موسوعة التفسير

سورةُ الإسراءِ
الآيات (9-11)

ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ

المعنى الإجمالي:


يُبينُ الله تعالى أنَّ هذا القُرآنَ يُرشِدُ إلى أحسَنِ الطُّرُقِ وأعدلِها، وهي مِلَّةُ الإسلامِ، ويُبَشِّرُ المُؤمِنينَ الذين يمتَثِلون الأمرَ ويَجتنِبون النَّهيَ، بأنَّ لهم ثوابًا عَظيمًا، وأنَّ الذينَ لا يُؤمنونَ بالدَّارِ الآخرةِ وما فيها مِنَ الجَزاءِ، أعدَدْنا لهم عَذابًا مُوجِعًا في النَّارِ.
ويدعو الإنسانُ عند غَضَبِه على نَفسِه أو ولَدِه أو مالِه بالشَّرِّ، مِثلَ ما يدعو بالخيرِ، وهذا مِن جَهلِ الإنسانِ وعَجَلتِه، وكان الإنسانُ بطَبعِه عَجولًا.

تفسير الآيات:


إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ هذه الآيةَ جاءت تنفيسًا على المؤمنين مِن أثَرِ القِصَصِ المهولةِ التي قُصَّت عن بني إسرائيلَ وما حَلَّ بهم مِن البلاءِ، مِمَّا يثيرُ في نفوسِ المُسلِمين الخَشيةَ مِن أن يُصيبَهم مِثلُ ما أصاب أولئك، فأُخبِروا بأنَّ في القرآنِ ما يَعصِمُهم عن الوقوعِ فيما وقعَ فيه بنو إسرائيل؛ إذ هو يهدي للطَّريقِ التي هي أقومُ؛ ولذلك ذكَرَ مع الهدايةِ بِشارةَ المؤمنينَ الذين يَعمَلون الصَّالحاتِ، ونِذارةَ الذين لا يُؤمِنون بالآخرةِ [136] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/40).   .
وأيضًا لَمَّا شرَحَ اللهُ تعالى ما فعَلَه في حَقِّ عِبادِه المُخلَصينَ، وهو: الإسراءُ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإيتاءُ الكِتابِ لِموسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما فعَلَه في حَقِّ العُصاةِ والمتمَرِّدينَ وهو: تَسليطُ أنواعِ البَلاءِ عليهم؛ كان ذلك تَنبيهًا على أنَّ طاعةَ اللهِ تُوجِبُ كُلَّ خَيرٍ وكَرامةٍ، ومَعصيَتَه تُوجِبُ كُلَّ بَليَّةٍ وغَرامةٍ، لا جرَمَ أثنى هنا على القُرآنِ، فقال تعالى [137] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/303).   :
إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ.
أي: إنَّ هذا القُرآنَ يُرشِدُ المتَّبِعينَ له إلى الطَّريقةِ التي هي أعدَلُ وأفضَلُ وأصوَبُ في كلِّ شأنٍ؛ من العقائِدِ والأعمالِ والأخلاقِ، وهي ملةُ الإسلامِ [138] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/510)، ((تفسير القرطبي)) (10/225)، ((تفسير السعدي)) (ص: 454)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/40)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/17). قال ابن جرير (وذلك دينُ الله الذي بعَث به أنبياءَه، وهو الإسلامُ). ((تفسير ابن جرير)) (14/510). قال الشنقيطي: (هذه الآيةُ الكريمةُ أجمل الله جل وعلا فيها جميعَ ما في القرآنِ من الهدى إلى خيرِ الطُّرُقِ وأعدَلِها وأصوَبِها، فلو تتبَّعْنا تفصيلَها على وجهِ الكمال لأتينا على جميعِ القرآن العظيمِ؛ لشمولها لجميعِ ما فيه من الهدى إلى خيرَيِ الدنيا والآخرة). ((أضواء البيان)) (3/17). قال الألوسي: (وأَقْوَمُ أفعَلُ تفضيل على ما أشار إليه غيرُ واحد. وقال أبو حيان: الذي يظهَرُ من حيث المعنى أنَّه لا يراد به التفضيلُ؛ إذ لا مشاركة بين الطريقةِ التي يهدي لها القرآنُ وغيرِها من الطرُقِ في مبدأ الاشتقاقِ لتفضُلَ عليه، فالمعنى: للتي هي قيِّمةٌ، أي: مستقيمة، كما قال الله تعالى: فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة: 3]، وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: 5] اهـ. وإلى ذلك ذهب الإمام الرازي). ((تفسير الألوسي)) (8/22). ويُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/303)، ((تفسير أبي حيان)) (7/18). .
  وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا.
أي: ويُبَشِّرُ هذا القرآنُ المُؤمِنينَ -الذين يُصَدِّقونَ إيمانَهم بأنَّهم يَعمَلونَ الأعمالَ الصَّالحةَ- بأنَّ لهم ثوابًا عظيمًا في الآخِرةِ [139] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/511)، ((تفسير البغوي)) (3/123)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/381)، ((تفسير السعدي)) (ص: 454).   .
وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10).
أي: ويُبَشِّرُ القُرآنُ المُؤمِنينَ أيضًا بأنَّ الله أعدَّ وهيَّأَ لأعدائِهم الكافِرينَ الذين لا يُؤمنونَ بالبَعثِ يومَ القيامةِ، عَذابًا مُوجِعًا في الآخِرةِ [140] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/523، 524)، ((تفسير ابن جرير)) (14/512)، ((الوسيط)) للواحدي (3/98)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/381-382). قال الواحدي: (بُشِّروا بالنَّعيمِ الذي لهم، والعذابِ الذي لأعدائِهم، قال الفراء: فأُوقِعَت البِشارةُ على قَولِه: أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا وعلى قَولِه: وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ... الآية. على أن يكونَ المُؤمِنونَ بُشِّروا بهما جَميعًا، كما تقولُ: بَشَّرْتُ عبدَ اللهِ أنَّه سيُعطى وأنَّ عَدُوَّه سيُمنَع؛ وذلك أنَّ المُؤمِنينَ كانوا في أذًى مِن المُشرِكينَ، فجعل اللهُ لهم البُشرى في الدُّنيا بعِقابِ الكافرينَ). ((البسيط)) (13/270). ويُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/117). وممن اختار هذا القولَ: الواحدي، والزمخشري، وابن عطية، وابن الجوزي، والرازي، والقرطبي، والبقاعي، وابن عاشور. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (13/270)، ((تفسير الزمخشري)) (2/651)، ((تفسير ابن عطية)) (3/441)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/12)، ((تفسير الرازي)) (20/304)، ((تفسير القرطبي)) (10/225)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/382)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/41). وقيل: المعنى: ويبشرُ الَّذين لا يُؤمنونَ بالآخرةِ...، وممن اختار ذلك: السمعاني، وابنُ كثير، والنيسابوري. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/222)، ((تفسير ابن كثير)) (5/48)، ((تفسير النيسابوري)) (4/328). .
وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11).
وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ.
أي: ويدعُو الإنسانُ في حالِ غَضَبِه على نَفسِه وأهْلِه ووَلَدِه بالموتِ أو بغَيرِه مِمَّا يَسوءُ، كما يدعو ربَّه بالخَيرِ، فلو استُجِيبَ له في دُعائِه بالشَّرِّ كما يُستَجابُ له في الخَيرِ، لهلَك [141] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/512)، ((تفسير القرطبي)) (10/225)، ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (ص: 34)، ((تفسير ابن كثير)) (5/49)، ((تفسير السعدي)) (ص: 454)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/54).   .
عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ الله عنهما، قال: ((سِرْنا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةِ بطنِ بُواطٍ، وهو يَطلُبُ المَجْديَّ بنَ عَمرٍو الجُهنيَّ، وكان النَّاضِحُ [142] النَّاضِحُ: هو البَعيرُ الذي يُستقَى عليه. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (18/138).   يَعقُبُه [143] يَعقُبُه: أي: يتَعاقَبونَه في الرُّكوبِ واحِدًا بعدَ واحدٍ. يُنظر: ((تاج العروس)) للزبيدي (3/401).   مِنَّا الخَمسةُ والسِّتَّةُ والسَّبعةُ، فدارت عُقبةُ [144] العُقْبةُ: رُكوبُ هذا نَوبةً، وهذا نَوبةً. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (18/138).   رجُلٍ مِن الأنصارِ على ناضِحٍ له، فأناخه فركِبَه، ثمَّ بعَثَه فتَلَدَّنَ [145] فتَلَدَّنَ: أي: تلَكَّأَ وتوَقَّفَ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (18/138).   عليه بعضَ التلَدُّنِ، فقال له: شأْ [146] شَأْ: كَلِمةُ زَجرٍ للبَعيرِ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (18/138).   ، لعَنَك اللهُ. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن هذا اللَّاعِنُ بَعيرَه؟! قال: أنا يا رسولَ اللهِ، قال: انزِلْ عنه، فلا تصْحَبْنا بمَلعونٍ، لا تدْعُوا على أنفُسِكم، ولا تَدعُوا على أولادِكم، ولا تَدْعوا على أموالِكم، لا تُوافِقوا مِنَ اللهِ ساعةً يُسألُ فيها عَطاءً، فيَستجيبَ لكم )) [147] رواه مسلم (3009).   .
وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا.
أي: إنَّما يَفعَلُ الإنسانُ ذلك فيَدعو عندَ غَضَبِه بما يَكرَهُ أن يُستَجابَ له فيه؛ لأنَّ مِن طَبْعِه العَجَلةَ، فيتعَجَّلُ طَلَبَ كُلِّ ما يقَعُ في قَلبِه ويَخطُرُ ببالِه، مِن غيرِ أن يتأنَّى فيه ويتفَكَّرَ، ويتدبَّرَ عواقِبَه [148] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/513)، ((الوسيط)) للواحدي (3/98)، ((تفسير القرطبي)) (10/226)، ((تفسير ابن كثير)) (5/49)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/383).   .
كما قال تعالى: خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء: 37].

الفوائد التربوية:


1- قال الله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا في هذه الآيةِ يُخبِرُ تعالى عن شَرَفِ القُرآنِ وجَلالتِه، وأنَّه يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ أي: أعدَلُ وأعلى، مِن العقائِدِ والأعْمالِ والأخلاقِ، فمَن اهتدى بما يدعو إليه القُرآنُ كان أكمَلَ النَّاسِ وأقوَمَهم وأهداهم في جميعِ أمورِه [149] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 454).   .
2- قال الله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا في هذه الآيةِ أنَّ القُرآنَ مُشتَمِلٌ على البِشارةِ والنِّذارةِ، وفيها ذِكرُ الأسبابِ التي تُنالُ بها البِشارةُ، وهي الإيمانُ والعَمَلُ الصَّالحُ، والتي تُستَحَقُّ بها النِّذارةُ، وهي ضِدُّ ذلك [150] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 454).   .
3- ذَمَّ اللهُ تعالى الإنسانَ بالعَجَلةِ، بقَولِه تعالى: وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا، وقال: خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ [151] يُنظر: ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 161).   [الأنبياء: 37]، فالعجَلَةُ مِن مقتضياتِ الشهوةِ؛ فلذلك ذُمَّت فى جميعِ القرآنِ حتَّى قِيل: (العجلةُ مِن الشيطانِ) [152] يُنظر: ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (4/23).   .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ الله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، فيه إيماءٌ إلى ضمانِ سلامةِ أُمةِ القرآنِ مِن الحيدةِ عن الطريقِ الأقومِ؛ لأنَّ القرآنَ جاء بأسلوبٍ مِن الإرشادِ قويمٍ، لا يحولُ دونَه ودونَ الولوجِ إلى العقولِ حائلٌ، ولا يغادرُ مسلكًا إلى ناحيةٍ من نواحي الأخلاقِ والطبائع إلا سلكه إليها تحريضًا أو تحذيرًا، بحيث لا يعدمُ المتدبرُ في معانيه اجتناءَ ثمارِ أفنانِه، وبتلك الأساليبِ التي لم تبلُغْها الكتبُ السابقةُ كانت الطريقةُ التي يهدي إلى سلوكِها أقومَ مِن الطرائقِ الأُخرَى، وإن كانت الغايةُ المقصودُ الوصول إليها واحدةً [153] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/40).   ، فما يَهدِي إليه القُرآنُ أقومُ مِمَّا يهدي إليه الكِتابُ الذي قَبلَه، وإن كان ذلك يَهدِي إلى الصِّراطِ المُستقيمِ، لكِنَّ القُرآنَ يَهدي للتي هي أقوَمُ؛ ولهذا ذُكِرَ هذا بعدَ قَولِه تعالى: وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، ثمَّ قال: إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [154] يُنظر: ((جامع المسائل لابن تيمية)) (5/162).   .
2- قَولُ اللهِ تعالى: وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا فيه سُؤالٌ: كيف يَليقُ لَفظُ البِشارةِ بالعَذابِ؟
الجَوابُ: أنَّه مَذكورٌ على سَبيلِ التَّهَكُّمِ. أو يقال: إنه مِن بابِ إطلاقِ اسمِ الضِّدَّينِ على الآخرِ، كقوله: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [155] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/304).   [الشورى: 40].
3- لا بُشرى لِذَوي الهِمَمِ أعلى ولا أسَرُّ مِن الانتِقامِ مِن مُخالِفيهم؛ قال الله تعالى: وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا فمِمَّا بَشَّرَهم به أنَّه أعَدَّ لِمُخالفِيهم عذابًا أليمًا [156] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/382).   .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا
- قولُه: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ استئنافٌ ابتدائيٌّ، عاد به الكلامُ إلى الغرَضِ الأهمِّ من هذه السُّورةِ، وهو تَأييدُ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالآياتِ والمُعجزاتِ [157] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/39).   .
- وتَأكيدُ الجُملةِ بـ(إنَّ) مُراعًى فيه حالُ بعضِ المُخاطبينَ، وهم الَّذين لم يُذْعِنوا إليه، وحالُ المُؤمنينَ من الاهتمامِ بهذا الخبرِ؛ فالتَّوكيدُ مُستعملٌ في مَعنيَيْه: دفْعِ الإنكارِ، والاهتمامِ، ولا تعارُضَ بين الاعتبارينِ [158] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/40).   .
- قولُه: هَذَا الْقُرْآنَ إشارةٌ إلى الحاضرِ في أذهانِ النَّاسِ من المِقدارِ المُنزَّلِ من القُرآنِ قبْلَ هذه الآيةِ، وبُيِّنَتِ الإشارةُ بالاسمِ الواقعِ بعدها؛ تَنويهًا بشأنِ القُرآنِ [159] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/40).   .
- قولُه: لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ صِفةٌ لمحذوفٍ دَلَّ عليه يَهْدِي، أي: للطَّريقِ الَّتي هي أقومُ؛ لأنَّ الهِدايةَ من مُلازماتِ السَّيرِ والطَّريقِ، أو للمِلَّةِ الأقومِ، وفي حذْفِ الموصوفِ -من الإيجازِ من جهةٍ، ومن التَّفخيمِ من جهةٍ أُخرى- ما رجَّحَ الحذفَ على الذِّكرِ [160] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/40).   ؛ ففي الحذفِ من ذَوقِ البلاغةِ ما لا يُوجَدُ مع الإثباتِ [161] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/651)، ((تفسير أبي حيان)) (7/18).   . وقيل: لِلَّتِي أي: (للطريقةِ التي)، وترْكُ ذِكْرِها ليس لقصدِ التَّعميمِ لها وللحالةِ وللخصلةِ ونحوِها ممَّا يُعَبَّرُ به عن المقصدِ المذكورِ، بلْ للإيذانِ بالغِنَى عن التَّصريحِ بها لغايةِ ظُهورِها، لا سيَّما بعدَ ذكْرِ الهدايةِ الَّتي هي من رَوادفِها [162] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/158).   .
- قولُه: لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ الأقومُ: تَفضيلُ القويمِ -وذلك على أحدِ القولينِ-؛ ففيه إيماءٌ إلى ضمانِ سلامةِ أُمَّةِ القُرآنِ من الحَيدةِ عن الطَّريقِ الأقومِ [163] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/40).   .
- قولُه: أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا فيه مُناسبةٌ حَسنةٌ، حيث قال ذلك هنا بلفظِ كَبِيرًا، وقاله في (الكهفِ) بلفظِ حَسَنًا في قولِه: وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا [الكهف: 2]؛ مُوافقةً للفواصلِ قبلَهما وبعدهما؛ وهي: حَصِيرًا، أَلِيمًا، عَجُولًا، وجُلُّها وقَعَ قبلَ آخرِها مَدَّةٌ، وكذلك في سُورةِ (الكهفِ) جاء على ما تَقْتضيه الآياتُ قبلَها وبعدَها؛ وهي: عِوَجًا، أَبَدًا، وَلَدًا، وجُلُّها قبلَ آخرِها مُتحرِّكٌ [164] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 163-164)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 319)، ((تفسير الشربيني)) (2/285).   .
2- قَولُه تعالى: وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
- جُملةُ وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا مَعطوفةٌ على قولِه: أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا، أي: بُشِّروا بفَوزِهم بالجنَّةِ، وبكَينونةِ العذابِ الأليمِ لأعدائِهم الكُفَّارِ؛ فالتَّبشيرُ هنا بمعناه، والمُرادُ تَبشيرُ المُؤمنينَ ببِشارتينِ: بأجرٍ كَبيرٍ، وبتعذيبِ أعدائهم؛ ففي عِلْمِ المُؤمنينَ بذلك وتَبْشيرِهم به مَسرَّةٌ لهم؛ فمُصيبةُ العدوِّ سُرورٌ يُبشَّرُ به. أو تكونُ جملةُ وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ... داخِلةً مع قولِه: أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا تحتَ التَّبشيرِ المُرادِ به مُطلقُ الإخبارِ الشاملِ للإخبارِ بما فيه سرورٌ وللإخبارِ بما ليسَ كذلك؛ فيكونُ ذلك بَيانًا لهدايةِ القُرآنِ بالتَّرغيبِ والتَّرهيبِ. وقيل: إنَّ جُملةَ وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ... مَعطوفةٌ على جُملةِ يُبَشِّرُ أو يَهْدِي بإضمارِ (يُخْبِرُ)؛ فيَكونُ مِن عَطْفِ الجُملَةِ على الجُملةِ [165] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/18)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/320)، ((تفسير أبي السعود)) (5/158)، ((تفسير الألوسي)) (8/23).   .
- وفي وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ تَخصيصُ الآخرةِ بالذِّكرِ من بين سائرِ ما كَفَروا به؛ لكونِها مُعظمَ ما أُمِروا بالإيمانِ به، ولمُراعاةِ التَّناسُبِ بين أعمالِهم وجزائِها الَّذي أنبَأَ عنه قولُه عَزَّ وجَلَّ: أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، وهو عذابُ جهنَّمَ، أي: أعتَدْنا لهم فيما كَفَروا به وأنْكَروا وُجودَه من الآخرةِ عذابًا أليمًا، وهو أبلغُ في الزَّجرِ؛ لأنَّ إتيانَ العذابِ مِن حيثُ لا يُحْتَسَبُ أفظَعُ وأفجَعُ [166] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/158).   .
- هذه الآيةُ جاءت عقِبَ ذكْرِ أحوالِ اليهودِ، وانْدَرجوا فيمَن لا يُؤمِنُ بالآخرةِ؛ لأنَّ أكثرَهم لا يقولُ بالثَّوابِ والعقابِ الجُسمانيِّ، وبعضُهم قال: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً [البقرة: 80]؛ فلم يُؤمنوا بالآخرةِ حَقيقةَ الإيمانِ بها [167] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/19).   .
3- قَولُه تعالى: وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا
- قولُه: وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ، أي: مثْلَ دُعائِه بالخيرِ المذكورِ فَرضًا لا تَحقيقًا؛ فإنَّه بمَعزلٍ من الدُّعاءِ به، وفيهِ رمْزٌ إلى أنَّه اللَّائقُ بحالِه [168] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/159).   . وقولُه: دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ مَصدرٌ يفيدُ تَشبيهًا، أي: يستعجِلُ الشَّرَّ كاستعجالِه الخيرَ [169] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/42).   .
- الباءُ في قولِه: بِالشَّرِّ وبِالْخَيْرِ لتأكيدِ لُصوقِ العامِلِ بمَعمولِه، كالَّتي في قولِه تعالى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة: 6]، أو لتَضمينِ مادَّةِ الدُّعاءِ معنى الاستعجالِ؛ فيكونُ كقولِه تعالى: يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا [170] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/42).   [الشورى: 18].
- قولُه: وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا تَذييلٌ؛ فالإنسانُ هنا مُرادٌ به الجنسُ؛ لأنَّه المُناسِبُ للتَّذييلِ، و (كان) تدُلُّ على أنَّ اسْمَها مُتَّصِفٌ بخبَرِها اتِّصافًا مُتمكِّنًا [171] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/42).   .