موسوعة التفسير

سورةُ المُؤْمِنونَ
الآيات (84-92)

ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ

غريب الكلمات:


مَلَكُوتُ: الملكوتُ: المُلْكُ، زِيدَتْ فيه الواوُ والتَّاءُ للمبالغةِ، وأصلُ (ملك): يدُلُّ على قُوَّةٍ في الشَّيءِ [753] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 156)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 414)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/351)، ((المفردات)) للراغب (ص: 775)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 97)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 193)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 880). .
يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ:أي: يمنعُ ويغيثُ مَن يشاءُ ممن يشاءُ، ولا يمنعُ منه أحدٌ؛ يُقالُ: أجرْتُ فلانًا: إذا حمْيتَه، وأجرتُ على فلانٍ: إذا حميتَ عنه، أو: يؤمِّنُ مَن أخافَه غيرُه، ومَن أخافه هو لم يؤمِّنْه أحدٌ، مِن الجوارِ بمعنَى التأمينِ [754] يُنظر: ((الغريبين)) للهروي (1/382)، ((الوسيط)) للواحدي (3/296)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 252)، ((تفسير الرسعني)) (5/152)، ((تفسير القرطبي)) (12/145)، ((تفسير ابن جزي)) (1/28)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 991). .
تُسْحَرُونَ: أي: تُخْدَعونَ وتُصْرَفون، وأصلُ (سحر): يدلُّ على الخِداعِ وشِبْهِه [755] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 299)، ((تفسير ابن جرير)) (17/101)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 164)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/138)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 252)، ((تفسير القرطبي)) (12/145)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 321). .

المعنى الإجمالي:


يأمرُ الله نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّم أن يقولَ لِقَومِه المُشرِكينَ المكذِّبينَ بالبعثِ: لِمَن هذه الأرضُ ومَن عليها إن كنتُم تعلمونَ؟ سيقولونَ مجيببنَ: للهِ، قُلْ لهم: أفلَا تَتذكَّرونَ بأنَّ مَن خلَقَ الأرضَ ومَن فيها قادِرٌ على إحياءِ النَّاسِ بَعدَ مَوتِهم؟!
ويأمرُه أن يقولَ لهم: مَن خالقُ السَّمواتِ السَّبْعِ ومدَبِّرُها ومالِكُها، ومَن خالقُ العرشِ العَظيمِ ومدَبِّرُه ومالِكُه؟ سيَقولون: ذلك كلُّه للهِ خالقِ كُلِّ شَيءٍ، فقُلْ لهم: أفلَا تخافونَ عَذابَه؛ وغضَبَه وسخطَه؟! قلْ لهم: مَن بيَدِه مُلْكُ كُلِّ شَيءٍ، ومَن يُغِيثُ مَن يشاء مِن خَلقِه ممَّن يُريدُ به سوءًا أو ضرًّا، ولا يَستطيعُ أحدٌ أنْ يَحْمِيَ ويَمنَعَ مَن أراد اللهُ به السوءَ والضرَّ، إنْ كنتُم تَعلمونَ ذلك؟ سيَقولونَ: كُلُّ ذلك للهِ، قُلْ لهم: إنِ اعترَفْتُم بذلك فكيف يُخَيَّلُ إليكم الباطِلُ حقًّا، وكيف تُصْرَفونَ عن الحقِّ إلى الباطِلِ؟!
ثم يقولُ تعالى: بلْ أتَيْناهم بالحَقِّ، وإنَّهم لَكاذبونَ في زعمِهم الشَّريكَ والولدَ لله، ودَعْواهم أنَّ البَعثَ غيرُ واقعٍ!
ويخبرُ تعالى أنَّه ما اتَّخذَ سبحانه وتعالى لنَفْسِه ولدًا كما يَزعُمُ النصارى وغيرُهم، ولم يكُنْ معه مِن إلهٍ آخَرَ، فلو كان معه آلهةٌ أخرَى لانفَرَد كلُّ إلهٍ بما خلَقَ، ولأرادَ كلُّ إلهٍ أن يعلوَ على الآخَرِ ويقهرَه، مما يستحيلُ معه أن ينتظمَ أمرُ هذا الكونِ. تَنزَّهَ اللهُ سُبحانَه وتعالى وتقدَّس عمَّا يَصِفُه به هؤلاء المشركونَ، هو وَحْدَه العليمُ بما غاب عن خَلقِه وما شاهَدوهُ، فتَنزَّهَ اللهُ وتقَدَّس عن شركِ المشركينَ، وتعالى عمَّا يصفونَه به من العيوبِ والنقائضِ.

تفسير الآيات:


قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا اتَّخَذَ المُشرِكون مِن دُونِ اللهِ تعالى آلهةً، ونَسَبوا إليه الولَدَ، نبَّهَهم على فَرْطِ جَهْلِهم بكَونِهم يُقِرُّون بأنَّه تعالى له الأرضُ ومَن فيها مِلْكٌ، وأنَّه رَبُّ العالَمِ العُلويِّ، وأنَّه مالِكُ كلِّ شَيءٍ، وهم مع ذلك يَنْسُبون له الولَدَ، ويتَّخِذونَ له شُركاءَ [756] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/580). !
وأيضًا لَمَّا أنكَرَ المُشرِكونَ البَعثَ هذا الإنكارَ المُؤكَّدَ، ونَفَوهُ هذا النَّفيَ المُحتَّمَ؛ أمَرَهُ أنْ يُقرِّرَهم بأشياءَ هُمْ بها مُقِرُّون، ولها عارِفونَ، يَلْزَمُهم مِن تَسليمِها الإقرارُ بالبعثِ قطْعًا، فقال [757] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/175). :
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84).
أي: قُلْ -يا محمَّدُ- لِقَومِك المُشرِكينَ المُكذِّبينَ بالبَعثِ: لِمَن مُلْكُ الأرضِ ومَن فيها مِن الخلْقِ، إنْ كنتُم تَعلَمونَ مَن هو مالِكُ ذلك وخالِقُه [758] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/98)، ((تفسير ابن كثير)) (5/489)، ((تفسير السعدي)) (ص: 557). ؟
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85).
أي: سيقولُ المُشرِكونَ: الأرضُ ومَن فيها للهِ، فقُلْ لهم حينَ يُجِيبونَك بذلك: أفلَا تتأمَّلونَ وتتفَكَّرونَ، فتَتذَكَّرونَ ما هو مَعلومٌ عندَكم، ومُستَقِرٌّ في فِطَرِكم؛ مِن أنَّ الَّذي قدَرَ على خلْقِ ذلك كُلِّه هو المُستحِقُّ للعِبادةِ وَحْدَه، فتُخلِصونَ له، وتَعلَمونَ قُدْرتَه على بَعثِ خَلقِه أحياءً يومَ القيامةِ [759] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/98)، ((تفسير السمرقندي)) (2/487)، ((البسيط)) للواحدي (16/44)، ((تفسير القرطبي)) (12/145)، ((تفسير ابن كثير)) (5/489)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/176، 177)، ((تفسير السعدي)) (ص: 557). ؟!
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لمَّا ذكَّرَهم اللهُ تعالى بالعالَمِ السُّفليِّ لِقُرْبِه؛ تلاهُ بالعُلويِّ؛ لأنَّه أعظَمُ، فقال على ذلك المِنوالِ مُرَقِّيًا لهم إليه [760] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/177). :
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86).
أي: قُلْ -يا محمَّدُ- لقَومِك: مَن خالِقُ السَّمواتِ السَّبْعِ ومالِكُها ومدَبِّرُها، ومَن خالِقُ العرشِ الكبيرِ الواسِعِ المُحيطِ بجَميعِ المخلوقاتِ ومالِكُه ومدَبِّرُه [761] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/98)، ((تفسير ابن كثير)) (5/489)، ((تفسير السعدي)) (ص: 557). ؟
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87).
أي: سيَقولُ المُشرِكونَ: ذلك كلُّه للهِ؛ فالسَّمواتُ السَّبْعُ والعَرشُ العظيمُ مِلكٌ للهِ وَحْدَه، فقُلْ لهم حينَ يُجِيبونك بذلك: أفلَا تتَّقونَ سَخَطَ اللهِ وغضَبَه وعذابَه، والحالُ أنَّه كامِلُ القُدرةِ، عظيمُ السُّلطانِ، فتَتوبونَ مِن شِرْكِكم به، ووَصْفِكم له بما لا يَلِيقُ به سُبحانَه، وتَكذيبِكم رسولَه [762] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/98)، ((تفسير القرطبي)) (12/145)، ((تفسير ابن كثير)) (5/490)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/177)، ((تفسير السعدي)) (ص: 557، 558). ؟!
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا قرَّرَهم بالعالَمَينِ: العُلويِّ والسُّفليِّ، أمَرَهُ بأنْ يُقرِّرَهم بما هو أعَمُّ منهما وأعظَمُ، فقال [763] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/177). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (23/290). :
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ.
أي: قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِقَومِك المُشرِكينَ: مَنِ الَّذي بيَدِه مُلكُ كلِّ شَيءٍ في السَّمواتِ والأرضِ، المُتصرِّفُ فيه بقُدرتِه ومَشيئتِه [764] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (12/145)، ((بيان تلبيس الجهمية)) لابن تيمية (1/514)، ((تفسير ابن كثير)) (5/490)، ((السراج المنير)) للخطيب الشربيني (2/589)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/111)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/349). ؟
كما قال تعالى: مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [هود: 56].
وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
أي: وهو الَّذي يَمنَعُ مَن يَشاءُ مِن عِبادِه ممَّن يُرِيدُ به السُّوءَ والضُرَّ، ولا يَقدِرُ أحدٌ أنْ يَمنَعَ السُّوءَ والضُّرَّ عن أحدٍ إذا شاء اللهُ به ذلك، إنْ كنتُم تَعلمونَ عظَمةَ اللهِ، وأنَّه قادِرٌ على كلِّ شَيءٍ، وبِيَدِه مَلكوتُ كُلِّ شَيءٍ [765] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/100)، ((الوسيط)) للواحدي (3/296)، ((تفسير القرطبي)) (12/145)، ((تفسير ابن كثير)) (5/490)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/178)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/349، 350). قال القُرطبيُّ: (قيلَ: هذا في الدُّنيا، أي: مَن أراد اللهُ إهْلاكَه وخَوْفَه لم يَمْنَعْه منه مانعٌ، ومَن أراد نَصْرَه وأمْنَه لم يَدْفَعْه مِن نَصْرِه وأمْنِه دافِعٌ. وقيلَ: هذا في الآخرةِ، أي: لا يَمْنَعُه مِن مُستحَقِّ الثَّوابِ مانعٌ، ولا يَدفَعُه عن مُستوجبِ العذابِ دافِعٌ). ((تفسير القرطبي)) (12/145). ؟
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89).
أي: سيقولُ المُشرِكون: ذلك كُلُّه للهِ؛ فالمالِكُ لكُلِّ شَيءٍ الَّذي يُجِيرُ ولا يُجارُ عليه هو اللهُ، وهو المُختَصُّ بذلك وَحْدَه، فقُلْ لهم حين يُجيبونَك بذلك: فكيف يُخَيَّلُ إليكم الباطِلُ حقًّا، فتُخْدَعونَ وتُصْرَفونَ عن اتِّباعِ الحَقِّ، وتَذهَبُ عُقولُكم مع ظُهورِه؛ فلا تُوحِّدونَه سُبحانَه في عِبادتِه، ولا تُؤمِنونَ بقُدرتِه على بَعثِكم أحياءً بَعدَ مَوتِكم [766] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/100، 101)، ((تفسير البغوي)) (3/373)، ((تفسير القرطبي)) (12/145)، ((تفسير ابن كثير)) (5/491)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/178)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/112)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/350). ؟!
كما قال تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس: 31، 32].
بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90).
أي: بلْ [767] قال ابنُ جرير: (يقولُ: ما الأمرُ كما يزعمُ هؤلاء المشركونَ بالله مِن أنَّ الملائكةَ بناتُ الله، وأنَّ الآلهةَ والأصنامَ آلهةٌ دونَ الله). ((تفسير ابن جرير)) (17/101). وقال البقاعي: (ولمَّا كان الإنكارُ بمعنَى النفيِ، حسُن قولُه: بَلْ، أي: ليس الأمرُ كما يقولونَ، لم نأتِهم بسِحرٍ بَلْ. أو يكونُ المعنى: ليس هو أساطيرَ، بَلْ أَتَيْنَاهُمْ). ((نظم الدرر)) (13/179). وقال ابنُ عاشورٍ: (إضرابٌ لإبطالِ أن يكونوا مَسْحورينَ، أي: بل ليس الأمرُ كما خُيِّلَ إليهم). ((تفسير ابن عاشور)) (18/112). أتَيْناهم بالحقِّ [768] ممن اختار أنَّ المرادَ بِالْحَقِّ: التوحيدُ: مقاتلُ بن سليمان، والرسعني، وابن كثير. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/164)، ((تفسير الرسعني)) (5/152)، ((تفسير ابن كثير)) (5/491). وممن اختار أنَّ المرادَ به القرآنُ: يحيى بنُ سلام، وابن أبي زمنين، والواحدي. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/414)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (3/209)، ((البسيط)) للواحدي (16/48). وقيل: المرادُ: بالتوحيدِ والقرآنِ. وممَّن اختاره: ابنُ الحوزي. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/270). وقال ابن جرير: (بِالْحَقِّ اليقينِ، وهو الدِّينُ الَّذي ابْتَعَث اللَّهُ به نَبِيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك الإسلامُ، ولا يُعبَدُ شيءٌ سِوَى اللهِ؛ لأنَّه لا إلهَ غيرُه). ((تفسير ابن جرير)) (17/101). ومِن المفسِّرينَ مَن قال: المرادُ: بالتوحيدِ والوعدِ بالبعثِ. وممن ذهب إليه: البيضاويُّ، وأبو السعود. يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/94)، ((تفسير أبي السعود)) (6/148). ممَّن اختار أنَّ المرادَ به: الصدقُ: السمعانيُّ، والبغوي، والقرطبي، والخازن، وجلال الدين المحلي، والعُليمي. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/488)، ((تفسير البغوي)) (3/373)، ((تفسير القرطبي)) (12/146)، ((تفسير الخازن)) (3/276)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 454)، ((تفسير العليمي)) (4/489). قال الشوكاني: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ أي: الأمْرِ الواضِحِ الَّذي يَحِقُّ اتِّباعُه). ((تفسير الشوكاني)) (3/587). ، وإنَّ المُشرِكينَ لَكاذِبونَ في دَعْواهم الشَّريكَ والولَدَ للهِ سُبحانَه، ونَفْيِهم البَعثَ [769] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/101)، ((تفسير السمعاني)) (3/488)، ((تفسير القرطبي)) (12/146)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/179)، ((تفسير السعدي)) (ص: 558)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/112). .
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا أثبَتَ لِنفْسِه الإلهيَّةَ بالدَّلائلِ الإلزاميَّةِ في الآياتِ المُتقدِّمةِ، نفَى عنْ نفْسِه الأندادَ والأضْدادَ بقولِه [770] يُنظر: ((تفسير النيسابوري)) (5/133). :
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ.
أي: ما اتَّخَذ اللهُ لنَفْسِه -تعالى- ولدًا كما يَزْعُمُ النَّصارى ومُشرِكو العَرَبِ وغَيرُهم [771] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/101)، ((تفسير القرطبي)) (12/146)، ((تفسير النيسابوري)) (5/133)، ((تفسير أبي السعود)) (6/148). .
وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ.
أي: ولم يكُنْ مع اللهِ شَريكٌ يَستَحِقُّ أنْ يُعبَدَ معه [772] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/101)، ((البسيط)) للواحدي (16/49)، ((تفسير السمرقندي)) (2/488)، ((تفسير القرطبي)) (12/146)، ((تفسير البيضاوي)) (4/94). قال ابنُ جرير: (ولا كان معه في القديمِ، ولا حِين ابتَدَع الأشياءَ مَن تصلُحُ عبادتُه). ((تفسير ابن جرير)) (17/101). .
إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ.
أي: لو كان مع اللهِ آلهةٌ أُخرى، لَاعتزَلَ كلُّ إلهٍ بما يَخْلُقُ وانفرَدَ بتَدبيرِه؛ فلا تَنتَظِمُ شُؤونُ الكونِ [773] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/101)، ((تفسير القرطبي)) (12/146)، ((تفسير ابن كثير)) (5/491)، ((تفسير السعدي)) (ص: 558). قال السِّعدي: (اعتبِرْ ذلك بالشَّمسِ والقمرِ، والكواكبِ الثابتةِ، والسيَّارةِ؛ فإنَّها منذ خُلِقَت وهي تَجْري على نِظامٍ واحدٍ، وترتيبٍ واحدٍ، كُلُّها مُسخَّرةٌ بالقُدرةِ، مُدَبَّرةٌ بالحكمةِ لمصالحِ الخَلقِ كُلِّهم، ليست مَقْصورةً على مَصلحةِ أحدٍ دونَ أحدٍ، ولنْ تَرى فيها خللًا ولا تناقُضًا، ولا مُعارضةً في أدنى تصَرُّفٍ، فهل يُتصَوَّرُ أنْ يكونَ ذلك تَقديرَ إلهينِ ربَّينِ؟!) ((تفسير السعدي)) (ص: 558). .
كما قال تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الأنبياء: 22].
وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
أي: ولَطلَبَ كلُّ إلهٍ أنْ يعلُوَ على غَيرِه مِن الآلهةِ ويَقهَرَه، فيَغلِبُ القوِيُّ منهم الضَّعيفَ، ومع هذا التَّمانُعِ والتَّصارُعِ بيْنَ الآلهةِ لا يُمكِنُ وُجودُ العالَمِ، ولا يُمكِنُ أنْ ينتَظِمَ هذا الانتِظامَ العَجيبَ المُتَّسِقَ [774] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/101)، ((تفسير القرطبي)) (12/146)، ((تفسير ابن كثير)) (5/491)، ((تفسير السعدي)) (ص: 558). .
سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ.
مُناسبَتُها لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا طابَقَ الدَّليلُ الإلزامَ على نَفْيِ الشَّريكِ؛ نزَّهَ نفْسَه الشَّريفةَ بما هو نَتيجةُ ذلك بقولِه [775] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/181). :
سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ.
أي: تنزَّهَ اللهُ عمَّا يَصِفُه المُشرِكونَ مِن اتِّخاذِ الولَدِ، ووُجودِ الشَّريكِ [776] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/102)، ((تفسير الرازي)) (23/291)، ((تفسير القرطبي)) (12/147)، ((تفسير ابن كثير)) (5/491). .
عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92).
عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ.
أي: عالِمِ ما غابَ عن خَلقِه مِمَّا لم يُشاهِدوه، وعالِمِ ما يَرَونَه ويُشاهِدونَه؛ فلا يَخْفى عليه السِّرُّ ولا العَلانيةُ [777] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/102)، ((تفسير السمعاني)) (3/488)، ((تفسير ابن كثير)) (5/491)، ((تفسير السعدي)) (ص: 558). قال ابنُ جرير: (إنَّما هذا مِن الله خبرٌ عن هؤلاء الذين قالوا مِن المشركين: اتَّخذ الله ولدًا، وعبَدوا مِن دونِه آلهةً، أنَّهم فيما يقولونَ ويفعلونَ مبطلونَ مخطئونَ؛ فإنَّهم يقولونَ ما يقولونَ مِن قولٍ في ذلك عن غيرِ علمٍ، بل عن جهلٍ منهم به؛ وإنَّ العالِمَ بقديمِ الأمورِ، وبحديثِها، وشاهدِها وغائبِها عنهم، اللهُ الذي لا يخفَى عليه شيءٌ، فخبرُه هو الحقُّ دونَ خبرِهم). ((تفسير ابن جرير)) (17/102). وقال السعدي: (عَالِمَ الْغَيْبِ أي: الذي غاب عن أبصارِنا وعِلمِنا؛ مِن الواجباتِ والمستحيلاتِ والممكناتِ، وَالشَّهَادَةِ وهو ما نشاهدُ مِن ذلك). ((تفسير السعدي)) (ص: 558). .
فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
أي: فارتفَعَ اللهُ وتَنزَّهَ عن شِركِ المُشرِكينَ، وما يَصِفونَه به مِن العُيوبِ والنَّقائِصِ [778] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/103)، ((تفسير السمعاني)) (3/488)، ((تفسير ابن كثير)) (5/491)، ((تفسير السعدي)) (ص: 558). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ اللهِ تعالى: أَفَلَا تَذَكَّرُونَ معناهُ التَّرغيبُ في التَّدبُرِ؛ لِيَعْلَموا بُطلانَ ما هم عليه [779] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/290). .
2- قال تعالى: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ، في هذه الآياتِ دَلالةٌ على جَوازِ مُحاجَّةِ الكُفَّارِ والمُبطلِينَ، وإقامةُ الحُجَّةِ عليهم، وإظهارُ إبطالِ الباطِلِ مِن قَولِهم ومَذهَبِهم، ووُجوبُ النَّظرِ في الحُجَجِ على مَن خالَفَ دِينَ اللهِ [780] يُنظر: ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكِّي بن أبي طالب (7/4995). .
3- قال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ في هاتينِ الآيتَينِ مِن صِفاتِ النَّفيِ: تنَزُّهُ اللهِ تعالى عن اتِّخاذِ الوَلَدِ الذي وصَفَه به الكافِرونَ، وعن الشَّريكِ له في الألوهيَّةِ الذي أشرَكَ به المُشرِكونَ، وهذا النَّفيُ لكمالِ غِناه، وكَمالِ رُبوبيَّتِه وإلهيَّتِه، ونَستفيدُ منهما مِن النَّاحيةِ المَسلكيَّةِ: أنَّ الإيمانَ بذلك يَحمِلُ الإنسانَ على الإخلاصِ لله عزَّ وجَلَّ [781] يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) لابن عثيمين (1/367). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال تعالى: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إلى أن قال: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ فالكُفَّارُ المُشرِكونَ مُقِرُّونَ أنَّ اللهَ خالِقُ السَّمواتِ والأرضَ، وليس في جَميعِ الكُفَّارِ مَن جعَلَ للهِ شَريكًا مُساوِيًا له في ذاتِه وصِفاتِه وأفعالِه، هذا لم يَقُلْهُ أحدٌ قطُّ؛ لا مِن المَجوسِ الثَّنويَّةِ [782] الثنويةُ: فِرقةٌ تزعمُ أنَّ النُّورَ والظلمةَ صانعانِ أزليَّانِ قديمانِ، والنورَ منهما فاعلُ الخيراتِ والمنافِعِ، والظلامَ فاعلُ الشُّرورِ والمضارِّ، وأنَّ الأجسامَ ممتزجةٌ مِن النُّورِ والظُّلمةِ. يُنظر: ((الفَرْق بين الفِرَق)) للبغدادي (ص: 269)، ((المِلَل والنِّحَل)) للشهرستاني (2/49). ، ولا مِن أهْلِ التَّثليثِ، ولا مِن الصَّابئةِ المُشركينَ الَّذين يَعْبُدون الكواكِبَ والملائكةَ، ولا مِن عُبَّادِ الأنبياءِ والصَّالحينَ، ولا مِن عُبَّادِ التَّماثيلِ والقُبورِ وغَيرِهم؛ فإنَّ جَميعَ هؤلاء -وإنْ كانوا كُفَّارًا مُشركينَ مُتنوِّعينَ في الشِّرْكِ- فهم مُقِرُّونَ بالرَّبِّ الحقِّ الَّذي ليس له مِثْلٌ في ذاتِه وصِفاتِه وجَميعِ أفعالِه، ولكنَّهم مع هذا مُشرِكونَ به في أُلوهيَّتِه؛ بأنْ يَعْبُدوا معه آلهةً أُخرى يَتَّخِذونها شُفعاءَ أو شُركاءَ، أو في رُبوبيَّتِه؛ بأنْ يَجْعَلوا غيرَه ربَّ بَعضِ الكائناتِ دُونَه، مع اعترافِهم بأنَّه ربُّ ذلك الرَّبِّ، وخالِقُ ذلك الخلْقِ [783] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (11/51). .
2- قَولُ اللهِ تعالى: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، فيه سُؤالٌ: كيف قال: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، ثمَّ حَكَى عنهم سَيَقُولُونَ لِلَّهِ، وفي ذلك ما يُوهِمُ التَّعارُضَ؟
الجوابُ: لا تعارُضَ بيْنَ قولِه: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وبيْنَ ما حَكَى عنهم مِن قولِهم: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ؛ لأنَّ قولَه: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لا يَنْفِي عِلْمَهم بذلك، وقد يُقالُ مِثْلُ ذلك في الاحتجاجِ على وَجْهِ التَّأكيدِ لِعِلْمِهم [784] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/580، 581). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (23/290). .
3- قال الله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ، واتِّخاذُ الولَدِ أعَمُّ مِن نَفْيِ الولَدِ؛ فيدُلُّ باللُّزومِ على نَفْيِ الولَدِ [785] يُنظر: ((تفسير ابن عرفة)) (3/214). .
4- قال الله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، قُدِّمَتِ النَّتيجةُ على القِياسِ؛ لِتُجْعَلَ هي المطلوبَ؛ فإنَّ النَّتيجةَ والَمطلوبَ مُتَّحِدانِ في المعنى، مُختلفانِ بالاعتبارِ؛ فهي باعتبارِ حُصولِها عقِبَ القياسِ تُسمَّى نَتيجةً، وباعتبارِ كَونِها دَعوى مُقامٌ عليها الدَّليلُ -وهو القياسُ- تُسمَّى مَطلوبًا كما في علْمِ المَنطِقِ. ولتَقْديمِها نُكتةٌ: أنَّ هذا المطلوبَ واضحُ النُّهوضِ، لا يَفتقِرُ إلى دَليلٍ إلَّا لزِيادةِ الاطمئنانِ؛ فقولُه: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ هو المطلوب، وقولُه: إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ إلى آخِرِ الآيةِ هو الدَّليلُ، وتَقديمُ هذا المَطلوبِ على الدَّليلِ أغْنَى عن التَّصريحِ بالنَّتيجةِ عقِبَ الدَّليلِ [786] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/113). .
5- قال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ هذا مِن أمْثِلةِ عِلْمِه سُبحانَه بالمُستحيلِ [787] يُنظر: ((تفسير الفاتحة والبقرة)) لابن عثيمين (2/61). .
6- قال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ذَكَر المُتكلِّمونَ هذا المعنى، وعبَّروا عنه بدليلِ التَّمانُعِ، وهو أنَّه لو فُرِضَ صانِعانِ فصاعِدًا، فأراد واحدٌ تَحريكَ جسمٍ، وأراد الآخَرُ سُكونَه؛ فإنْ لم يَحصُلْ مُرادُ كلِّ واحدٍ منهما كانا عاجزينِ، والواجِبُ لا يكونُ عاجِزًا، ويَمتنعُ اجتماعُ مُرادَيْهما؛ للتَّضادِّ، وما جاء هذا المُحالُ إلَّا مِن فرضِ التَّعدُّدِ، فيكونُ مُحالًا، فأمَّا إنْ حصَل مُرادُ أحدِهما دونَ الآخَرِ، كان الغالبُ هو الواجبَ، والآخرُ المغلوبُ مُمْكِنًا؛ لأنَّه لا يليقُ بصفةِ الواجبِ أنْ يكونَ مقهورًا [788] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/491). ويُنظر أيضًا: ((الصفدية)) لابن تيمية (1/92-94)، و((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (20/177، 178). .
7- قال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ فتأمَّلْ هذا البرهانَ الباهرَ بهذا اللفظِ الوجيزِ البيِّنِ، فإنَّ الإلهَ الحقَّ لا بدَّ أنْ يكونَ خالقًا فاعلًا، يُوصلُ إلى عابدِه النفعَ، ويدفعُ عنه الضُّرَّ، فلو كان معه سبحانَه إلهٌ لكان له خلقٌ وفِعلٌ، وحينَئذٍ فلا يرضَى بشركةِ الإلهِ الآخَرِ معه، بل إنْ قدَر على قهرِه وتفرُّدِه بالإلهيَّةِ دونَه فعَل، وإن لم يقدِرْ على ذلك انفردَ بخَلقِه، وذهَب به، كما ينفردُ ملوكُ الدُّنيا عن بعضِهم بعضًا بممالكِهم، إذا لم يقدِرِ المنفردُ على قهرِ الآخَرِ، والعلوِّ عليه؛ فلا بدَّ مِن أحدِ أمورٍ ثلاثةٍ: إمَّا أن يذهبَ كلُّ إلهٍ بخَلقِه وسلطانِه. وإمَّا أنْ يعلوَ بعضُهم على بعضٍ. وإمَّا أنْ يكونَ كلُّهم تحتَ قهرِ إلهٍ واحدٍ، ومَلِكٍ واحدٍ، يتصرَّفُ فيهم ولا يتصرَّفونَ فيه، ويمتنِعُ مِن حُكمِهم عليه ولا يمتنعونَ مِن حُكمِه عليهم، فيكون وحْدَه هو الإلهَ الحقَّ، وهم العبيدُ المربوبونَ المقهورونَ. وانتِظامُ أمرِ العالَمِ العلويِّ والسُّفليِّ، وارتباطُ بعضِه ببعضٍ، وجريانُه على نظامٍ مُحكَمٍ لا يختلفُ ولا يفسدُ؛ مِن أدلِّ دليلٍ على أنَّ مدبِّرَه واحدٌ، لا إلهَ غيرُه، كما دلَّ دليلُ التمانعِ على أنَّ خالقَه واحدٌ لا ربَّ له غيرُه، فذاك تمانعٌ في الفعلِ والإيجادِ، وهذا تمانعٌ في العبادةِ والإلهيَّةِ، فكما يستحيلُ أن يكونَ للعالَمِ ربَّانِ خالقانِ متكافئانِ؛ يستحيلُ أن يكونَ له إلهانِ معبودانِ [789] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (2/463). .
8- قوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ في هذه الآيةِ نفْيُ اتِّخاذِ الولدِ، ونفْيُ تعدُّدِ الآلهةِ، وتنزيهُ الله عمَّا وصَفه به المشركونَ، وهذا يتضمَّنُ معَ انتفاءِ ما ذُكِر كمالُ الله، وانفرادُه بما هو مِن خصائصِه [790] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (4/279). .
9- قال تعالى: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ... إلى قولِه: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ في هذه الآياتِ الدَّلالةُ على أنَّ إنكارَ الحَشرِ والبعثِ: أمْرٌ عَظيمٌ، وخَطْبٌ جليلٌ، وأنَّ مُنكِرَه مُعطِّلٌ مُبطِلٌ للذَّاتِ والصِّفاتِ؛ لِتَوقُّفِ المُلْكِ -أعني: الأرضَ والسَّمواتِ، والعرشَ ومَلكوتَ كلِّ شَيءٍ- على ذلك، واستتباعِه العِلْمَ بالتَّنزيهِ والتَّوحيدِ والعِلْمِ [791] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/620). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ استِئنافُ استِدلالٍ عليهم في إثْباتِ الوَحدانيَّةِ للهِ تعالى. والاستفهامُ تَقريريٌّ، أي: أَجِيبوا عن هذا، والمَقصودُ: إثْباتُ لازِمِ جَوابِهم، وهو انفرادُه تعالى بالوَحدانيَّةِ [792] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/109). . وفيه استِهانةٌ بهم، وتَقريرٌ لِفَرطِ جَهالَتِهم حتَّى جَهِلوا مِثْلَ هذا الجَلِيِّ الواضحِ، إلْزامًا بما لا يُمكِنُ لمَن له مُسكةٌ مِن العِلْمِ إنكارُه؛ ولذلك أخبَرَ عن جَوابِهم قبْلَ أنْ يُجِيبوا، فقال: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ؛ لأنَّ العقلَ الصَّريحَ قدِ اضْطَرَّهم بأدْنى نظَرٍ إلى الإِقرارِ بأنَّه خالِقُها [793] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/200)، ((تفسير البيضاوي)) (4/93)، ((تفسير أبي السعود)) (6/147). .
- وجاء بـ (مَن) في قولِه: وَمَنْ فِيهَا؛ تَغليبًا للعُقلاءِ على غَيرِهم [794] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/147). .
- قولُه: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ جوابُ الشَّرطِ مَحذوفٌ؛ ثِقةً بدَلالةِ الاستِفهامِ عليه، والتَّقديرُ: فأَجِيبوني عن هذا السُّؤالِ [795] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/147)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/109). . وفي هذا الشَّرطِ تَوجيهٌ لِعُقولِهم أنْ يتأمَّلوا، فيَظهَرَ لهم أنَّ الأرضَ للهِ، وأنَّ مَن فيها للهِ؛ فإنَّ كونَ جَميعِ ذلك للهِ قد يَخْفى؛ لأنَّ النَّاسَ اعتادُوا نِسبةَ المُسبَّباتِ إلى أسبابِها المُقارِنةِ، والتَّصرُّفاتِ إلى مُباشِريها، فنُبِّهوا بقولِه: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إلى التَّأمُّلِ، أي: إنْ كُنْتُم تَعلمونَ عِلْمَ اليقينِ؛ ولذلك عُقِّبَ بقولِه: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ، أي: يُجِيبون عقِبَ التَّأمُّلِ جَوابًا غيرَ بَطِيءٍ [796] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/109). .
2- قوله تعالى: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
- قولُه: قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ هذا أمْرٌ مُرادٌ منه التَّبكيتُ لهم، أي: قُلْ عندَ اعترافِهم بذلك -تَبْكيتًا لهم-: أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [797] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/147). ؟!
- والاستفهامُ في قولِه: أَفَلَا تَذَكَّرُونَ إنكاريٌّ؛ إنكارٌ لِعَدَمِ تَذكُّرِهم بذلك. وخُصَّ بالتَّذكُّرِ؛ لِمَا في بَعضِه مِن خَفاءِ الدَّلالةِ، والاحتياجِ إلى النَّظرِ [798] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/109). .
3- قوله تعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
- قولُه: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ فيه تَكريرُ الأمرِ بالقَولِ، وإنْ كان المَقولُ مُختلِفًا، دونَ أنْ تُعطَفَ جُملةُ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ؛ لأنَّها وقَعَتْ في سِياقِ التَّعدادِ؛ فناسَبَ أنْ يُعادَ الأمْرُ بالقَولِ دُونَ الاستِغناءِ بحَرفِ العطفِ. والمَقصودُ وُقوعُ هذه الأسئلةِ مُتتابِعةً؛ دَفْعًا لهم بالحُجَّةِ [799] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/109، 110). . ولم يُؤْتَ مع هذا الاستِفهامِ بشَرطِ (إنْ كُنْتُم تَعْلَمونَ) ونَحوِه، كما جاء في سابِقِه؛ لأنَّ انفرادَ اللهِ تعالى بالرُّبوبيَّةِ في السَّمواتِ والعرشِ لا يَشُكُّ فيه المُشرِكونَ؛ لأنَّهم لم يَزْعُموا إلهيَّةَ أصنامِهم في السَّمواتِ والعوالِمِ العُلويَّةِ [800] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/111). .
- وفي قولِه: وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أُعِيدَ الرَّبُّ؛ تَنويهًا لشأْنِ العرشِ، ورَفعًا لِمَحلِّه عن أنْ يكونَ تَبعًا للسَّمواتِ وُجودًا وذِكرًا [801] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/148). .
4- قولُه تعالى: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ لَمَّا سُئِلوا بـ (مَن) الَّتي هي للاستفهامِ عن تَعيينِ ذاتِ المُستفهَمِ عنه، كان مُقْتَضى الاستِعمالِ أنْ يكونَ الجَوابُ بذِكْرِ اسمِ ذاتِ المَسؤولِ عنه؛ (سيقولونَ الله)، فكان العُدولُ عن ذلك إلى الجَوابِ عن كَونِ السَّمواتِ السَّبْعِ والعَرشِ مَملوكةً للهِ: عُدولًا إلى جانِبِ المعنَى دونَ اللَّفظِ؛ مُراعاةً لكَونِ المُستفهَمِ عنه لُوحِظَ بوَصفِ الرُّبوبيَّةِ، والرُّبوبيَّةُ تَقْتضي المُلْكَ. وصَوغُ الآيةِ بهذا الأُسلوبِ؛ لِقَصدِ التَّعريضِ بأنَّهم يَحترِزونَ عن أنْ يَقولوا: ربُّ السَّمواتِ السَّبْعِ اللهُ؛ لأنَّهم أثْبَتوا مع اللهِ أربابًا في السَّمواتِ؛ إذ عَبَدوا الملائكةَ، فهم عَدَلُوا عمَّا فيه نَفْيُ الرُّبوبيَّةِ عن مَعْبُوداتِهم، واقْتَصَروا على الإقرارِ بأنَّ السَّمواتِ مِلْكٌ للهِ؛ لأنَّ ذلك لا يُبطِلُ أوهامَ شِرْكِهم مِن أصْلِها؛ ففي حِكايةِ جَوابِهم بهذا اللَّفظِ تَورُّكٌ عليهم؛ ولذلك ذَيَّلَ حِكايةَ جَوابِهم بالإنكارِ عليهم انتفاءَ اتِّقائِهم اللهَ تعالى [802] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/110). .
- قولُه: قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ أمْرٌ مُرادٌ منه الإفحامُ لهم والتَّوبيخُ [803] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/148). .
- وفي قولِه: قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ خَصَّ وَعْظَهم عَقِبَ جَوابِهم بالحثِّ على تَقْوى اللهِ؛ لأنَّه لمَّا تَبيَّنَ مِن الآيةِ الَّتي قَبلَها أنَّهم لا يَسَعُهم إلَّا الاعترافُ بأنَّ اللهَ مالِكُ الأرضِ ومَن فيها، وعُقِّبَتْ تلك الآيةُ بحَضِّهم على التَّذكُّرِ؛ لِيَظهَرَ لهم أنَّهم عِبادُ اللهِ لا عِبادُ الأصنامِ. وتَبيَّنَ مِن الآيةِ السَّابقةِ أنَّه رَبُّ السَّمواتِ -وهي أعظَمُ مِن الأرضِ- وأنَّهم لا يَسَعُهم إلَّا الاعِترافُ بذلك؛ ناسَبَ حَثُّهم على تَقواهُ؛ لأنَّه يَستحِقُّ الطَّاعةَ له وَحْدَه، وأنْ يُطِيعوا رَسولَهُ [804] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/619)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/111). .
- وحُذِفَ مَفعولُ تَتَّقُونَ؛ لتَنزيلِ الفِعْلِ مَنزِلةَ القاصِرِ؛ لأنَّه دالٌّ على معنًى خاصٍّ، وهو التَّقوى الشَّامِلةُ لامتِثالِ المأْموراتِ، واجتِنابِ المَنْهيَّاتِ [805] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/111). .
5- قوله تعالى: قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
- قولُه: وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ بُنِيَ فِعْلُ يُجَارُ عَلَيْهِ للمَجهولِ؛ لِقَصدِ انتفاءِ الفِعْلِ عن كلِّ فاعلٍ؛ فيُفِيدُ العُمومَ مع الاختصارِ. ولمَّا كان تَصرُّفُ اللهِ هذا خَفِيًّا يَحتاجُ إلى تَدبُّرِ العَقلِ لإدراكِهِ، عُقِّبَ الاستِفهامُ بقولِه: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، كما عُقِّبَ الاستِفهامُ الأوَّلُ بمِثْلِه؛ حَثًّا لهم على عِلْمِه والاهتداءِ إليه، ثمَّ عُقِّبَ بما يدُلُّ على أنَّهم إذا تَدبَّروا عَلِموا، فقيل: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [806] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/112). .
6- قوله تعالى: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ
- الاستِفهامُ في قولِه: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ تَعجُّبِيٌّ [807] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/112). . وفي قولِه: تُسْحَرُونَ تَشبيهٌ لِمَا يقَعُ منهم مِن التَّخليطِ ووَضعِ الأفعالِ والأقوالِ غيرَ مَواضِعِها بما يقَعُ مِن المَسحورِ [808] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/621)، ((تفسير أبي حيان)) (7/581). .
- وفي التَّذييلاتِ الثَّلاثِ -أَفَلَا تَذَكَّرُونَ أَفَلَا تَتَّقُونَ  فَأَنَّى تُسْحَرُونَ- ترَقٍّ مِن الأدنى إلى الأغلَظِ في التَّعريضِ، وأنَّها مِن الأُمورِ المُسلَّمةِ؛ لقولِه: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [809] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/619). ؛ فقد سُلِكَت في تَرتيبِ هذه الأدِلَّةِ طَريقةُ التَّرقِّي، فابْتُدِئَ بالسُّؤالِ عن مالكِ الأرضِ ومَن فيها؛ لأنَّها أقرَبُ العوالِمِ لإدراكِ المُخاطَبينَ، ثمَّ ارْتُقِيَ إلى الاستِدلالِ برُبوبيَّةِ السَّمواتِ والعرشِ، ثمَّ ارْتُقِيَ إلى ما هو أعَمُّ وأشمَلُ، وهو تَصرُّفُه المُطلَقُ في الأشياءِ كلِّها؛ ولذلك اجْتُلِبَت فيه أداةُ العُمومِ وهي (كل) [810] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/148)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/113). .
- وتَكرَّرَ قولُه تعالى: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ثلاثَ مرَّاتٍ؛ الأوَّلُ جَوابٌ لقولِه: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا جَوابٌ مُطابِقٌ لَفْظًا ومعنًى؛ لأنَّه قال في السُّؤالِ: قُلْ لِمَنِ، فقال في الجَوابِ: لِلَّهِ، وأمَّا الثَّاني والثَّالثُ فالمُطابَقةُ فيهما في المعنى. وقُرِئَ الثَّاني والثَّالثُ (اللهُ، اللهُ) [811] وهي قراءةُ البصريَّينِ: أبي عمرٍو ويعقوبَ؛ بإثباتِ ألفِ الوصلِ قبلَ اللامِ، ورفعِ الهاءِ: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ في الآيةِ (87) والآيةِ (89)، وقرأ الباقون: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ بغيرِ ألفٍ وخفضِ الهاءِ. يُنظر: ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 258)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/194)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 490)، ((النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري (2/329). ؛ مُراعاةً للمُطابَقةِ [812] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 185)، ((باهر البرهان)) لبيان الحق الغزنوي (2/984، 985)، ((بيان تلبيس الجهمية)) لابن تيمية (1/514)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروابادي (1/332)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 392). .
- وفي الآياتِ: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ إلى قولِه: قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ مُناسَبةٌ حَسنةٌ؛ حيث خُتِمَ كلُّ سُؤالٍ بما يُناسِبُه؛ فرتَّبَ هذه التَّوبيخاتِ الثَّلاثةَ بالتَّدريجِ؛ فقال أوَّلًا: أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، ثمَّ قال ثانيًا: أَفَلَا تَتَّقُونَ، وذلك أبلَغُ؛ لأنَّ فيه زِيادةَ تَخويفٍ، ثمَّ قال ثالثًا: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ، وفيه مِن التَّوبيخِ ما ليس في غَيرِه؛ فخُتِمَ مُلْكُ الأرضِ ومَن فيها بالتذكُّرِ أي: أفلا تذكَّرونَ فتعلمونَ أنَّ مَن له ملكُ السمواتِ والأرضِ حَقيقٌ ألَّا يُشرَكَ به بَعضُ خَلْقِه -ممَّن في الأرضِ مُلكًا له- في الرُّبوبيَّةِ؟! وخُتِمَ ما بَعدَها بالتَّقوى، وهي أبلَغُ مِن التَّذكُّرِ، وفيها وَعيدٌ شَديدٌ، وخُتِمَ ما بَعْدَ هذه بقولِه: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ؛ مُبالَغةً في التَّوبيخِ بَعدَ إقرارِهم والْتِزامِهم ما يقَعُ عليهم به في الاحتِجاجِ [813] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/619)، ((تفسير أبي حيان)) (7/581)، ((تفسير ابن جزي)) (2/56). .
وقيل: وَجْهُ ذلك: أنَّ هذه الآيَ جاءت بَعْدَما أخبَرَ اللهُ تعالى عن الكُفَّارِ مِن إنكارِ البَعثِ، فأمَرَ نَبِيَّه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يسأَلَهم لمَن الأرضُ ومَن فيها؟ فإنَّهم يُقِرُّون أنَّ جميعَ ذلك لِخالِقِها، وهو اللهُ تعالى، فإذا أقَرُّوا بذلك فقُلْ لهم: أَفَلَا تَذَكَّرُونَ؛ فخُصَّتْ بالتَّذكُّرِ؛ لأنَّهم إذا أثْبَتوا الخلْقَ الأوَّلَ لَزِمَهم الخَلْقُ الثَّاني. وأمَّا قولُه تعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وهذه الأشياءُ مِن أكبَرِ ما يُرى مِن خلْقِ اللهِ تعالى، فإذا أقرَرْتُم للهِ بذلك؛ فلِمَ لا تَجْتَنِبون مَعصِيَتَه، ولا تَتَّقونَ عُقوبتَه. وأمَّا الثَّالثةُ -وهي: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ- فإنَّها جاءت بَعدَ تَقريرٍ ثالثٍ، وهو: قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ، أي: مَن الَّذي مُلْكُه على الأشياءِ أتَمُّ مُلْكٍ؛ يَمنَعُ مِن المكروهِ مَن شاء، ولا يَملِكُ أحدٌ مَنْعَ مَن أرادهُ بسُوءٍ؟ فإذا أقَرُّوا بذلك، فقُلْ لهم: كيف تُخْدَعونَ عن عقُولِكم حتَّى تَتَّخِذوا الأوثانَ والأصنامَ آلهةً -وهي لا تَسمَعُ ولا تُبصِرُ- مع القادرِ العليمِ الَّذي قد أقرَرْتُم له بأتَمِّ المُلْكِ؟! وأمَّا قولُه: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ أي: مِن أين يأْتِيكم ما يَغلِبُ على عُقولِكم، فيُخيِّلُ الباطلَ إليها حَقًّا، والقَبِيحَ عندَها حَسَنًا؟! فهذا الَّذي ختَمَ به الثَّالثةَ ناظِمٌ معناهُ بخواتيمِ ما قَبْلَه، وكلٌّ في مَكانِه اللَّائقِ به [814] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 946-949). .
وقيل: وجهُ ذلك: أنَّ تَذكيرَهم ورَدَ أوَّلًا بذِكْرِ ما كانوا يُقِرُّون ولا يَتوقَّفونَ فيه، وهو مُلْكُه سُبحانَه الأرضَ ومَن فيها؛ قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: 25]، والخالِقُ مالِكٌ لِمَا خلَقَه، فكأنْ قد قِيلَ لهم: إذا علِمْتُم بانفرادِه سُبحانَه بذلك؛ فهلَّا أفرَدْتُموه بالعِبادةِ، واستدْلَلْتُم بالبَدأةِ على العودةِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ؟! ثمَّ ذُكِّروا برُبوبيَّتِه سُبحانَه ومُلْكِه السَّمواتِ السَّبْعَ والعرشَ، فاعْتَرَفوا إلى اعترافِهم بما تقدَّمَ وإقرارِهم بمُلْكِه لِمَا ذُكِرَ، وقُدرتِه وقَهْرِه، ولو سبَقَتْ لهم سعادةٌ لكان تذكُّرُهم لذلك يُؤثِّرُ خَوفَهم مِن عَذابِه، فلمَّا لم يقَعْ ذلك منهم، قِيلَ لهم: قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ [المؤمنون: 87]، ثمَّ ذُكِّروا بعَظيمِ سُلطانِه تعالى، وعُلوِّ قَهْرِه لجَميعِ الموجوداتِ، وكَونِها في قَبْضَتِه، وأنَّه لا حُكْمَ لأحدٍ عليه تعالى، فقال: قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [المؤمنون: 88]، ثمَّ ذكَرَ اعتِرافَهم بهذا في قولِه: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [المؤمنون: 89]؛ فلمَّا تمَّ تَقريرُهم على جَميعِ ما تقدَّمَ ممَّا ذُكِّروا به، واعتِرافُهم بكلِّ ذلك، ولم يَعْقُبْ إقرارَهم ولا اعتِرافَهم الإيمانُ والانقيادُ، كانوا كمَن فقَدَ عقْلَه أو سُحِرَ، فاختَلَّ نظَرُه وعقْلُه، فقِيلَ لهم: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ: ما بالُكم كيف تُسحَرُونَ؟! مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [المؤمنون: 91 - 92]؛ فوضَحَ تناسُبُ هذا كلِّه، وتبيَّنَ الْتِحامُه [815] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/370، 371). .
7- قوله تعالى: بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
- قولُه: بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ إضرابٌ لإبطالِ أنْ يَكونوا مَسْحُورينَ، أي: بلْ ليس الأمْرُ كما خُيِّلَ إليهم [816] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/112). .
- والعُدولُ عن الخِطابِ في قولِه: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ إلى الغَيبةِ في قولِه: بَلْ أَتَيْنَاهُمْ: الْتِفاتٌ؛ لأنَّهم المُوجَّهُ إليهم الكلامُ في هذه الجُملةِ [817] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/112). .
- قولُه: وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ فيه تأْكيدُ نِسْبتِهم إلى الكذِبِ بـ (إنَّ) واللَّامِ؛ لِتَحقيقِ الخبَرِ [818] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/113). .
8- قولُه تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
- قولُه: مِنْ وَلَدٍ ومِنْ إِلَهٍ في قولِه: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ نَفْيٌ عامٌّ يُفِيدُ استغراقَ الجِنْسِ؛ ولهذا جاء إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ ولم يأْتِ التَّركيبُ: إذًا لَذهَبَ الإلهُ... [819] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/581). ؛ فقولُه: إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ استِدلالٌ على امتِناعِ أنْ يكونَ مع اللهِ آلِهةٌ. وإنَّما لم يُستدَلَّ على امتِناعِ أنْ يَتَّخِذَ اللهُ ولدًا؛ لأنَّ الاستِدلالَ على ما بَعْدَه مُغْنٍ عنه؛ لأنَّ ما بَعدَه أعَمُّ منه، وانتفاءُ الأعَمِّ يَقْتضي انتفاءَ الأخصِّ؛ فإنَّه لو كان للهِ ولَدٌ لكان الأولادُ آلِهةً؛ لأنَّ ولَدَ كلِّ مَوجودٍ إنَّما يتكوَّنُ على مِثْلِ ماهيَّةِ أصْلِه [820] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/114). . فذَكَر الدَّليلَ على نفْيِ الشَّريكِ، واقتَصَرَ عليه، ولم يَذكُرِ الدَّليلَ على نفْيِ الولدِ؛ لأنَّ الدَّليلَ على نفْيِ الشريكِ يَتضمَّنُ نفْيَ الولدِ؛ وذلك أنَّ الولدَ يُنازِعُ الأبَ في المُلكِ مُنازعةَ الأجانبِ؛ فلو كان للهِ ولدٌ لأظْهرَ المنازعةَ كما يكونُ بينَ الإلَهينِ والمَلِكَينِ [821] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (16/50). .
- وأيضًا قولُه: إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ جَوابٌ لِمُحاجَّتِهم، وجَزاءٌ لشَرطٍ مَحذوفٍ؛ لدَلالةِ ما قَبْلَه عليه، أي: لو كان معه آلِهَةٌ كما يَزْعُمون لَذَهَبَ... [822] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/200)، ((تفسير البيضاوي)) (4/94)، ((تفسير أبي حيان)) (7/581)، ((تفسير أبي السعود)) (6/148)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/114). . وإنَّما حُذِفَ؛ لدَلالةِ قولِه: وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ عليه [823] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/291). .
- قولُه: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ لَمَّا اقْتَضى هذا الدَّليلُ بُطلانَ قولِهم، عُقِّبَ الدَّليلُ بتَنزيهِ اللهِ تعالى عن أقوالِ المُشرِكين، وهو بمَنزِلةِ نَتيجةِ الدَّليلِ [824] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/116، 117). .
9- قولُه تعالى: عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ أتبَعَ الاستِدلالَ على انتفاءِ الشَّريكِ بقولِه: عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ المُرادِ به عُمومُ العِلْمِ وإحاطَتُه بكلِّ شَيءٍ -كما أفادَتْهُ لامُ التَّعريفِ في (الغَيْبِ) و(الشَّهَادَةِ) مِن الاستِغراقِ الحقيقيِّ، أي: عالِمِ كلِّ مَغِيبٍ وكلِّ ظاهرٍ-: لدَفْعِ تَوهُّمِ أنْ يُقالَ: إنَّ استِقلالَ كلِّ إلهٍ بما خلَقَ قد لا يُفْضِي إلى عُلوِّ بَعضِ الآلهةِ على بَعضٍ؛ لجَوازِ ألَّا يَعلَمَ أحدٌ مِن الآلهةِ بمِقدارِ تَفاوُتِ مَلكوتِه على مَلكوتِ الآخَرِ، فلا يَحصُلُ عُلوُّ بَعضِهم على بَعضٍ؛ لاشتغالِ كلِّ إلَهٍ بمَلكوتِه. ووَجْهُ الدَّفعِ: أنَّ الإلهَ إذا جاز أنْ يكونَ غيرَ خالِقٍ لطائفةٍ مِن المخلوقاتِ الَّتي خلَقَها غيرُه؛ لئلَّا تَتداخَلَ القُدَرُ في مَقدوراتٍ واحدةٍ: لا يَجوزُ أنْ يكونَ غيرَ عالِمٍ بما خلقَه غيرُه؛ لأنَّ صِفاتِ العِلْمِ لا تَتداخَلُ، فإذا عَلِمَ أحدُ الآلهةِ مِقْدارَ مَلكوتِ شُركائِه؛ فالعالِمُ بأشَدِّيَّةِ مَلكوتِه يَعلُو على مَن هو دُونَه في الملكوتِ؛ فظهَرَ أنَّ قولَه: عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ مِن تَمامِ الاستِدلالِ على انتفاءِ الشُّركاءِ؛ ولذلك فُرِّعَ عنه بالفاءِ قولُه: فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [825] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/94)، ((تفسير أبي السعود)) (6/149)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/117). .