موسوعة التفسير

سُورَةُ آل عِمْرانَ
الآيات (189-195)

ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ

غريب الكلمات:


أَخْزَيْتَهُ: أي: أهْلكتَه وأبعدتَه، مِن أَخْزى فلانًا، أي: ألْزمَه الحُجَّةَ وأذلَّه معها، وخزِيَ الرَّجُلُ: لَحِقَه انكسارٌ، والخزاية: النَّكالُ والفضيحةُ، وأصل الإخزاء: الإبعادُ [5708] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 53)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/179)، ((المفردات)) للراغب (ص: 281)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 56)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 134)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 65، 432). .

مشكل الإعراب:


1- قوله: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ:
عَلَى رُسُلِكَ: الجارُّ والمجرور متعلِّق بـوَعَدْتَنا، بتقديرِ مُضافٍ محذوف، والتَّقدير: ما وَعَدْتنا على تَصديقِ رُسلِك مِن الثَّوابِ، أو على ألْسنةِ رُسلِك، ويجوزُ أنْ يتعلَّق بـآتِنَا، وقيل غير ذلك يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/455)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/322)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/537- 538)، ((تفسير أبي السعود)) (2/132). .
2- قوله: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ:
أَنِّي لَا أُضِيعُ: (أنَّ) المفتوحةُ وما بعدَها مَصدرٌ مؤوَّل، وهو في مَحلِّ نصْبٍ على نزْعِ الخافِض، أو في محلِّ جرٍّ بحَرْف الجرِّ؛ إذ التقدير: (بأنِّي لا أُضيع)، والجارُّ والمجرور متعلِّقان بـاسْتَجَابَ. وقُرِئ (إنِّي) بالكسر على تَقديرِ: فقَال: إنِّي لا أُضيع، أو على الحِكايةِ بـاسْتَجَابَ؛ لأنَّ فيه معنى القول؛ فلا موضعَ لـ(إنَّ) وما بعدَها حينئذٍ؛ لأنَّها جملةُ مقول القول [5710] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/185)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/538)، ((إعراب القرآن الكريم)) لدعاس (1/180). .

المَعنَى الإجماليُّ:


يُخبر تعالى أنَّه وحَدَه مَن يَملِكُ السَّمواتِ والأرضَ وما فيهما، وهو ذو القُدرةِ التامَّةِ على كلِّ شيء.
ويُخبر أيضًا سبحانه أنَّ في إيجادِ السَّموات والأرض من عدمٍ، وصُنعِها المتقنِ وما فيها، وتعاقُبِ الليل والنهار، لَدلائلَ واضحةً لذوي العقولِ السَّليمةِ تدلُّهم على الخالقِ سبحانه وعلى صِفاتِه، هؤلاء هم الذين يَذكُرون الله تعالى دائمًا وعلى مُختلفِ حالاتِهم قِيامًا وقُعودًا ومُضطجِعين، وتَجُولُ أفكارُهم في خلْقِ السَّمواتِ والأرض، يقولون وهم يتفكَّرون فيها مُخاطِبين الله تعالى: إنَّك يا ربَّنا، لم تَخلقْ هذا الخلقَ عبثًا؛ فأنتَ منزَّهٌ عن العَبثِ واللَّهو، فجنِّبْنا عذابَ النارِ، تِلك النارُ التي مَن أدخلتَه فيها فقدْ أهنتَه، وما للظالمين مِن أنصار، ربَّنا إنَّنا سَمِعنا نبيَّك مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَدْعو إلى الإيمانِ بك، فاستجَبْنا له، فتجاوزْ عن ما اقتَرَفْناه مِن ذنوبٍ واستُرْها بسَتْرِك، وامْحُها بإيمانِنا بك واتِّباعنا لنبيِّك، واجعَلْنا حينَ تتوفَّانا مِن الصَّالحين، ربَّنا وآتِنا جميعَ ما وعدتنَا به على ألْسِنةِ رُسلِك، ولا تَفضَحْنا بذُنوبِنا أمامَ الخَلْقِ يومَ القيامة؛ إنَّك لا تخلفُ وعدَك.
فأَخبَرَ اللهُ تعالى أنَّه استجابَ لهم تلك الدَّعواتِ؛ فهو سبحانه لا يَضيعُ عَملٌ عنده، أيُّ عَملٍ، ومِن أيِّ عاملٍ، سواء كان ذكرًا أو أنثى؛ فلا فَرْقَ بينهم في ذلك، فالذين ترَكوا أوطانَهم- لكونها دارَ كُفرٍ- إلى دارِ الإيمان، أو طَردَهم أهلُ الشِّركِ مِن دِيارهم، وأُوذوا في سبيل الله، وقاتلوا في سبيلِ الله وقُتلوا، سَيمْحُو اللهُ عنهم خَطاياهم، وسيُدخلهم جنَّاتٍ تَجري من تحتِها الأنهارُ؛ جزاءً من عند الله على ما بذَلوا وقدَّموا، واللهُ تعالى عنده حُسنُ الثَّواب.

تفسير الآيات:


وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
أي: إنَّ اللهَ تعالى هو وَحْدَه المالكُ لكلِّ شيءٍ؛ فيَملِكُ السَّمواتِ والأرضَ وجميعَ ما حوتْه من أصنافِ الخَلْق يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/308)، ((تفسير ابن كثير)) (2/183)، ((تفسير السعدي)) (ص: 161). .
وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
أي: إنَّ الله عزَّ وجلَّ له كمالُ القُدرةِ على كلِّ شيءٍ، فلا يمتنعُ عليه أحدٌ، ولا يُعجِزُه شيءٌ سبحانه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/308)، ((تفسير ابن كثير)) (2/183)، ((تفسير السعدي)) (ص: 161). .
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا كان المقصودُ من هذا الكتابِ الكريمِ جَذْبَ القلوبِ والأرواحِ عن الاشتغالِ بالخَلقِ إلى الاستغراقِ في مَعرفةِ الحقِّ والإيمانِ بهِ وتوحيدِهِ وطاعتِهِ، فلمَّا طال الكلامُ في تقريرِ الأحكامِ والجوابِ عن شُبهاتِ المبطِلين، عادَ إلى إنارةِ القلوبِ بذِكرِ ما يدلُّ على التوحيدِ والإلهيَّة والكبرياءِ والجلالِ، فذَكَر هذه الآيةَ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/458). .
وأيضًا لَمَّا ذكَر اللهُ تعالى أنَّه مالكُ السَّمواتِ والأرضِ، وذكَر قُدرتَه، ذكَر أنَّ في خَلقِهما دَلالاتٍ واضحةً لذَوي العقولِ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/468). ، فقال:
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
أي: إنَّ في ابتداعِ اللهِ تعالى وإيجادِه من العدمِ هذه السَّمواتِ والأرضَ، المبهرةَ في إتقانِ صُنعِها، والعظيمةَ في سَعتِها وفي حُسنِها وجمالِها، والعَجيبةَ فيما أودَعَ اللهُ تعالى فيها مِن منافعَ عَديدةٍ، ومَخلوقاتٍ عجيبةٍ، وغير ذلك يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/184)، ((تفسير السعدي)) (ص: 161)، ((تفسير ابن عثمين- سورة آل عمران)) (2/536-538). .
وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
أي: إنَّ في تعاقُبَ اللَّيلِ والنَّهارِ على العبادِ وتفاوتهما طولًا وقِصرًا، وغير ذلك يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/309)، ((تفسير ابن كثير)) (2/184)، ((تفسير ابن عثمين- سورة آل عمران)) (2/539-540). .
لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ
أي: إنَّ في خَلْق تِلكِ المخلوقاتِ العجيبةِ وما تَحويه من الأشياءِ المبهرةِ العظيمة، لعلاماتٍ لأصحابِ العقولِ السَّليمةِ التي تُدرِكُ حَقائقَ الأشياء، فتدلُّهم على أنَّ خالقَ ذلك هو الربُّ المعبودُ وحْدَه سبحانه، كما تدلُّهم على صِفاتِ الله تبارَك وتعالَى يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/184)، ((تفسير السعدي)) (ص: 161)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/223)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/151)، ((تفسير ابن عثمين- سورة آل عمران)) (2/540). .
عن ابن عبَّاس رضِي اللهُ عنهما، قال: ((بِتُّ في بيتِ مَيمونَةَ ليلةً، والنبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عِندَها؛ لأنظُرَ كيفَ صلاةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالليلِ، فتحدَّث رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ معَ أهلِه ساعةً ثم رقَد، فلمَّا كان ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ، أو بعضُه، قعَد فنظَر إلى السَّماءِ، فقرأ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلى قوله: لِأُولِي الْأَلْبَابِ، ثمَّ قام فتوضَّأ واستَنَّ، ثم صلَّى إحْدَى عشْرةَ ركعةً، ثم أذَّن بلالٌ بالصَّلاةِ، فصلَّى ركعتَينِ، ثمَّ خرَج فصلَّى للناسِ الصُّبحَ )) رواه البخاري (7452). .
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذَكَر اللهُ سبحانه وتعالى في الآيةِ السَّابقةِ دَلائلَ الإلهيَّةِ والقُدرةِ والحِكمةِ، وهو ما يتَّصلُ بتَقريرِ الرُّبوبيَّة، ذكَرَ بعدَها ما يتَّصل بالعبوديَّة يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/459). .
وأيضًا لَمَّا ذكَر اللهُ تعالى أنَّ الذين يَنتفعونَ بتلك الآياتِ هم أُولو الألبابِ، شرَعَ في وصْفِهم يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/184). ، فقال:
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ
أي: إنَّ أُولي الألبابِ هم الذين يُديمون ذِكرَ اللهِ تعالى بقلوبِهم وألْسنتِهم، وفي جميعِ أحوالِهم، في حالِ وُقوفِهم، وحالِ جُلوسِهم، وحالِ اضطجاعِهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/309)، ((تفسير ابن كثير)) (2/184)، ((تفسير السعدي)) (ص: 161). .
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
مُناسَبتُها لِمَا قَبلَها:
لَمَّا وصَفَهم بالذِّكر، وثبَت أنَّ الذِّكرَ لا يَكمُلُ إلَّا مع الفِكر، لا جرمَ قال بَعْدَه يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/460). :
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
أي: إنَّ مِن صِفاتِهم أيضًا أنهم يُعمِلون عُقولَهم في خَلْقِ اللهِ تعالى للسَّمواتِ والأرض؛ ليَستدلُّوا بذلك على المقصودِ منها، ويَفهموا ما فيها من الحِكمِ الدالَّةِ على صِفاتِ الخالقِ جلَّ وعلا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/310)، ((تفسير ابن كثير)) (2/184)، ((تفسير السعدي)) (ص: 161)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/541-542). .
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ
أي: إنَّهم حين يَتفكَّرون في خَلْقِ السَّمواتِ والأرض، يقولون: إنَّك يا ربَّنا، لم تَخلقْ هذا الخَلْقَ عبثًا ولا لهوًا؛ فأنتَ مُنزَّهٌ عن ذلك، ولكنَّك خلقتَه لحِكمةٍ ولأمرٍ عظيمٍ، من تكليفٍ وبعْثٍ، وحسابٍ وجزاءٍ، فتُجزي كلَّ أحدٍ بما عمِله من خيرٍ أو شرٍّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/310-311)، ((تفسير ابن كثير)) (2/186)، ((تفسير السعدي)) (ص: 161)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/211). .
كما قال سبحانه: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص: 27].
وقال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر: 85].
فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
أي: يا مَن خلقتَ الخَلْقَ بالحقِّ والعدل، وأنتَ منزَّهٌ عن النقائصِ والعيوب، أَجِرْنا من عذابِ النار، بأنْ تُوفِّقَنا للأعمالِ الصالحات، وتُجنِّبَنا بفضلِك الذُّنوبَ والسيِّئات يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/311)، ((تفسير ابن كثير)) (2/186)، ((تفسير السعدي)) (ص: 161). .
رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا سألوا ربَّهم أن يَقيَهم عذابَ النار، أتْبعوا ذلك بما يدلُّ على عِظَمِ ذلك العقابِ وشِدَّته، وهو الخزيُ؛ ليكونَ موقعُ السؤال أعظمَ؛ لأنَّ مَن سأل ربَّه أنْ يَفعلَ شيئًا، أو ألَّا يَفعلَه، إذا شرَح عِظمَ ذلك المطلوبِ وقوَّتَه، كانت داعيتُه في ذلك الدعاءِ أكْمَلَ، وإخلاصُه في طلبه أشدَّ، والدُّعاءُ لا يتَّصلُ بالإجابةِ إلَّا إذا كان مقرونًا بالإخلاصِ؛ فهذا تعليمٌ من اللهِ لعبادِه في كيفيَّة إيرادِ الدُّعاء يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/463). .
وأيضًا لَمَّا دَعَوْا أنْ يَقيَهم اللهُ من النار، بيَّنوا سببَ دُعائِهم، وأنَّ سببَ ذلك هو أنَّ النارَ دارُ الخِزي يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/551). ؛ لذا قالوا:
رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ
أي: إنَّ مَن أدخلتَه النارَ يا رَبَّنا، فقدْ أَهنتَه وفَضحْتَه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/313)، ((تفسير ابن كثير)) (2/186)، ((تفسير السعدي)) (ص: 161). .
وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
أي: إنَّهم إنما دخلوا النارَ بظُلمِهم، وليس للظالمِ يَومَ القيامةِ أحدٌ يُنقذُه من عذابِ اللهِ تعالى يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/314)، ((تفسير السعدي)) (ص: 161)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/550-551). .
رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193)
رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ
أي: إنَّهم قالوا: يا ربَّنا، إنَّنا قد سمِعْنا داعيًا يَدْعو إلى الإيمانِ، وهو محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/186)، ((تفسير السعدي)) (ص: 161)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/199)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/553). .
أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا
أي: يقولُ للنَّاسِ: آمِنوا بربِّكم، فبَادَرْنا إلى الاستجابةِ له، فأَقرَرْنا بالحقِّ وقبِلْناه، مُنقادِين إليه، ومُذعِنين له يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/316)، ((تفسير ابن كثير)) (2/186)، ((تفسير السعدي)) (ص: 161)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/199). .
رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
أي: بإيمانِنا واتِّباعِنا نبيَّك، استُرْ علينا ذُنوبَنا، وتجاوزْ عن مُؤاخذتِنا بها يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/186)، ((تفسير السعدي)) (ص: 161)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/553-554). .
وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا
أي: بإيمانِنا واتِّباعِنا نبيَّك، امحُ عنَّا خَطايانا؛ فالحسناتُ يُذهِبْنَ السيِّئاتِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/316)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/534)، ((تفسير السعدي)) (ص: 161). ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/555). .
وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ
أي: اجعلْنا إذا قَبضتَ أرواحَنا إليك في عِدادِ الصَّالحين يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/316)، ((تفسير السعدي)) (ص: 161)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/556). .
رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)
رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ
أي: أعطِنا- يا ربَّنا- ما وعَدتَنا به على ألْسنةِ رُسلِك عليهم السَّلامُ، من النَّصرِ على الأعداء يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/319)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 249)، ((تفسير السعدي)) (ص: 161)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/200). ، ومِن الثوابِ على الأعمالِ الصَّالحة يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/535)، ((تفسير السعدي)) (ص: 161)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/200). .
وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أي: لا تَفْضَحْنا بذُنوبِنا على رُؤوسِ الخلائقِ، ولا تُذِلَّنا يومَ القيامةِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/319)، ((تفسير ابن كثير)) (2/187)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/565). .
إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ
أي: فإنَّا قد عَلِمْنا بأنَّك لا تُخلفُ وعدَك لعبادِك يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/319)، ((تفسير السعدي)) (ص: 162)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/565). .
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا حَكَى اللهُ تعالى عنهم مواظبتَهم على الذِّكر، وهو قوله: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا، وعلى التفكُّرِ، وهو قوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، ثم حكَى عنهم أنَّهم أثْنَوا على اللهِ تعالى وهو قولُهم: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ، ثمَّ حَكَى عنهم أنَّهم بعدَ الثناءِ اشتَغلوا بالدُّعاء وهو مِن قولهم: فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ: إلى قوله: إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ المِيعَادَ- بيَّن في هذه الآيةِ أنَّه استجابَ دُعاءَهم يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/469). ، فقال:
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ
أي: فأجابُ اللهُ تعالى أولئك الدَّاعين، بأنَّ عمَلَ كلِّ عاملٍ منهم محفوظٌ لديهِ؛ قلَّ أو كثُر، وسواء كان صادرًا مِن ذَكَر أو أُنثى؛ فلا فَرْقَ بينهم في الثَّوابِ وإجابةِ الدعوات، مِثلما أنَّه لا فَرْقَ بينهم في اتِّباع مِلَّةِ الإسلام يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/319، 321)، ((تفسير ابن كثير)) (2/190، 191)، ((تفسير السعدي)) (ص: 162)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/569). .
فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا
القِراءاتُ ذاتُ الأثرِ في التَّفسير:
في قوله تعالى: وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا قِراءات:
1- قِراءة (وَقُتِلُوا وَقَاتَلُوا) قيل: على معنى أنَّ بعضَهم يُقْتل، فيَقْتُل الباقون مَن بقِي مِن عَدوِّهم، وهذا أبلغُ في مَدحِهم؛ لأنَّهم يُقاتِلون بعد أن يُقْتل منهم، فلم يَهِنوا بعدَ قتْلِ أصحابِهم قرأ بها حمزة والكسائي. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 205). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص:187)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/542-543). .
2- قراءة (وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا) قيل: على معنى أنَّهم قاتلوا أحياءً ثم قُتِلوا؛ لأنَّ القتْلَ لا يكونُ إلَّا بعدَ قِتال قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 205). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 187). .
3- قراءة (وَقَاتَلُوا وَقُتِّلُوا) بتشديدِ التاء، على معنى التَّكثير قرأ بها ابن كثير وابن عامر. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/243). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/542). .
فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا
أي: إنَّ الذين غادَروا قومَهم من أهلِ الكُفر، واسْتَوْطَنوا دارَ الإيمانِ مع إخوانِهم في الله، وطرَدَهم المشركونَ أو ضايقوهم بالأذَى حتى أَلْجؤوهم إلى الخروجِ من بين أَظهرِهم، ووقَعَ عليهم الأذى بسببِ إيمانِهم باللهِ تعالى وطاعتِهم له سبحانه، وقاتَلوا في سبيلِ اللهِ تعالى لإعلاءِ كَلمتِه، وقُتِلوا تَقتيلًا كثيرًا، مِثل أصحابِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ورضِي اللهُ عنهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/322)، ((تفسير ابن كثير)) (2/191)، ((تفسير السعدي)) (ص: 162)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/569-571). .
لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ
أي: إنَّ أولئك المؤمنين والمؤمنات؛ بسببِ ما حصَل لهم مِن تلك الأشياءِ مِن هِجرةٍ وجِهادٍ وغيرِ ذلك يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/571-572). ، يمحو اللهُ تعالى عنهم خَطاياهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/322). .
وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
أي: لأُسكِننَّهم جنَّاتٍ تَجري في خلالِها أنواعٌ من الأنهار؛ جزاءً عظيمًا لهم على ما قدَّموا، وأبْلَوْا في سبيلِ العظيمِ الكريم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/322)، ((تفسير ابن كثير)) (2/191)، ((تفسير ابن عثيمين- سوؤة آل عمران)) (2/573-574). .
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ
أي: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ عنده الجزاءُ الحسن لِمَن عمِلَ صالحًا، ممَّا لا عَينٌ رأتْ، ولا أُذنٌ سمِعَتْ، ولا خَطَر على قلبِ بشَرٍ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/322)، ((تفسير ابن كثير)) (2/191)، ((تفسير السعدي)) (ص: 162). .

الفوائد التربوية:


1- الحثُّ على التأمُّل في خَلْقِ السَّمواتِ والأرض؛ لأنَّ اللهَ ذَكَر أنَّ فيهما آياتٍ، والآياتُ هي: العلاماتُ، وكلَّما ازدادتِ الآياتُ وضوحًا ازدادَ الإيمانُ قُوَّةً، كما في قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ... يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/544). .
2- إدامةُ ذِكرِ الله تعالى على كلِّ حال، فقدْ أرادَ بقوله تعالى: قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ عُمومَ الأحوال، على أنَّ هذه الأحوالَ هي مُتعارَفُ أحوالِ البَشرِ في السَّلامة، أي: أحوال الشُّغل، والرَّاحة، وقَصْد النَّوم يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/196). .
3- أصنافُ العُبوديَّة ثلاثةُ أقسام: التَّصديقُ والإذعانُ بالقلب، والإقرارُ باللِّسان، والعملُ بالجوارحِ؛ فقوله تعالى: يَذْكُرُونَ اللهَ إشارةٌ إلى عُبوديَّةِ اللِّسان، وقوله: قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ إشارةٌ إلى عُبوديَّةِ الجوارحِ والأعضاء، وقوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إشارةٌ إلى عُبوديَّة القلبِ والفِكرِ والرُّوح، والإنسانُ ليس إلَّا هذا المجموع، فإذا كان اللِّسان مستغرقًا في الذِّكرِ، والأركانُ في الشُّكر، والجَنانُ في الفِكر، كان هذا العبدُ مُستغرقًا بجميعِ أجزائِه في العبوديَّة يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/459). .
5- أنَّ ذِكرَ اللهِ تعالى لا يَكفي وَحْدَه في الاهتداءِ إلى الآيات، ولكن يُشترَط معه التفكُّرُ في تِلك الآيات؛ فلا بدَّ من الجمْعِ بَينَ الذِّكر والفِكْر، كما قال سبحانه: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (4/245). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِف:


1- في قوله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إشارةٌ إلى أنَّه لا يجوزُ للإنسانِ أنْ يَتصرَّفَ في مُلكِه إلَّا على حسَبِ إذْنِ الشَّارع؛ لأنَّ كونَ المُلكِ للهِ يدلُّ على أنَّ تصرُّفَنا فيه إنما يكونُ بطريق الوكالةِ، والوكيلُ يَتقيَّد بما أُذِن له فيه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/535). .
2- أنَّه كلَّما كان الإنسانُ أعقلَ، كان باللهِ وآياتِه أعلمَ؛ لقوله: لآَيَاتٍ لأِولِي الأَلْبَابِ والحُكمُ المعلَّقُ على وصْفٍ يَثبُت لثبوتِه، ويُعدَم لعدمِه، فإذا كان أصحابُ العقولِ هم الذين يَنتفعون بهذه المخلوقاتِ، ويَستدلُّون بها على الخالقِ عزَّ وجلَّ، وعلى ما له مِن صِفاتِ الكمال؛ فإنَّ مَن عقْلُه عَقلٌ بهيميٌّ لا يَنتفع بهذه الآيات؛ لأنَّه ليس من ذوي الألباب يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/545). .
3- أنَّ ذِكرَ الله عزَّ وجلَّ من لوازمِ العقلِ ومُقتضياتِه؛ لقوله: لأِولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/546). .
4- ذهَب بعضُ أهلِ العِلم إلى جوازِ ذِكرِ الله تعالى للجُنُب: أي: إنَّه يجوزُ للجُنبِ أن يذكُرَ الله؛ لدُخولِه في عموم قولِه: يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/546). .
5- قوله: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ: تخصيصُ الأحوالِ المذكورةِ بالذِّكر ليس لتخصيصِ الذِّكرِ بها، بل لأنَّها الأحوالُ المعهودةُ التي لا يَخلو عنها الإنسانُ غالبًا يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/129). .
7- في قوله تعالى: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أنَّه إذا أثْنى على المتفكِّرين في الخَلْق، فالمُتفكِّرون في الشَّرْعِ مِن باب أوْلى؛ لأنَّ الشرعَ ليس أمرًا مَحسوسًا، فالتفكُّر فيه أبلغُ في الإيمانِ من التفكُّرِ في الخَلق؛ الخلق أمرٌ محسوس، كلُّ إنسان يُدركه، لكن حِكَم الشَّرائع وأسرارها ليس لكلِّ أحدٍ أن يُدركها يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/547). .
8- أنَّ صفوةَ الخَلقِ مُحتاجون إلى الدُّعاءِ للوقايةِ مِن النار؛ لقولهم: سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/548). .
9- إثباتُ التوسُّل في الدُّعاءِ بصِفاتِ اللهِ؛ يُؤخذ ذلِك مِن قوله: فَقِنَا؛ لأنَّهم بَنَوْا فَقِنَا على قولهم: سُبْحَانَكَ فَقِنَا يعني: أنَّنا نتوسَّلُ إلى الله عزَّ وجلَّ بتنزُّهه عن النقصِ أنْ يَقيَنا عذابَ النار؛ لأنَّنا مؤمنون؛ لقوله: يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، ويُقرُّون بأنها خُلقتْ بالحقِّ وللحقِّ، ويُنزِّهون اللهَ عزَّ وجلَّ عن كلِّ نقْصٍ وعيبٍ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/548). .
10- التوسُّلُ إلى الله تعالى بالربوبيَّة حالَ الدُّعاءِ، بتعبيرِهم في دُعائِهم باسمِ الربوبيَّة، أو وصْف الربوبيَّة دون اسمِ الجلالة؛ في قولهم: رَبَّنَا، لأنَّ الربوبيَّةَ بها الخَلْقُ والمُلك والتَّدبير، والقيامُ بأمورِ العِباد وإصلاحُها، ولِمَا في الربوبيَّة من الدَّلالةِ على الشَّفقةِ بالمربوب، ومَحبَّة الخيرِ له، ومِن الاعترافِ بأنَّهم عبيدُه فكان العبدُ مُتعلِّقًا بمَن شأنُه التربيةُ والرِّفقُ والإحسانُ، ولتتأتَّى الإضافةُ المفيدةُ التشريفَ والقُرب يُنظر: ((الموافقات)) للشاطبي (4/203)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/202)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/547). .
11- تكرَّر لفظ رَبَّنَا خمسَ مرَّات؛ كل ذلك على سَبيلِ الاستعطاف، وتَطلُّبِ رحمةِ الله تعالى بنِدائِه بهذا الاسمِ الشريفِ الدالِّ على التربيةِ والمُلكِ والإصلاح، وفيه أيضًا دَلالةٌ على الإلحاحِ في المسألة، واعتمادِ كثرةِ الطَّلب مِن الله تعالى يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/476). ، وتَكرارُ الدُّعاءِ من أسبابِ الإجابة يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/575). .
12- في قوله تعالى: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ بيان أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بذَلَ الجهدَ في دعوةِ الخَلْق إلى الحقِّ؛ لأنَّ النداءَ يكون برفْعِ الصوت، فكأنَّ الرَّسولَ عليه الصَّلاة والسَّلام يدعو الناسَ بأعْلَى صوتِه يُناديهم للإيمانِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/557). .
13- أنَّ الكلمات قد يُستغنى بمُجملها عن تفصيلها؛ لقوله: فَآمَنَّا أي: بكلِّ شيءٍ يجب الإيمان به، فكلُّ ما أخبر اللهُ به، وصَدَّقْنا به، وأَقْرَرْنا به، فهو داخلٌ في الإيمانِ باللهِ عزَّ وجلَّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/557). .
14- الإشارةُ إلى بيانِ عِلَّة الإيمان؛ لقوله: أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ؛ فالربُّ أهلٌ لأنْ يُؤمِنَ به الإنسانُ؛ لأنَّه ربٌّ خالقٌ، مالكٌ، مُدبِّر؛ فهو جديرٌ بأنْ يُؤمِن به العبدُ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/557). .
15- جوازُ التوسُّل في الدعاءِ بالأعمالِ الصالحة؛ لقولهم: فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا عطفًا على قولهم: فَآمَنَّا، والتوسُّلُ بالأعمالِ الصَّالحة ممَّا ثبَت بالسُّنة أيضًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/558). وينظر ما أخرجه البخاري (2215) ومسلم (2743) من حديث ابن عمر في قصة الثلاثة الذين سدت الصخرة عليهم الغار. .
16- أنَّه يَنبغي للدَّاعي أنْ يُكثِرَ مِن الثناءِ على اللهِ تعالى بأسمائِه وصِفاتِه؛ لأنَّ هذا منِ وسائلِ إجابةِ الدُّعاءِ، كما قال تعالى حاكيًا عن الدَّاعينَ الذين أَثْنَى عليهم: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ.... يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/566). .
17- يَتبادر سؤالٌ عندَ قوله تعالى: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ...، وهو أنَّ الخُلفَ في وعْدِ اللهِ محالٌ؛ فكيفَ طلبوا بالدُّعاءِ ما عَلِموا أنَّه لا محالةَ واقعٌ؟ والجوابُ عنه من وجوه:
الأوَّل: أنَّه ليس المقصودُ من الدَّعاء طلبَ الفِعل، بل المقصودُ منه إظهارُ الخضوعِ والذلَّة والعُبوديَّة، وكَمالِ الضَّراعة والابتهال، وقد أُمِرْنا بالدُّعاءِ في أشياءَ نعلمُ قطعًا أنَّها تُوجدُ لا محالةَ، كقوله: قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [الأنبياء: 112]، وقوله: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ [غافر: 7].
والوجه الثاني: أنَّ وعْدَ اللهِ لا يتناول آحادَ الأمَّةِ بأعيانهم، بل إنَّما يتناولهم بحسَبِ أوصافهم؛ فإنَّه تعالى وعَدَ المتَّقين بالثواب، ووعَد الفُسَّاقَ بالعقاب، فقوله: وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا معناه: وفِّقْنا للأعمالِ التي بها نَصيرُ أهلًا لوعدِك، واعْصِمْنا من الأعمالِ التي نَصيرُ بها أهلًا للعقابِ والخزي، وعلى هذا التقديرِ يكونُ المقصودُ مِن هذه الآيةِ طلَبَ التوفيقِ للطَّاعة، والعِصمةِ عن المعصيةِ، فهذه الدعواتُ ليستْ لخوفِهم من إخلافِ الميعاد، بل لخوفِهم مِن أنْ لا يكونوا مِن جملةِ الموعودِين بسبب تغيُّر الحالِ، وسوءِ الخاتمةِ والمآل؛ فمَرجعُها إلى الدُّعاءِ بالتثبيت.
الوجه الثالث: أنَّ اللهَ تعالى وعَدَ المؤمنين بأنْ يَنصُرَهم في الدُّنيا، ويَقهرَ عدوَّهم؛ فهم طلبوا تَعجيلَ ذلك يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/468)، ((تفسير أبي السعود)) (2/132-133).. .
18- قوله تعالى: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بيان لـعَامِلٍ، قيل: وجهُ الحاجةِ إلى هذا البيانِ هنا: دفْعُ توهُّمِ أنَّ النساءِ لا حَظَّ لهنَّ في تحقيقِ الوعد، الذي وعَد اللهُ على ألْسنةِ رُسلِه يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/203). .
19- الإشارةُ إلى عِظَم هذا الثوابِ مِن قوله: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ وذلك لأنَّ العَطيَّةَ تَعظُمُ بحسَب مُعطيها، والهبةَ تَعظُم بحسَبِ واهبِها، وإذا كان ذلك مِن عندِ اللهِ، كان هذا دليلًا على أنَّه ثوابٌ عظيمٌ؛ لأنَّ الثوابَ من العظيمِ عظيمٌ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/579). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَات وَالْأَرْضِ: تذييلٌ بوعيدٍ يدلُّ على أنَّ اللهَ تعالى لا يَخفى عليه ما يَكتمُون مِن أخلاقِهم وطِباعِهم [5772] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/195). .
- وفيه فيه تقديمٌ للخبر لِلهِ، وأفادَ هذا التقديمُ أنَّ مُلكَ السَّمواتِ والأرضِ خاصٌّ باللهِ عزَّ وجلَّ؛ لأنَّه إذا قُدِّم ما حقُّه التأخيرُ، كان ذلك دليلًا على الحَصْر يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/534). .
2- قوله: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: تقريرٌ لاختصاصِ مُلكِ العالَمِ به سبحانَه وتعالى؛ فإنَّ كونَه تعالى قادرًا على الكلِّ بحيثُ لا يشِذُّ من ملكوتِه شيءٌ من الأشياء، يَستدعي كونَ ما سواه كائنًا ما كان مَقدورًا له، ومِن ضَرورتِه اختصاصُ القُدرةِ به تعالى واستحالةُ أنْ يشاركَه شيءٌ مِن الأشياءِ في القُدرةِ على شيءٍ مِن الأشياءِ، فضلًا عن المشاركةِ في مُلكِ السَّمواتِ والأرض [5774] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/127). .
- وفيه تقريرٌ لِمَا مرَّ مِن ثُبوتِ العذابِ الأليمِ لهم، وعَدمِ نجاتِهم منه [5775] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/127). .
- وفيه إظهارُ الاسمِ الجليلِ (والله) في مَوقعِ الإضمارِ (وهو)؛ لتربيةِ المهابةِ، والإشعارِ بمناطِ الحُكم؛ فإنَّ شمولَ القُدرةِ لجَميعِ الأشياءِ من أحكامِ الأُلوهيَّة، مع ما فيه مِن الإشعارِ باستقلالِ كلٍّ من الجُمَلتين بالتقرير [5776] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/127). .
3- قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ:
- قوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَات وَالْأَرْضِ: جملةٌ مُستأنفةٌ سِيقتْ لتقريرِ ما سبَق مِن اختصاصِه تعالى بالسُّلطانِ القاهرِ، والقُدرةِ التامَّةِ، وصُدِّرتْ بكلمة التأكيدِ إِنَّ اعتناءً بتحقيق مضمونِها، أي: في إنشائِها على ما هي عليه في ذواتِها وصِفاتِها من الأمورِ التي يَحارُ في فَهمِ أجلاها العقولُ [5777] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/127). ، وأفاد حرفُ إِنَّ أيضًا الاهتمامَ بالخبر [5778] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/196). .
- قوله: لآيَاتٍ: التنكيرُ فيه للتفخيمِ كمًّا وكيفًا، أي: لآياتٍ كثيرةً عظيمة [5779] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/127). .
- قوله: لِأُولِي الأَلْبَابِ: فيه اختصاصٌ [5780] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/487). ، أفادَ أنَّ أصحابَ العقولِ السليمةِ هم أَوْلى النَّاسِ وأحقُّهم بهذا الوَصْفِ.
4- قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ: فيه طِباقٌ أوْضَحَ به جميعَ حالاتِ الإنسانِ الثَّلاثِ في الصَّلاة، وهي: القِيام، والقُعود، والاضطجاع على الجَنْب أو الاستلقاء [5781] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/486)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/132). ، وهو يوضِّحُ إكثارَهم مِن ذِكْر الله تعالى في جَميعِ حالاتِهم.
5- قوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَات وَالْأَرْضِ: فيه إيجازٌ، حيثُ انطوى تَحتَ هذا الإيجازِ في خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كلُّ مَا تمخَّض عنه العِلمُ من رَوائعِ المُكتَشفات، وبَدائعِ المُستنبَطات [5782] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/132)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 605). .
6- قوله: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلًا سُبْحَانَك: (هذا) كِنايةٌ عن المخلوق، يعني: ما خَلقتَ هذا المخلوقَ العجيبَ باطلًا، والتعبيرُ بـهَذَا ضربٌ من التَّعظيم، كقوله: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9] [5783] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/454)، ((تفسير الرازي)) (9/461)، ((تفسير أبي السعود)) (2/130). .
- وقوله: سُبْحَانَك: اعتراضٌ، فيه تأكيدٌ لمضمونِ ما قَبْلَه، وتمهيدٌ لِمَا بعدَه [5784] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/454)، ((تفسير أبي السعود)) (2/131). .
7- قوله: فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ: جِيء بفاءِ التعقيب؛ لترتيبِ الدُّعاءِ على ما ذُكِر، وللاستعدادِ لقَبول الدُّعاءِ؛ فالفاءُ لترتيبِ المدعوِّ (الوقايةَ) على ذلك، كأنَّه قيل: وإذ قدْ عرَفْنا سِرَّك [5785] قال أبو السعود: (فإنَّ مَعرفةَ سرِّ خلْقِ العالمِ وما فيه من الحِكمةِ البالغةِ والغايةِ الحميدةِ، والقيامَ بما تقتضيه مِن الأعمالِ الصالحةِ، وتَنزيهَ الصانعِ تعالى عن العَبَث مِن دَواعي الاستعاذةِ ممَّا يَحيق بالمُخلِّين بذلك، مِن وجهين؛ أحدُهما: الوقوفُ على تحقُّق العذابِ، فالفاءُ لترتيبِ الدُّعاءِ عَلَى ما ذُكِر، والثَّاني الاستعدادُ لقَبول الدعاءِ...) ((تفسير أبي السعود)) (2/ 131). ، وأَطَعْنا أمْرَك، ونزَّهناك عمَّا لا يَنبغي؛ فقِنا عَذابَ النارِ الذي هو جزاءُ الذين لا يَعرِفون ذلك [5786] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/54)، ((تفسير أبي السعود)) (2/131)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/198). .
8- قوله: رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ:
- فيه مبالغةٌ في استدعاءِ الوقايةِ، وبيانٌ لسببِه [5787] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/131)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/198). .
- وتصديرُ الجملةِ بالنِّداء رَبَّنَا؛ للمبالغةِ في التضرُّعِ [5788] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/131)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/198). .
- وتأكيدُها بـ(إنَّ)؛ لإظهارِ كمالِ اليقينِ بمضمونها، والإيذانِ بشدَّةِ الخوفِ [5789] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/131)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/198). .
- وإظهارُ النَّار في موضِع الإضمارِ؛ لتهويلِ أمرِها [5790] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/131)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/198). .
- وذِكرُ الإدخالِ تُدْخِلُ في مَوردِ العذابِ؛ لتعيينِ كيفيتِه وتَبيينِ غايةِ فَظاعتِه [5791] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/131)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/198). .
- وفي قوله: أَخْزَيْتَهُ: تهويلُ المستعاذِ منه؛ تَنبيهًا على شِدَّة خوفِهم، وطلبِهم الوقايةَ منه، وفيه إشعارٌ بأنَّ العذابَ النَّفسي أفظعُ مِن العذابِ البدنيِّ [5792] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/54). .
9- قوله: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ: تذييلٌ؛ لإظهارِ نهايةِ فظاعةِ حالِهم، ببيانِ خُلودِ عَذابِهم بفُقدانِ مَن ينصُرهم ويقومُ بتخليصِهم، وغَرضُه تأكيدُ الاستدعاءِ [5793] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/131). .
- وفيه: وضْع الظاهر لِلظَّالِمِينَ موضعَ المضمَر- فقد كان مُقتضَى الظاهر أنْ يُقال: (وما لهم) أو (وما له)؛ مُراعاةً لمعنى مَنْ (العموم)، أو مُراعاةً للفظِها (الإفراد)- وفائدة هذا الإظهارِ: الإشعارُ بتخصيصِ الخِزي بهم وذَمُّهم، والإشعارُ بتعليلِ دُخولِهم النارَ بظُلمِهم ووضعِهم الأشياءَ في غيرِ مواضعِها [5794] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/131)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/138). .
10- قوله: رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ: فيه: تصديرُ مُقدِّمةِ الدُّعاءِ بالنِّداء رَبَّنا؛ لإظهارِ كمالِ الضَّراعةِ والابتهال [5795] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/131-132). .
- وفيه: إيجازٌ، حيث أَوقعَ الفِعلَ على المُسمَع، وحَذَف المسموعَ؛ لدلالةِ وصْفِه عليه، وهو يُفيد مبالغةً ليستْ في إيقاعِه على نفْس المسموعِ [5796] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/55). .
- وفيه إطنابٌ بالتَّكرار، وهو الجَمْع بين مُنَادِيًا ويُنَادِي؛ وذلك أنَّه ذَكَر النِّداءَ في الأوَّلِ مُطلقًا، ثمَّ ذَكَره في الثَّاني مُقيَّدًا بالإيمان؛ وفائدتُه تفخيمُ شأنِ المُنادِي وتعظيمُه؛ فتَنكيرُ المنادِي وإطلاقُه، ثم تقييدُه بالإيمان؛ تفخيمًا وتعظيمًا لشأنِه؛ لأنَّه لا مُنادِي أعظمُ من منادٍ ينادي للإيمان؛ وذلك لأنَّ المنادِي إذا أُطلق ذهَب الوهمُ إلى منادٍ للحرب، أو لإطفاءِ النَّائِرة، أو لإغاثة المكروبِ، أو الكفايةِ لبعضِ النوازل، فإذا قلت: يُنادي للإيمان، فقد رفعتَ من شأنِ المنادِي وفخَّمته [5797] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/455)، ((تفسير الرازي)) (9/466)، ((تفسير البيضاوي)) (2/55)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/138). .
11- قوله: فَآمَنَّا: فاء التعقيب؛ للدَّلالةِ على المبادرةِ والسَّبقِ إلى الإيمان، وذلك دليلُ سلامةِ فِطرتِهم مِن الخطأِ والمكابرة، وقد تَوسَّموا أنْ تكونَ مبادرتُهم لإجابةِ دعوةِ الإسلامِ مشكورةً عندَ الله تعالى [5798] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/199). .
12- قوله: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا: فيه تَكرارٌ؛ للتأكيد، حيث طلَبوا من اللهِ تعالى في هذا الدُّعاءِ غُفرانَ الذُّنوب، وتكفيرَ السيِّئات- على القولِ بأنَّ المرادَ بهما شيءٌ واحد-؛ وإنَّما أُعيدَ ذلك للتأكيدِ؛ لأنَّ الإلحاحَ في الدُّعاءِ والمبالغةَ فيه مندوبٌ [5799] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/466)، ((تفسير أبي حيان)) (3/486)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/199). .
- والفاء في قوله: فَاغْفِرْ لَنَا لترتيبِ المغفرةِ، أو الدُّعاءِ بها على الإيمانِ به تعالى، والإقرارِ برُبوبيَّته؛ فإنَّ ذلك مِن دواعي المغفرةِ والدُّعاءِ بها [5800] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/132). .
13- في قوله تعالى: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ... إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ المِيعَادَ: ما يُسمَّى بـ(الإسجال)؛ فقد سجَّل المولى سبحانَه على ألْسنةِ عِبادِه تحقيقَ موعودِه على لِسانِ رسولِه، وبتأمُّل قوله: مَا وَعَدْتَنَا يتَّضح أنَّ هذا الوَعدَ قد أصبح مُبرَمًا لا انفكاكَ لإبرامِه [5801] يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (4/65)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/142)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 608). .
- وتكريرُ رَبَّنا؛ للمبالغةِ في الابتهالِ، والدَّلالة على استقلالِ المطالِب وعُلوِّ شأنها، والإعلامِ بما يُوجِب حُسنَ الإجابة وحُسنَ الإثابةِ، من احتمالِ المشاقِّ في دِين الله، والصبرِ على صُعوبة تكاليفِه [5802] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/457)، ((تفسير البيضاوي)) (2/55)، ((تفسير أبي حيان)) (3/486)، ((تفسير أبي السعود)) (2/132). .
- قوله: إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ المِيعَادَ: تعليلٌ لتحقيقِ ما طلَبوا من الدُّعاء [5803] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/132-133). .
14- قوله تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ:
- صِيغةُ الماضي في قوله: فَاسْتَجَابَ هاهنا للإيذانِ بتحقُّقِ الاستجابةِ وتقرُّرها [5804] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/133). .
- قوله: فَاسْتَجَابَ بمعنى أجاب؛ فالسِّينُ والتاءُ للتأكيدِ، و(استجاب) أخصُّ مِن (أجاب)؛ لأنَّ (استجاب) يُقال لِمَن قبِل ما دُعي إليه، و(أجاب) أعمُّ، فيُقال لِمَن أجاب بالقَبول وبالردِّ [5805] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/202). .
- وفي قوله: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ: التفاتٌ، حيث الْتفَتَ من الغَيْبةِ إلى التَّكلُّم والخِطاب؛ لإظهارِ كمالِ الاعتناءِ بشأنِ الاستجابةِ، وتشريفِ الدَّاعينَ بشَرفِ الخِطاب، والمرادُ: تأكيدُ الاستجابةِ ببيانِ سببِها، والإشعارُ بأنَّ مَدارَها أعمالُهم التي قدَّموها على الدُّعاءِ، لا مُجرَّدُ الدعاءِ [5806] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/133)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/142). .
- قوله: أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ: الباء للسببيَّة، كأنَّه قيل: فاستجابَ لهم ربُّهم؛ بسببِ أنَّه لا يُضيعُ عَملَ عاملٍ منهم.
- وفيه التفاتٌ إلى التكلُّم والخِطاب؛ لإظهارِ كمالِ الاعتناءِ بشأنِ الاستجابةِ، وتَشريفِ الدَّاعين بشَرفِ الخِطاب، والمرادُ تأكيدُها ببيانِ سببِها، والإشعارُ بأنَّ مَدارَها أعمالُهم التي قدَّموها على الدُّعاء، لا مُجرَّد الدُّعاء، وتَعميمُ الوعدِ لسائرِ العاملين- وإنْ لم يَبلُغوا درجةَ أُولي الألباب-؛ لتأكيدِ استجابةِ الدَّعواتِ المذكورة [5807] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/133). .
- والتعبيرُ عن ترْكِ الإثابةِ بالإضاعةِ لَا أُضِيعُ؛ لبيانِ كَمالِ نزاهتِه تعالى عن ذلِك بتصويرِه بصورةِ ما يَستحيلُ صدورُه عنه من القَبائح، وإبرازِ الإثابةِ في مَعرِض الأمورِ الواجبةِ عليه [5808] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/133-134). .
- قوله: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى جملةٌ معترِضة بيَّن بها شركةَ النِّساءِ مع الرِّجالِ فيما وعَد للعمَّال [5809] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/55). .
- وفيه بيان للتساوي في الأخبارِ المتعلِّقة بضمائرِ المخاطبين، أي: أنتُم في عِنايتي بأعمالِكم سواءٌ، وهو قضاءٌ لحقِّ ما لهم مِن الأعمال الصَّالحةِ المتساوين فيها؛ ليكونَ تمهيدًا لبساطِ تمييزِ المهاجِرين بفَضلِ الهجرةِ الآتي في قوله: فَالَّذِينَ هَاجَرُوا... الآيات [5810] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/203-204). .
- ومِن بَيانيَّة، وقيل: إنَّها مؤكِّدة للنَّفي، بمعنى: عَمَل عاملٍ مِنكم ذِكرٍ أو أُنثى [5811] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/469). .
- قوله: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ: جملة مُعترضة مُبيِّنة لسببِ انتظامِ النِّساءِ في سلكِ الرِّجالِ في الوعد؛ فإنَّ كونَ كلٍّ منهما من الآخَر- لتشعُّبهما من أصلٍ واحد، أو لفَرطِ الاتِّصال بينهما، أو لاتِّفاقهما في الدِّين والعمل- ممَّا يَستدعي الشركةَ والاتحاد [5812] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/134) . .
- قوله: فَالَّذِينَ هَاجَرُوا: فيه نوعُ تَفصيلٍ لِمَا أُجمل في العملِ، وتَعدادٌ لبعضِ أحاسِن أفرادِه، على وجهِ المدح والتَّعظيم [5813] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/456)، ((تفسير أبي السعود)) (2/134). ، وهو تَفريعٌ عن قوله: لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ، وهو مِن ذِكرِ الخاصِّ بعدَ العامِّ؛ للاهتمامِ بذلك الخاصِّ [5814] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/204). .