موسوعة التفسير

سورةُ الأنْبياءِ
الآيات (19-23)

ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ

غريب الكلمات:


وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ: أي: لا يَعْيَونَ، ولا يَنقَطِعونَ عن العِبادةِ، والحَسِيرُ: المنقَطِعُ إعياءً أو كَلالًا، وأصلُ (حسر): يدُلُّ على كَشفِ الشَّيءِ [194] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 285)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 516)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/61)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 236)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 294). .
يَفْتُرُونَ: أي: يَضعُفونَ ويَسأَمونَ، والفُتورُ: سكونٌ بعدَ حِدَّةٍ، ولينٌ بعدَ شِدَّةٍ، وأصلُ (فتر): يدُلُّ على ضَعفٍ في الشَّيءِ [195] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/470)، ((المفردات)) للراغب (ص: 622)، ((تفسير القرطبي)) (11/278). .
يُنْشِرُونَ: أي: يُحيُونَ الموتى، وأصلُ (نشر): يدُلُّ على فَتحِ شَيءٍ وتَشعُّبِه [196] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 285)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/430)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 237)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 294). .

مشكل الإعراب:


قولُه تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا
قَولُه: إِلَّا اللَّهُ: بالرَّفعِ صفةٌ للنكرةِ قبلَها آَلِهَةٌ. وإِلَّا هنا بمعنى (غَيْر) ولا يَصحُّ الاستثناءُ بالنَّصبِ؛ لأنَّ المعنى حينئذٍ يصيرُ: (لو كان فيهما آلهةٌ ليس اللهُ فيهم، لفسَدتا)، وذلك يقتضي أنَّه لو كان فيهما آلهةٌ فيهم الله لم تفسُدا، وهذا ظاهِرُ الفَسادِ، وكذلك لا يصحُّ أن يُعرَبَ بدلًا مِن آَلِهَةٌ؛ لأنَّه لم يصِحَّ الاستثناءُ، فلا تصحُّ البدليَّةُ. وقيل: (إلَّا) هنا اسمٌ مبنيٌّ بمعنى «غير»، صِفةٌ لـ آَلِهَةٌ، انتقل إعرابُها وظهرَ فيما بعدَها اللَّهُ، وعليه فـ اللَّهُ مُضافٌ إليه مجرورٌ بكسرةٍ مُقدَّرةٍ على آخرِه منَعَ مِن ظهورها اشتغالُ المحلِّ بحركةِ إعرابِ إِلَّا الظاهرِ فيه [197] يُنظر: ((معانى القرآن)) للأخفش (1/123)، ((التبيان)) للعكبري (2/914)، ((الجنى الداني في حروف المعاني)) للمرادي (ص: 88)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/142)، ((حاشية الصبان)) (2/229)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (17/17). .

المعنى الإجمالي:


يَقولُ الله تعالى: وللهِ سُبحانَه مُلكُ مَن في السَّمَواتِ والأرضِ. والذين عندَه من الملائكةِ لا يتكَبَّرونَ عن عِبادتِه ولا يَنقَطِعونَ عنها، يذكُرونَ اللهَ ويُنَزِّهونَه دائمًا، لا يَضْعُفونَ ولا يَسأَمونَ.
ثمَّ ذكَر الله تعالى الأدلةَ على وحدانيَّتِه، واستحالةِ أن يكونَ له شركاءُ في ألوهيتِه، فقال: أتَّخَذَ هؤلاء المشركونَ آلهةً مِن الأرضِ يُحيون الموتَى؟ كلا، لا يَقْدِرون على ذلك، فكيفَ عبَدوهم معَ اللهِ؟! لو كان في السَّمَواتِ والأرضِ آلهةٌ غيرُ اللهِ سُبحانَه وتعالى، لاختلَّ نظامُهما. فتنزَّه اللهُ رَبُّ العَرشِ، وتقدَّس عَمَّا يَصِفُه الجاحِدونَ الكافِرونَ، من الكَذِبِ والافتراءِ.
لا يُسألُ عن قَضائِه في خَلقِه، ولا أحدَ يَقدِرُ أن يُمانِعَه أو يُعارِضَه سُبحانَه، وجميعُ خَلقِه يُسأَلونَ عن أفعالِهم وأقوالِهم.

تفسير الآيات:


وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا نفَى اللَّعِبَ عن نَفْسِه، ونفيُ اللَّعِبِ لا يَصِحُّ إلَّا بنفيِ الحاجةِ، ونفيُ الحاجةِ لا يَصِحُّ إلا بالقُدرةِ التامَّةِ؛ لا جرَمَ عَقَّب تلك الآيةَ بقَولِه: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ لدَلالةِ ذلك على كَمالِ المُلكِ والقُدرةِ [198] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/125). .
وأيضًا فإنَّ اللهَ تعالى لَمَّا حكى كلامَ الطَّاعِنينَ في النبُوَّاتِ، وأجاب عنها، وبيَّنَ أنَّ غَرَضَهم مِن تلك المطاعِنِ التمَرُّدُ وعَدَمُ الانقيادِ؛ بيَّنَ في هذه الآيةِ أنَّه تعالى مُنَزَّهٌ عن طاعتِهم؛ لأنَّه هو المالِكُ لجميعِ المُحْدَثاتِ والمخلوقاتِ، ولأجْلِ أنَّ الملائِكةَ مع جلالَتِهم مُطيعونَ له، خائِفونَ منه، فالبَشَرُ مع نهايةِ الضَّعفِ أَولى أن يُطيعوه [199] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/125). .
وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
أي: ولله وَحدَه مُلكُ مَن في السَّمواتِ والأرضِ مِن الخَلقِ، وكُلُّهم عَبيدٌ له [200] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/242)، ((تفسير القرطبي)) (11/277)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/122)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/35). قال القرطبي: (قَولُه تعالى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: مِلكًا وخَلقًا، فكيف يجوزُ أن يُشرَكَ به ما هو عَبدُه وخَلْقُه؟!). ((تفسير القرطبي)) (11/277). .
وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ.
أي: ومَن عِندَه مِنَ الملائِكةِ لا يتكَبَّرونَ عن عبادتِه وطاعتِه والتذَلُّلِ له، ولا يتعَبونَ من عبادتِه، ولا يَنقَطِعونَ عنها [201] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/242)، ((تفسير القرطبي)) (11/277)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/122)، ((تفسير ابن كثير)) (5/336)، ((تفسير السعدي)) (ص: 520). .
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف: 206].
وقال سُبحانَه: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6].
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20).
أي: يُسبِّحونَ اللهَ ليلًا ونهارًا، لا يَضعُفُ نَشاطُهم عن تَسبيحِه في كلِّ وَقتٍ [202] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/244)، ((تفسير القرطبي)) (11/278)، ((تفسير السعدي)) (ص: 520). قال أبو حيَّان: (هم الملائكةُ بإجماعِ الأمَّةِ، وصَفَهم بتسبيحٍ دائمٍ). ((تفسير أبي حيان)) (7/417). وقال البِقَاعي: (يُسَبِّحُونَ أي: يُنزِّهونَ المُستَحِقَّ للتنزيه بأنواعِ التَّنزيهِ مِن الأقوالِ والأفعالِ التي هي عبادةٌ، فهي مُقتَضيةٌ مع نفيِ النَّقائِصِ إثباتَ الكَمالِ). ((نظم الدرر)) (12/401). .
أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا بَيَّنَ الله تعالى كمالَ اقتدارِه وعَظَمتِه، وخضوعَ كُلِّ شَيءٍ له؛ أنكَرَ على المُشرِكينَ الَّذينَ اتَّخَذوا مِن دونِ اللهِ آلِهةً مِن الأرضِ في غايةِ العَجزِ وعَدَمِ القُدرةِ [203] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:521). .
أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21).
أي: هل اتَّخَذ أولئك المُشرِكونَ مَعبوداتٍ مِن الأرضِ يُحْيونَ الأمواتَ؟ كلا، لا يَقدِرونَ على ذلك، فكيف جَعَلوهم لله أندادًا، وعَبَدوهم معه [204] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/245)، ((تفسير الزمخشري)) (3/108)، ((تفسير ابن كثير)) (5/337)، ((تفسير السعدي)) (ص: 521). ؟!
كما قال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا [الفرقان: 3].
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22).
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا.
أي: لو كان في السَّمَواتِ والأرضِ مَعبوداتٌ تَستَحِقُّ العبادةَ غَيرُ اللهِ، لَخَرِبَتِ السَّمَواتُ والأرضُ، واختلَّ نظامُهما، وبطَل الانتفاعُ بما فيهما، وهلَك ما فيهما مِن الخَلقِ [205] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/246)، ((تفسير القرطبي)) (11/279)، ((تفسير ابن كثير)) (5/337)، ((تفسير السعدي)) (ص: 521)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/38، 39). .
كما قال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [المؤمنون: 91].
فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ.
أي: فتنزَّه اللهُ ربُّ العَرشِ وتعالى عمَّا يَصِفُه به الواصِفونَ مِن صِفاتِ النَّقصِ، ويَكذِبونَ عليه، كادِّعائِهم أنَّ له ولدًا وشَريكًا [206] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/246)، ((تفسير القرطبي)) (11/279)، ((تفسير ابن كثير)) (5/337)، ((تفسير السعدي)) (ص: 521). قال القرطبي: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ نزَّه نفْسَه، وأمَر العبادَ أن ينزِّهوه عن أن يكونَ له شريكٌ أو ولدٌ). ((تفسير القرطبي)) (11/279). !
كما قال تعالى: سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الزخرف: 82].
لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23).
أي: لا سائلَ يَسألُ الله تعالى عمَّا يفعلُ، فيقولُ له: لِمَ فعَلْتَ؟ ولِمَ لَمْ تفعَلْ؟ ولا أحدَ يَقدِرُ أن يُمانِعَه أو يُعارِضَه سُبحانَه بقَولٍ أو بفِعلٍ فيما يشاءُ فِعلَه بخَلقِه، وأمَّا خَلقُه فيَسأَلُهم عن أفعالِهم وأقوالِهم [207] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/246)، ((تفسير القرطبي)) (11/279)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّة (13/225)، ((تفسير ابن كثير)) (5/337)، ((تفسير السعدي)) (ص: 521). قال ابنُ تيميَّةَ: (بيَّن سُبحانه أنَّه يفعَلُ ما يشاءُ فلا أحَدَ يُمكِنُه أن يُعارِضَه إذا شاء شيئًا، بل هو قادِرٌ على فِعلِ ما يشاءُ، بخلاف المخلوقِ الذي يشاءُ أشياءَ كثيرةً ولا يُمكِنُه أن يفعَلَها؛ ولهذا قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديثِ الصحيحِ: «لا يقولَنَّ أحدُكم: اللهُمَّ اغفِرْ لي إنْ شِئتَ، اللهمَّ ارحَمْني إنْ شئتَ؛ فإنَّ الله لا مُكرِهَ له، ولكِنْ لِيَعزِمِ المسألةَ» [البخاري «6339»، ومسلم «2679»]). ((مجموع الفتاوى)) (13/225). وقال ابنُ القيِّمِ: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ؛ لكَمالِ حِكمَتِه وعِلْمِه، ووَضْعِه الأشياءَ مواضِعَها، وأنَّه ليس فى أفعالِه خَلَلٌ ولا عَبَثٌ ولا فَسادٌ يُسألُ عنه كما يُسألُ المخلوقُ، وهو الفَعَّالُ لِما يريدُ، ولكِنْ لا يُريدُ أن يفعَلَ إلَّا ما هو خَيرٌ ومَصلحةٌ، ورَحمةٌ وحِكمةٌ، فلا يَفعَلُ الشَّرَّ ولا الفسادَ ولا الجَورَ، ولا خِلافَ مُقتضَى حِكمَتِه؛ لكَمالِ أسمائِه وصِفاتِه). ((طريق الهجرتين)) (ص: 414). قال الواحدي: (قال المفسِّرون: إنَّ الله تعالى لا يُسألُ عمَّا يَحكُمُ في عبادِه مِن إعزازٍ وإذلالٍ، وهُدًى وضَلالٍ، وإسعادٍ وإشقاءٍ؛ لأنَّه الرَّبُّ مالِكُ الأعيانِ، والخَلقُ يُسأَلونَ سُؤالَ توبيخٍ؛ يقال لهم يومَ القيامةِ: لِمَ فَعلتُم كذا وكذا؛ لأنَّهم العبيدُ، وواجِبٌ عليهم امتِثالُ أمرِ مَولاهم، واللهُ تعالى ليس فوقَه أحدٌ يقولُ له لِشَيءٍ فَعَله: لِمَ فعَلْتَه؟!). ((البسيط)) (15/50). .
كما قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود: 107].
وقال سُبحانَه: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد: 41].
وقال عزَّ وجلَّ: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: 92، 93].

الفوائد التربوية:


1- قال الله تعالى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ فكُلُّ المكَلَّفينَ في السَّماءِ والأرضِ هم عَبيدُ اللهِ تعالى، وهو الخالِقُ لهم، والمُنعِمُ عليهم بأصنافِ النِّعَمِ، فيَجِبُ على الكُلِّ طاعَتُه، والانقيادُ لحُكمِه [208] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/125). .
2- قَولُ الله تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ أي: أنَّهم مُستَغرِقونَ في العبادةِ والتَّسبيحِ في جميعِ أوقاتِهم؛ فليس في أوقاتِهم وَقتٌ فارغٌ ولا خالٍ منها، وهم على كَثرتِهم بهذه الصِّفةِ، وفي هذا مِن بيانِ عَظَمةِ اللهِ تعالى، وجَلالةِ سُلطانِه، وكَمالِ عِلمِه وحِكمَتِه ما يُوجِبُ ألَّا يُعبَدَ إلَّا هو، ولا تُصرَفَ العبادةُ لِغَيرِه [209] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:520). .
3- قال تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فعُلِمَ بذلك أنَّه لا صلاحَ للعالَمِ العُلويِّ والسُّفليِّ مَعًا حتى تكونَ حَرَكاتُ أهلِها كُلُّها للهِ، وحَرَكاتُ الجَسَدِ تابِعةٌ لحركةِ القَلبِ وإرادتِه؛ فإن كانت حركَتُه وإرادتُه لله وحْدَه، فقد صلَحَ وصَلَحت حَرَكاتُ الجَسَدِ كُلِّه، وإن كانت حركةُ القَلبِ وإراداتُه لغيرِ الله تعالى، فسَدَ وفسَدَت حَرَكاتُ الجَسَدِ بحَسَبِ فَسادِ حركةِ القلبِ [210]  يُنظر: ((جامع العلوم والحِكَم)) لابن رجب (1/212). ، فكما أنَّ السَّمَواتِ والأرضَ لو كان فيهما إلهٌ غَيرُه سُبحانَه لفَسَدتا، كما قال تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا، فكذلك القَلبُ: إذا كان فيه مَعبودٌ غَيرُ اللهِ فَسَد فَسادًا لا يُرجى صَلاحُه إلَّا بأن يُخرِجَ ذلك المعبودَ مِن قَلبِه، ويكونَ اللهُ وحْدَه إلهَه ومَعبودَه الذي يُحِبُّه ويَرجوه ويَخافُه، ويتوكَّلُ عليه ويُنيبُ إليه [211] يُنظر: ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/45). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- مِن أدِلَّةِ عُلُوِّ اللهِ على خَلْقِه التَّصريحُ باختِصاصِ بَعضِ المخلوقاتِ بأنَّها عِندَه، وأنَّ بعضَها أقرَبُ إليه مِن بَعضٍ؛ كقَولِه تعالى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ، ففَرَّق بينَ مَن له عمومًا، ومَن عندَه مِن مماليكِه وعَبيدِه خُصوصًا، وفيه ردٌّ على الجَهميَّةِ [212]  يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (2/215). .
2- قال الله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ فإنْ قيل: كيفَ أنكَرَ عليهم اتخاذَ آلهةٍ تُنشِرُ، وما كانوا يدَّعونَ ذلك لآلهَتِهم؟
والجوابُ: أنَّ الأمرَ وإن كان كما ذُكِرَ، إلَّا أنَّهم بادِّعائِهم لها الإلهيَّةَ، يَلزَمُهم أن يَدَّعوا لها الإنشارَ؛ لأنَّه لا يَستَحِقُّ هذا الاسمَ إلَّا القادِرُ على كُلِّ مَقدورٍ، والإنشارُ مِن جُملةِ المَقدوراتِ [213] يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (4/603). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (22/126، 127). .
3- في قَولِه تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا دَلالةٌ على أنَّ عِلْمَ اللهِ تعالى يتعلَّقُ أيضًا بالمُستَحيلِ؛ فهذا خبَرٌ يخبِرُ اللهُ فيه أنَّه لو كان في السَّماءِ والأرضِ آلهةٌ إلَّا اللهُ لفَسَدتا، وهذا خَبَرٌ عن شيءٍ مُستَحيلٍ [214] يُنظر: ((شرح العقيدة السفارينية)) لابن عثيمين (1/198). .
4- نبَّه الله سبحانَه خَلْقَه على أنَّه واحدٌ باتِّساقِ أفعالِه وتَرتيبِها، وأنَّه تعالى لا شريكَ له فيها، بقَولِه عزَّ وجَلَّ: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [215] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (7/195). ، فإنَّ كُلَّ إلهٍ كان يَطلُبُ مُغالَبةَ الآخرِ، والعُلُوَّ عليه، وتفَرُّدَه دونَه بإلهيَّتِه؛ إذ الشَّرِكةُ نَقصٌ في كَمالِ الإلهيَّةِ، والإلهُ لا يرضَى لنَفسِه أن يكونَ إلهًا ناقِصًا، فإنْ قهَرَ أحدُهما الآخَرَ كان هو الإلهَ وحْدَه، والمقهورُ ليس بإلهٍ، وإنْ لم يقهَرْ أحَدُهما الآخَرَ، لَزِمَ عَجزُ كُلٍّ منهما، ولم يكنْ تامَّ الإلهيَّةِ، فيَجِبُ أن يكونَ فَوقَهما إلهٌ قاهِرٌ لهما، حاكِمٌ عليهما، وإلَّا ذهب كُلٌّ منهما بما خلَقَ، وطلَبَ كُلٌّ منهما العلوَّ على الآخَرِ، وفي ذلك فسادُ أمرِ السَّمَواتِ والأرضِ ومَن فيها [216] يُنظر: ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 202). ؛ فلا يَصلُحُ الوجودُ إلَّا على إلهٍ واحدٍ، كما أنَّه لم يُوجَدْ إلَّا برَبٍّ واحدٍ؛ ولهذا قال سُبحانَه: لَوْ كَانَ فِيهِمَا أي: في السَّمَواتِ والأرضِ آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا في ذاتِهما، وفسَدَ مَن فيهما مِن المخلوقاتِ. بيانُ ذلك: أنَّ العالَمَ العُلويَّ والسُّفليَّ -على ما يُرى- في أكمَلِ ما يكونُ مِن الصَّلاحِ والانتِظامِ الذي ما فيه خَلَلٌ ولا عَيبٌ، ولا مُمانعةٌ ولا مُعارضةٌ؛ فدَلَّ ذلك على أنَّ مُدَبِّرَه واحِدٌ، ورَبَّه واحِدٌ، وإلهَه واحِدٌ -سُبحانَه وبِحَمدِه [217] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 521). .
5- في قَولِه تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ دَلالةٌ على أنَّ التَّعليقَ بالشَّرطِ لا يَدُلُّ على إمكانِ المَشروطِ، بل قد يكونُ مُستَحيلًا غايةَ الاستِحالةِ، كما في الآيةِ [218] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 14). وتُنظر: قاعدة (الشرطُ لا يقتضي جوازَ الوقوعِ) في ((قواعد التفسير)) للسبت (2/639). .
6- قَولُ الله تعالى: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ فيه سؤالٌ: لِقائلٍ أن يقولَ: إنَّ قَولَه: وَهُمْ يُسْأَلُونَ وإن كان متأكِّدًا بقَولِه: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: ٩٢]، وبقَولِه: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [الصافات: ٢٤] إلَّا أنَّه يُناقِضُه -ظاهِرًا- قَولُه: فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ [الرحمن: ٣٩]!
والجوابُ عن هذا مِن ثلاثةِ أوجُهٍ:
الأوَّل -وهو أوجَهُها؛ لدَلالةِ القُرآنِ عليه- هو: أنَّ السُّؤالَ قِسمانِ: سؤالُ تَوبيخٍ وتقريعٍ، وأداتُه غالبًا: (لِمَ)، وسؤالُ استخبارٍ واستعلامٍ، وأداتُه غالبًا: (هَل)، فالـمُثبَتُ هو سؤالُ التَّوبيخِ والتَّقريعِ، والمنفيُّ هو سُؤالُ الاستخبارِ والاستعلامِ. وجهُ دلالةِ القرآنِ على هذا: أنَّ سؤالَه لهم المنصوصَ في كُلِّه توبيخٌ وتقريعٌ، كقولِه: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ [الصافات: 24، 25]، وقولِه: أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ [الطور: 15]، وكقولِه: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [الملك: 8]، إلى غيرِ ذلك مِنَ الآياتِ.
الثاني: أنَّ في القيامةِ مواقِفَ مُتعدِّدةً؛ ففي بعضِها يُسألونَ، وفي بعضها لا يُسألونَ.
الثالث: أنَّ إثباتَ السُّؤالِ مَحمولٌ على السُّؤالِ عَنِ التَّوحيدِ، وتَصديقِ الرُّسلِ، وعدمَ السُّؤالِ مَحمولٌ على ما يستلزِمُه الإقرارُ بالنُّبوَّاتِ مِن شرائِعِ الدِّينِ وفُروعِه [219] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)) للشنقيطي (ص: 100، 101). . وقيل غيرُ ذلك [220] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/201)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/28). .
7- قال الله تعالى: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ بيَّنَ بهذا أنَّ مَن يُسأَلُ غَدًا عن أعمالِه -كالمَسيحِ، والمَلائِكةِ- لا يَصلُحُ للإلهيَّةِ [221] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (11/279). .
8- قَولُه تعالى: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ فيه دليلٌ ظاهرٌ على القدريَّةِ في مسألةِ القَدَرِ [222] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (15/51). ، فعن أبي الأسودِ الدِّيليِّ، قال: (قال لي عِمْرانُ بنُ الحُصَينِ: أرأيتَ ما يعملُ النَّاسُ اليومَ ويَكْدَحونَ فيه، أشيءٌ قُضيَ عليهم، ومضَى عليهم مِن قَدَرِ ما سَبَق؟ أو فيما يُستقبَلونَ به مِمَّا أتاهم به نَبِيُّهم، وثَبَتت الحجَّةُ عليهم؟ فقُلْتُ: بل شيءٌ قُضِي عليهم، ومضَى عليهم. قال: فقال: أفلا يكونُ ظلمًا؟ قال: ففزِعْتُ مِن ذلك فَزَعًا شديدًا، وقلتُ: كلُّ شيءٍ خَلْقُ اللهِ ومِلْكُ يدِه، فلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. فقال لي: يرحمُك اللهُ، إنِّي لم أُرِدْ بما سألْتُك إلَّا لِأَحْزِرَ [223] لأَحزِرَ: أي: لأمتَحِنَ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (16/199). عقلَك) [224] أخرجه مسلم (2650). . وقال ابنُ جُرَيجٍ في هذه الآيةِ: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ: (المعنى: لا يَسألُه الخَلقُ عن قَضائِه في خَلْقِه، وهو يسألُ الخَلقَ عن عَمَلِهم؛ لأنَّهم عَبيدٌ) [225] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (11/279). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ استئنافٌ مُقرِّرٌ لِمَا قبْلَه، وإخبارٌ بأنَّ جميعَ العالَمِ ملْكُه [226] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/416)، ((تفسير أبي السعود)) (6/60). ، أو عطْفٌ على جُملةِ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا [الأنبياء: 17]، مُبيِّنةٌ أنَّ كلَّ مَن في السَّمواتِ والأرضِ عِبادٌ للهِ تعالى، مَخلوقونَ لقَبولِ تَكليفِه، والقيامِ بما خُلِقوا لأجْلِه [227] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/35). .
       - وتَقديمُ المجرورِ في وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ للاختصاصِ، أي: له مَن في السَّمواتِ والأرضِ لا لِغَيرِه، وهو قَصْرُ إفرادٍ [228] القَصرُ أو الحَصرُ: في اصطِلاح البلاغيِّين هو: تَخصيصُ شيءٍ بشيء وحصرُه فيه، ويُسمَّى الأمرُ الأول: مَقصورًا، والثاني: مقصورًا عليه، مثل: إنَّما زيدٌ قائمٌ، و: ما ضربتُ إلَّا زيدًا. وينقسمُ إلى قَصرٍ حقيقي، وقَصرٍ إضافي، وادِّعائي، وقَصْرِ قَلْب. ويَنقسمُ القَصرُ أو الحَصرُ باعتبارٍ آخَرَ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ: قصْرُ إفرادٍ، وقصْرُ قَلْبٍ، وقَصْرُ تعيينٍ؛ فقصرُ الإفرادِ: يُخاطَب به مَن يَعتقدُ الشركةَ، نحو: إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النحل: 51]، خُوطِبَ به مَن يَعتقدُ اشتراكَ اللهِ والأصنامِ في الأُلوهية، ومنه الآيةُ المذكورةُ هنا كذلك. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكَّاكي (ص: 288)، ((الإيضاح في علوم البلاغة)) للقزويني (1/118)، و(3/6)، ((التعريفات)) للجرجاني (1/175، 176)، ((الإتقان)) للسيوطي (3/167)، ((جواهر البلاغة)) للهاشمي (ص: 167، 168)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني (1/525). ؛ رَدًّا على المُشرِكينَ الَّذين جَعَلوا للهِ شُركاءَ في الإلهيَّةِ. ومَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَعُمُّ العُقلاءَ وغيرَهم، وغلَّبَ اسمَ الموصولِ الغالبَ في العُقلاءِ؛ لأنَّهم المقصودُ الأوَّلُ [229] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/35). .
       - وجمَعَ السَّماءَ هنا؛ لاقتضاءِ تَعميمِ المُلْكِ ذلك [230] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/400). .
       - قولُه: وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يعني: الملائكةَ، وخَصَّهم بالذِّكْرِ؛ لامتيازِهم بفضيلةِ القُرْبِ منه [231] يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (4/601). ، وهو مَعطوفٌ على مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ فيكونُ مِن عطْفِ الخاصِّ على العامِّ للاهتمامِ به. أو المُرادُ به نوعٌ مِن الملائكةِ مُتعالٍ عن التَّبوُّؤِ في السَّماءِ والأرضِ، أو لأنَّه أعَمُّ منه من وَجْهٍ، أو مُبتدأٌ خبَرُه لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ [232] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/108)، ((تفسير البيضاوي)) (4/48)، ((تفسير أبي حيان)) (7/416)، ((تفسير أبي السعود)) (6/60)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/35، 36). .
       - وفيه تَعريضٌ بالَّذينَ يَستكبِرونَ عن عِبادةِ اللهِ، ويَعْبُدونَ الأصنامَ، وهم المُشرِكونَ [233] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/36). .
       - قولُه: وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ فيه قُوَّةُ اللَّفظِ لقُوَّةِ المعنى، وهو نقْلُ اللَّفظِ من وزْنٍ إلى وزْنٍ آخرَ أكثَرَ منه؛ لِيَتضمَّنَ من المعنى الدَّالِّ عليه أكثَرَ ممَّا تضمَّنَه أوَّلًا، وهذا الضَّرْبُ مِن الزِّيادةِ في الألفاظِ لا يُستعمَلُ إلَّا في مَقامِ المُبالَغةِ، وهو هنا في قولِه: وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ؛ فقد عدَلَ عن الثُّلاثيِّ وهو (حَسَرَ) إلى السُّداسيِّ وهو (اسْتحسَرَ)، وقد كان ظاهِرُ الكلامِ أنْ يُقالَ: (يَحْسِرون)، أي: يَكِلُّون ويَتْعبونَ؛ لأنَّ أقلَّ مَلَلٍ منهم أو كَلالٍ إزاءَ الملائكةِ وإزاءَ عِبادَتِهم للهِ سُبحانه لا يُتصوَّرُ منهم، ولكنَّه عدَلَ عن ذلك؛ للتنبيهِ على أنَّ عباداتِهم بثِقَلِها ودوامِها حقيقةٌ بأن يُستَحسَرَ منها، ومعَ ذلك لا يَستحسرونَ [234] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/108)، ((تفسير البيضاوي)) (4/48)، ((تفسير أبي حيان)) (7/417)، ((تفسير أبي السعود)) (6/60)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/36)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/296). .
2- قوله تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ
       - قولُه: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ استئنافٌ وقَعَ جوابًا لسُؤالٍ نشَأَ ممَّا قبْلَه؛ كأنَّه قِيلَ: ماذا يَصْنعونَ في عِباداتِهم أو كيف يَعْبُدون؟ فقيل: يُسَبِّحُونَ ... إلخ [235] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/60، 61). . أو هو بَيانٌ لجُملةِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ؛ لأنَّ مَن لا يتعَبُ مِن عمَلٍ لا يَترُكُه، فهو يُواظِبُ عليه ولا يَعْيا منه [236] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/36). .
3- قولُه تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ
       - قولُه: أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً حِكايةٌ لجِنايةٍ أُخْرى من جِناياتِهم بطَريقِ الإضرابِ والانتقالِ مِن فَنٍّ إلى فنٍّ آخَرَ من التَّوبيخِ، ومعنى الهمزةِ في (أَمْ) المُنقطعةِ إنكارُ الواقعِ [237] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/108، 109)، ((تفسير البيضاوي)) (4/48)، ((تفسير أبي حيان)) (7/417)، ((تفسير أبي السعود)) (6/61). ، وهذا الانتقالُ وقَعَ اعتراضًا بين جُملةِ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وجُملةِ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [238] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/37). .
       - وضَميرُ اتَّخَذُوا عائدٌ إلى المُشرِكينَ المُتبادرينَ مِن المقامِ في مثْلِ هذه الضَّمائرِ، ويجوزُ جَعْلُه الْتِفاتًا عن ضَميرِ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء: 18]، ويجوزُ أنْ يكونَ مُتناسِقًا مع ضَمائرِ بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ [الأنبياء: 5] وما بعْدَه [239] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/37). .
       - وفيه بابٌ من التَّهكُّمِ بهم والتَّوبيخِ والتَّجهيلِ، وإشعارٌ بأنَّ ما استَبْعدوهُ من اللهِ لا يصِحُّ استبعادُه؛ لأنَّ الإلهيَّةَ لمَّا صحَّتْ صَحَّ معها الاقتِدارُ على الإبداءِ والإعادةِ [240] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/108، 109)، ((تفسير أبي حيان)) (7/418). .
       - والمُرادُ بقولِه: مِنَ الْأَرْضِ هو التَّحقيرُ لا التَّخصيصُ، ووَصْفُ الآلهةِ بأنَّها مِن الأرضِ فيه تَهكُّمٌ بالمُشرِكينَ، وإظهارٌ لضَعْفِ رأْيِهم، أي: جَعَلوا لأنفُسِهم آلِهةً مِن عالَمِ الأرضِ، أو مأْخوذةً مِن أجزاءِ الأرضِ؛ تَعريضًا بأنَّ ما كان مثْلَ ذلك لا يَستحِقُّ أنْ يكونَ مَعبودًا [241] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (8/48)، ((تفسير أبي حيان)) (7/417)، ((تفسير أبي السعود)) (6/61)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/37). .
       - وقولُه أيضًا: مِنَ الْأَرْضِ فيه مُقابَلةٌ لقولِه تعالى: وَمَنْ عِنْدَهُ؛ لأنَّ المُرادَ أهْلُ السَّماءِ [242] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/37). .
       - قولُه: هُمْ يُنْشِرُونَ النُّكتةُ في ذِكْرِ الضَّميرِ (هم): إفادةُ معنى الخُصوصيَّةِ، وهو الَّذي يَدورُ عليه الإنكارُ والتَّجهيلُ والتَّشنيعُ، ومعنى التَّخصيصِ في تَقديمِ الضَّميرِ: التَّنبيهُ على كَمالِ مُبايَنةِ حالِهم للإنشارِ المُوجبةِ لمَزيدِ الإنكارِ. ويجوزُ أنْ يُجعَلَ ذلك مِن مُسْتتبعاتِ ادِّعائِهم الباطلَ؛ لأنَّ الأُلوهيَّةَ مُقْتضيةٌ للاستقلالِ بالإبداءِ والإعادةِ، فحيث ادَّعَوا للأصنامِ الإلهيَّةَ، فكأنَّهم ادَّعَوا لها الاستقلالَ بالإنشارِ [243] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/109)، ((تفسير أبي السعود)) (6/61)، ((تفسير البيضاوي)) (4/48)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/38)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/297). . وقيل: هُمْ في قولِه تعالى: هُمْ يُنْشِرُونَ للدَّلالةِ على قُوَّةِ أمْرِهم فيما أُسْنِدَ إليهم، لا على الاختصاصِ [244] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/316). . وقيل: فائدةُ قولِه: هُمْ الإيذانُ بأنَّهم لم يَدَّعُوا لها الإنشارَ، وأنَّ قولَه: هُمْ يُنْشِرُونَ استئنافُ إلْزامٍ لهم، وكأنَّه قال: اتَّخَذوا آلهةً مع اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فهمْ إذنْ يُحْيونَ الموتى ضَرورةَ كونِهم آلِهةً [245] يُنظر: ((تفسير الزمخشري - حاشية ابن المنير)) (3/109). .
4- قولُه تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ جُملةٌ مُبيِّنةٌ للإنكارِ الَّذي في قولِه تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً؛ ولذلك فُصِلَتْ ولم تُعْطَفْ. وهذه الآيةُ استدلالٌ على استحالةِ وُجودِ آلهةٍ غيرِ اللهِ بعْدَ خلْقِ السَّمواتِ والأرضِ، فهي مَسوقةٌ لإثباتِ الوَحدانيَّةِ لا لإثباتِ وُجودِ الخالقِ؛ إذ لا نِزاعَ فيه عندَ المُخاطَبينَ، ولا لإثباتِ انفرادِه بالخلْقِ؛ إذ لا نِزاعَ فيه كذلك، ولكنَّها مُنتظِمةٌ على ما يُناسِبُ اعتقادَهم الباطِلَ؛ لكَشْفِ خطَئِهم، وإعلانِ باطِلِهم [246] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/38، 39). .
       - والضَّميرُ في قولِه: فِيهِمَا عائدٌ على السَّماءِ والأرضِ، وهما كِنايةٌ عن العالَمِ [247] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/418). .
       - قولُه: فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لتَرتيبِ ما بعْدَها على ما قبْلَها مِن ثُبوتِ الوَحدانيَّةِ بالبُرهانِ، وإيرادُ لفْظِ الجَلالةِ في مَوضِعِ الإضمارِ؛ للإشعارِ بعِلَّةِ الحُكْمِ؛ فإنَّ الأُلوهيَّةَ مَناطٌ لجميعِ صِفاتِ كَمالِه الَّتي من جُملتِها تَنزُّهُه تعالى عمَّا لا يَلِيقُ به، ولِتَربيةِ المَهابةِ وإدخالِ الرَّوعةِ. وقولُه: رَبِّ الْعَرْشِ صِفةٌ للاسمِ الجليلِ مُؤكِّدةٌ لتَنزُّهِه عزَّ وجلَّ، وللتَّذكيرِ بأنَّه انفرَدَ بخلْقِ السَّمواتِ، وهو شَيءٌ لا يُنازِعونَ فيه، بلْ هو خالِقُ ما هو أعظَمُ من السَّمواتِ وحاوِيها، وهو العرْشُ؛ تَعريضًا بهم بإلْزامِهم لازِمَ قَولِهم بانفرادِهِ بالخلْقِ أنْ يَلزَمَ انتفاءُ الشُّركاءِ له فيما دونَ ذلك [248] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/62)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/44)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/295). .
5- قولُه تعالى: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ استئنافٌ ببَيانِ أنَّه تعالى لقُوَّةِ عَظمتِه وعِزَّةِ سُلطانِه القاهرِ، بحيث ليس لأحدٍ من مَخلوقاتِه أنْ يُناقِشَه ويَسأَلَه عمَّا يَفعَلُ مِن أفعالِه، إثْرَ بَيانِ أنْ ليس له شَريكٌ في الإلهيَّةِ [249] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/62). . وفيه إبطالٌ لإلهيَّةِ المُقرَّبينَ الَّتي زعَمَها المُشرِكونَ الَّذين عَبَدوا الملائكةَ وزَعَموهم بَناتِ اللهِ تعالى، بطريقةِ انتفاءِ خاصيَّةِ الإلهِ الحقِّ عنهم؛ إذ هم يُسْألونَ عمَّا يَفْعلون، وشأْنُ الإلهِ ألَّا يُسألَ [250] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/46). .
       - وجُملةُ: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ تَمهيدٌ لجُملةِ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، على أنَّ تَقديمَه على جُملةِ وَهُمْ يُسْأَلُونَ اقتضَتْهُ مُناسبةُ الحديثِ عن تَنزيهِه تعالى على الشُّركاءِ؛ فكان انتقالًا بَديعًا بالرُّجوعِ إلى بَقيَّةِ أحوالِ المُقرَّبينَ. وأيضًا في قولِه: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ كِنايةٌ عن جَريانِ أفعالِ اللهِ تعالى على مُقْتضى الحِكْمةِ، بحيث إنَّها لا مَجالَ فيها لانتقادِ مُنتقِدٍ [251] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/45، 46). .
       - وجاء في قولِه: عَمَّا يَفْعَلُ بالتَّعبيرِ بـ يَفْعَلُ؛ إذ الفِعلُ جامِعٌ لصِفاتِ الأفعالِ، مُندرِجٌ تحتَهُ كلُّ ما يَصدُرُ عنه مِن خَلْقٍ ورَزْقٍ، ونَفْعٍ وضَرٍّ، وغيرِ ذلك [252] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/420). .
       - قولُه: وَهُمْ يُسْأَلُونَ وَعيدٌ للكَفرةِ [253] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/62). ، وفيه: كِنايةٌ عن العُبوديَّةِ [254] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/326)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/46). .