موسوعة التفسير

سورةُ الأحزابِ
الآيتان (35-36)

ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ

غَريبُ الكَلِماتِ:


وَالْقَانِتِينَ: أي: الخاضِعين، الـمُداوِمينَ على طاعةِ الله، والقُنوتُ: دوامُ الطَّاعة ولُزومُها مع الخُضوعِ؛ وأصلُ (قنت): يدُلُّ على طاعةٍ وخَيرٍ في دِينٍ، ثمَّ سُمِّيَ كلُّ استِقامةٍ في طريقِ الدِّينِ قُنوتًا [663] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 382، 473)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 378)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/31)، ((المفردات)) للراغب (ص: 684، 685)، ((جامع الرسائل)) لابن تيمية (1/5 وما بعدها)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 702). .
وَالْخَاشِعِينَ: الخاشعُ: هو المطيعُ المتواضِعُ الخائِفُ، والخُشوعِ: التَّواضُعُ والتَّذلُّلُ والاستِكانةُ، وأصلُ الخشوعِ في اللُّغةِ: السُّكونُ [664] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/623) و (19/110)، ((البسيط)) للواحدي (2/455)، ((تفسير السمعاني)) (1/75)، ((تفسير الشوكاني)) (4/325). .
قَضَى: أي: حكَم، والقضَاءُ: فصلُ الأمرِ قولًا كان ذلك أو فعلًا، وأصلُه: القَطْعُ والفَصْلُ، يُقالُ: قضَى يَقضي قَضاءً فهو قاضٍ: إذا حكَم وفَصَل، وأصلُ (قضي): يدُلُّ على إحكامِ أمرٍ وإتقانِه وإنفاذِه لِجِهَتِه [665] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/99)، ((البسيط)) للواحدي (18/249)، ((المفردات)) للراغب (ص: 674)، ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (4/78). .
الْخِيَرَةُ: أي: الاختيارُ، وهو ما يُختارُ ويُصْطفَى، وأصلُ (خير): يدُلُّ على العَطفِ والمَيلِ [666] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 216)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/232)، ((المفردات)) للراغب (ص: 301)، ((تفسير القرطبي)) (14/187)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 329). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ الله تعالى مبيِّنًا أُمَّاتِ الفضائلِ، وما أعَدَّه للمتَّصِفينَ بها: إنَّ المُسلِمينَ والمُسلِماتِ، والمؤمِنينَ والمؤمناتِ، والمطيعينَ والمُطيعاتِ، والصَّادِقينَ والصَّادقاتِ، والصَّابرينَ والصَّابراتِ، والخائِفينَ مِنَ اللهِ والخائفاتِ،  والمتصَدِّقينَ والمتصَدِّقاتِ، والصَّائِمينَ والصَّائِماتِ، والحافِظينَ فُروجَهم والحافِظاتِ، والذَّاكِرينَ اللهَ كثيرًا والذَّاكراتِ: أعدَّ اللهُ لهم مَغفِرةً وأجرًا عَظيمًا.
ثمَّ يذكُرُ سُبحانَه ما يجبُ على المسلمِ نحوَ خالقِه عزَّ وجلَّ، ونحوَ رسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم، فيقولُ: وما ينبغي لمؤمِنٍ ولا مُؤمِنةٍ إذا حكَمَ اللهُ ورَسولُه حُكمًا أن يختاروا أمرًا مُخالفًا لذلك الحُكمِ، ومَن يَعصِ اللهَ ورَسولَه فقد ضَلَّ ضلالًا واضِحًا لا خفاءَ فيه.

تَفسيرُ الآيتينِ:


إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ الله تعالى ثوابَ زَوجاتِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعِقابَهنَّ لو قُدِّرَ عدَمُ الامتِثالِ، وأنَّه ليس مِثلَهنَّ أحدٌ مِنَ النِّساءِ- ذكَرَ بقيَّةَ النِّساءِ غَيرَهنَّ [667] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 664). .
سَبَبُ النُّزولِ:
عن أمِّ سَلَمةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها قالت: (يغزو الرِّجالُ ولا تغزو النِّساءُ! وإنَّما لنا نِصْفُ الميراثِ، فأنزَل اللهُ: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء: 32])، قال مجاهِدٌ: (وأنزل فيها: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وكانت أمُّ سَلَمةَ أوَّلَ ظَعينةٍ [668] قِيل للمرأةِ: «ظعينَة»؛ لأنَّها تَظْعَنُ معَ الزَّوجِ حيثُ ما ظَعَن، أو تُحْمَلُ على الرَّاحلةِ إذا ظَعَنَتْ، وقِيل: هي المرأةُ في الهودجِ، ثُمَّ قِيل للمرأةِ وحدَها والهودَج وحدَه، مِن: ظَعَن إذا سارَ. يُنظر: ((تحفة الأحوذي)) للمباركفوري (8/299). قَدِمَت المدينةَ مُهاجِرةً) [669] أخرجه الترمذي (3022) واللفظ له، وأحمد (26736). حَسَّنه ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (6/130)، وابن حجر في ((موافقة الخُبْرِ الخَبَرَ)) (2/23)، وصَحَّحه أحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) (1/495)، وصَحَّح إسنادَه الألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (3022). .
وعن أُمِّ عُمارةَ الأنصاريَّةِ رَضِيَ الله عنها: ((أنَّها أتَتِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالت: ما أرى كُلَّ شَيءٍ إلَّا للرِّجالِ، وما أرى النِّساءَ يُذكَرْنَ بشَيءٍ! فنَزَلت هذه الآيةُ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الآيةَ)) [670] أخرجه الترمذي (3211) واللفظ له، والطبراني (25/31) (51)، وأبو نُعَيم في ((معرفة الصحابة)) (7993). قال الترمذي: حسَنٌ غريب. وحَسَّنه ابن حجر في ((موافقة الخُبْر الخَبَر)) (2/24)، وصحَّح إسنادَه الألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (3211). .
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ.
أي: إنِّ الرِّجالَ والنِّساءَ المُستَسلِمينَ للهِ، المُنقادينَ له بطاعتِه [671] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/109)، ((تفسير البيضاوي)) (4/232)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/14)، ((تفسير الشوكاني)) (4/325)، ((تفسير السعدي)) (ص: 665)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأحزاب)) (ص: 255، 256). .
وفي حديثِ جِبريلَ الطَّويلِ عن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه ((أنَّ جِبريلَ عليه السَّلامُ قال: يا مُحمَّدُ، أخبِرني عن الإسلامِ. فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الإسلامُ أن تَشهَدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتيَ الزَّكاةَ، وتَصومَ رَمَضانَ، وتَحُجَّ البَيتَ إنِ استَطعْتَ إليه سبيلًا، قال: صَدَقْتَ )) [672] رواه مسلم (8). .
وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.
أي: والمؤمِنينَ والمؤمِناتِ باللهِ، ومَلائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليَومِ الآخِرِ، وبالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه [673] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/109)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/14)، ((تفسير السعدي)) (ص: 665)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/21، 23). .
كما قال تعالى: آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة: 285].
وفي حديثِ جبريلَ الطَّويلِ عن عُمَرَ رَضِيَ الله عنه: ((أنَّ جِبريلَ عليه السَّلامُ قال: فأخبِرْني عن الإيمانِ، قال: أن تؤمِنَ باللهِ، وملائكِتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخِرِ، وتُؤمِنَ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه، قال: صَدَقْتَ )) [674] رواه مسلم (8). .
وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ.
أي: والمُطيعينَ والمُطيعاتِ لله فيما يأمُرُهم ويَنْهاهم، المُداوِمينَ على طاعتِه بذُلٍّ وخُضوعٍ وسُكونٍ [675] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/109)، ((تفسير القرطبي)) (14/185)، ((تفسير البيضاوي)) (4/232)، ((تفسير ابن كثير)) (6/418)، ((تفسير السعدي)) (ص: 665)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/23)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأحزاب)) (ص: 257، 258). .
كما قال تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: 238].
وقال سُبحانَه: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران: 43].
وقال عزَّ وجلَّ: أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: 9].
وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ.
أي: والصَّادقين والصَّادقاتِ في عقائِدِهم وأقوالِهم وأفعالِهم، فلا يُظهِرونَ غيرَ ما يُبطِنون، ولا يَكذِبون، ولا يُراؤون، ولا يُخلِفون الوَعدَ، ولا يَنقُضونَ العَهدَ مع اللهِ ومع عِبادِه [676] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/109)، ((تفسير القرطبي)) (14/185)، ((تفسير ابن كثير)) (6/418)، ((تفسير السعدي)) (ص: 665)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/21، 23)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأحزاب)) (ص: 258-260). .
كما قال تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: 177].
وقال سُبحانَه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: 15].
وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ.
أي: والصَّابِرينَ والصَّابراتِ على التَّمسُّكِ بالدِّينِ وفِعلِ الطَّاعاتِ، وتَركِ المعاصي والشَّهواتِ، وتحمُّلِ المصائِبِ والمشَقَّاتِ [677] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/109)، ((تفسير القرطبي)) (14/185)، ((تفسير ابن كثير)) (6/418)، ((تفسير السعدي)) (ص: 665)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/21 - 23). .
وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ.
أي: والخائِفينَ والخائِفاتِ مِن اللهِ، المتواضِعينَ الخاضِعينَ له في صَلاتِهم وفي جميعِ أحوالِهم [678] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/109)، ((تفسير القرطبي)) (14/185)، ((تفسير ابن كثير)) (6/418)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/352)، ((تفسير السعدي)) (ص: 665)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/22، 23)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأحزاب)) (ص: 264، 265). قال ابن كثير: (الخُشوع: السُّكونُ والطُّمأنينةُ، والتُّؤَدةُ والوقارُ والتَّواضُعُ. والحامِلُ عليه: الخَوفُ مِن الله، ومُراقبتُه). ((تفسير ابن كثير)) (6/418). .
وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ.
أي: والمؤدِّينَ والمؤدِّياتِ الصَّدَقاتِ [679] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/109)، ((تفسير القرطبي)) (14/185)، ((تفسير ابن كثير)) (6/418)، ((تفسير السعدي)) (ص: 665)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/22، 23)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأحزاب)) (ص: 265، 266). قال ابن عثيمين: (كلُّ شيءٍ مِن المالِ تَبذُلُه لله -سبحانه وتعالى- فهو مِن الصَّدَقةِ، وقد يُقالُ: إنَّ المتصَدِّقينَ أعَمُّ مِن الباذِلينَ لمالِهم فيما يُرضي اللهَ عزَّ وجَلَّ؛ فيَشملُ فِعلَ كُلِّ خيرٍ؛ لأنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: «كُلُّ تَسبيحةٍ صَدَقةٌ، وكُلُّ تهليلةٍ صَدَقةٌ، وأمْرٌ بالمعروفِ صَدَقةٌ، ونهْيٌ عن مُنكَرٍ صَدَقةٌ، وتُميطُ الأذى عن الطَّريقِ صَدَقةٌ، وتُعينُ الرَّجُلَ في دابَّتِه فتَحمِلُه عليها، أو تَضَعُ له عليها مَتاعَه: صَدَقةٌ، والكَلِمةُ الطَّيِّبةُ صَدَقةٌ، وبكُلِّ خُطوةٍ تَخطوها إلى الصَّلاةِ صَدَقةٌ، وفي بُضعِ أحَدِكم صَدَقةٌ» [يُنظر ما أخرجه البخاري «2891» «2989»، ومسلم «1006» «1009»]). ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأحزاب)) (ص: 266). .
وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ.
أي: والمتعَبِّدينَ والمتعَبِّداتِ للهِ تعالى بالصِّيامِ [680] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/109)، ((تفسير القرطبي)) (14/185)، ((تفسير ابن كثير)) (6/419)، ((تفسير السعدي)) (ص: 665)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/23)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 266، 267). .
وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان الصَّومُ مِن أكبرِ العَونِ على كَسرِ الشَّهوةِ؛ ناسَبَ أن يَذكُرَ بعْدَه قولَه تعالى [681] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/420). :
وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ.
أي: والحافِظينَ فُروجَهم عمَّا لا يَحِلُّ مِن الزِّنا وغَيرِه إلَّا على أزواجِهم أو ما ملَكَت أيمانُهم مِن الإماءِ، والحافِظاتِ فُروجَهنَّ كذلك إلَّا على أزواجِهنَّ إنْ كُنَّ حرائِرَ، أو أسيادِهنَّ المالِكينَ لهنَّ إنْ كُنَّ إماءً [682] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/109)، ((تفسير القرطبي)) (14/185)، ((تفسير ابن كثير)) (6/420)، ((تفسير السعدي)) (ص: 665)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/22، 23). قال ابن عطيَّةَ: (حِفظُ الفَرْجِ هو: مِنَ الزِّنا وشبهِه، وتدخُلُ مع ذلك الصِّيانةُ مِن جميعِ ما يؤدِّي إلى الزِّنا أو هو في طريقِه). ((تفسير ابن عطية)) (4/385). وقال الشنقيطي: (ويدخُلُ في حِفظِ الفَرْجِ: حِفظُه مِن الزِّنا، واللِّواطِ، والمُساحَقةِ، وحِفظُه مِن الإبداءِ للنَّاسِ والانكشافِ لهم). ((أضواء البيان)) (5/506). .
كما قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون: 5 - 7].
وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان حِفظُ الفروجِ وسائرُ الأعمالِ لا تَكادُ تُوجدُ إلَّا بالذِّكْرِ، وهو الَّذي فيه المُراقبةُ؛ قال [683] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/352، 353). :
وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ.
أي: والذَّاكِرينَ والذَّاكراتِ اللهَ ذِكرًا كَثيرًا [684] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/109)، ((تفسير القرطبي)) (14/185، 186)، ((تفسير ابن كثير)) (6/420)، ((تفسير السعدي)) (ص: 665)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/22 - 24). وذِكرُ اللهِ يَشملُ ذِكرَه اللِّسانيَّ، فيدخُلُ فيه قراءةُ القرآنِ، وطلَبُ العِلمِ ودراستُه، إلى غيرِ ذلك. ويَشملُ الذِّكرَ القلبيَّ، وهو ذِكرُ الله عندَ أمرِه ونَهيِه، فيَدخُلُ فيه التَّوبةُ، والارتداعُ عن المظالِمِ كُلِّها؛ مِن القتلِ، وأخذِ أموالِ النَّاسِ، والحِرابةِ، والإضرارِ بالنَّاسِ في المعاملاتِ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/23، 24). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن جرير)) (19/109)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأحزاب)) (ص: 271). .
كما قال تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: 191].
وقال سُبحانَه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: 41، 42].
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((كان رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسيرُ في طَريقِ مَكَّةَ، فمرَّ على جَبلٍ يُقال له: جُمْدانُ، فقال: سيروا، هذا جُمْدانُ، سَبَق المُفَرِّدونَ [685] المُفَرِّدونَ: أي: المميِّزونَ أنفُسَهم وأحوالَهم عن أقرانِهم؛ بنَيلِ الزُّلفى، والعُروجِ إلى الدَّرَجاتِ العلى؛ بأن جَعَلوا ربَّهم فَردًا بالذِّكرِ، وتركوا ذِكرَ ما سِواه. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) لعلي القاري (4/1540). ، قالوا: وما المفَرِّدونَ يا رَسولَ الله؟ قال: الذَّاكِرونَ اللهَ كثيرًا والذَّاكِراتُ) ) [686] رواه مسلم (2676). .
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.
أي: أعدَّ اللهُ لأولئك الرِّجالِ والنِّساءِ المتَّصِفينَ بتلك الصِّفاتِ مَغفِرةً، فيَستُرُ ذُنوبَهم ولا يؤاخِذُهم بها، وأعدَّ لهم أجرًا عَظيمًا [687] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/109)، ((الهداية)) لمكِّي (9/5836)، ((تفسير ابن كثير)) (6/421)، ((تفسير السعدي)) (ص: 665)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/24). قيل: إعدادُ الأجرِ يدُلُّ على أنَّ المرادَ بهذه الأوصافِ اجتِماعُها. وممَّن قال بهذا المعنى: الزمخشري، والبقاعي. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/539)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/353). وقيل: عَطفُ الصِّفاتِ بالواوِ المفيدةِ مجرَّدَ التَّشريكِ في الحُكمِ شَأنُه أن يكونَ الحُكمُ المذكورُ معه ثابتًا لكُلِّ واحدٍ اتَّصف بوصفٍ مِن الأوصافِ دونَ اشتراطِ اجتماعِها. وممَّن ذهب إلى ذلك: ابنُ عاشور، وقال: (تُحمَلُ كُلُّ صفةٍ مِن هذه الصِّفاتِ على عدَمِ ما يُعارِضُها ممَّا يوجِبُ التَّبِعةَ، أي: سلامتُه مِن التلَبُّسِ بالكبائرِ). ((تفسير ابن عاشور)) (22/24، 25). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/127، 128). .
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
بعدَ أن أمَرَ اللهُ نبيَّه أن يخيِّرَ زَوجاتِه بيْنَ البَقاءِ معه، والتَّسريحِ سَراحًا جميلًا، وفُهِمَ مِن هذا أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يُريدُ ضررًا لِغَيرِه، فمَن كان مَيْلُه إلى شَيءٍ مكَّنَه منه، وتَرَك حَظَّ نَفْسِه لحَظِّ غَيرِه- ذكَرَ هنا أنَّ زِمامَ الاختيارِ ليس بيَدِ الإنسانِ فى كُلِّ شَيءٍ، كما أعطَى ذلك للزَّوجاتِ، بل هناك أمورٌ لا اختيارَ لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ فيها، وهي ما حَكَم اللهُ فيه [688] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/169)، ((تفسير المراغي)) (22/12). .
وأيضًا لَمَّا أثنَى اللهُ تعالى على أهلِ خِصالٍ هي مِن طاعةِ اللهِ؛ أعقَبَه ببيانِ أنَّ طاعةَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما يأمُرُ به، ويعتزِمُ الأمرَ: هي طاعةٌ واجِبةٌ، وأنَّها مُلحَقةٌ بطاعةِ اللهِ، وأنَّ صِنفَيِ النَّاسِ الذُّكورَ والنِّساءَ في ذلك سواءٌ، كما كانا سواءً في الأحكامِ الماضيةِ [689] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/27). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ تلك الأوصافَ السَّابِقةَ مِن الإسلامِ فما بعْدَه؛ عقَّب ذلك بما صدَرَ مِن بعضِ المُسلِمينَ؛ إذ أشار الرَّسولُ بأمرٍ وقَعَ منهم الإباءُ له، فأنكَرَ عليهم؛ إذ طاعتُه -عليه الصَّلاة والسَّلامُ- مِن طاعةِ اللهِ، وأمْرُه مِن أمْرِه [690] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/480). .
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.
أي: لا يَصِحُّ ولا ينبغي شرعًا لمؤمنٍ ولا مُؤمنةٍ إذا حكَمَ اللهُ ورَسولُه حُكمًا: أن يختاروا غيرَ ما اختاره اللهُ ورَسولُه، فيَعصوهما [691] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/112)، ((زاد المعاد)) لابن القيم (1/40)، ((تفسير ابن كثير)) (6/423)، ((تفسير الشوكاني)) (4/325، 326)، ((تفسير السعدي)) (ص: 665)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/27، 28)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأحزاب)) (ص: 286). قال ابن كثير: (هذه الآيةُ عامَّةٌ في جميعِ الأمورِ؛ وذلك أنَّه إذا حكَمَ اللهُ ورَسولُه بشَيءٍ فليس لأحدٍ مخالفتُه، ولا اختيارَ لأحدٍ هاهنا، ولا رأيَ ولا قولَ). ((تفسير ابن كثير)) (6/423). وقال ابن عطيَّةَ: (قوله تعالى: وَمَا كَانَ لفظُه النَّفْيُ، ومعناه الحظرُ والمنعُ مِن فِعلِ هذا، وهذه العِبارةُ «ما كان» و «ما ينبغي» ونحوُها تجيءُ لِحَظرِ الشَّيءِ والحُكمِ بأنَّه لا يكونُ، ورُبَّما كان امتِناعُ ذلك الشَّيءِ عقلًا؛ كقولِه تعالى: مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا [النمل: 60]، ورُبَّما كان العِلمُ بامتِناعِه شرعًا؛ كقولِه: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ ... [الشورى: 51]، ورُبَّما كان حَظْرُه بحُكمٍ شرعيٍّ؛ كهذه الآيةِ، ورُبَّما كان في المَندوباتِ؛ كما تقولُ: ما كان لك يا فُلانُ أن تَترُكَ النَّوافِلَ، ونحو هذا). ((تفسير ابن عطية)) (4/385). وقوله تعالى: أَمْرِهِمْ قيل بمعنى: شأنِهم. وممَّن قال بذلك: ابنُ عاشور، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/28)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأحزاب)) (ص: 288). وقيل: يجوزُ أن يكونَ بمعنى: أمْرِ الله تعالى إيَّاهم. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة الأحزاب)) (ص: 288). .
كما قال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: 65].
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا.
أي: ومَن يَعصِ اللهَ ورَسولَه في أيِّ أمرٍ أو نَهيٍ، فقد ضَلَّ عن طريقِ الحَقِّ ضَلالًا واضِحًا لا خفاءَ فيه [692] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/112)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/356)، ((تفسير الشوكاني)) (4/326)، ((تفسير السعدي)) (ص: 665)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/28). قال ابن عطيَّة: (هذا العِصيانُ يَعُمُّ الكُفرَ فما دونَه، وكُلُّ عاصٍ يأخُذُ مِن الضَّلالِ بقَدرِ مَعصيتِه). ((تفسير ابن عطية)) (4/386). .
كما قال تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [النور: 54].

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


1- قَولُ الله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا اشتملَتْ هذه الخِصالُ العَشرُ على جوامِعِ فُصولِ الشَّريعةِ كُلِّها:
فالإسلامُ: يجمَعُ قواعِدَ الدِّينِ الخَمسَ المفروضةَ الَّتي هي أعمالٌ.
والإيمانُ: يجمَعُ الاعتقاداتِ القَلبيَّةَ المفروضةَ، وهو شرطُ أعمالِ الإسلامِ كُلِّها.
والقُنوتُ: يجمَعُ الطَّاعاتِ كُلَّها؛ مَفروضَها ومَسنونَها، وتَرْكَ المَنهيَّاتِ، والإقلاعَ عنها ممَّن هو مرتَكِبُها، وهو معنى التَّوبةِ؛ فالقنوتُ هو تمامُ الطَّاعةِ، فهو مُساوٍ للتَّقوى، فهذه جوامِعُ شرائِعِ المكَلَّفين في أنفُسِهم.
والصِّدقُ: يجمَعُ كُلَّ عَمَلٍ هو من مُوافَقةِ القَولِ والفِعلِ للواقِعِ؛ في القَضاءِ، والشَّهادةِ، والعُقودِ، والالتزاماتِ، وفي المعاملاتِ بالوَفاءِ بها، وتركِ الخيانةِ، ومُطابقةِ الظَّاهِرِ للباطِنِ في المراتِبِ كُلِّها، ومِن الصِّدقِ صِدقُ الأفعالِ.
والصَّبرُ: جامعٌ لِما يختَصُّ بتحمُّلِ المشاقِّ مِن الأعمالِ؛ كالجِهادِ، والحِسبةِ في الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكَرِ، ومناصَحةِ المسلمينَ، وتحمُّلِ الأذى في الله، وهو خُلُقٌ عَظيمٌ هو مِفتاحُ أبوابِ محامِدِ الأخلاقِ والآدابِ، والإنصافِ مِن النَّفسِ.
والخُشوعُ: الإخلاصُ بالقَلبِ والظَّاهرِ، وهو الانقيادُ، وتجنُّبُ المعاصي، ويدخُلُ فيه الإحسانُ وهو المفَسَّرُ في حديثِ جِبريلَ: ((أن تَعبُدَ اللهَ كأنَّك تراه، فإنْ لم تكُنْ تراه فإنَّه يراك )) [693] أخرجه البخاري (50) واللفظ له، ومسلم (9) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. . ويدخُلُ تحت ذلك جميعُ القُرَبِ النَّوافِلِ؛ فإنَّها مِن آثارِ الخُشوعِ، ويدخُلُ فيه التَّوبةُ مِمَّا اقترفه المرءُ مِن الكبائِرِ؛ إذ لا يتحقَّقُ الخشوعُ بدونِها.
والتَّصَدُّقُ: يحتوي جميعَ أنواعِ الصَّدَقاتِ والعَطيَّاتِ، وبَذْلَ المعروفِ والإرفاقِ.
والصَّومُ: عبادةٌ عَظيمةٌ؛ فلذلك خُصِّصَت بالذِّكرِ.
وحِفظُ الفُروجِ: أُريدَ به حِفظُها عمَّا ورد الشَّرعُ بحِفظِها عنه، وقد اندرَج في هذا جميعُ أحكامِ النِّكاحِ، وما يتفَرَّعُ عنها، وما هو وسيلةٌ لها.
وذِكرُ اللهِ له محملانِ؛ أحدُهما: ذِكرُه اللِّسانيُّ، فيَدخُلُ فيه قراءةُ القُرآنِ، وطَلَبُ العلمِ ودراستُه... وشَمِل ما يُذكَرُ عَقِبَ الصَّلواتِ، ونحو ذلك مِن الأذكارِ.
والمحمَلُ الثَّاني: الذِّكرُ القَلبيُّ، وهو ذِكرُ اللهِ عند أمرِه ونَهْيِه... ومِمَّا يوضِّحُ شُمولَه لهذه الشَّرائعِ كلِّها تقييدُه بـ كَثِيرًا؛ لأنَّ المرءَ إذا ذكَرَ اللهَ كثيرًا فقد استغرق ذِكرُه على المحمَلَينِ جميعَ ما يُذكَرُ اللهُ عنده.
ويُراعى في الاتِّصافِ بهذه الصِّفاتِ أن تكونَ جاريةً على ما حَدَّده الشَّرعُ في تفاصيلِها [694] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/22-24). .
2- قال تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ في ذِكْرِ الكثرةِ دليلٌ على مشروعِيَّةِ الاستكثارِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ سبحانَه بالقلبِ واللِّسانِ [695] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/325). .
3- في قَولِه تعالى: وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ أنَّه ينبغي اتِّخاذُ الوسائلِ الَّتي ينبغي بها حِفظُ الفَرجِ؛ لأنَّ الثَّناءَ على شَيءٍ ثناءٌ عليه وعلى وسائِلِه؛ فكُلُّ ما يَحصُلُ به حِفظُ الفَرجِ فإنَّه مَطلوبٌ ومَشروعٌ؛ ولهذا حَرُمَ النَّظرُ إلى الأجنبيَّةِ، وحَرُمَ التَّلذُّذُ بمُخاطبتِها والاستِماعِ إلى صَوتِها، وحَرُمَ أيضًا مُصافَحةُ المرأةِ الأجنبيَّةِ، وحَرُمَتِ الخَلوةُ بها، وحَرُمَ سَفَرُها بلا مَحرَمٍ، وما أشبَهَ ذلك ممَّا يكونُ سَببًا في حِفظِ الفُروجِ، فإذا كان اللهُ سُبحانَه وتعالى أثنَى على الحافِظينَ فُروجَهم فإنَّ الوسائلَ الَّتي تؤدِّي إلى حِفظِ الفَرجِ هي مِن الأمورِ المَطلوبةِ [696] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 282). .
4- قَولُ الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا فيه أنَّ الواجِبَ على كُلِّ أحَدٍ أن يكونَ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في كُلِّ ما يختارُه، وإن كان فيه أعظَمُ المشقَّاتِ عليه [697] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/356). .
5- في قَولِه تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ أنَّ مُقتضى الإيمانِ ألَّا يُخالِفَ المؤمِنُ أمرَ اللهِ تعالى ورَسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم [698] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 295). ، فلا ينبغي ولا يَليقُ ممَّن اتَّصَف بالإيمانِ إلَّا الإسراعُ في مَرضاةِ اللهِ ورَسولِه، والهرَبُ مِن سَخَطِ اللهِ ورَسولِه، وامتثالُ أمرِهما، واجتِنابُ نَهْيِهما [699] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 665). .
6- قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ فقطَعَ سُبحانَه وتعالى التَّخييرَ بعدَ أمْرِه وأمرِ رَسولِه؛ فليس لمؤمِنٍ أن يختارَ شَيئًا بعدَ أمْرِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، بل إذا أمَرَ فأمْرُه حَتمٌ، وإنَّما الخِيَرةُ في قَولِ غَيرِه إذا خَفِيَ أمرُه، وكان ذلك الغيرُ مِن أهلِ العِلمِ به وبسُنَّتِه، فبهذه الشُّروطِ يكونُ قَولُ غَيرِه سائِغَ الاتِّباعِ، لا واجِبَ الاتِّباعِ؛ فلا يجِبُ على أحدٍ اتِّباعُ قَولِ أحدٍ سِواه، بل غايتُه أنَّه يَسوغُ له اتِّباعُه، ولو ترَك الأخذَ بقَولِ غَيرِه لم يكُنْ عاصيًا لله ورَسولِه، فأين هذا ممَّن يجِبُ على جميعِ المكَلَّفينَ اتِّباعُه، ويَحرُمُ عليهم مخالَفتُه، ويجِبُ عليهم تَركُ كُلِّ قَولٍ لِقَولِه؟!
فلا حُكمَ لأحدٍ معه، ولا قَولَ لأحدٍ معه، كما لا تشريعَ لأحدٍ معه، وكلُّ مَن سِواه فإنَّما يجِبُ اتِّباعُه على قَولِه إذا أمرَ بما أمَرَ به، ونهَى عمَّا نهَى عنه، فكان مُبَلِّغًا مَحضًا ومُخبِرًا، لا مُنشِئًا ومُؤَسِّسًا؛ فمَن أنشَأ أقوالًا وأسَّس قواعِدَ بحَسَبِ فَهمِه وتأويلِه لم يجِبْ على الأُمَّةِ اتِّباعُها، ولا التَّحاكُمُ إليها، حتَّى تُعرَضَ على ما جاء به الرَّسولُ؛ فإنْ طابقَتْه ووافقَتْه، وشُهِدَ لها بالصِّحَّةِ، قُبِلَت حينَئذٍ، وإن خالفَتْه وجَب رَدُّها واطِّراحُها، فإنْ لم يَتبيَّنْ فيها أحدُ الأمْرَينِ جُعِلَت موقوفةً، وكان أحسَنُ أحوالِها أن يجوزَ الحُكمُ والإفتاءُ بها وتَركُه، وأمَّا أنَّه يجِبُ ويتعيَّنُ، فكَلَّا ولَمَّا [700] يُنظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (1/40). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ أنَّه يَنْبغي عندَ ذِكْرِ الرِّجالِ والنِّساءِ أنْ يُقَدَّمَ الرِّجالُ، كما في هذه الآيةِ وغيرِها مِن الآيات [701] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 283). .
2- في قَولِه تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ أنَّ الإسلامَ غيرُ الإيمانِ؛ فالعَطفُ يقتَضي المغايَرةَ [702] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 277). ، فالإيمانُ أخَصُّ مِن الإسلامِ؛ لِقَولِه تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 14]، وفي الصَّحيحَينِ: ((لا يَزني الزَّاني حينَ يَزني وهو مُؤمِنٌ )) [703] أخرجه البخاري (2475)، ومسلم (57) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، فيَسلُبُه الإيمانَ، ولا يلزَمُ مِن ذلك كُفرُه، بإجماعِ المُسلِمينَ، فدَلَّ على أنَّه أخَصُّ منه، فالإسلامُ بعدَه مرتبةٌ يَرْتقي إليها وهي الإيمانُ، ثم قال تعالى: وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ لأنَّ القنوتَ ناشئٌ عنهما [704] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/418). .
3- في قَولِه تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ إلى آخرِ الآياتِ: فضيلةُ الإسلامِ والإيمانِ وكلِّ ما ذُكِرَ بعدَ ذلك، فإنْ قال قائل: إنَّ الفَضْلَ جاء لِمَنِ اتَّصَفوا بهذه الصفاتِ كلِّها؟
قلنا: لكنْ لَمَّا جاء هذا الفضلُ لها مجموعًا دلَّ على أنَّ كلَّ واحدٍ منها له فضلٌ؛ وإلَّا لَمَا كان لِذِكْرِها جميعًا فائدةٌ [705] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 278). !
4- الابتداءُ قد يكونَ كثيرًا بغيرِ الأفضَلِ، بل يُبتدَأُ بالشَّيءِ لأسبابٍ مُتعَدِّدةٍ، كما قال الله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ؛ فالآيةُ هنا لا تدُلُّ على أنَّ المسلِمَ أفضَلُ مِن المؤمِنِ [706] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (4/386). !
5- قَولُ الله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا لعلَّ بهذه الآيةِ وأمثالِها تقَرَّرَ أصلُ التَّسويةِ -أي: في التَّكليفِ والجزاءِ- فأغنى عن التَّنبيهِ عليه في مُعظَمِ أقوالِ القُرآنِ والسُّنَّةِ، ولعَلَّ هذا هو وَجهُ تَعدادِ الصِّفاتِ المذكورةِ في هذه الآيةِ؛ لئلَّا يُتوهَّمَ التَّسويةُ في خُصوصِ صِفةٍ واحِدةٍ [707] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/20). ، فالمقصودُ مِن أصحابِ هذه الأوصافِ المذكورةِ: النِّساءُ، وأمَّا ذِكرُ الرِّجالِ فللإشارةِ إلى أنَّ الصِّنفينِ في هذه الشَّرائعِ سواءٌ؛ لِيَعلموا أنَّ الشريعةَ لا تختصُّ بالرِّجالِ، فالأصلُ أن تعُمَّ الرِّجالَ والنِّساءَ إلَّا ما نُصَّ على تخصيصِه بأحدِ الصِّنفَينِ [708] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/20). .
6- قال الله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا في أكثَرِ المواضِعِ حيثُ ذُكِرَ الذِّكْرُ قَرَنَه اللهُ تعالى بالكَثرةِ هاهنا وفي قَولِه بعدَ هذا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب: 41]، وقال مِن قبْلُ: لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21]؛ لأنَّ الإكثارَ مِن الأفعالِ البَدَنيَّةِ غَيرُ مُمكِنٍ أو عَسِرٌ؛ فإنَّ الإنسانَ أكْلُه وشُربُه وتحصيلُ مأكولِه ومَشروبِه: يمنَعُه مِن أن يشتَغِلَ دائِمًا بالصَّلاةِ، ولكِنْ لا مانعَ له مِن أن يذكُرَ اللهَ تعالى وهو آكِلٌ، ويَذكُرَه وهو شارِبٌ أو ماشٍ، أو بائعٌ أو شارٍ، وإلى هذا أشار بقَولِه تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران: 191]، ولأنَّ جميعَ الأعمالِ صِحَّتُها بذِكرِ اللهِ تعالى، وهي النِّيَّةُ [709] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/169). .
7- في قَولِه تعالى: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا أنَّ الجنَّةَ موجودةٌ الآنَ؛ لقولِه تعالى: أَعَدَّ؛ لأنَّ الإعدادَ بمعنى التَّهيئةِ -و«أَعَدَّ»: فعلٌ ماضٍ-؛ فيكونُ لازمُ ذلك: أنْ تكونَ الجنَّةُ موجودةً، وهذا أمْرٌ معلومٌ عندَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، ومدعومٌ بنصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ: أنّ الجنَّةَ والنَّارَ موجودتانِ الآنَ [710] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 285). .
8- قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا فذكَرَ أوَّلًا السَّبَبَ الموجِبَ لعدَمِ مُعارَضتِه أمْرَ اللهِ ورَسولِه، وهو الإيمانُ؛ ثمَّ ذكَرَ المانِعَ مِن ذلك، وهو التَّخويفُ بالضَّلالِ الدَّالِّ على العُقوبةِ والنَّكالِ [711] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 665). .
9- في قَولِه تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ أنَّه كلَّما قَوِيَ الإيمانُ قَوِيتِ الموافَقةُ؛ وجْهُه: أنَّ الحُكمَ المُرَتَّبَ على وصْفٍ يقوَى بقُوَّتِه، ويَضعُفُ بضَعفِه، وعليه فإنَّه كلَّما نَقَصَ الإيمانُ وضَعُفَ، كَثُرَت المُخالَفةُ؛ ولهذا قال أهلُ العِلمِ رحمَهم الله: «إنَّ الإيمانَ يَزيدُ بالطَّاعةِ، ويَنقُصُ بالمعصيةِ» [712] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 295). .
10- في قَولِه تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ دَلالةٌ على أنَّه إذا ثَبَتَ للهِ ورسولِه في كلِّ مسألةٍ مِن المسائلِ حُكمٌ طَلَبيٌّ أو خَبَريٌّ؛ فإَّنه ليس لأحدٍ أن يَتخيَّرَ لنفْسِه غيرَ ذلك الحُكمِ فيَذهَبَ إليه، وأنَّ ذلك ليس لمؤمنٍ ولا مُؤمنةٍ أصلًا، فدلَّ على أنَّ ذلك مُنافٍ للإيمانِ [713] يُنظر: ((الرسالة التَّبوكية)) لابن القيم (ص: 36). ، وقد علَّق الأمرَ بالإيمانِ؛ إعلامًا بأنَّ مَن اعترضَ غيرُ مؤمنٍ، وإن أظهرَ الإيمانَ بلِسانِه [714] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/354). .
11- في قَولِه تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وقولِه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وغيرِهما مِن الآياتِ: تحريمُ الإفتاءِ والحُكمِ في دينِ اللهِ بما يُخالِفُ النُّصوصَ، وسقوطُ الاجتهادِ والتَّقليدِ عندَ ظُهورِ النَّصِّ [715] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (2/199). .
12- قَولُه تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ يدُلُّ على أنَّ أمْرَ اللهِ، وأمْرَ رسولِه صلَّى الله عليه وسلَّمَ مانعٌ مِنَ الاختيارِ، مُوجِبٌ للامتثالِ، وذلك يدُلُّ على اقتضائِه الوُجوبَ، وقد نبَّه تعالى على أنَّ عدمَ الامتثالِ معصيةٌ في قولِه بعدَه: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [716] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/427) و(5/559). .
13- في قَولِه تعالى: إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا مع قَولِه سُبحانَه: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ جوازُ تشريكِ اللهِ تعالى ورسولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالواوِ في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ، بخلافِ الأمورِ الكَونيَّةِ؛ فإنَّ الرَّسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يُشرَكُ مع اللهِ تعالى بالواوِ؛ ولهذا لَمَّا قال له الرَّجُلُ: ما شاء اللهُ وشِئتَ! قال صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أجعَلْتَني لله نِدًّا! بل ما شاءَ اللهُ وَحْدَه)) [717] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 296). .
14- في قَولِه تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا أنَّ النَّهيَ للتَّحريمِ [718] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (17/201). .
15- في قَولِه تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا أنه كلَّما كانت المعصيةُ أكبَرَ أو أكثرَ، كان الضَّلالُ أَبْيَنَ وأوضَحَ؛ وجْهُه: أنَّ الحُكْمَ المُرَتَّبَ على وصْفٍ يَزيدُ بزيادته، ويَنقُصُ بنُقصانِه [719] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 295). .
16- في قَولِه تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا أنَّ معصيةَ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كمعصيةِ اللهِ تعالى، فإذا أتانا آتٍ ونَهَيْناه عن أمْرٍ جاء به النَّهيُ في السُّنَّةِ؛ وقال: هذا ليس في القرآنِ! نقولُ: ما في السُّنَّةِ كما في القرآنِ [720] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 296). .

بلاغةُ الآيتَينِ:


1- قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا يَجوزُ أنْ تكونَ هذه الجُملةُ استِئنافًا بَيانيًّا؛ لأنَّ قولَه: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ [الأحزاب: 31] وقولَه: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ [الأحزاب: 32]؛ يُثِيرُ في نُفوسِ المُسلِماتِ أنْ يَسألْنَ: أهنَّ مَأجوراتٌ على ما يَعمَلْنَ مِن الحَسناتِ، و: أهُنَّ مَأموراتٌ بمِثلِ ما أُمِرَتْ به أزواجُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أمْ تلك خَصائصُ لِنِساءِ النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؟ فكان في هذه الآيةِ ما هو جَوابٌ لهذا السُّؤالِ، على عادةِ القرآنِ فيما إذا ذَكَر مَأموراتٍ يُعقِبُها بالتَّذكيرِ بحالِ أمْثالِها، أو بحالِ أضْدادِها. ويجوزُ أنْ تكونَ استِئنافًا ابتدائيًّا ورَدَ بمُناسَبةِ ما ذُكِرَ مِن فَضائلِ أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ [721] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/19، 20). .
- ووَجهُ تَأكيدِ هذا الخَبرِ بحَرْفِ (إنَّ): دَفْعُ شَكِّ مَن شكَّ في هذا الحُكمِ مِن النِّساءِ [722] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/21). .
- وذكَرَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بعدَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ؛ للتَّنبيهِ على أنَّ الإيمانَ هو الأصلُ [723] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/21). .
- قولُه: وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ الصَّومُ: عِبادةٌ عَظيمةٌ؛ فلذلك خُصِّصَت بالذِّكرِ مع أنَّ الفرضَ منه مَشمولٌ للإسلامِ في قولِه: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، ويَفِي صَومَ النَّافلةِ؛ فالتَّصريحُ بذِكرِ الصَّومِ تَنويهٌ به [724] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/23). .
- ومَفعولُ وَالْحَافِظَاتِ مَحذوفٌ دلَّ عليه ما قبْلَه مِن قولِه: وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ، وكذلك مَفعولُ وَالذَّاكِرِينَ [725] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/539)، ((تفسير أبي حيان)) (8/480)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/22). .
- ولم يَذكُرْ لهذه الأوصافِ مُتعلَّقًا إلَّا في قولِه: وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا؛ فنَصَّ على مُتعلَّقِ الحِفظِ فُرُوجَهُمْ؛ لِكَونِه مَزلَّةَ العُقلاءِ ومَركَبَ الشَّهوةِ الغالبةِ، وعلى مُتعلَّقِ الذِّكرِ بالاسمِ الأعظمِ، وهو لفظُ اللهِ -على أحدِ الأقوالِ-؛ إذ هو العَلَمُ المُحتوي على جَميعِ أوصافِه؛ لِيَتذكَّرَ المُسلِمُ مَن يَذكُرُه، وهو اللهُ تعالى [726] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/480). .
- وعَطْفُ الإناثِ على الذُّكورِ في قولِه: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ...؛ لاختِلافِ الجِنسَينِ، وهو ضَروريٌّ، وأمَّا عطْفُ الزَّوجينِ على الزَّوجينِ؛ فلِتغايُرِ الوَصفَينِ [727] قال ابن عاشور: (وجعل [أي: الزَّمخشريُّ] العَطفَ على اعتبارِ المُغايرةِ بينَ المتعاطِفاتِ في الأوصافِ، لا المغايرةِ بالذَّواتِ، وهذا تكَلُّفٌ وصُنعٌ باليدِ، وتَبِعَه البيضاويُّ وكثيرٌ؛ ويعكِّرُ عليه أنَّ جمْعَ تلك الصِّفاتِ لا يوجِبُ المغفرةَ؛ لأنَّ الكبائِرَ لا تُسقِطُها عن صاحِبِها إلَّا التَّوبةُ إلَّا أن يَضُمَّ إلى كلامِه ضَميمةً، وهي حملُ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ على معنى المتَّصِفينَ بالذِّكرِ اللِّسانيِّ والقلبيِّ، فيكونُ الذِّكرُ القَلبيُّ شامِلًا للتَّوبةِ، كما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران: 135]، فيكونُ الَّذين جمَعوا هذه الخِصالَ العَشرَ قد حَصَلت لهم التَّوبةُ. غيرَ أنَّ هذا الاعتِذارَ عن الزمخشريِّ لا يَتجاوَزُ هذه الآيةَ؛ فإنَّ في القرآنِ آياتٍ كثيرةً مِثلَها يَضيقُ عنها نِطاقُ هذا الاعتذارُ؛ منها قَولُه تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: 63] إلى قولِه: أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا [الفرقان: 75]). ((تفسير ابن عاشور)) (22/25). ، فلا يكونُ ضَروريًّا؛ ولذلكَ تُرِكَ في قولِه تعالى: مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ [التحريم: 5]، وفائدتُه: الدَّلالةُ على أنَّ مَدارَ إعدادِ ما أُعدَّ لهُم جمْعُهم بيْنَ هذه النُّعوتِ الجميلةِ [728] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/539)، ((تفسير البيضاوي)) (4/232)، ((تفسير أبي السعود)) (7/104). .
- وقيل: المُرادُ بالعطْفِ التَّمكُّنُ والرُّسوخُ في كلِّ وَصْفٍ منها، زِيادةً على التَّمكُّنِ الَّذي أفادَهُ التَّعبيرُ بالوَصفِ دونَ الفِعلِ، وحينَئذٍ تُعدَمُ الكَبائرُ، فيَتأتَّى تَكفيرُ الصَّغائرِ، فتَأتي المغفرةُ والأجْرُ، وأمَّا آيةُ (التَّحريمِ) فلم تُعطَفْ؛ لئلَّا يُظَنَّ أنَّهنَّ أنواعٌ، كلُّ نَوعٍ يَتفرَّدُ بوَصفٍ، وإفادةُ الرُّسوخِ هنا في الأوصافِ مِن سِياقِ الامتنانِ والمَدْحِ بكَونِهنَّ خيرًا [729] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/353، 354). .
- وقيل: وَجْهُ تَعدادِ الصِّفاتِ المذكورةِ في هذه الآيةِ؛ لئلَّا يُتوهَّمَ التَّسويةُ في خُصوصِ صِفةٍ واحدةٍ، وسُلِكَ مَسلكُ الإطنابِ في تَعدادِ الأوصافِ؛ لأنَّ المَقامَ لِزِيادةِ البَيانِ؛ لاختلافِ أفهامِ النَّاسِ في ذلك، على أنَّ في هذا التَّعدادِ إيماءً إلى أُصولِ التَّشريعِ. وعَطْفُ هذه الصِّفاتِ بالواوِ دونَ حَرْفَيِ التَّرتيبِ: الفاءِ و(ثُمَّ)، يُفِيدُ أنْ يكونَ الحُكمُ المذكورُ معه ثابتًا لكلِّ واحدٍ اتَّصَفَ بوَصفٍ مِن الأوصافِ المُشتقِّ منها مَوصوفُه [730] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/21- 24). .
- قَولُه: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً نُكِّرَتْ «مَغْفِرَةً» للتعظيمِ، أي: مغفرةً عظيمةً؛ كما أنَّ لهم أجرًا عظيمًا [731] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 274). .
2- قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا
- قولُه: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ ... إدخالُ (كان) في النَّفيِ أقْوى دَلالةً على انتفاءِ الحُكمِ؛ لأنَّ فِعلَ (كان) لِدَلالتِه على الكونِ -أي: الوجودِ- يَقْتضي نَفْيُه انتِفاءَ الكَونِ الخاصِّ برُمَّتِه [732] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/27). .
- قولُه: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ ... لَمَّا وقَعَا (مُؤمن ومؤمِنة) في حَيِّزِ النَّفيِ، فإنَّهما يَعُمَّانِ جَميعَ المؤمنينَ والمؤمناتِ؛ فلذلك جاء ضَميرُهما ضَميرَ جمْعٍ في قولِه: لَهُمُ الْخِيَرَةُ؛ لأنَّ المعنى: ما كان لِجَمْعِهم ولا لكلِّ واحدٍ منهم الخِيَرةُ... وقيل: الضَّميرُ في أَمْرِهِمْ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والجمْعُ للتَّعظيمِ [733] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/232)، ((تفسير أبي حيان)) (8/481)، ((تفسير أبي السعود)) (7/104)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/28). .
- وذُكِرَ اسمُ الجلالةِ في قولِه: إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا؛ لِتَعظيمِ أمْرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وللإيماءِ إلى أنَّ طاعةَ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ طاعةٌ للهِ، والإشعارِ بأنَّ قَضاءَه قَضاءُ اللهِ [734] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/232)، ((تفسير أبي السعود)) (7/104)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/28). .
- وقولُه: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا تَذييلُ تَعميمٍ؛ للتَّحذيرِ مِن مُخالَفةِ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ سواءٌ فيما هو فيه الخِيَرةُ، أمْ كان عن عمْدٍ لِلْهَوى في المُخالَفةِ [735] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/28). .