موسوعة التفسير

سُورةُ الأعرافِ
الآيات (204-206)

ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ

غريب الكلمات:


وَأَنْصِتُوا: الإنصاتُ: السُّكوتُ للاستماعِ، مع ترْكِ الكَلامِ، وَأصلُ (نصت) يدُلُّ على السُّكوتِ [2483] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/434)، ((المفردات)) للراغب (ص: 496)، ((تفسير القرطبي)) (7/354)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/458). .
وَخِيفَةً: أي: خوفًا مِن اللهِ، وأصلُه يدلُّ على الذُّعرِ والفَزَعِ [2484] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/230)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 215). .
بِالْغُدُوِّ: جمع غَدَاةٍ: وهي أولُ النَّهَارِ، وأصْلُ (غدو): يَدُلُّ عَلَى زَمَانٍ [2485] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/669)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/415)، ((المفردات)) للراغب (ص: 603). .
وَالْآصَالِ: جمعُ أُصُلٍ، والأُصُل: جمعُ أصيلٍ: وهو آخِرُ النَّهارِ [2486] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/669)، ((المفردات)) للراغب (ص: 78)، ((تفسير القرطبي)) (7/355)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 215). .
لَا يَسْتَكْبِرُونَ: أي: لا يتكبَّرونَ، والاستكبارُ: أن يتشبَّعَ الإنسانُ فيُظهِرَ مِن نَفسِه ما ليس له، وأصلُ (كبر): يدلُّ على خلافِ الصِّغَر [2487] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/317)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/153)، ((المفردات)) للراغب (ص: 697). .
وَيُسَبِّحُونَهُ: أي: يُعظِّمونَه ويُنزِّهونَه عن كلِّ سُوءٍ، وأصل (سبح): يدلُّ على جِنسٍ مِن العبادةِ [2488] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/125)، ((المفردات)) للراغب (ص: 392)، ((تفسير القرطبي)) (7/356)، ((تفسير ابن كثير)) (3/539). .

المعنى الإجمالي:


يأمرُ اللهُ عبادَه في حالِ تِلاوةِ القُرآنِ أن يستمِعُوا له ويُنصِتوا؛ لعلَّهم يُرحَمونَ بذلك.
وأمرَ اللهُ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يذكُرَه بلِسانِه في نفسِه بحيث لا يشعُرُ بذلك أحدٌ، مُتخَشِّعًا متذلِّلًا لله، وخائفًا منه عزَّ وجلَّ، ومن عقابِه، وأن يذكُرَه أيضًا بلِسانِه مِن غَيرِ رَفعِ الصَّوتِ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَه، ونهاه أن يكونَ مِن الغافلينَ.
وأخبَرَ تعالى أنَّ الذينَ عِندَه مِن الملائكةِ، لا يتكبَّرونَ عن عبادَتِه سُبحانه، ويُنزِّهونَه عن كُلِّ سُوءٍ، وله وَحْدَه يَسجُدونَ.

تفسير الآيات:


وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكرَ اللهُ تعالى أنَّ القُرآنَ بَصائِرُ وهُدًى ورحمةٌ؛ أمرَ باستماعِه إذا شُرِعَ في قراءتِه، وبالإنصاتِ- وهو السُّكوتُ مع الإصغاءِ إليه؛ إعظامًا له واحترامًا، ولأنَّ ما اشتمَلَ على هذه الأوصافِ مِن البَصائِرِ والهُدى والرَّحمةِ، حَريٌّ بأن يُصغى إليه؛ حتى يحصُلَ منه للمُنصِتِ هذه النَّتائِجُ العَظيمةُ، وينتفِعَ بها فيستبصِرَ مِن العَمى، ويهتديَ مِن الضَّلالِ، ويُرحَمَ بها [2489] يُنظَر: ((تفسير أبي حيان)) (5/261)، وينظر أيضًا: ((تفسير ابن كثير)) (3/536). .
وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا
أي: وإذا قُرِئَ عليكم القرآنُ فأَصْغُوا له سَمعَكم، وأحضِرُوا قلوبَكم؛ لِتتفهَّموا آياتِهِ، واصمُتُوا حينَ تسمَعونَه لِتتدبَّروه [2490] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/658)، ((البسيط)) للواحدي (9/563)، ((تفسير ابن كثير)) (3/536). قال ابنُ تيميَّةَ: (قال الإمامُ أحمدُ في قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ: أجمعَ النَّاسُ أنَّها نزلت في الصَّلاةِ. وقد قيل: في الخُطبةِ، والصَّحيحُ أنَّها نزلت في ذلك كُلِّه). ((الفتاوى الكبرى)) (5/355). ويُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/667). وقال السَّعدي: (هذا الأمرُ عامٌّ في كلِّ مَن سَمِعَ كِتابَ اللهِ يُتلَى؛ فإنَّه مأمورٌ بالاستماعِ له والإنصاتِ، والفَرقُ بين الاستماعِ والإنصاتِ: أنَّ الإنصاتَ في الظَّاهِرِ بِتَركِ التحَدُّثِ، أو الاشتغالِ بما يَشغَلُ عن استماعِه. وأمَّا الاستماعُ له: فهو أن يُلقِيَ سَمعَه، ويُحضِرَ قَلبَه ويتدبَّرَ ما يستمِعُ). ((تفسير السعدي)) (ص: 314). ويُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/239). .
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
أي: استَمِعوا للقُرآنِ وأنصِتوا له؛ لِيرحمَكم اللهُ تعالى [2491] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/658)، ((تفسير ابن جزي)) (1/319)، ((تفسير الشوكاني)) (2/319)، ((تفسير السعدي)) (ص: 314). .
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه بعد أن أُمِرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الآيةِ السَّابقة بما أُمِرَ بتبليغِه مِن الآياتِ المتقَدِّمةِ، وأُمِرَ النَّاسُ باستماعِ القُرآنِ، كان ذلك يستلزِمُ أمْرَ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بقراءةِ القُرآنِ عليهم قراءةً جَهريَّةً يَسمعونَها، بصوتٍ عالٍ رفيعٍ؛ ليحصلَ المقصودُ مِن تبليغِ الوحيِ والرِّسالةِ، ثم إنَّه تعالى أردَف ذلك الأمرَ، بأن أمَره في هذه الآيةِ بأن يذكرَ ربَّه في نفسِه، وهو التذكُّرُ الخاصُّ به، فأمَرَه بأن يذكُرَ اللهَ ما استطاع، وكيفما تسنَّى له، وفي أوقاتِ النَّهارِ المختلفةِ [2492] يُنظَر: ((تفسير الرازي)) (15/441-442)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/241). .
وأيضًا لَمَّا أمَرَهم تعالى بالاستماعِ والإنصاتِ إذا شُرِعَ في قراءةِ القُرآنِ، ارتقى مِن أمْرِهم إلى أمْرِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يذكُرَ ربَّه في نَفسِه، أي: بحيثُ يراقِبُه ويذكُرَه في الحالةِ التي لا يَشعُرُ بها أحَدٌ، وهي الحالةُ الشَّريفةُ العُليا [2493] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/262). ، فقال تعالى:
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ
أي: واذكُرِ اللهَ تعالى بلسانِك فيما بينك وبينَه [2494] قال الرازي: (قوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ وإن كان ظاهِرُه خطابًا مع النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، إلَّا أنَّه عامٌّ في حَقِّ كُلِّ المُكَلَّفينَ). ((تفسير الرازي)) (15/445)، وينظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/494)، ((تفسير السعدي)) (ص: 314). ، مِن حيثُ لا يشعُرُ بذلك أحَدٌ، متذكِّرًا ومُستحضِرًا بقَلْبِك عظَمَته وصِفاتِه، وثوابَه وعقابَه، ونحوَ ذلك [2495] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/667)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/33-35)، ((تفسير أبي حيان)) (5/262-263)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/241)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/461، 463). وممَّن ذهب إلى أنَّ هذا الذِّكرَ في النَّفسِ يكونُ باللِّسانِ: ابنُ تيميَّةَ، وابنُ عاشور. يُنظَر: ((مجموع الفتاوى)) (7/135)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/241)، ونسبه ابنُ عطيَّةَ للجُمهورِ، فقال: (والجُمهورُ على أنَّ الذِّكرَ لا يكونُ في النَّفسِ، ولا يراعى إلَّا بحركةِ اللِّسانِ، ويدلُّ على ذلك مِن هذه الآيةِ قولُه: وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ فهذه مَرتبةُ السِّرِّ والمخافتةِ باللَّفظِ). ((تفسير ابن عطية)) (2/494). وقال ابنُ عاشور: (وذلك يشمَلُ قراءةَ القُرآنِ وغيرِ القُرآنِ؛ مِن الكلامِ الذي فيه تمجيدُ الله وشُكرُه ونحوُ ذلك، مثلُ كلمةِ التَّوحيدِ، والحَوقَلةِ، والتَّسبيح والتَّكبيرِ، والدُّعاء ونحوِ ذلك). ((تفسير ابن عاشور)) (9/241). وقيل المرادُ بالذِّكرِ هنا: الذِّكرُ النَّفساني بالقَلبِ بالتدبُّرِ والاعتبارِ، والتفكُّر في عظمةِ الله تعالى وأسمائِه وصفاتِه وآياتِه دونَ تَحريكِ اللِّسانِ، وممَّن ذهب إلى ذلك: أبو حيان، والشِّنقيطي. يُنظَر: ((تفسير أبي حيان)) (5/263)، ((العذب النمير)) (4/461). ويُنظَر أيضًا: ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/184). وقال ابن تيمية: (قال الله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ فأمرَ بذِكرِ اللهِ في نَفسِه، فقد يقال: هو ذِكرُه في قَلبِه بلا لسانِه؛ لقولِه بعد ذلك: وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ وقد يُقالُ- وهو أصَحُّ-: بل ذِكرُ اللهِ في نَفسِه باللِّسانِ مع القَلبِ، ونظيرُ قَولِه: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما رَوى عن ربِّه: «مَن ذكَرَني في نفسِه ذَكَرتُه في نفسي، ومن ذكَرَني في ملأٍ ذَكَرتُه في ملأٍ خَيرٍ منه»، وهذا يدخُلُ فيه ذِكرُه باللِّسانِ في نَفسِه، فإنَّه جعَلَه قسيمَ الذِّكرِ في المَلأِ، وهو نظيرُ قَولِه: وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ، والدَّليلُ على ذلك أنَّه قال: بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، ومعلومٌ أنَّ ذِكرَ اللهِ المشروعَ بالغُدوِّ والآصالِ في الصَّلاةِ وخارِج الصَّلاة؛ هو باللِّسانِ مع القلبِ، مثل: صلاتَي الفَجرِ والعَصرِ، والذِّكرِ المَشروعِ عَقِبَ الصَّلاتينِ، وما أمر به النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعلَّمَه وفَعَلَه مِن الأذكارِ، والأدعِيةِ المأثورةِ مِن عَمَلِ اليومِ واللَّيلة المشروعةِ طرفَيِ النَّهارِ بالغُدوِّ والآصالِ. وقد يدخُلُ في ذلك أيضًا ذِكرُ اللهِ بالقَلبِ فقط؛ لكنْ يكونُ الذِّكرُ في النَّفسِ كاملًا وغيرَ كامل؛ فالكامِلُ باللِّسانِ مع القلبِ، وغيرُ الكامِلِ بالقَلبِ فقط). ((مجموع الفتاوى)) (15/33- 35). وأيضًا (7/135). .
كما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: 41-42].
وقال تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الإنسان: 25].
وعن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: أنا عندَ ظنِّ عَبدِي بي، وأنا مَعَه حين يذكُرُني، إنْ ذَكَرَني في نفسِه، ذكَرتُه في نَفسي، وإنْ ذَكَرَني في ملإٍ، ذَكَرتُه في ملإٍ هم خيرٌ منهم )) [2496] رواه البخاري (7405)، ومسلم (2675) واللفظ له. .
تَضَرُّعًا وَخِيفَةً
أي: اذكُرِ اللهَ تعالى، وأنت مُتخشِّعٌ متذلِّلٌ، متواضِعٌ مُستكينٌ لله، وخائفٌ وَجِلُ القَلبِ من اللهِ تعالى، ومن عقابِه- سُبحانه [2497] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/667)، ((تفسير ابن عطية)) (2/494)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/19)، ((تفسير أبي حيان)) (5/263)، ((تفسير ابن كثير)) (3/538)، ((تفسير السعدي)) (ص: 314)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/461). قال الشِّنقيطي: (تَضَرُّعًا وَخِيفَةً قيل: هما مفعولانِ لأجلِهما، أي: لأجْلِ التضَرُّعِ. والتضَرُّعُ معناه: التذلُّل والتخَشُّع والتَّواضُع؛ أي: لأجلِ التَّذلُّلِ والتخشُّعِ والتواضُعِ لِرَبِّ العالمين. وقال بعضُ العلماء: تَضَرُّعًا وَخِيفَةً مصدرانِ مُنكَّرانِ بمعنى الحال، أي: في حالِ كَونِك مُتضَرِّعًا خائفًا، والكُلُّ مُحتَمَلٌ). ((العذب النمير)) (4/461). ويُنظَر: ((تفسير أبي حيان)) (5/263). .
  وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ
أي: اذكُرِ اللهَ- عزَّ وجلَّ- بلسانِك، في خفاءٍ من القَولِ، من غيرِ رفعٍ للصَّوتِ [2498] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/667)، ((تفسير القرطبي)) (7/355)، ((تفسير ابن كثير)) (3/539)، ((تفسير السعدي)) (ص: 314)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/463). .
كما قال تعالى: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا [الإسراء: 110].
وعن أبي موسى الأشعريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((كنَّا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكنَا إذا أشرَفْنا على وادٍ هَلَّلْنا وكَبَّرْنا، ارتفَعَت أصواتُنا، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا أيُّها النَّاسُ، ارْبَعُوا [2499] ارْبَعوا (بهمزة وصل وفتح الباء): أي ارفُقُوا ولا تُجهِدوا أنفُسَكم. ينظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (11/188). على أنفُسِكم؛ فإنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائبًا، إنَّه معكم، إنَّه سَميعٌ قريبٌ )) [2500] رواه البخاري (2992) ومسلم (2704)، واللفظ للبخاري. .
بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ
أي: اذكُرِ اللهَ في أوَّلِ النَّهارِ، وفي آخِرِه مِن العَصرِ إلى المَغربِ [2501] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/669)، ((تفسير القرطبي)) (7/356)، ((تفسير ابن كثير)) (3/538)، ((تفسير السعدي)) (ص: 314)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/464). .
كما قال تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الإنسان: 25].
وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: 41-42].
وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ
أي: وأكثِرْ مِن ذِكرِ اللهِ تعالى، ولا تكُنْ مِن الغافِلينَ عن ذِكرِه- سُبحانَه [2502] يُنظَر: ((تفسير القرطبي)) (7/356)، ((تفسير أبي حيان)) (5/263)، ((تفسير الشوكاني)) (2/320)، ((تفسير السعدي)) (ص: 314)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/242)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/464). قال الشنقيطي: (معلوم أنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يغفلُ عن ذكرِ ربِّه، ولكنه يُؤمر ويُنهى ليشرعَ لأُمَّتِه على لسانِه). ((العذب النمير)) (4/464). .
كما قال تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران: 191].
وقال سبحانه: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: 35].
وقال عزَّ وجلَّ: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر: 19].
وقال جلَّ جلاله: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المجادلة: 19].
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا رغَّبَ اللهُ تعالى رسولَه في الذِّكرِ، وفي المواظبةِ عليه، ذكَرَ عَقيبَه ما يقَوِّي دواعيَه، فبَيَّنَ أنَّ الملائكةَ- مع نهايةِ شَرَفِهم، وغايةِ طَهارَتِهم، وعِصمَتِهم وبراءَتِهم عن بواعثِ الشَّهوةِ والغَضبِ، وحوادثِ الِحقدِ والحَسَد- لَمَّا كانوا مُواظِبينَ على العبوديَّةِ والسُّجودِ والخُضوعِ والخُشوعِ؛ فالإنسانُ- مع كَونِه مُبتلًى بظُلُماتِ عالَم الجُسمانيَّاتِ، ومُستعِدًّا للَّذَّاتِ البشريَّةِ والبواعِثِ الإنسانيَّةِ- أولى بالمُواظبةِ على الطَّاعةِ [2503] يُنظَر: ((تفسير الرازي)) (15/445). .
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ 
أي: إنَّ الملائكةَ الَّذين عند اللهِ تعالى، لا يتكبَّرونَ عن عبادتِهِ سُبحانَه؛ فهم خاضِعونَ لِرَبِّهم، مُتذلِّلونَ له، ومُنقادونَ لأوامِرِه سُبحانه [2504] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/671)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/184)، ((تفسير السعدي)) (ص: 314)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/465). قال القرطبي: (يعني الملائكةَ، بإجماعٍ). ((تفسير القرطبي)) (7/356). .
كما قال تعالى: وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ [الأنبياء: 19].
وقال سُبحانه: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل: 49-50].
وَيُسَبِّحُونَهُ
أي: والملائكةُ ينزِّهونَ اللهَ عزَّ وجلَّ عن كلِّ سُوءٍ [2505] يُنظَر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 429)، ((تفسير القرطبي)) (7/356)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/466). .
كما قال تعالى: وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى: 5].
وقال سبحانه: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ [غافر: 7].
وقال جلَّ جلاله: وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الزمر: 75].
وقال عزَّ وجلَّ: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: 20].
وقال تبارك وتعالى: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [الصافات: 165-166].
وَلَهُ يَسْجُدُونَ
أي: وله- وَحْدَه لا شريكَ له- يَسجُدونَ سُجودَ تذلُّلٍ وخُضوعٍ، وتواضُعٍ له تعالى، ويخصُّونه بأشرفِ عبادةٍ [2506] يُنظَر: ((تفسير ابن عطية)) (2/495)، ((تفسير أبي حيان)) (5/264)، ((تفسير الشوكاني)) (2/320)، ((تفسير السعدي)) (ص: 314)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/466). .
عن أبي ذرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إنِّي أرى ما لا تَرَونَ، وأسمَعُ ما لا تَسمعونَ: أطَّتِ [2507] أطَّتِ: أي: صوَّتَت وأنَّتْ، وسُمِعَ لها أطيطٌ. والأطيطُ: هو صريرُ الرَّحْلِ على البَعيرِ، إذا كان الحِملُ ثقيلًا. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للملا الهروي (8/3350)، ((شرح الأربعين النووية)) للعثيمين (ص: 42). السَّماءُ، وحُقَّ لها أن تَئِطَّ؛ والَّذي نفسي بيَدِه، ما فيها موضِعُ أربعةِ أصابعَ، إلَّا ومَلَكٌ واضعٌ جَبهتَه، ساجِدٌ للهِ... )) [2508] أخرجه الترمذي (2312)، وابن ماجة (4190)، وأحمد (21516). قال الترمذي: حسن غريب، وصححه ابن العربي في ((عارضة الأحوزي)) (5/152)، وحسَّنه الألباني في ((صحيح الترمذي)) (2312). .

الفوائد التربوية:


قال الله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ مَن لازَمَ على الاستماعِ والإنصاتِ حين يُتلَى كتابُ اللهِ؛ فإنَّه ينالُ خَيرًا كثيرًا، وعِلمًا غَزيرًا، وإيمانًا مُستمِرًّا مُتجدِّدًا، وهدًى مُتزايدًا، وبصيرةً في دينِه؛ ولهذا رتَّبَ اللهُ حُصولَ الرَّحمةِ عليهما، فدلَّ ذلك على أنَّ مَن تُلِيَ عليه الكتابُ، فلم يستمِعْ له ويُنصِتْ، أنَّه مَحرومُ الحَظِّ مِن الرَّحمةِ، قد فاته خيرٌ كثيرٌ [2509] يُنظَر: ((تفسير السعدي)) (ص:314). .
قَولُ اللهِ تعالى: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قال بعضُهم: الرَّحمةُ أقرَبُ شَيءٍ إلى مُستمِعِ القُرآنِ؛ لهذه الآيةِ [2510] يُنظَر: ((تفسير ابن جزي)) (1/319). .
الترغيبُ في الإكثارِ مِن ذِكرِ اللهِ آناءَ اللَّيلِ والنَّهارِ، خصوصًا طرَفَيِ النَّهارِ، والتَّحذيرُ مِن الغفلةِ؛ يُرشِدُ إلى ذلك قَولُ الله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ [2511] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/242)، ((تفسير السعدي)) (ص:314). .
لا يريدُ اللهُ تعالى أن يتكثَّرَ بعبادةِ الخَلقِ مِن قِلَّةٍ، ولا ليتعزَّزَ بها من ذِلَّةٍ، وإنَّما يريدُ نَفعَهم، وأن يربَحوا عليه أضعافَ أضعافَ ما عَمِلوا؛ فإنَّ لله تعالى عبادًا مُستديمينَ لعبادتِه، مُلازمينَ لِخدمَتِه، وهم الملائكةُ، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [2512] يُنظَر: ((تفسير السعدي)) (ص:314). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قَولُ اللهِ تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا استدلَّ به من قال: إنَّ المأمومَ إذا سَمِعَ قراءةَ الإمامِ يستمِعُ لها، ويُنصِتُ لا يقرأُ بالفاتحةِ ولا غَيرِها، وإذا لم يسمَعْ قراءَتَه بها، يقرأ الفاتحةَ وما زاد [2513] يُنظَر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (18/20). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ فيه دليلٌ على أنَّ المَشروعَ في الذِّكرِ كُلِّه؛ المخافتةُ، إلَّا أن يكونَ هناك سببٌ يُشرَعُ له الجَهرُ [2514] يُنظَر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (22/468). ، أو ما دلَّ دليلٌ خاصٌّ على مشروعيةِ الجهرِ به.
قَولُ اللهِ تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَة فيه دقيقةٌ، وهي أنَّ سَماعَ لَفظِ (الرِّبِّ) يُوجِبُ الرَّجاءَ، وسَماعَ لَفْظِ (التضَرُّع) و(الخِيفةِ) يوجِبُ الخوفَ، فلمَّا وقع الابتداءُ بما يُوجِبُ الرَّجاءَ، عَلِمْنا أنَّ جانِبَ الرَّجاءِ أقوى [2515] يُنظَر: ((تفسير الرازي)) (15/443). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ خَصَّ (الغُدُوَّ) و(الآصالَ) بهذا الذِّكرِ؛ والحكمةُ فيه:
قيل: إنَّ عند الغُدوةِ انقلب الإنسانُ مِن النَّومِ- الذي هو كالموتِ- إلى اليقظةِ التي هي كالحياةِ، والعالَمُ انقلب من الظُّلْمة- التي هي طبيعةٌ عَدَميَّةٌ- إلى النُّورِ الذي هو طبيعةٌ وُجوديَّة. وأمَّا عند الآصالِ، فالأمرُ بالضِّدِّ؛ لأنَّ الإنسانَ ينقلِبُ فيه من الحياةِ إلى الموتِ، والعالَمُ ينقلِبُ فيه من النُّورِ الخالصِ إلى الظُّلمةِ الخالصةِ، وفي هذينِ الوَقتينِ يحصُلُ هذان النَّوعانِ مِن التَّغييرِ العَجيبِ القويِّ القاهِرِ، ولا يقدِرُ على مِثلِ هذا التَّغييرِ إلَّا الإلهُ الموصوفُ بالحِكمةِ الباهرةِ، والقُدرةِ غيرِ المُتناهية؛ فلهذه الحِكمةِ العَجيبةِ خَصَّ اللهُ تعالى هذينِ الوَقتينِ بالأمرِ بالذِّكرِ.
وقيل: إنَّما خُصَّا بالذِّكرِ؛ لأنَّ الصَّلاةَ بعد صلاةِ الصُّبحِ، وبعد صلاةِ العَصرِ مكروهةٌ، واستُحِبَّ للعبدِ أن يذكُرَ اللهَ تعالى فيهما؛ ليكونَ في جميعِ أوقاتِه مُشتغِلًا بما يقرِّبُه إلى اللهِ تعالى، مِن صلاةٍ وذِكرٍ.
وقيل: إنَّ أعمالَ العِبادِ تَصعَدُ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَه، فيصعَدُ عَملُ اللَّيلِ عند صلاةِ الفَجرِ، ويصعَدُ عَملُ النَّهارِ بعد العَصرِ إلى الغُروبِ، فاستُحِبَّ له الذِّكرُ فيهما؛ ليكونَ ابتداءُ عَمَلِه بالذِّكرِ، وختامُه بالذِّكرِ.
وقيل: خَصَّ هذينِ الوَقتينِ لِشَرفِهما، والمرادُ دَوامُ الذِّكرِ لله [2516] يُنظَر: ((تفسير الرازي)) (15/444)، ((تفسير الشربيني)) (1/550-551)، ((تفسير الشوكاني)) (2/320). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ لَمَّا كان رُبَّما أوهمَ هذا الخُصوصَ بهَذينِ الوَقتينِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وإن كان ظاهِرًا في الدَّوامِ، قال مُصَرِّحًا: وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ أي: في وَقتٍ غَيرِهما، بل كُن ذاكِرَه في كلِّ وَقتٍ، على كلِّ حالٍ [2517] يُنظَر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/211-212). .
قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ذكرَ مِن طاعاتِهم أوَّلًا: كونَهم يُسبِّحونَ، والتَّسبيحُ عبارةٌ عن تنزيهِ اللهِ تعالى مِن كلِّ سُوءٍ، وذلك يرجِعُ إلى المعارفِ والعُلومِ، ثمَّ لَمَّا ذكَرَ التَّسبيحَ أردَفَه بذِكرِ السُّجودِ، وذلك يرجِعُ إلى أعمالِ الجَوارِحِ، وهذا الترتيبُ يدلُّ على أنَّ الأصلَ في الطَّاعةِ والعبوديَّةِ أعمالُ القلوبِ، ويتفَرَّعُ عليها أعمالُ الجَوارِحِ [2518] يُنظَر: ((تفسير الرازي)) (15/446). .

بلاغة الآيات:


قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ذِكرُ اسْمِ (القُرآنِ) هنا إظهارٌ في مقامِ الإضمارِ؛ لأنَّ القرآنَ تقدَّمَ ذِكرُه بواسطةِ اسمِ الإشارةِ فِي قَوْلِهِ: هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فنكتةُ هذا الإظهارِ: التَّنويهُ بهذا الأمرِ، وجَعْلُ جُملَتِه مُستقلَّةً بالدَّلالةِ غَيرَ مُتوقِّفةٍ على غَيرِها، وهذا من وجوهِ الاهتمامِ بالكَلامِ، ومِن دواعي الإظهارِ في مَقامِ الإضمارِ [2519] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/239). .
والاستماعُ: الإصغاءُ. وصيغةُ الافتعالِ دالَّةٌ على المُبالغةِ في الفِعلِ [2520] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/239). .
قولُه: وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ أشَدُّ في الانتفاءِ وفي النَّهيِ مِن نحوِ: (ولا تَغفُلْ)؛ لأنَّه يَفرِضُ جماعةً يحِقُّ عليهم وصفُ الغافلينَ، فيُحَذَّرُ مِن أن يكونَ في زُمرَتِهم، وذلك أبيَنُ للحالةِ المنهيِّ عنها [2521] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/242). .
قوله: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ يتنزَّلُ مَنزلةَ العِلَّة للأمرِ بالذِّكرِ؛ ولذلك صُدِّرَ بـ (إنَّ) التي هي لمجرَّدِ الاهتمامِ بالخَبَر، لا لرَدِّ تردُّدٍ أو إنكارٍ؛ لأنَّ المخاطَبَ مُنَزَّهٌ عن أن يتردَّدَ في خبرِ الله تعالى، فحَرفُ التوكيد في مثل هذا المقامِ يُغني غَناءَ فاءِ التَّفريعِ، ويُفيدُ التَّعليلَ، وفيها تعريضٌ بالمُشركينَ المُستكبرينَ عن عبادةِ الله، بأنَّهم مُنحطُّونَ عن تلك الدَّرَجاتِ [2522] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/243). .
وجهُ العُدولِ عن لفظِ الملائكةِ إلى الموصوليَّةِ في قَولِه: الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ما تُؤذِنُ به الصِّلةُ مِن رِفعةِ مَنزِلَتِهم، فيتذرَّعُ بذلك إلى إيجادِ المُنافَسةِ في التخَلُّقِ بأحوالِهم [2523] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/243). .
قوله تعالى: لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ليس المقصودُ به التَّنويهَ بِشأنِ الملائكةِ؛ لأنَّ التَّنويهَ بهم يكونُ بأفضَلَ مِن ذلك، وإنَّما أريدَ به التَّعريضُ بالمُشركينَ، وأنَّهم على النَّقيضِ مِن أحوالِ الملائكةِ المُقَرَّبينَ؛ فخليقٌ بهم أن يكونوا بُعَداءَ عَن مَنازِلِ الرِّفعةِ، والمقصودُ هو قَولُه: وَيُسَبِّحُونَهُ أي: يُنزِّهونَه بالقَولِ والاعتقادِ عن صِفاتِ النَّقصِ، وهذه الصِّلةُ هي المقصودةُ مِن التَّعليلِ للأمرِ بالذِّكرِ [2524] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/243-244). .
وتقديمُ المعمولِ في قَولِه: وَلَهُ يَسْجُدُونَ للدَّلالةِ على الاختصاصِ، أي: ولا يَسجُدونَ لِغَيره، وهذا أيضًا تَعريضٌ بالمُشركينَ الذين يَسجُدونَ لِغَيرِه، وصيغةُ المُضارِعِ تُفيدُ الاستمرارَ [2525] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/244). .