوبات والعَقَبات فيه، بل هو طريقٌ وَعْرٌ وشائكٌ، محفوفٌ بالعوائقِ والمِحَن والبلايا، مثلما حصَل للأمم قبلهم؛ فقد اكتوَوْا بشدَّةِ الفقر والحاجة، وأصابتهم الأسقامُ والأوجاع، وخُوِّفُوا مِن قِبَل أعدائِهم بأنواع المخاوفِ، حتَّى بلَغ بهم الحال إلى أنْ يتساءَلَ الرُّسلُ والَّذين آمنوا معهم: متى سيأتي نصرُ اللهِ؟ ليرتاحوا من عناءِ ما يُكابِدونه، ومشقَّةِ ما يجدونه، فأكَّد اللهُ تعالى لعباده المؤمنين أنَّ نصرَه لا محالةَ آتٍ عن قريب.

تفسير الآيات:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208).
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً.
أي: يا مَعشرَ المؤمنينَ اعْمَلوا بجميع شَرائعِ الإسلام [1902] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/597-601)، ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (7/415)، ((تفسير ابن كثير)) (1/565-566). وممَّن قال من السَّلَف بنحو ما ذُكر في معنى السِّلْمِ: ابن عبَّاس، وعِكْرمة، وهو أحد قولي مجاهد، والسُّدِّي، والضَّحَّاك، وطاوس، وابن زَيد، وأحدُ قولي قَتادة) ((تفسير ابن جرير)) (3/595)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/370). .
وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
مناسبتها لِمَا قبلها:
لَمَّا أمَر الله تعالى بالعملِ بجميع شرائعِ الإسلام، حذَّر سبحانه ممَّا يمنَعُ مِن الالتزام بذلك، فقال [1903] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 94). :
وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
أي: لا تُطِيعوا الشَّيطان؛ فتَسلُكوا طُرقَه، فيقودَكم شيئًا فشيئًا إلى التَّهلُكةِ؛ فهو لكم عَدوٌّ ظاهِرُ العَدواة [1904] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/602-603)، ((تفسير ابن كثير)) (1/566)، ((تفسير السعدي)) (ص: 94). .
فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209).
أي: فإن أخطَأْتم وخالَفْتم شرائعَ الإسلام عن عمدٍ، وضلَلْتُم عن الحقِّ عن عِلمٍ، من بعدِ قيام الحُجَجِ والبراهين عليه، فاعلَموا أنَّ اللهَ تعالى لا يُعجِزُه شيءٌ عن الانتقام منكم؛ إذ يقهَر مَن يشاءُ بقوَّتِه، ويُعذِّبُ مَن يشاء بمقتضى حِكمته؛ فإنَّ مِن حِكمته معاقبةَ العُصاةِ بما يُناسب معصيتَهم له سبحانه [1905] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/603)، ((تفسير ابن كثير)) (1/566)، ((تفسير السعدي)) (ص: 94). .
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أنَّ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210).
أي: ما ينتظر هؤلاء الذين زلُّوا من بعد ما جاءتهم البينات، فكذَّبوا بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم وما جاء به، إلَّا إتيان الرَّبِّ عزَّ وجلَّ يوم القيامة في ظُللٍ من الغمام، وإتيان الملائكة، فيقضي الله تعالى بين عباده، ويجازي كل عامل بعمله، فجميع أمور الدنيا والآخرة تؤول إلى الله عزَّ وجلَّ وحده، وحيئذ يكونُ الأمرُ قد انتهى وحقَّ عليهم الهلاك [1906] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/605-615)، ((تفسير ابن كثير)) (1/566)، ((تفسير السعدي)) (ص: 94)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/287)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/549)، ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/11-14)، ((شرح العقيدة الواسطية)) لابن عثيمين (ص: 274-276). ؟!
قال تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [الفرقان: 25-26].
وقال سبحانه: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [الأنعام: 158].
وقال عزَّ وجلَّ: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر: 21 - 23].
وعن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: ((يجمعُ اللهُ الأوَّلين والآخِرين لميقاتِ يومٍ معلومٍ أربعين سَنةً، شاخصةً أبصارُهم إلى السماءِ ينظرون إلى فصلِ القضاءِ، فينزلُ اللهُ من العرشِ إلى الكرسيِّ في ظُلَلٍ من الغمامِ )) [1907] أخرجه ابنُ أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (31)، ومحمد بن نصر المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (278)، والطبراني (9/417) (9763)، والدارقطني في ((رؤية الله)) (163). حسَّنه الذهبي في ((العرش)) (76)، وابن القيم في ((حادي الأرواح)) (262)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح الترغيب)) (3591). .
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211).
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ.
أي: أمَر اللهُ تعالى محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يسأَلَ اليهودَ عمَّا أعطاهم اللهُ تعالى مِن قبلِ مجيئِه عليه الصَّلاة والسَّلام، من دلائلَ ومُعجزاتٍ، وحُجَجٍ واضحات، شاهَدوها على أيدي أنبيائِه ورُسلِه عليهم السَّلام، دالَّات على صِدقهم وصِدْقِ ما جاؤوهم به، ومن ذلك: الإيمانُ بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ووجوبُ متابعته على دِينه، لكنَّهم مع ذلك كلِّه أعرَضوا، وكفَروا، وكذَّبوا [1908] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/615-617)، ((تفسير ابن كثير)) (1/568)، ((تفسير السعدي)) (ص: 95). .
وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
أي: مَن يترُكْ نعمةَ الإسلام، فيمتنِعْ عن قَبولِها بالدُّخول فيه، والعملِ بجميع شرائعه، ويختار عِوضًا عن ذلك الكفرَ به- فإنَّ اللهَ تعالى سيُعاقبه عِقابًا شديدًا [1909] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/617)، ((تفسير ابن كثير)) (1/568)، ((تفسير السعدي)) (ص: 95). .
كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذين بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ [إبراهيم: 28-29].
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا ذكَر اللهُ تعالى مَن يُبدِّل نعمةَ الله مِن بعد ما جاءته، ذكَر السببَ الَّذي لأجله كانتْ هذه طريقتَه، فقال [1910] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (6/367). :
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا.
أي: زُيِّنت الدُّنيا بزُخرفِها ومباهجِها للكفَّار، فتغلغل حبُّها في شغافِ قلوبهم، وقصَروا أنظارَهم عليها، وآثَروها على نعيمِ الآخرة، فعليها يتكالَبون، وفيها يطلُبونَ ما يشتهون، وهم مع ذلك بالمؤمنين يستهزئون، ومنهم يضحَكون؛ وذلك لزُهدِهم في الدُّنيا، وعزوفِهم عن مناصبِها، وتَرْكِهم المفاخرةَ بزينتِها، والاستزادةَ منها [1911] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/618-619)، ((تفسير السعدي)) (ص: 95)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/90)، (7/413). .
وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
أي: إنَّ الَّذين امتثلوا ما أمَر اللهُ تعالى به، واجتنبوا ما نهى عنه، هم الأَعْلَوْن في دار الخلودِ، وسيكونون فوقَ الَّذين كفروا يوم القيامة، بدخولِهم الجنَّةَ، يتمتَّعون فيها ويبتهِجون، ولهم فيها ما يشتهونُ [1912] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/618-619)، ((تفسير السعدي)) (ص: 95)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/90)، (7/413). .
قال تعالى: إِنَّ الَّذين أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذين آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فَالْيَوْمَ الَّذين آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: 29-36].
وقال سبحانه: أَهَؤُلَاءِ الَّذين أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف: 49].
وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
أي: إنَّ اللهَ تعالى يُعطي المتَّقين في الجنَّةِ مِن نِعَمه وعطاياه الَّتي لا تنتهي، مِن غير أنْ يخشى نفادَ خزائنه، أو وقوعَ نقصٍ من مُلكه، فلا يحتاج إلى حسابِ ما يُعطي، وإحصاءِ ما يُبقي، بل يُعطيهم ما يشتهون بلا حصرٍ ولا تَعداد؛ فرِزقُه واسعٌ لا نهايةَ له ولا نَفادَ [1913] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/620)، ((تفسير ابن كثير)) (1/568)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/298)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/22-23). .
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى في الآية المتقدِّمة أنَّ سببَ إصرارِ هؤلاء الكفَّارِ على كُفرهم هو حبُّ الدُّنيا- بيَّن في هذه الآية أنَّ هذا المعنى غيرُ مختصٍّ بزمنِ نزول الآية، بل كان حاصلًا في الأزمنة المتقادمة؛ لأنَّ النَّاس كانوا أمَّةً واحدةً قائمةً على الحقِّ، ثم اختلَفوا، وما كان اختلافُهم إلا بسببِ البغيِ والتَّنازُعِ في طلبِ الدُّنيا، فقال سبحانه [1914] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (6/372). :
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ.
أي: إنَّ النَّاس كانوا مجتمعين منذ عهدِ آدمَ عليه السَّلام على دِينٍ واحد، هو دينُ الإسلام، وظلُّوا على ذلك مدَّةَ عشرةِ قرونٍ، فاختلَفوا في دِينهم حتى عبَدوا الأصنام، فبعَث الله النَّبيِّين ينهَوْن عن ذلك الكفرِ، مُبشِّرين مَن أطاعهم بالجنَّةِ، ومُنذِرين مَن عصاهم بالنَّارِ، وكان أوَّلهم نوحٌ عليه السَّلام [1915] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/625-627)، ((منهاج السنة)) لابن تيميَّة (6/308-309)، ((تفسير ابن كثير)) (1/569)، ((تفسير السعدي)) (ص: 95)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/80-81). وممَّن قال من السَّلَف بنحو ما ذُكر: ابن عبَّاس، وقَتادة، وابن جُرَيج. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/621)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/376). .
قال سبحانه: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس: 19].
وقال عزَّ وجلَّ: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: 163].
وقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء: 17].
وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
أي: إنَّ اللهَ تعالى أنزَل مع النَّبيِّين عليهم السَّلام كُتبًا مِن عنده، مشتملةً على الأخبارِ الصادقة، والأوامرِ العادلة؛ أنزَلها لتفصِلَ بين النَّاس في كلِّ ما اختلَفوا فيه، فيتبيَّن لهم الحقُّ مِن الضَّلال، والصَّواب مِن الخطأ، وتُقامُ بذلك حُجَّةُ اللهِ تعالى على عبادِه [1916] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/627)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/316)، ((تفسير السعدي)) (ص: 95)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/28-29).   .
كما قال تعالى: وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: 64].
وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ.
مناسبتها لِمَا قبلها:
لَمَّا ذكَر اللهُ تعالى إنزالَه الكتبَ على النَّبيِّين عليهم السَّلام، وكان هذا يقتضي اتِّفاقَ الَّذين اختلَفوا في دِينهم عليها، أخبَر تعالى أنَّهم خالَفوا مرادَ الله تعالى منها، فقال سبحانه [1917] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 95-96). :
وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ:
أي: إنهم اختلَفوا في تلك الكتب المنزلة، وكان ينبغي أنْ يكونوا أَوْلى النَّاسِ بالاجتماع عليها، والتَّحاكُم إليها، وذلك مِن بعدِ ما علِموا بالأدلَّةِ القاطعات، والحُجَج الباهرات: أنَّ ما فيها هو الحقُّ، وإنَّما حمَلهم على ذلك تعدِّي بعضِهم على بعضٍ بالباطل، ووقوع النِّزاعاتِ والخصومات فيما بينهم [1918] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/286)، ((تفسير ابن كثير)) (1/570)، ((تفسير السعدي)) (ص: 95-96)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/29). .
كما قال تعالى: وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الجاثية: 17].
وقال عزَّ وجلَّ: وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس: 93].
وقال سبحانه: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذين أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة: 4].
فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ.
أي: إنَّ اللهَ تعالى أرشَد المؤمنين للحقِّ الَّذي جاءت به كتبُ أولئك الأنبياءِ عليهم السَّلام، واختلَف فيه غيرُهم، ووفَّقهم أيضًا إلى الانقيادِ إلى هذا الحقِّ، والتمسُّك به، بعِلمِه وإرادتِه وتيسيره، ويدخُلُ في هؤلاء المؤمنين أمَّةُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم قطعًا، ويدخُلُ فيهم أيضًا كلُّ مَن آمَن مِن الأمم السَّابقة؛ كمَن آمَن مِن قوم نوحٍ عليه السلام [1919] يُنظر: ((الجواب الصحيح)) لابن تيميَّة (2/259-265)، ((تفسير ابن كثير)) (1/570)،  ((تفسير السعدي)) (ص: 96)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/30). .
وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
أي: إنَّ اللهَ تبارك وتعالى يُرشِد لطريق الحقِّ الواضح الَّذي لا اعوجاجَ فيه، ويوفِّق للسَّيرِ عليه: مَن يشاء مِن خَلْقه، وهو سبحانه لا يشاءُ إلا ما تقتضيه حِكمتُه البالغة [1920] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/633)، ((تفسير ابن كثير)) (1/570-571)، ((تفسير ابن عثيمين -الفاتحة والبقرة)) (3/30-31). .
أَمْ حَسِبْتُمْ أنَّ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (214).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا ذكَر اللهُ تعالى اختلافَ الأممِ السَّابقة على ما جاءهم به أنبياؤُهم من الحقِّ، وضلالَهم عنه، وذكَر أنَّه هدى المؤمنين إلى الصِّراط المستقيم، بيَّن اللهُ تعالى هنا أيضًا وَعْثاءَ هذا الطَّريق الَّذي هُدُوا إليه، وما يكتنفُه مِن عقباتٍ، عليهم تجاوزُها، فقال سبحانه [1921] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/313-314). :
أَمْ حَسِبْتُمْ أنَّ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ.
أي: أظننتم- أيُّها المؤمنون- أن تَصِلوا إلى الجنَّةِ دون أنْ تُصيبَكم في الطريق إليها شدائد؟ كلَّا، لا تظنُّوا ذلك، بل لا بدَّ أنْ تعترضَ طريقَكم هذا عوائقُ، وتُصيبَكم فيه مِحَنٌ وبلايا، تُبتلَوْن بها وتمحَّصُون، كما وقَع للَّذين مضَوْا من قبلكم [1922] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/635-638)، ((تفسير ابن كثير)) (1/571)، ((تفسير السعدي)) (ص: 96)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/313-315)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/37-39). .
كما قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أنَّ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 142].
وقال عزَّ وجلَّ: أَحَسِبَ النَّاسُ أنَّ يُتْرَكُوا أنَّ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذين مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذين صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: 2-3].
مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ.
أي: إنَّ مَن مَضى مِن مُؤمِني الأممِ السابقة قد أصابهم الفقرُ وشدَّةُ الحاجة، وأصابتهم الأمراضُ والأوجاعُ، وخُوِّفُوا ورُعِبُوا مِن قِبَل أعدائِهم بأنواع المخاوفِ، فأُصيبوا في أموالهم بالبأساءِ، وفي أبدانهم بالضَّرَّاء، وفي قلوبهم بالخوفِ، حتى وصَلَتْ بهم الحال إلى أنْ يتساءَلَ رسلُ اللهِ ومَن آمَن معهم: متى يأتي نصرُ الله تعالى؟ ليخرُجوا ممَّا هم فيه مِن ضيقٍ وكربٍ وشدَّة [1923] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/636)، ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (10/41)، ((تفسير ابن كثير)) (1/571-572)، ((تفسير السعدي)) (ص: 96)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/39-40). وممَّن قال من السَّلَف: إنَّ معنى البأساء الفقرُ: ابن مسعود، وابن عبَّاس، وأبو العالية، والحسن، ومُرَّة الهمذاني، وسعيد بن جُبَير، ومجاهد، والضَّحَّاك، وقَتادة، والرَّبيع بن أنس، والسُّدِّي، ومقاتل بن حَيَّان. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/380). وممَّن قال: إنَّ معنى الضَّراء السُّقم: ابن عبَّاس. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/380). وممَّن قال في معنى وَزُلْزِلُوا بنحو ما ذُكر: ابن عبَّاس. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/380). .
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا إِذْ جَاؤُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب: 9-11].
وعن خبَّاب بن الأَرتِّ رضي الله عنه، قال: ((شكَونا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لهُ في ظلِّ الكعبةِ، قلنا لهُ: ألا تستنصرُ لنا؟ ألا تدعو اللهَ لنا؟ قال: كان الرجلُ فيمَن قبلكم يُحْفَرُ لهُ في الأرضِ، فيُجْعَلُ فيهِ، فيُجاءُ بالمنشارِ فيُوضَعُ على رأسِهِ فيُشَقُّ باثنتيْنِ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ ويُمْشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دونَ لَحمِهِ من عظمٍ أو عصبٍ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، واللهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمرُ، حتى يَسيرَ الراكبُ من صَنعاءَ إلى حضرموتٍ، لا يخافُ إلا اللهَ، أو الذئبَ على غنمِهِ، ولكنكم تستعجلونَ )) [1924] رواه البخاري (3612). .
أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ.
أي: أكَّد الله تعالى على أنَّ نصرَه قريب، وأنَّ فرجَه عاجلٌ، فمع العسر يأتي اليُسر، وكلَّما ضاق الأمر اتَّسَع [1925] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/636)، ((تفسير ابن كثير)) (1/572)، ((تفسير السعدي)) (ص: 96)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/40). .
كما قال تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: 5-6].
وعن أبي رَزينٍ العُقيليِّ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((ضحِك ربُّنا من قُنوطِ عبادهِ وقُربِ غِيَرِهِ)) [1926] أخرجه ابن ماجه (181)، وأحمد (16232). قال أبو عُبيد القاسم بن سَلَّام لَمَّا سُئل عن هذا الحديث وبعضِ أحاديث الصِّفات الأخرى: (هذه الأحاديثُ حقٌّ لا شكَّ فيها، رواها الثقات بعضُهم عن بعض) ((التمهيد)) لابن عبدالبر (7/150). وحسنه ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (3/139)، والألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (181). وقوله: ((وقُرْب غِيَرِه)): الغِيَر: بمعنى تغيُّر الحال، وهو الاسْم مِن قولكَ: غَيَّرْت الشَّيءَ فتَغَيَّر، والمراد هنا: قُرْب تغيُّر الحال الذي هم عليه من القُنوط إلى خِلافه من الإغاثِة. ينظر: ((النهاية)) لابن الأثير (3/401)، ((حاشية السِّندي على ابن ماجه)) (1/77)، ((التنوير شرح الجامع الصغير)) للصنعاني (7/98). .

الفوائد التربويَّة:


1- فضل الإيمان؛ لقولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا؛ لأنَّ هذا النداء، نداء تشريف وتكريم [1927] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/7). .
2- أنَّ الإيمان مقتضٍ لامتثال الأمر؛ لأنَّ الله صدَّر الأمر بهذا النداء؛ والحُكمُ لا يُقرَن بوصف إلَّا كان لهذا الوصف أثرٌ فيه [1928] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/7). .
3- حقارة الدنيا؛ لوصفها بالدُّنيا، وهي من الدنوِّ زمنًا، ورتبةً: زمنًا؛ لأنَّها قبل الآخرة. ورُتبةً؛ لأنَّها قليلٌ بالنسبة للآخرة؛ ولهذا لا تجد في الدنيا حال سرور إلَّا مَشوبًا بتنغيصٍ قبله، وبعده؛ لكن هذا التنغيص بالنسبة للمؤمن خير؛ لأنَّ له فيه أجرًا [1930] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/24). .
4- أنَّ العبرة بكمالِ النِّهاية؛ لقوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [1931] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/25). .
5- رحمة الله عزَّ وجلَّ بالمؤمنين؛ لقوله تعالى: فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ [1932] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/35). .
6- أنَّه كلما قوِي إيمان العبد، كان أقربَ إلى إصابة الحقِّ؛ لقوله تعالى: فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا... [1933] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/35) . .
7- أنَّ الإيمان ليس بالتمنِّي، ولا بالتحلِّي؛ بل لا بدَّ من نيَّة صالحة، وصبرٍ على ما ينالُه المؤمن من أذًى في الله عزَّ وجلَّ [1934] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/41). .
8- أنَّ الصَّبر على البلاء في ذاتِ الله عزَّ وجلَّ من أسباب دخول الجنة؛ لقوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا... الآية [1935] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/42). .
9- تبشير المؤمنين بالنصر؛ ليتقوَّوا على الاستمرار في الجهاد ترقبًا للنَّصر المبشَّرين به، كما قال تعالى: أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ [1936] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/42).
10- لَمَّا كان الفرج عند الشدَّة، وكلَّما ضاق الأمر اتَّسع، قال تعالى: أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ فهكذا كلُّ مَن قام بالحقِّ، فإنَّه يُمتَحن [1939] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 96). .
11- حِكمة الله عزَّ وجلَّ، حيث يبتلِي المؤمنين بمثل هذه المصائب العظيمة؛ امتحانًا حتى يتبيَّن الصادق من غيره [1940] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/41). .
12- أنَّه ينبغي للإنسان ألَّا يسألَ النصر إلَّا من القادر عليه، وهو الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: مَتَى نَصْرُ اللهِ [1941] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/42). .

الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:


1- وجوب تَطبيق الشَّرع جملةً وتفصيلًا؛ لقوله تعالى: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [1942] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/7). .
2- قرن الحُكم بعلَّته؛ لقوله تعالى: وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ثم علَّل: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [1943] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/9). .
3- الوعيد على مَن زلَّ بعد قيام الحجة عليه؛ لقوله تعالى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [1944] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/10). .
4- أنَّه لا تقوم الحجَّة على الإنسان، ولا يستحق العقوبة إلَّا بعد قيام البيِّنة؛ لقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ [1945] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/11). .
5- في قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أنَّ يَأْتِيَهُمُ اللهُ إثبات صفة الإتيان لله عزَّ وجلَّ [1946] يُنظر: ((رسالة لأهل الثغر)) لأبي الحسن الأشعري (ص: 227)، ((شرح الواسطية)) للهراس (ص: 112). .
6- أنَّ الكفَّار لا يزالون يُسلِّطون أنفسهم على المؤمنين؛ لقوله تعالى: وَيَسْخَرُونَ بالفعل المضارع الذي يفيد التجدُّد والاستمرار [1947] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/24). .
7- تثبيت المؤمنين، وترسيخ أقدامِهم في إيمانهم؛ لقوله تعالى: وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: اصبِروا؛ فإنَّ هذا دأبُهم وشأنهم أن يسخَروا منكم؛ فما دمتم تعرِفون أنَّ هذه عادة الكفَّار، فاصبروا؛ فإنَّ الإنسان إذا عرَف أنَّ هذا الشيء لا بدَّ منه فإنَّه يكون مستعدًّا، وقابلًا له، وغير متأثِّرٍ به [1948] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/25). .
8- أنَّ مَن يُوصَف بالتبشير إنَّما هم الرُّسل، وأتباعهم؛ وأمَّا ما تسمَّى به دعاة النصرانيَّة بكونهم مبشِّرين، فهم بذلك كاذبون؛ إلَّا أن يُرادَ أنَّهم مبشِّرون بالعذاب الأليم، كما قال تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [1949] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/32). .
9- رحمة الله عزَّ وجلَّ بالعباد، حيث لم يكِلْهم إلى عقولهم؛ لأنَّهم لو وُكِلوا إلى عقولهم لفسدتِ السَّموات والأرض، كما قال تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [المؤمنون: 71]؛ فكلُّ إنسانٍ يقول: العقل عندي، والصَّواب معي، ولكنَّ الله تعالى بعث النبيِّين، وأنزل معهم الكتاب؛ ليَحكُمَ بين النَّاس فيما اختلفوا فيه [1950] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/33). .
10- أنَّه يجب على المرء الذي هداه الله ألَّا يعجب بنفسه، وألَّا يظنَّ أنَّ ذلك مِن حولِه، وقوته؛ لقوله تعالى: فَهَدَى اللهُ، ثم قال تعالى: بِإِذْنِهِ أي أمرِه الكوني القدري؛ ولولا ذلك لكانوا مثل هؤلاء الذين ردُّوا الحق بغيًا وعدوانًا [1951] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/36). .
11- الإيماء إلى أنَّه يَنبغي للإنسان أن يَسألَ الهداية من الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا [1952] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/36). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ خبٌر فيه نهايةٌ في الوعيد؛ لأنَّه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيدُ بذِكر العقاب، كما لو قال الوالد لولده: إنْ عصيتني فأنت عارفٌ بي، فيكون هذا الكلامُ في الزَّجر أبلغَ من ذِكر الضرب وغيره [1953] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (5/355)، ((تفسير القاسمي)) (2/86). .
2- قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ
هَلْ... استفهامٌ إنكاري في معنى النَّفي؛ ولذلك دخَلت (إلَّا)، وكون (هل) بمعنى النَّفي إذا جاء بعدها إلَّا كثيرُ الاستعمال في القرآن، وفي كلام العرَب [1954] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/342)، ((تفسير البيضاوي)) (1/134)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/284). .
وفيه: التِفات؛ حيث أعرَض تعالى عن خِطابهم زَللتُم، وأخبَر عنهم إخبارَ الغائبِين يَنظرون؛ مسليًّا لرسوله عن تباطئهم في الدُّخول في الإسلام، وفيه تجديدٌ لنشاط السَّامع [1955] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/359)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/282). .
3- في قوله: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
إظهار اسم الجلالة مع أنَّ مقتضى الظاهر أن يُقال: (فإنَّه شديد العقاب)؛ لإدخال الرَّوع في ضمير السَّامع، وتربية المهابة، ولتكون هذه الجملة كالكلام الجامِع مستقلًّا بنفسه؛ لأنَّها بمنزلة المثل لأمرٍ قدْ علِمه الناس من قبلُ [1956] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/293). .
4- في قوله: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
جيء في فِعل التزيين بصيغة الماضي زُيِّن، وفي فِعل السُّخرية بصِيغة المضارع يَسْخَرُونَ للدَّلالة على أنَّ معنى فِعل التزيين أمرٌ مستقرٌّ فيهم؛ لأنَّ الماضي يدلُّ على التحقُّق، وأنَّ معنى يَسْخَرُونَ متكرِّر متجدِّد منهم؛ لأنَّ المضارع يُفيد التجدد، ويعلم السامع أن ما هو محقَّق بين الفعلين هو أيضًا مستمرٌّ، وإنَّما اختُير لفِعل التزيين خصوص المضي، ولفعل السخرية خصوص المضارعة؛ إيثارًا لكلٍّ مِن الصِّفتين بالفِعل التي هي به أجدرُ؛ لأنَّ التزيينَ أسبقُ في الوجود، وهو منشأُ السخريَّة، والسخرية مترتِّبة على التزيين وتكرُّرها يَزيد في الذمِّ؛ إذ لا يليقُ بذي المروءة السُّخرية بغيره [1957] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/296-297). .
وفيه وضْع الظاهر الَّذِينَ آمَنُوا موضعَ المضمر بِصفة أُخرى وَالَّذِينَ اتَّقَوْا، ومثله في كتاب الله كثير، وذَكر صِفة الإيمان وصِفة التَّقوى؛ ليظهر به أنَّ السعادة الكبرى لا تحصُل إلَّا للمؤمن التقي، وليكون بعثًا للمؤمنين على التقوى [1958] يُنظر: ((تفسير الزمخشري- حاشية ابن المنير)) (1/255)، ((تفسير الرازي)) (6/369). .
وفي هذه الآية مُفارقةٌ في الجُمل؛ فقدْ عبَّر عن زِينة الحياة الدنيا في نظر الذين كفروا وعن سُخريتهم من المؤمنين بالفِعليَّة إشارة الى الحدوث، وأنَّ ذلك أمر طارئ لا يلبث أن يزول بصوارف متعدِّدة، أمَّا استعلاء الذين اتقوا عليهم فهو أمرٌ ثابت الدَّيمومة لا يطرأ عليه أي تبديل؛ ولذلك عبَّر بالاسميَّة واَلَّذِينَ اتَّقَوْا [1959] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/312). .
5- قوله: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ خصَّ بالذِّكر الَّذِينَ أُوتُوهُ تنبيهًا منه على شَناعة فِعلهم، وقَبيح ما فعلوه من الاختلاف، وأتى بلفظ: مِن الدالَّة على ابتداء الغاية، منبِّهًا على أنَّ اختلافهم متَّصل بأوَّل زمان مجيء البيِّنات، لم يقعْ منهم اتفاقٌ على شيء بعد المجيء، بل بنفس ما جاءتهم البيِّنات اختلفوا، لم يتخلَّلْ بينهما فترة [1960] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/367). .
6- قوله: فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ فيه تقديم لفظ الاختلاف على لفظ الحقِّ؛ للاهتمام به؛ إذ العناية إنَّما هي بذِكر الاختلافِ [1961] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/287)، ((تفسير أبي حيان)) (2/370). .
9- قوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَمْ  منقطعة بمعنى (بل)، وهمزة الاستفهام فيها للتقرير والتوبيخ، وإنكار الحُسبان واستبعاده. وقال لهم على طريقة الالتِفات التي هي أبلغُ: أَمْ حَسِبْتُمْ، أي: بل أحسِبتم... [1962] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/256)، ((تفسير البيضاوي)) (1/135)، ((تفسير أبي حيان)) (2/372)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/314)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/316). .