موسوعة التفسير

سورةُ المُؤْمِنونَ
الآيات (68-72)

ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ

غريب الكلمات:


جِنَّةٌ: أي: جُنونٌ، وأصلُ (جنن): السَّترُ والتَّسَتُّرُ، وسُمِّي الجُنونُ بذلك؛ لأنَّه يَستُرُ العقلَ ويُغطِّيه [609] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 175)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/421)، ((تفسير الماوردي)) (2/136)، ((المفردات)) للراغب (ص: 205)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 213، 306). .
خَرْجًا فَخَرَاجُ: الخرْجُ والخراجُ واحدٌ، أي: الأجرُ والجُعلُ والرِّزْقُ، والخرْجُ والخراجُ: الإتاوةُ؛ لأنَّه مالٌ يُخرجُه المُعطي، وقيل: بيْنَهما فرقٌ؛ فالخراجُ ما لَزِمك، والخرجُ ما تَبَرَّعْتَ به، وقيل غيرُ ذلك. وأصلُ (خرج): النَّفاذُ عنِ الشَّيءِ [610] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 299)، ((تفسير ابن جرير)) (17/90)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 208، 209)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/175)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 252)، ((تفسير القرطبي)) (12/141)، ((تفسير الشوكاني)) (3/584)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/344). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى: ألم يَتدبَّرْ أولئك المُشرِكونَ القُرآنَ، أمْ جاءهم فيه ما لمْ يأْتِ آباءَهم الأوَّلينَ حتَّى استبعَدوه وأعرَضُوا عنه؟! أمْ لم يَعرِفوا رَسولَهم محمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأنَّه الصَّادِقُ الأمينُ، فأنْكَروا ما جاء به؟! أمْ يقولون عنه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: به جنونٌ؟! كلَّا! فليس ما تقدَّم هو سببَ رفضِهم الإيمانَ وتوحيدَ الله، بل السببُ أنَّ الرَّسولَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جاءَهم بالحَقِّ الثَّابِتِ، وأكثَرُهم كارِهونَ للحَقِّ؛ لأنَّه يَتعارَضُ مع أهوائِهم، ولوِ اتَّبَعَ الحقُّ أهواءَ المُشرِكينَ، لَفسَدَتِ السَّمَواتُ والأرضُ ومَن فِيهنَّ، بلْ أتَيناهم بالقُرآنِ الكريمِ الَّذي فيه شَرَفُهم ومَجْدُهم، ولكِنَّهم عنه مُعرِضونَ!
أم تَسألُهم -يا مُحمَّدُ- أجْرًا على ما جِئْتَهم به مِنَ الحقِّ، فيَمنَعُهم ذلك مِن اتِّباعِه؟! لا، ليس الأمرُ كذلك؛ فثَوابُ اللهِ تعالى على ما تُبلِّغُه مِن رسالتِه خيرٌ لك وأعظَمُ مِن عَطاءِ هؤلاءِ الضُّعفاءِ الَّذين لا يَستَغنونَ أبدًا عن عطاءِ الله تعالى، واللهُ تعالى هو خيرُ الرَّازِقينَ.

تفسير الآيات:


أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا كانتِ الآياتُ -لِمَا فيها مِنَ البَلاغةِ المُعجزةِ، والحِكَمِ المُعجبةِ- داعيةً إلى تَقبُّلِها بَعدَ تأمُّلِها، وكان الكافِرونَ يُعرِضونَ عنها، ويُفْحِشون في وَصْفِها: تارَةً بالسِّحرِ، وأُخرى بالشِّعرِ، وكرَّةً بالكَهانةِ، ومرَّةً بغَيرِها؛ تسبَّبَ عن ذلك الإنكارُ عليهم [611] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/164). .
وأيضًا لَمَّا وَصَفَ اللهُ تعالى حالَ الكافرينَ، ردَّ عليهم -في هذه الآيةِ وما يَليها- بأنْ بيَّنَ أنَّ إقْدامَهم على هذه الأُمورِ لا بُدَّ أنْ يكونَ لأحدِ أُمورٍ أربعةٍ:
أحدِها: ألَّا يَتأمَّلُوا في دَليلِ نُبوَّتِه، وهو المُرادُ مِن قَولِه: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ؛ فبيَّنَ أنَّ القولَ الَّذي هو القُرآنُ كان مَعروفًا لهم، وقد مُكِّنوا مِنَ التَّأمُّلِ فيه مِن حيثُ كان مُبايِنًا لكلامِ العرَبِ في الفَصاحةِ، ومُبرَّأً عن التَّناقُضِ في طُولِ عُمرِه، ومِن حيثُ يُنبِّهُ على ما يَلْزَمُهم مِن مَعرفةِ الصَّانعِ، ومَعرِفةِ الوَحدانيَّةِ؛ فلِمَ لا يَتدبَّرونَ فيه لِيَتْرُكوا الباطِلَ، ويَرْجِعوا إلى الحقِّ؟!
وثانيها: أنْ يَعْتَقِدوا أنَّ مَجِيءَ الرُّسلِ أمْرٌ على خِلافِ العادةِ، وهو المُرادُ مِن قولِه: أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ؛ وذلك لأنَّهم عَرَفوا بالتَّواتُرِ أنَّ الرُّسلَ كانت تَتواتَرُ على الأُمَمِ، وتَظهَرُ المُعجِزاتُ عليها، وكانتِ الأُمَمُ بيْنَ مُصدِّقٍ ناجٍ، وبيْنَ مُكذِّبٍ هالكٍ بعَذابِ الاستِئصالِ؛ أفمَا دعاهم ذلك إلى تَصديقِ الرَّسولِ؟!
وثالِثِها: ألَّا يَكُونوا عالِمينَ بدِيانَتِه، وحُسْنِ خِصالِه قَبلَ ادِّعائِه للنُّبوَّةِ، وهو المُرادُ مِن قَولِه: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ؛ نبَّهَ سُبحانَه بذلك على أنَّهم عَرَفوا منه قبْلَ ادِّعائِه الرِّسالةَ كَونَه في نِهايةِ الأمانةِ والصِّدقِ، وغايةِ الفِرارِ مِنَ الكذِبِ والأخلاقِ الذَّميمةِ؛ فكيف كذَّبوهُ بَعدَ أنِ اتَّفقَتْ كَلِمَتُهم على تَسمِيَتِه بالأمينِ؟!
ورابِعِها: أنْ يَعتَقِدوا فيه الجُنونَ، فيَقولوا: إنَّما حمَلَه على ادِّعائِه الرِّسالةَ جُنونُه، وهو المُرادُ مِن قولِه: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ، وهذا أيضًا ظاهِرُ الفسادِ؛ لأنَّهم كانوا يَعلمونَ بالضَّرورةِ أنَّه أعقَلُ النَّاسِ، والمَجنونُ كيف يُمكِنُه أنْ يأتِيَ بمِثْلِ ما أتَى به مِنَ الدَّلائلِ القاطِعةِ، والشَّرائعِ الكاملةِ [612] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/286). ؟!
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68).
أي: أفلمْ يَتدبَّرْ أولئك المُشرِكونَ القُرآنَ؛ فيَعقِلوا مَعانِيَه، ويَعلَموا ما فيه، ويَعمَلوا به ويتَّبِعوه، أمْ جاءَهم فيه ما لم يأْتِ آباءَهم الَّذين مِن قَبْلِهم، فأنكَروه وأعرَضوا عنه [613] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/87)، ((تفسير القرطبي)) (12/139)، ((تفسير السعدي)) (ص: 555)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/88). ؟!
كما قال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: 82].
وقال سُبحانَه: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: 24].
وقال عَزَّ وجَلَّ: أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف: 21 - 24].
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا كان الرَّجلُ الكامِلُ مَن عرَفَ الرِّجالَ بالحقِّ؛ بدَأَ بما أشارَ إليه، ثمَّ أعقَبَه بمَن يَعرِفُ الشَّيءَ للإِلْفِ به، ثمَّ بمَن يَعرِفُ الحقَّ بالرِّجالِ، فقال [614] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/165). :
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69).
أي: أمْ لم يَعرِفِ المُشرِكونَ رَسولَهم مُحمَّدًا، وأنَّه مِن أهلِ الصِّدقِ والأمانةِ، فيُنكِروا قَولَه [615] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/87، 88)، ((البسيط)) للواحدي (16/33)، ((تفسير السعدي)) (ص: 555). قال البِقاعي: (في هذا غايةُ التَّوبيخِ لهم بجَهلِهم وبعِنادِهم، بأنَّهم يَعرِفونَ أنَّه أصدَقُ الخَلقِ وأعلاهم في كُلِّ مَعنًى جَميلٍ، ثمَّ يُكَذِّبونَه!). ((نظم الدرر)) (13/166). ؟!
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
أنَّه لَمَّا كان البشَرُ قد يَعرِضُ له ما يَسلُبُ خِصالَهُ -وهو اختلالُ عقْلِه- عطَفَ على أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ قولَه: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ، أي: ألَعلَّهم ادَّعَوا أنَّ رَسولَهم الَّذي يَعرِفونَه قد أُصِيبَ بجُنونٍ، فانقلَبَ صِدْقُه كذِبًا [616] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/89). ؟!
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ.
أي: أمْ يَحتجُّونَ في تَركِ الإيمانِ بدَعوى أنَّ بمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم جُنونًا [617] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/88)، ((تفسير القرطبي)) (12/140)، ((تفسير السعدي)) (ص: 555)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/89). ؟!
كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [الأعراف: 184].
وقال سُبحانَه: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير: 22].
بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قبْلَها:
لَمَّا كانت هذه الأقسامُ مُنْتفيَةً، ولا سيَّما الأخيرِ المُستَلزِمِ عادةً للتَّخليطِ المُستلْزِمِ للباطلِ؛ فإنَّهم أعرَفُ النَّاسِ بهذا الرَّسولِ الكريمِ، وأنَّه أكمَلُهم خَلْقًا، وأشرَفُهم خُلُقًا، وأطهَرُهم شِيَمًا، وأعظَمُهم هِمَمًا، وأرجَحُهم عَقْلًا، وأمتَنُهم رأْيًا، وأرضاهُم قَولًا، وأصوَبُهم فِعْلًا: أضرَبَ عنها، وقال [618] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/166). :
بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ.
أي: ليس سَبَبُ رَفْضِهمُ الإيمانَ وتَوحيدَ الرَّحمنِ شيئًا مِمَّا تقَدَّمَ ذِكْرُه، بلِ السَّبَبُ الَّذي دعاهم للتَّمسُّكِ بشِرْكِهم وكُفرِهم هو أنَّ مُحمَّدًا قد جاءَهم بالحَقِّ، وأكثَرُهم يَكرَهونَ القَبولَ والإذعانَ لهذا الحَقِّ المُخالِفِ لأهوائِهم [619] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/88)، ((تفسير السمرقندي)) (2/486)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/166)، ((تفسير السعدي)) (ص: 555)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/90). قال ابنُ عاشور: (الحقُّ: الثَّابتُ في الواقعِ ونفْسِ الأمرِ، يكونُ في الذواتِ وأوصافِها، وفي الأجناسِ، وفي المعاني، وفي الأخبارِ؛ فهو ضدُّ الكذبِ، وضدُّ السِّحرِ، وضدُّ الشِّعرِ؛ فما جاءهم به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِن الأخبارِ والأوامرِ والنَّواهي كلُّه مُلابِسٌ للحَقِّ؛ فبَطَل بهذا ما قالوه في القرآنِ وفي الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مَقالةَ مَن لم يتدَبَّروا القرآنَ، ومَن لم يُراعُوا إلَّا مُوافقةَ ما كان عليه آباؤُهم الأوَّلونَ، ومَن لم يَعرِفوا حالَ رَسولِهم الذي هو مِن أنفُسِهم؛ ومَقالةَ مَن يَرمي بالبُهتانِ؛ فنَسَبوا الصَّادِقَ إلى التَّلبيسِ والتَّغليطِ! فالحقُّ الذي جاءهم به النبيُّ أوَّلُه إثباتُ الوَحدانيَّةِ لله تعالى، وإثباتُ البَعثِ، وما يَتْبَعُ ذلك مِن الشَّرائعِ النَّازلةِ بمكَّةَ؛ كالأمرِ بالصَّلاةِ والزَّكاةِ، وصِلةِ الرَّحمِ، والاعترافِ للفاضِلِ بفَضلِه، وزَجْرِ الخَبيثِ عن خُبثِه، وأُخوَّةِ المُسلِمينَ بَعضِهم لِبَعضٍ، والمساواةِ بينهم في الحَقِّ، ومَنْعِ الفواحِشِ؛ مِن الزِّنا، وقَتْلِ الأنفُسِ، ووأْدِ البناتِ، والاعتداءِ وأكْلِ الأموالِ بالباطِلِ، وإهانةِ اليتيمِ والمِسكينِ، ونحوِ ذلك مِن إبطالِ ما كان عليه أمرُ الجاهليَّةِ مِن العُدوانِ، والخِلافةِ التي نَشَؤوا عليها من عَهدٍ قديمٍ؛ فكلُّ ما جاء به الرَّسولُ يومَئذٍ هو الموافِقُ لِمُقتضَى نِظامِ العُمرانِ الذي خَلَق اللهُ عليه العالَمَ؛ فهو الحقُّ، كما قال تعالى: مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الدخان: 39]. ولَمَّا كان قَولُ الكاذبِ وقَولُ المجنونِ المُختَصُّ بهذا الذي لا يُشارِكُهما فيه العُقلاءُ والصَّادِقونَ غيرَ جارِيَينِ على هذا الحقِّ، كان إثباتُ أنَّ ما جاء به الرَّسولُ حَقٌّ نَقضًا لإنكارِهم صِدْقَه. ولِقَولِهم: هو مجنونٌ كان ما بعدَ «بل» نَقضًا لِقَولِهم). ((تفسير ابن عاشور)) (18/90). !
كما قال تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: 33].
وقال سُبحانَه: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ [يونس: 15- 17].
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71).
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ.
أي: ولو جاء الحَقُّ [620] قيل: المرادُ بالحَقِّ هنا: هو اللهُ تعالى. وممَّن قال بذلك: مقاتلُ بن سليمان، وابن جرير، والسمرقندي، والثعلبي، وابن الجوزي، والقرطبي، والنسفي، وابن كثير، والعليمي. يُنظر: ((تفسير مقاتل)) (3/161)، ((تفسير ابن جرير)) (17/88)، ((تفسير السمرقندي)) (2/486)، ((تفسير الثعلبي)) (7/52)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 252)، ((تفسير القرطبي)) (12/140)، ((تفسير النسفي)) (2/475)، ((تفسير ابن كثير)) (5/484)، ((تفسير العليمي)) (4/482). قال القرطبي: (الْحَقُّ هنا هو اللَّهُ سبحانَه وتعالَى، قالَه الأكثرونَ، منهم مُجاهدٌ، وابنُ جُرَيجٍ، وأبو صالِحٍ، وغيرُهم). ((تفسير القرطبي)) (12/140). ونسبه الماورديُّ والعزُّ بن عبد السلام أيضًا للأكثرين، يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (4/62)، ((تفسير العز بن عبد السلام)) (2/379). وقيل: المرادُ به: القرآنُ، وممَّن اختاره: الواحدي، والسمعاني، وجلال الدين المحلي، والشربيني. يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 751)، ((تفسير السمعاني)) (3/483)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 452)، ((تفسير الشربيني)) (2/586). وقيل: المرادُ بالحقِّ هنا: ضدُّ الباطلِ، وهو المذكورُ في الآيةِ قبْلَه، ومِن جملته القُرآنُ وما جاء به النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الإسلام والتوحيد والشَّرعِ. وممَّن قال بذلك في الجُملةِ: ابنُ عطية، وابن جزي، وأبو حيان، وابن القيم، وأبو السعود، والشوكاني، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/151)، ((تفسير ابن جزي)) (2/54)، ((تفسير أبي حيان)) (7/574)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (2/11)، ((تفسير أبي السعود)) (6/144)، ((تفسير الشوكاني)) (3/583) ((تفسير ابن عاشور)) (18/92). قال ابنُ جزي: (الحقُّ هنا يُرادُ به الصَّوابُ والأمرُ المستقيمُ، فالمعنى: لو كان الأمرُ على ما تقتضي أهواؤُهم مِن الشِّركِ بالله واتِّباِعِ الباطِلِ لفَسَدَت السَّمَواتُ والأرضُ، كقَولِه تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: 22]. وقيل: إنَّ الحَقَّ في الآيةِ هو اللهُ تعالى، وهذا بَعيدٌ في المعنى، وإنَّما حمَلَه عليه أنْ جَعَل الاتِّباعَ حَقيقةً، ولم يَفهَمْ فيه الاستِعارةَ، وإنَّما الحقُّ هنا هو المذكورُ في قَولِه تعالى: بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ). ((تفسير ابن جزي)) (2/54). وقال الشِّنقيطي: (اختلف العُلماءُ في المرادِ بالحقِّ في هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: الحقُّ: هو اللهُ تعالى. ومعلومٌ أنَّ الحقَّ مِن أسمائِه الحُسنى... وكونُ المرادِ بالحقِّ في الآيةِ هو اللهَ: عزاه القرطبيُّ للأكثرينَ، ومِمَّن قال به: مجاهدٌ، وابنُ جُريجٍ، وأبو صالحٍ، والسُّدِّيُّ، ورُوي عن قتادةَ، وغيرِهم. وعلى هذا القَولِ فالمعنى: لو أجابهم اللهُ إلى تشريعِ ما أحبُّوا تَشريعَه، وإرسالِ مَن اقترَحوا إرسالَه -بأنْ جَعَل أمرَ التَّشريعِ، وإرسالَ الرُّسلِ، ونَحوَ ذلك؛ تابِعًا لأهوائِهم الفاسدةِ- لفَسَدت السَّمواتُ والأرضُ ومَن فيهِنَّ؛ لأنَّ أهواءَهم الفاسِدةَ وشَهَواتِهم الباطِلةَ لا يُمكِنُ أن تقومَ عليها السَّماءُ والأرضُ... القولُ الثاني: أنَّ المرادَ بالحقِّ في الآيةِ: الحقُّ الذي هو ضِدُّ الباطلِ، المذكورُ في قَولِه قَبلَه: وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ، وهذا القولُ الأخيرُ اختاره ابنُ عطيَّة، وأنكَر الأوَّلَ. وعلى هذا القَولِ فالمعنى: أنَّه لو فُرِضَ كونُ الحَقِّ مُتَّبِعًا لأهوائِهم التي هي الشِّركُ باللهِ، وادِّعاءُ الأولادِ والأندادِ له، ونحوُ ذلك؛ لفَسَد كلُّ شَيءٍ؛ لأنَّ هذا الفَرضَ يَصيرُ به الحقُّ هو أبطلَ الباطِلِ، ولا يمكنُ أن يقومَ نِظامُ السَّماءِ والأرضِ على شَيءٍ هو أبطلُ الباطِلِ؛ لأنَّ استِقامةَ نِظامِ هذا العالَمِ لا تُمكِنُ إلَّا بقُدرةِ وإرادةِ إلهٍ هو الحَقُّ، مُنفَرِدٌ بالتَّشريعِ والأمرِ والنَّهيِ، كما لا يخفَى على عاقِلٍ. والعِلمُ عند اللهِ تعالى). ((أضواء البيان)) (5/342، 343). بما يُوافِقُ أهواءَهم الفاسِدةَ المُختَلِفةَ، لفَسَدتِ السَّمواتُ والأرضُ ومَن فيهنَّ مِنَ المَخلوقاتِ، واختَلَّ نِظامُ العالَمِ [621] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/88)، ((تفسير القرطبي)) (12/140)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (2/11)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/342). .
بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ.
أي: بلْ أتَينا أولئك المُشرِكينَ بالقُرآنِ المُبَيِّنِ للحَقِّ، وفيه شَرَفُهم وعِزُّهم في دُنياهم وأُخراهم؛ فهُمْ عن القُرآنِ -الَّذي فيه شَرَفُهم وعِزُّهم- مُعرِضونَ لا يَتَّبِعونَه [622] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/89)، ((تفسير البغوي)) (3/371)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/267)، ((تفسير القرطبي)) (12/141)، ((تفسير السعدي)) (ص: 555). !
كما قال الله تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الأنبياء: 10].
وقال سُبحانَه: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف: 44].
أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا أبطَلَ اللهُ تعالى وُجوهَ طعْنِ الكافرينَ في المُرسَلِ به والمُرسَلِ؛ مِن جِهَةِ جَهْلِهم مرَّةً، ومِن جِهَةِ ادِّعائِهم البُطلانَ أُخرى؛ نبَّهَهم على وَجْهٍ آخَرَ، هم أعرَفُ النَّاسِ ببُطلانِه؛ لِيُثْبِتَ المُدَّعَى مِنَ الصِّحَّةِ إذا انتفَتْ وُجوهُ المَطاعِنِ، فقال مُنكِرًا [623] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/168). :
أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ.
أي: أمْ تَسأَلُ -يا مُحمَّدُ- مُشرِكي قَومِك أجْرًا على ما جِئتَهم به مِنَ الحَقِّ، فيَمنَعُهم ذلك مِن اتِّباعِه؟! كلَّا! ليس الأمرُ كذلك؛ فثَوابُ اللهِ الَّذي يُعْطيك على تَبليغِ رِسالتِه خَيرٌ لك مِن ذلك؛ فما الَّذي يَمنَعُهم -إذنْ- مِن اتِّباعِ الحقِّ [624] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/90)، ((تفسير القرطبي)) (12/141)، ((تفسير السعدي)) (ص: 556)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/96)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/344). ؟!
وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.
أي: واللهُ خيرُ مَن يُعطي عِبادَه ويَرزُقُهم مِن فَضلِه [625] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/91)، ((البسيط)) للواحدي (16/36)، ((تفسير القرطبي)) (12/141). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ اللهِ تعالى: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أي: أفلَا يَتفكَّرونَ في القُرآنِ ويَتأمَّلونَه ويَتدبَّرونَه، أي: فإنَّهم لو تَدبَّروهُ لَأوجَبَ لهم الإيمانَ، ولَمنَعَهُم مِنَ الكُفرِ، ولكنَّ المُصيبةَ الَّتي أصابَتْهُم بسَببِ إعراضِهم عنه، ودَلَّ هذا على أنَّ تَدبُّرَ القُرآنِ يَدْعُو إلى كلِّ خَيرٍ، ويَعصِمُ مِن كلِّ شَرٍّ، والَّذي منَعَهم مِن تَدبُّرِه أنَّ على قُلوبِهم أقْفالَها [626] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 554). .
2- قال اللهُ تعالى: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ، وقال: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ [ص: 29]، وقال: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ [النساء: 82] [محمد: 24]، وتَدبُّرُ الكلامِ بدُونِ فَهمِ مَعانِيه لا يُمكِنُ. وكذلك قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: 2]، وعَقْلُ الكلامِ مُتضمِّنٌ لِفَهْمِه. ومِنَ المَعلومِ أنَّ كلَّ كلامٍ فالمقصودُ منه فَهْمُ مَعانِيه دُونَ مُجرَّدِ ألْفاظِه؛ فالقُرآنُ أَولى بذلك، وأيضًا فالعادةُ تَمنَعُ أنْ يَقرَأَ قَومٌ كِتابًا في فَنٍّ مِنَ العِلْمِ -كالطِّبِّ والحِسابِ- ولا يَسْتَشرِحوه؛ فكيف بكلامِ اللهِ الَّذي هو عِصْمَتُهم، وبه نَجاتُهم وسَعادَتُهم، وقِيامُ دِينِهم ودُنياهم [627] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (13/331، 332). ؟!
3- التَّأمُّلُ في القُرآنِ هو تَحديقُ ناظِرِ القَلْبِ إلى مَعانِيه، وجمْعُ الفِكْرِ على تَدبُّرِه وتَعقُّلِه، وهو المقصودُ بإنزالِه، لا مُجرَّدُ تِلاوَتِه بلا فَهْمٍ ولا تَدبُّرٍ؛ قال اللهُ تعالى: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ، وقال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: 29]، وقال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: 24]، وقال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: 3]. وقال الحسَنُ: (نزَلَ القُرآنُ؛ لِيُتدبَّرَ ويُعمَلَ به، فاتَّخَذوا تِلاوَتَه عمَلًا!). فليس شَيءٌ أنفَعَ للعَبْدِ في مَعاشِه ومَعادِه، وأقرَبَ إلى نَجاتِه؛ مِن تَدبُّرِ القُرآنِ، وإطالةِ التَّأمُّلِ فيه، وجمْعِ الفِكْرِ على مَعاني آياتِه؛ فإنَّها تُطْلِعُ العبْدَ على مَعالِمِ الخيرِ والشَّرِّ بحَذافيرِهما، وعلى طُرقاتِهما وأسبابِهما، وغاياتِهما وثَمراتِهما، ومآلِ أهْلِهما، وتَضَعُ في يَدِه مَفاتيحَ كُنوزِ السَّعادةِ والعُلومِ النَّافعةِ، وتُثبِّتُ قَواعِدَ الإيمانِ في قَلْبِه، وتُشيِّدُ بُنيانَه، وتُوطِّدُ أركانَه، وتُرِيه صُورةَ الدُّنيا والآخرةِ والجنَّةِ والنَّارِ في قَلْبِه، وتُحضِرُه بيْنَ الأُمَمِ، وتُرِيهِ أيَّامَ اللهِ فيهم، وتُبصِّرُه مَواقِعَ العِبَرِ، وتُشهِدُه عَدْلَ اللهِ وفَضْلَه، وتُعرِّفُه ذَاتَه وأسماءَه، وصِفاتِه وأفعالَه، وما يُحِبُّه وما يُبغِضُه، وصِراطَه المُوصِلَ إليه، وما لِسالِكِيه بَعدَ الوُصولِ والقُدومِ عليه، وقَواطِعَ الطَّريقِ وآفاتِها، وتُعرِّفُه النَّفْسَ وصِفاتِها، ومُفسداتِ الأعمالِ ومُصحِّحاتِها، وتُعرِّفُه طَريقَ أهْلِ الجنَّةِ وأهْلِ النَّارِ، وأعمالَهم وأحوالَهم وسِيمَاهم، ومَراتِبَ أهْلِ السَّعادةِ وأهْلِ الشَّقاوةِ، وأقسامَ الخلْقِ، واجتماعَهم فيما يَجتَمِعونَ فيه، وافْتِراقَهم فيما يَفترِقونَ فيه.
وبالجُملةِ: تُعرِّفُه الرَّبَّ المَدْعُوَّ إليه، وطَريقَ الوُصولِ إليه، وما له مِنَ الكرامةِ إذا قَدِمَ عليه.
وتُعرِّفُه في مُقابِلِ ذلك ثلاثةً أُخرى: ما يَدْعُو إليه الشَّيطانُ، والطَّريقَ المُوصِلَةَ إليه، وما للمُستجيبِ لِدَعوتِه مِنَ الإهانةِ والعذابِ بَعدَ الوُصولِ إليه. فهذه سِتَّةُ أُمورٍ ضَروريٌّ للعبْدِ مَعرِفَتُها، ومُشاهدَتُها ومُطالعَتُها.
وفي تأمُّلِ القُرآنِ وتَدبُّرِه وتَفهُّمِه: أضعافُ أضعافِ ما ذكَرْنا مِن الحِكَمِ والفوائدِ. وبالجُملةِ فهو أعظَمُ الكُنوزِ [628] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/449 - 451). .
4- قال الله تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ فبيَّنَ سُبحانَه أنَّ الحقَّ لا يَتَّبِعُ الهَوى، بلِ الواجِبُ على المُكلَّفِ أنْ يَطرَحَ الهوَى ويَتَّبِعَ الحقَّ؛ فبيَّنَ سُبحانَه أنَّ اتِّباعَ الهَوى يُؤدِّي إلى الفَسادِ العظيمِ [629] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/287). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ، لعلَّهُ عبَّرَ بـ (القول)؛ إشارةً إلى أنَّ مَن لم يَتقبَّلْه ليس بأهْلٍ لِفَهمِ شَيءٍ مِنَ القَولِ، بلْ هو في عِدادِ البَهائمِ [630] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/165). .
2- في قولِه تعالى: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ دليلٌ على أنَّ في سَجايا النَّاسِ نُبُوًّا عمَّا لم يَسْمَعوا به؛ ولم تَجْرِ سُنَّتُه فيمَن قَبْلَهم، فصارتِ الحُجَّةُ عليهم بذلك مِن حيثُ يَعقِلُونها ولا يُنكرونُ تَخصيصَهم بما دُعُوا إليه؛ لِتَكونَ أوْكَدَ عليهمْ، وأَبْعَدَ لهم مِن أنْ يُعْذَرُوا عندَ أنفُسِهم، لا أنَّها لا تَلْزَمُهم ولا تَجِبُ عليهم إلَّا بما صارَ سُنَّةً في غَيرِهم؛ فقد أُمِرَ آدمُ بتَرْكِ الأكْلِ مِنَ الشَّجرةِ، ولَزِمَتْه حُجَّةُ ربِّه، ولم يَتقدَّمْ له في ذلك مُتَقَدِّمٌ؛ فليس لأحدٍ رَدُّ حُجَّةٍ واضحةٍ يُورِدُها عليه مُورِدٌ -وإنْ لم يكُنْ سَمِعَها مِن غَيرِه، ولا سَبَقَ مُورِدَها إليه سِواهُ- اعتمادًا على أنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤُه قال في هؤلاء: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ؛ لأنَّ ذلك منه -واللهُ أعلَمُ- على معنَى النَّكيرِ لا على الارتِضاءِ [631] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (2/363). .
3- في قولِه تعالى: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ تَدَبُّرُ الكلامِ هو أنْ يَنْظُرَ في أوَّلِه وآخِرِه، ثمَّ يُعِيدَ نظَرَه مَرَّةً بَعدَ مَرَّةٍ؛ ولهذا جاء (التَّدَبُّرُ) على بِناءِ (التَّفَعُّل)؛ كالتَّجَرُّعِ، والتَّفَهُّمِ، والتَّبَيُّنِ [632] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/183). .
4- في قولِه تعالى: أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ دَلالةٌ على أنَّ الجَدَّ أَبٌ [633] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (2/364). .
5- في قولِه تعالى: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ دَليلٌ على أنَّ خَبرَ الواحدِ يَلْزَمُ قَبولُه بشَرْطِ مَعرفةِ المُخْبَرِ بصِدْقِ المُخْبِرِ، وثَباتِ عَقْلِه؛ ألَا ترَى أنَّ حُجَجَ قُريشٍ كانت مُنقطِعةً بما عَرَفَتْ مِن عَقْلِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وصِدْقِه؛ فلَزِمَهم خبَرُه عن اللهِ جَلَّ جَلالُه؟ إِذْ لا عِلَّةَ لهم في رَسولِه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَتعلَّقونَ بها، ويأْوونَ في تَكذيبِه إليها، وهذا مِن أكبَرِ ما يُحتَجُّ به في تَثبيتِ خَبرِ الواحدِ لِمَن تدبَّرَهُ [634] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (2/367). .
6- قال اللهُ تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، فأخبَرَ سُبحانَه أنَّ الحقَّ لوِ اتَّبَعَ أهواءَ العِبادِ، فجاء شَرْعُ اللهِ ودِينُه بأهوائِهم؛ لَفسدَتِ السَّمواتُ والأرضُ ومَن فِيهنَّ، وأنَّه مِن المُحالِ أنْ يَتَّبِعَ الحقُّ أهواءَهم، وأنَّ أهواءَهُم مُشتمِلةٌ على قُبْحٍ عَظيمٍ؛ لو وَرَدَ الشَّرعُ به لَفَسَد العالَمُ: أعلاهُ وأسفْلُه وما بيْن ذلك، ومَعلومٌ أنَّ هذا الفسادَ إنَّما يكونُ لِقُبْحِ خِلافِ ما شرَعَه اللهُ وأمَرَ به، ومُنافاتِه لِصلاحِ العالَمِ عُلْوِيِّه وسُفْلِيِّه، وأنَّ خَرابَ العالَمِ وفَسادَه لَازِمٌ لِحُصولِه ولِشَرْعِه، وأنَّ كَمالَ حِكْمةِ اللهِ وكَمالَ عِلْمِه ورَحْمَتِه ورُبوبيَّتِه يأْبى ذلك ويَمنَعُ منه [635] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (2/11). .
7- قولُه تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ دَلَّ بهذا على عِظَمِ شأْنِ الحقِّ، وأنَّ السَّمواتِ والأرضَ ما قامت ولا مَن فِيهنَّ إلَّا بهِ [636] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/196)، ((تفسير أبي حيان)) (7/574)، ((تفسير أبي السعود)) (6/144، 145). .
8- قَولُ اللهِ تعالى: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ، كأنَّه سمَّاهُ (خَراجًا) إشارةً إلى أنَّه أوجَبَ رِزْقَ كلِّ أحدٍ على نفْسِه بوَعْدٍ لا خُلْفَ فيه [637] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/169). .
9- قولُه تعالى: خَيْرُ الرَّازِقِينَ دَلَّ على أنَّ العِبادَ قد يَرزُقُ بَعضُهم بَعضًا [638] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/576). ، فصِيغةُ التَّفضيلِ في قولِه: وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ نظرًا إِلى أنَّ بعضَ المخلوقينَ يرزُقُ بعضَهم، كقولِه تعالَى: وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ [النساء: 5]، وقولِه تعالى:
وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ الآيةَ [البقرة: 233]، ولا شكَّ أَنَّ فضلَ رزقِ اللهِ خَلْقَه على رزقِ بعضِ خَلْقِه لبعضِهم كفَضْلِ ذَاتِه وسائِرِ صفاتِه على ذَواتِ خَلْقِه وصِفاتِهم [639] يُنظر: ((أضواء البيان)) (5/344). . فقولُه: خَيْرُ الرَّازِقِينَ دَلَّ على أنَّه لا يُساويهِ أحدٌ في الإفضالِ على عِبادِه [640] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/576). ، فكلُّ مَن يَرزُقُ غيرَه -مِن سُلْطانٍ يَرزُقُ جُندَهُ، أو سيِّدٍ يَرزُقُ عبْدَهُ، أو رجُلٍ يَرزُقُ عِيالَهُ- فهو واسطةٌ لا يَقدِرُ إلَّا على ما قدَّرَه اللهُ، وأمَّا هو سُبحانَه فهو يُوجِدُ المَعدومَ، ويَرزُقُ مَن يُطيعُه ومَن يَعْصيه، ولا يَضيقُ رِزْقُه بأحدٍ، ولا يَشغَلُه فيه أحدٌ عن أحدٍ [641] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/304). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ
- قولُه: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ هَمزةُ الاستفهامِ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه، والفاءُ للعَطفِ على مُقدَّرٍ يَنسحِبُ عليه الكلامُ، أي: فَعَلُوا ما فعَلُوا مِن النُّكوصِ والاستكبارِ والهَجرِ، فلم يَتدبَّروا القُرآنَ [642] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/143). . وهو تَقريعٌ وتَوبيخٌ على إعراضِهم عن اتِّباعِ الحقِّ، والانتفاعِ بالقُرآنِ [643] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/573). . وقيل: الفاءُ لتَفريعِ الكلامِ على الكلامِ السَّابقِ، وهو قولُه: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا إلى قولِه: سَامِرًا تَهْجُرُونَ [المؤمنون: 63-67]. وهذا التَّفريعُ مُعترِضٌ بيْن جُملةِ: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وجُملةِ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ  ... إلخ [644] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/87). [المؤمنون: 75].
- و(أمْ) في قولِه: أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ مُنقطِعةٌ، وما فيها مِن مَعنَى (بل) للإضرابِ والانتقالِ عنِ التَّوبيخِ بما ذُكِرَ إلى التَّوبيخِ بآخَرَ، والهمزةُ لإنكارِ الوُقوعِ لا لإنكارِ الواقعِ [645] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/143)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/88). .
- قولُه: أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ إنْ كان المُرادُ ظاهِرَ مَعنى الصِّلةِ، وهي ما لم يأْتِ آباءَهم الأوَّلِينَ مِن أنَّ الدِّينَ الَّذي جاءهم لا عَهْدَ لهم به، تَعيَّنَ أنْ يكونَ في الكلامِ تَهكُّمٌ بهم؛ إذ قد أنْكَروا دِينًا جاءهم، ولم يَسبِقْ مَجِيئُه لآبائِهم. ووَجْهُ التَّهكُّمِ: أنَّ شأْنَ كلِّ رسولِ جاء بدِينٍ أنْ يكونَ دِينُه أُنُفًا -جديدًا-، ولو كان للقومِ مِثْلُه لكانَ مِجيئُه تَحصيلَ حاصلٍ. وإنْ كان المُرادُ مِن الصِّلةِ أنَّه مُخالِفٌ لِمَا كان عليه آباؤُهم؛ لأنَّ ذلك مِن معنى لم يأْتِ آباءَهم؛ كان الكلامُ مُجرَّدَ تَغليطٍ، أي: لا اتِّجاهَ لكُفْرِهم به؛ لأنَّه مُخالِفٌ لِمَا كان عليه آباؤُهم؛ إذ لا يكونُ الدِّينُ إلَّا مُخالِفًا للضَّلالةِ [646] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/88). .
2- قوله تعالى: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
- قولُه: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ إضْرابٌ وانتقالٌ مِن التَّوبيخِ بما ذُكِرَ إلى التَّوبيخِ بوَجهٍ آخَرَ، والهمزةُ في أَمْ لإنكارِ الوُقوعِ [647] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/573)، ((تفسير أبي السعود)) (6/143). . وهو إضْرابٌ على سَبيلِ التَّرقِّي، وكذلك قولُه: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ؛ فإنَّه لمَّا أثبَتَ لهم الجَهلَ الموروثَ، أضرَبَ عن ذلك بإثْباتِ الجَهلِ المُكتسَبِ، وهو عدَمُ جَرْيِهم بمُوجَبِ العِلْمِ؛ فإنَّ الهَمزةَ في أَمْ للسُّؤالِ مُجْرًى للمعلومِ مَساقَ غَيرِه تَجْهيلًا، أو للتَّوبيخِ؛ فقولُه: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ واردٌ على سَبيلِ التَّوبيخِ على الإعراضِ، ثمَّ أضرَبَ عنه بقولِه: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ [648] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/604، 605). .
- قولُه: فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أي: جاحِدُون بِنُبوَّتِه؛ فجُحودُهم بها مُترتِّبٌ على عَدَمِ مَعرفَتِهم بشأْنِه عليه السَّلامُ، ومِن ضَرورةِ انتفاءِ المَبْنيِّ: بُطلانُ ما بُنِيَ عليه، أي: فهُمْ غيرُ عارفينَ له عليهِ السَّلامُ؛ فهو تأْكيدٌ لِمَا قَبلَه [649] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/143). .
3- قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ
- قولُه: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ انتقالٌ إلى تَوبيخٍ آخَرَ، والهمزةُ لإنكارِ الواقِعِ كالهمزةِ الأُولى في قولِه: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ [650] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/574)، ((تفسير أبي السعود)) (6/144). .
- وقد رُوعِيَ في هذه التَّوبيخاتِ الأربعةِ، الَّتي اثنانِ منها مُتعلِّقانِ بالقُرآنِ، والباقيانِ به صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: التَّرقِّي مِن الأدْنى إلى الأعلى؛ حيثُ وُبِّخُوا أوَّلًا بعدَمِ التَّدبُّرِ، ثمِّ وُبِّخوا بشَيءٍ لو اتَّصَفَ به القولُ لكان سببًا لِعدَمِ تَصديقِهم به، ثمَّ وُبِّخوا بما يَتعلَّقُ بالرَّسولِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن عَدمِ مَعرِفَتِهم به صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وذلك يَتحقَّقُ بعَدمِ المعرفةِ بخَيرٍ ولا شَرٍّ، ثمَّ بما لو كان فيه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذلك لَقَدَحَ في رِسالَتِه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما سبَقَ [651] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/144). .
- قولُه: وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ تَقْييدُ الحُكْمِ بـ (الأكثرِ)؛ لأنَّ منهم مَن ترَكَ الإيمانَ استِنكافًا مِن تَوبيخِ قَومهِ، أو لِقِلَّةِ فِطْنَتِه وعَدمِ تَفكُّرِه، لا لكَراهَتِه الحقَّ. أو يكونُ الضَّميرُ في قولِه: وَأَكْثَرُهُمْ على الجِنسِ للنَّاسِ كافَّةً، ولمَّا ذكَرَ هذه الطَّائفةَ مِن الجِنْسِ، بَقِيَ الكلامُ في قولِه: وَأَكْثَرُهُمْ على الجِنْسِ بجُملَتِه. ويحتمِلُ أنْ يُرادَ بالأكثرِ الكلُّ، كما حُمِلَ القليلُ على النَّفيِ؛ فيكونُ قولُه:وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ تَذْييلًا [652] يُنظر: ((تفسير الزمخشري - حاشية الأمير)) (3/195)، ((تفسير البيضاوي)) (4/92)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/607)، ((تفسير أبي حيان)) (7/574)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 391)، ((تفسير أبي السعود)) (6/144)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/91)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/527، 528). .
- وقولُه: لِلْحَقِّ كَارِهُونَ فيه الإظهارُ في مَوقعِ الإضمارِ، وهو يُنبِئُ عن كُرْهِهم للحقِّ مِن حيثُ هو حَقٌّ أيَّ حَقٍّ كان، لا لهذا الحقِّ فقطْ [653] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/607)، ((تفسير أبي السعود)) (6/144). . وقُدِّمَ المَعمولُ لِلْحَقِّ اهتِمامًا بذِكْرِ الحقِّ؛ حتَّى يَسْتوعِيَ السَّامِعُ ما بَعدَهُ، فيَقَعَ مِن نَفْسِه حُسْنُ سَماعِه مَوقِعَ العجَبِ مِن كارهِيهِ، ولمَّا ضَعُفَ العامِلُ فيه بالتَّأخيرِ قُرِنَ المعمولُ بلامِ التَّقويةِ [654] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/91). .
4- قوله تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ
- قولُه: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ جُملةٌ مُعترِضةٌ بيْنَ المَعطوفِ والمَعطوفِ عليه، وهو أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا [المؤمنون: 72] وأَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ [المؤمنون: 70] [655] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/611). . وقيل: هو استِئنافٌ مَسوقٌ لبَيانِ أنَّ أهواءَهم الزَّائغةَ الَّتي ما كَرِهُوا الحقَّ إلَّا لعَدمِ مُوافَقَتِه إيَّاها مُقْتضيةٌ للطَّامَّةِ [656] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/144). . وقيل: عُطِفَ هذا الشَّرطُ الامتناعيُّ على جُملةِ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون: 70]؛ زِيادةً في التَّشنيعِ على أهوائِهم؛ فإنَّها مُفْضيةٌ إلى فَسادِ العالَمِ ومَن فيه، وكَفَى بذلك فَظاعةً وشَناعةً [657] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/91). .
- قولُه: بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ انتِقالٌ مِن تَشنيعِهم بكَراهةِ الحقِّ الَّذي به يَقومُ العالَمُ، إلى تَشنيعِهم بالإعراضِ عمَّا جُبِلَ عليه كلُّ نَفْسٍ مِنَ الرَّغبةِ فيما فيه خَيرُها [658] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/144). . وهو إبْطالٌ لِمَا اقْتَضاهُ الفرْضُ في قولِه: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ، أي: بلْ لم يتَّبِعِ الحقُّ أهواءَهم، فأبْلَغْنا إليهم الحقَّ على وَجْهِه بالقُرآنِ الَّذي هو ذِكْرٌ لهم، يُوقِظُ عُقولَهم مِن سُباتِها؛ جُعِلَ إبلاغُ الحقِّ لهم بالأدِلَّةِ بمَنزِلةِ تَذكيرِ النَّاسي شيئًا طال عَهْدُه به [659] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/95). .
- وفي إسنادِ الإتيانِ بالذِّكرِ إلى نُونِ العَظمةِ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ بَعدَ إسنادِه إلى ضَميرِه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ: تَنويهٌ لِشَأْنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وتَنبيهٌ على كَونِه بمَثابةٍ عَظيمةٍ منه عَزَّ وجَلَّ. وفي إيرادِ القُرآنِ الكريمِ عندَ نِسبَتِه إليه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعُنوانِ الحقِّيَّةِ، وعندَ نِسبَتِه إليه تعالى بعُنوانِ الذِّكرِ- ما لا يَخْفَى؛ فإنَّ التَّصريحَ بحَقِّيَّتِه المُستلْزِمةِ لِحَقِّيَّةِ مَن جاء به هُو الَّذي يَقْتضيهِ مَقامُ حِكايةِ ما قالَهُ المُبطِلون في شأْنِه، وأمَّا التَّشريفُ فإنَّما يَلِيقُ به تعالى لا سيَّما رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحدَ المُشرَّفينَ [660] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/145). .
- وفي قولِه: فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ الفاءُ لِتَفريعِ إعراضِهم على الإتيانِ بالذِّكرِ إليهم، أي: فتفرَّعَ على الإرسالِ إليهم بالذِّكرِ إعراضُهم عنه [661] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/144، 145)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/95). . وفيه وَضْعُ الظَّاهرِ مَوضِعَ الضَّميرِ، حيث لم يقُلْ: (عنه)، وفي هذا مَزيدُ تَشنيعٍ لهم وتَقريعٍ [662] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/144). .
- وأيضًا في قولِه: فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ التَّعبيرُ عن إعراضِهم بالجُملةِ الاسميَّةِ؛ للدَّلالةِ على ثَباتِ إعراضِهم وتَمكُّنِه منهم. وتَقديمُ المجرورِ عَنْ ذِكْرِهِمْ على عامِلِه مُعْرِضُونَ؛ للاهتمامِ بذِكْرِهم؛ لِيَكونَ إعراضُهم عنه مَحَلَّ عَجَبٍ [663] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/95). .
5- قوله تعالى: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
- قولُه: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ (أمْ) للانتقالِ إلى استفهامٍ آخَرَ عن دَواعي إعراضِهم عن الرَّسولِ، واستِمرارِ قُلوبِهم في غَمرةٍ. والاستفهامُ المُقدَّرُ هنا إنكاريٌّ تَوبيخيٌّ، أي: ما تسأَلُهم خَرْجًا، فيَعتذِروا بالإعراضِ عنك لأجْلِه؛ شُحًّا بأموالِهم [664] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/575)، ((تفسير أبي السعود)) (6/145)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/96). .
- وفي قولِه: خَرْجًا فَخَرَاجُ تفنُّنٌ في الكلامِ؛ تَجنُّبًا لإعادةِ اللَّفظِ في غَيرِ المقامِ المُقْتَضي إعادةَ اللَّفظينِ مع قُربِ اللَّفظينِ [665] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/97). .
- وقولُه: فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ تَعليلٌ لِنَفيِ السُّؤالِ المُستفادِ مِن الإنكارِ. وفي التَّعرُّضِ لعُنوانِ الرُّبوبيَّةِ مع الإضافةِ إلى ضَميرِه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مِن تَعليلِ الحُكمِ وتَشريفِه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما لا يَخْفى [666] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/145). .
- وجُملةُ: وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ جُملةٌ مُعترِضةٌ؛ تَكميلًا للغرَضِ بالثَّناءِ على اللهِ والتَّعريفِ بسَعةِ فَضْلِه. وفيه تَقريرٌ وتأْكيدٌ لِمَعنَى: فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ [667] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/92)، ((تفسير أبي السعود)) (6/145)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/98). .